تقرير غربي: عون متمرد بلا قضية

سوريا أضعفت المسيحيين وإيران تريد تقليص نفوذهم

عبد الكريم أبو النصر/النهار

31 تشرين الأول/2008

 

"العماد ميشال عون متمرد بلا قضية حقيقية وبلا مشروع سياسي وطني لاصلاح الدولة والحكم والمجتمع ولاعادة بناء لبنان على اسس جديدة افضل. وليس واضحاً اليوم فعلاً عن اي لبنان يدافع الجنرال. لقد انتصر عون في انتخابات عام 2005 ليس لانه رجل سوريا وايران بل لانه كان في نظر المسيحيين رجلهم القوي والمدافع الابرز عن الاستقلال والسيادة والرافض الاكبر للهيمنة السورية ولدولة حزب الله، لكن عون لم يعرف كيف ينتصر وكيف يحول انتصاره الشعبي الكبير في الانتخابات قوة دافعة لدعم الاستقلاليين وتعزيز مقومات الدولة والوطن، بل حوّل هذا الانتصار هزيمة سياسية للكثير من مناصريه نتيجة تحالفه مع حزب الله والقوى الاخرى المرتبطة بالنظامين السوري والايراني.

 

ولم يعرف عون كذلك كيف يخسر حين فشل في الوصول الى رئاسة الجمهورية اذ لم يدعمه اي فريق، فلم يصبح اكثر حكمة وواقعية في التعاطي مع حلفائه وخصومه السياسيين بل ازدادات مرارته حدة وعكست ذلك حملاته القاسية على الدولة والحكم وتركيبة السلطة. لقد تحوّل عون خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً من زعيم وطني شعبي الى سياسي غاضب على الجميع، ظالم لخصومه الذين كانوا حلفاءه في المواقف والمبادئ ثم انقلب عليهم. ويبدو كأن عون يحمل مشروع مواجهة وتحريض ونقمة ومعارضة مستمرة وليس مشروع سلام ووفاق وبناء واصلاح".

 

هذا ما اكده ديبلوماسي غربي بارز مقيم في بيروت في تقرير رفعه اخيراً الى حكومته ويتضمن تقويماً دقيقاً ومفصلاً لشخصية ميشال عون زعيم التيار الوطني الحر ولتوجهاته ومواقفه وممارساته السياسية. ويدخل هذا التقرير، الذي اطلعنا اليه، في اطار الاهتمام الدولي بمعركة الانتخابات النيابية المقبلة في ربيع 2009 ويركز خصوصاً على طبيعة العلاقات القائمة بين عون من جهة وحزب الله وسوريا وايران من جهة اخرى، وأبعاد هذه العلاقات واهدافها.

 

ويقول هذا التقرير في البداية: "ان زعيم التيار الوطني الحر يقدم شرحاً لتفاهمه بل لتحالفه مع حزب الله يتناقض مع الحقيقة ويحاول تبرير دفاعه عن النظام السوري وتقاربه مع ايران بما يتعارض كلياً مع الوقائع الملموسة التي يعرفها اللبنانيون والمعنيون بمصير لبنان، اذ ان عون يحاول اقناع المسيحيين بأن تحالفه مع حزب الله هو لمصلحتهم وانه يعزز مواقعهم ويؤمن لهم الحماية وان هذا التحالف يحقق التوازن السياسي في البلد وهو لمصلحة السلم والاستقرار. وفي الوقت نفسه يحاول عون الايحاء ان سوريا وايران دولتان صديقتان للبنان وللمسيحيين، وانه ليست لهما اطماع في هذا البلد، وان السعودية، ومعها ضمناً سائر الدول الرافضة سياسات نظام الرئيس بشار الاسد، هي العدو الحقيقي للبنان، وان المجتمع الدولي يعمل ضد مصالح المسيحيين اللبنانيين".

 

ويؤكد "ان الحقائق والوقائع تنسف رواية الجنرال هذه وتكشف اخطار خياراته وتوجهاته". ويركز التقرير في هذا المجال على الامور الاساسية الآتية:

 

أولاً - إن تحالف عون مع "حزب الله" هو تحالف مع دولة الحزب المسلحة المدعومة عسكرياً ومالياً من سوريا وايران والتي تشكل تهديداً للدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية لانها تضعفها وتقلص دورها في عدد من المناطق "المحمية" الخاضعة لسيطرة الحزب، ولان الحزب يصر على الاحتفاظ بسلاحه وبقرار الحرب مع اسرائيل خلافاً لما يطالب به اللبنانيون في غالبيتهم العظمى. ومنذ الاستقلال يؤمن المسيحيون اللبنانيون، وفي غالبيتهم الساحقة، بأن مصيرهم مرتبط بوجود دولة قوية بمؤسساتها الشرعية وبنظامها الديموقراطي التعددي وبدستورها الذي يضمن السلم الاهلي والعيش المشترك بين ابناء البلد. وتحالف عون مع "حزب الله" يتناقض مع توجهات المسيحيين هذه.

