الحالة العونية وعمادها ينشدون ضالّتهم في رحابة صدر بيت الطاعة، والأم الرؤوم بكركي، بعد ان تراجع تمثيلهم للمسيحيين واستحال " قيمة دفترية" تفتقر الى الملاءة، بعيداً عن الأوهام والإدعاءات.

بقلم/عبدالله قيصر الخوري

 

في 5/12/2009

 

أخيراً أفرج العماد عون ومن يؤازره من كورسٍ صادح، عن جواز قيام بكركي وسيدها بمعاقرة السياسة وشؤونها؛ جاء ذلك الإفراج إسدالاً للستار على حقبةٍ مديدةٍ من الإملاءات الفوقية، والتهديدات الصريحة للبطريرك بالرّد عليه جهاراً إن سوّل لنفسه التكلّم بالسياسة، وصولاً الى حدّ اتهامه بحماية الفاسدين والمفسدين.

 

نتوخّى من استحضارنا للمحطات التي طبعت العلاقة بين سيّد الحالة العونية وصاحب الغبطة، كل ما نتوخاه الدقة في التسلسل المطّرد للتصريحات المستعلية، والتي راوحت بين تجريده من حق إبداء الرأي كونه ليس منتخَباً من الشعب، " وهي ميزة حصرية بالعماد عون وصحبه" ، مروراً بإسباغه دور الفريق كلما أكد عى الثوابت الكيانية والمفصلية للأحداث، حتى حطّوا به الرحال تنسيباً لحزب النائب انطوان زهرا في نهاية المطاف.

 

يهمّنا التأكيد على التصلب في الحفاظ على كرامة وجودنا كمسيحيين، وعلى صوابية وجداننا ودرئها من نَزَق النرجسية وعبادة الذات والزعامة؛ آفات تعشعش داخل افرادٍ آثروا تجريم الكل وتنزيه الذات، ما جرّ علينا ويلات الماضي، وما زال اليوم يشتّت كلمة المسيحيين وينخر صفوفهم.

 

لسنا بهواة  نكء الجراح، اما وقد ناء المسيحيون بأثقال المواقف الملتهبة للعماد عون ومن يناصره، يزمجرون دفاعاً عن قيَمٍ غريبةٍ عن مجتمعنا، مستوردةٍ من خارج حدودنا، فنحن نرفع الصوت بوجه هؤلاء الذين يتنفسون من رئة واحدة ويتوهون على جزيرة العائلية، التي اصبحت تعاني العزلة في بحر المجتمع المسيحي، وما أفضت اليه مؤخراً نتائج الانتخابات في كافة مؤسساته الأهلية والمدنية، هي خير دليلٍ على ذلك.

 

إننا وإن كنا لا نتعامل بتعجبٍ مع زيارة العماد عون للبطريركية المارونية وخاصة ببعدها الاجتماعي، حيث أعلن البطريرك مراراً وتكراراً بأن ابواب الصرح مشرّعة لمن يرغب بقرعها؛ اما التفاعل ينحصر بتوقيت الزيارة وبالمدى الذي يرغب القائم بها بالتخلّي عن مواقفه المُستغرَبة فيلاقي البطريرك والسادة المطارنة الى منتصف الطريق، كون ان المسيحيين بدأوا يكفرون بأحصنة طروادة الخشبية التي تعرقل سُبلهم،  والتي تأوي في جوفها مَن يخرج اليهم منها ويأخذهم على حين غرة ويشرّع ابوابهم امام الغزوات، والآحادية العقائدية والتسلّط.

    اما أن يخرج العماد عون من الصرح ويؤكد على ضرورة سلاح المقاومة فيما أكّد سابقاً ان هذا السلاح لا يشكل خطراً على المسيحيين ولا على بكركي، وهو سوف لن يُستعمَل في الداخل، يهمّنا توضيح النقاط التالية:

1 -من البديهي ان العماد عون ليس هو من يأمر هذا السلاح ويحرّكه، ليصدر عنه تطمينات في غير مكانها.

 

2 -في سياقٍ متصل، لنفترض وبما هو غير واقعي ان العماد عون يمون على آمر السلاح، فبماذا يعنوِن قيام السلاح باجتياح العاصمة بيروت في 7 ايار 2008 ، واستكماله المحاولة الفاشلة لإخضاع الجبل وقد حُجز للعماد عون آنذاك شرف إعلان النصر.

 

3 -أن المسؤولية الضميرية للسيد البطريرك تشمل كل اللبنانيين وهي ابعد وأعمّ بكثير من التطمينات السياسية والمناطقية، وكأننا نصوّر بكركي محصورةً بحَرَمها الجغرافي الذي لا يتجاوز منطقة ساحل علما على سبيل المثال.

