قبل ساعات من عودة عون ورفاقه أبو جمرة يروي وقائع "درب الجلجلة" الى فرنسا

باريس من بيار عطاالله: النهار 9/5/2005

اخرجت فرنسا العماد ميشال عون ورفاقه من لبنان في الثالث من آب عام 1991 في عملية عسكرية وامنية معقدة اطلق عليها اسم "اورطانسيا" على اسم الوردة الجميلة المتعددة الألوان وذلك اشارة ربما الى تشكل عملية ترحيل رئيس الحكومة الانتقالية من مراحل عدة. الوزير الارثوذكسي السابق اللواء عصام ابو جمرة ورفيق العماد ميشال عون في السلك والنضال والاقامة في السفارة الفرنسية في منطقة الحازمية مار تقلا أو "السجن الذهبي" كما كانوا يسمونه، روى لـ"النهار" في الطائرة قصة الخروج الى المنفى القسري في فرنسا وكشف ان السفارة الفرنسية في الحازمية وضعت في حال استنفار قصوى في احدى الليالي اثناء اقامة عون فيها بناء على معلومات عن احتمال تعرضها لهجوم، ثم تبين في اليوم التالي ان الهجوم استهدف رئيس حزب الوطنيين الاحرار آنذاك داني شمعون الذي قتل فيه هو وافراد عائلته باستثناء ابنته الصغرى.

روى الجنرال ابو جمرة:

أقمنا في السفارة وكان معنا النقيب حبيب فارس كنا نقيم هناك معزولين عن العمل ولا نتدخل في شؤون السفارة ولا نشارك في الاحتفالات التي كانت تقيمها وامضينا الوقت بممارسة الرياضة والانتباه الى محيط اقامتنا حيث اخذت بعض العائلات اللبنانية المقيمة في جوار السفارة تلقي علينا التحية من بعيد ومن منزل ناجي غاريوس وكنا نلقي التحيات "من بعيد لبعيد". قررنا ترك السفارة الى خارج لبنان لأن بقاءنا فيها كان يعني اننا في سجن وفي وضع خطير جداً. وذات ليلة وتحديداً تلك التي سبقت اغتيال رئيس حزب الوطنيين الاحرار داني شمعون وصلت معلومات الى اجهزة الاستخبارات الفرنسية العاملة في لبنان ان ثمة هجوماً يحضر ضد السفارة بهدف اعتقالنا وقال لنا السفير آنذاك رينيه آلا: "ستحصل عملية ضد السفارة ولن نسمح بذلك". وفعلاً احضروا لنا السلاح واستقدمت تعزيزات من قوات الحماية الفرنسية التي كانت موزعة بين السفارة الفرنسية في رأس بيروت والحازمية وحملنا السلاح جميعاً للدفاع عن انفسنا انا والعماد عون واللواء معلوف والنقيب فارس ومكثنا هكذا طوال الليل، واشارت المعلومات الى وصول ضابط سوري تلك الليلة الى فندق "كونفورت" في الحازمية لتنسيق الهجوم ولكن تبين في اليوم التالي ان الهجوم استهدف داني شمعون وعائلته.

صمت نائب رئيس مجلس الوزراء سابقا فترة قبل ان يتابع: طرحت الكثير من الافكار ومنها ان تتولى طوافتان للجيش الفرنسي بنقلنا من السفارة الى حاملة طائرات فرنسية في عرض البحر خارج المياه الاقليمية اللبنانية، لكن القيادة السورية رفضت ذلك متذرعة بامور كثيرة منها قصة الاموال (التي اتهم عون ورفاقه بالاستيلاء عليها) وروايات اخرى واستمر الامر كذلك الى ان اقرت خطة اخرى وبسرية تامة بين اركان السفارة واجهزة الامن الفرنسية ومجموعتنا اطلق عليها أسم "اورطانسيا" وتضمنت محورين: الاول للتضليل وتمثل بوصول طائرة خاصة تابعة لرئاسة الجمهورية الفرنسية الى مطار بيروت للايحاء انها ستنقلنا من هناك في حين انطلق التنفيذ على المحور الثاني عبر البحر الى فرنسا. وبالفعل غادرنا في موكب سيار الساعة الثانية بعد منتصف الليل من السفارة الى الغولدن بيتش على شاطىء الضبية. سار موكب السيارات المصفحة وبرفقتنا السفير آلا وقائد العملية الفرنسي وهو ضابط برتبة جنرال ولاحظت على امتداد الطريق التي سلكناها انتشارا لوحدات من الحرس الجمهوري والامن العام اللبناني ورأيت قائد الحرس الجمهوري ميشال حروق ومدير الامن العام ريمون روفايل عند احد المواقع.

واضاف: لدى وصولنا الى الغولدن بيتش كانت تنتظرنا زوارق مطاط فرنسية صعد العماد عون والجنرال الفرنسي الى احدها وصعدت انا واللواء معلوف الى اخر وانطلقنا في اتجاه قطع بحرية فرنسية كانت هناك على مسافة 12 كيلومترا ومن على متنها القيت النظرة الاخيرة على جبال لبنان. ومن المياه الاقليمية انتقلنا الى احد المرافىء العسكرية في جزيرة قبرص حيث نقلتنا مصفحات عسكرية الى مطار لارنكا الذي انتقلت اليه طائرة الرئاسة الفرنسية التي نقلتنا الى مارسيليا ونزلنا في فيللا غابي المعروفة وسط تدابير امنية مشددة ولائحة طويلة من الممنوعات. ولاحقا ذهبت الى الاقامة في مدينة نيس مع عائلتي لأنها تشبه طبيعة لبنان في حين توجه اللواء معلوف الى سويسرا والعماد عون الى لاهوت ميزون...

في الثالث من ايلول 1991 قال العماد ميشال عون للزميل بشاره البون وفي اول تصريح له من المنفى الفرنسي: "وضع لبنان اليوم مشابه لدول البلطيق التي ضمها ستالين الى الاتحاد السوفياتي بالقوة ولقد تحولنا محافظة ادارية تابعة لسوريا، ما همّ. لي ملء الثقة بالشعب اللبناني وبقدرته على تغيير الواقع المرير ومقاومة الاحتلال وهذا الشعب لم يركع يوما ولم يخذلني يوما لذلك لن يخذل نفسه لا اليوم ولا غدا(...)".