 

4 -هل الإفراط بدعم سلاح المقاومة يضعه في خانة الإقتناء الملكي المتوّج، يقابله سابقاً سلاح المقاومة المسيحية اللبنانية وهو مُدرَج على ذمة الجواري وَجُب الاصطدام به وإلغائه؟

 

5 -هل بات نموذج الانتقال بمقوّمات الوطن ومكوّناته الحضارية الى الدوحة او ربما غيرها، وتدبيج اتفاق الأمر الواقع والقيام بإملائه على الجميع بفعل البطش العسكري والتلويح بدروس مشابهة للسابع من ايار؟

 

وما استولده النموذج عينه من خرقٍ لاتفاق الطائف، لجهة استتباب الوضع الدستوري للاقلية، وفرضها  بدعة الثلث المعطل عن طريق سلاح الداخل، واستبسال العماد عون يومها واحتلاله واجهة المعركة التي لم تعكس بنتائجها الا مصلحة حزب الله، الذي تملّص من دعمه له مرشحاً لرئاسة الجمهورية، هذا الدعم الذي لم يرقَ يوماً الى الوضوح منذ تزاوج الفريقان بوثيقة التفاهم وحتى الساعة.

 

6  -كيف يقوّم العماد عون الترداد الظاهر في وثيقة حزب الله عن غياب السلطة اللبنانية وعدم تحمّلها مسؤولياتها وواجباتها الوطنية، حيث افتقد اللبنانيون الدولة، فبدأت مسيرة استعادة الوطن من خلال المقاومة المسلحة، وهل يُسقِط ما قام به شخصياً من تضحياتٍ في مواجهة الاحتلال السوري وهل يُغفل نضالات اسلافه في المضمار عينه؟

7 -كيف بتعامل العماد عون مع الوثيقة التي تحدد المشكلة في النظام السياسي اللبناني والتي تمنع تطويره وتحديثه بشكل مستمر الا وهي " الطائفية السياسية"، ومع النخوة المستجدة بعد عشرين عاماً لم يجرِ خلالها التطرق اليها، أليس لأن المسيحيين كانوا طوال تلك الحقبة خارج التمثيل الصحيح ضمن السلطة الإجرائية التي ارتهنت بكليّتها للمحتل السوري، فقامت بقهرهم عبر ترحيل قادتهم ونفيِهم وسجنهم؟

 

8 -هل يُقرّ العماد عون المزاوجة بين المقاومة والجيش اللبناني، بدعةٌ لم تعتمدها دولة من الدول التي تشكل المجتمع الدولي والمنتسبة لميثاق الامم المتحدة؟

 

وهل تحمل هذه المزاوجة الأحادية الارادة، سماحاً للشريك بولوج المربعات الأمنية على تعددها والتي تدين بالولاء لحزب الله، او تتقبّل ان تقوم السلطة بتطبيق القوانين عبر اجهزتها الامنية والقضائية دون تجريد قوى الامن من اسلحتها وزجرها، فالتجارب المريرة خير شاهدة على الرفض والاستفراد.

 

9 -كيف يقارب العماد عون بين الفقرة الواردة في الوثيقة والتي تحرّم " الفدرلة" وبين الواقع الذي يفرضه حزب الله لجهة تموضعه عقائدياً وفكرياً ودينياً وسياسياً وعسكرياً واقتصادياً وامنياً ولوجستياً ومالياً ، وبتمايزٍ كامل عن مختلف الشرائح المكوّنة للشعب اللبناني، وصولاً الى حدود تنظيمه جيشاً رديفاً، واقتنائه لشبكات اتصالات مستقلة تماماً عن الدولة اللبنانية، واقامته لمراكز امنية ومعسكرات تدريب محرَّمة على اجهزة الدولة.

 

هل الفدرالية، وهي الصيغة الراقية والمرِنة التي تحكم العلاقة الانسانية والسياسية بين الكثير من شعوب العالم، هي وافية لتحديد واقع حزب الله ام هو تجاوزَها فعلياً الى ما هو ابعد من ذلك وبأنماطٍ تقسيمية؟

 

لأن الالتصاق التاريخي بالصرح البطريركي والمؤتمنين عليه يتجاوز خلاص النفوس والشهادة للحق فحسب، الى التجذر الكياني والاخلاقي كما يدوّنه تاريخ الاجداد والقديسين، نضرع الى العناية الإلهية ان تنفذ الى الاعماق الوجدانية للعماد عون ومَن لا يزال يناصره، لتشكّل زيارة بكركي بداية العودة السليمة الى افياء القِيَم والنضالات التي أغنت مسيرة التيار الوطني الحر سابقاً ، وليعلَم العماد عون بأن الذين سلّفهم تضحياتنا وثباتنا، كالنظام السوري وأتباعه في الداخل اللبناني، لم يحِز يوماً على تقديرهم او تأييدهم له إلا بقدر ما أحدثه انضمامه لصفوفهم من قسمة وضرر فادحَين في الجسم السياسي المسيحي واللبناني.