 

ثانياً - إن المنطق الذي اعتمده عون خلال عملية الهجوم المسلح الذي نفذه "حزب الله" مع بعض حلفائه في ايار الماضي ضد بيروت وعدد من المناطق الجبلية هو منطق يضعف المسيحيين. ذلك ان عون يقول ويردد ان تحالفه مع "حزب الله" هو الذي حمى المسيحيين من هجمات الحزب على مناطقهم، لكن هذا الموقف خطر، اذ انه يشكل تبريراً لاستخدام السلاح والعنف في الصراع السياسي الداخلي، ويعني ان سلامة المسيحيين وامنهم مرتبطان بالخضوع لمطالب "حزب الله" وشروطه ومواقفه وبتأمين تغطية لاحتفاظه بسلاحه وبقرار الحرب، وهو ما يفعله الجنرال منذ اكثر من عامين. وهذا ليس ما يريده المسيحيون المتمسكون بحماية الدولة ومؤسساتها والجيش لهم والرافضون عموماً استخدام السلاح والعنف في الصراع السياسي الداخلي نتيجة ما عاناه اللبنانيون خلال سنوات الحرب.

أين مصلحة المسيحيين؟

 

ثالثاً - يحاول عون بانتظام تبرير تحالفه مع "حزب الله" بالتحريض على السنّة اللبنانيين وشن حملات التجريح عليهم وتوجيه الاتهامات المختلفة اليهم والى قياداتهم وشخصياتهم من دون ان تستند هذه الاتهامات الى اي ادلة او اثباتات او الى حقائق، موحياً في ذلك بأن مصلحة المسيحيين تقضي بالتحالف مع الشيعة الذين يقودهم "حزب الله" وليس مع السنّة. والواقع ان مصلحة المسيحيين الحقيقية تقضي بالتفاهم والتعايش سلمياً مع جميع المسلمين وخصوصاً مع المعتدلين منهم والمدافعين جدياً عن استقلال لبنان وسيادته وليس مع المتشددين منهم المؤمنين بالترابط الوثيق مع سوريا وايران والذين يريدون فرض مطالبهم وشروطهم على اللبنانيين بقوة السلاح وبالعنف والترهيب، ويريدون كذلك تحويل لبنان ساحة مواجهة مفتوحة مع اسرائيل واميركا ودول اخرى من اجل خدمة مصالح السوريين والايرانيين. وهاجس "حزب الله"، المؤمن بولاية الفقيه، ليس تعزيز دور المسيحيين بل تعزيز دور الشيعة في لبنان.

 

رابعاً - النظام السوري عمل باستمرار خلال سنوات هيمنته على لبنان على اضعاف نفوذ المسيحيين وتقليص دورهم في ادارة شؤون البلد بل وتهميشهم في مقابل سعيه الى تقوية دور الشيعة ونفوذهم في الدولة. اما النظام الايراني فإن هدفه الذي أطلع عليه جهات اوروبية هو اسقاط اتفاق الطائف الذي وزّع السلطة وصلاحيات الحكم مناصفة بين المسلمين والمسيحيين وتم تعديل الدستور على هذا الاساس. ويريد النظام الايراني اتفاقاً جديداً مختلفاً عن الطائف يقضي بتوزيع السلطة وصلاحيات الحكم على اساس المثالثة بين الشيعة والسنة والمسيحيين فتتقلص حصة المسيحيين حينذاك الى الثلث بدلاً من ان تكون النصف. وهذا ليس ما يطمح اليه المسيحيون اللبنانيون بالطبع.

 

خامساً - المحور السوري الايراني الذي يدافع عن عون يشكل تهديداً حقيقياً للبنان المستقل وللبنانيين عموماً، من جهة لان هذا المحور يدعم بقوة احتفاظ "حزب الله" بسلاحه وبقرار الحرب مع اسرائيل من دون التشاور مع الدولة، ومن جهة اخرى لان هذا المحور يريد تحويل لبنان ساحة مواجهة مفتوحة مع دول عدة يستخدمها السوريون والايرانيون لمحاولة تعزيز مواقعهم التفاوضية مع الدول الكبرى وإن دفع اللبنانيون الثمن الباهظ.

 

سادساً - سوريا وايران في حال مواجهة مع الدول الكبرى ومع دول عربية بارزة ومؤثرة، من جهة لان هذه الدول ترفض اخضاع لبنان مجدداً للهيمنة السورية وتتمسك باستقلال هذا البلد وبسيادته وبالمحكمة الدولية، ومن جهة اخرى لان الجمهورية الاسلامية مصممة على امتلاك السلاح النووي وعلى محاولة الهيمنة على المنطقة بالتحالف مع القوى المتشددة مما يهدد الامن والاستقرار وموازين القوى في هذه المنطقة ويعرض بلداً كلبنان للخطر. وليس من مصلحة اللبنانيين اطلاقاً ان يكونوا جزءاً من المحور السوري الايراني المتشدد وان يقفوا ضد الدول العربية المعتدلة وعلى رأسها السعودية ومصر اللتان تدعمان لبنان المستقل السيد وتتعاملان معه على اساس انه وطن يستحق الحياة، بينما يتعامل السوريون والايرانيون معه على اساس انه مجرد ساحة وورقة مساومة. وقد حاول عون خلال زيارته طهران اخيراً تقديم صورة "مزيفة وغير حقيقية" عن سياسات الجمهورية الاسلامية اذ قال إن "ايران لم تساعد حزباً لبنانياً ضد آخر"، وانها "تعمل من اجل الوحدة الوطنية" في الوقت الذي يعلم الجميع ان ايران تدعم فقط "حزب الله" والمرتبطين بها وتمدهم بالسلاح والمال وانها تقدم المساعدات الى المناطق الشيعية وحدها بينما تدعم السعودية سائر الطوائف وتقدم المساعدات الى كل المناطق اللبنانية بلا استثناء وهي تساعد، مع مصر ودول عربية اخرى، الجيش اللبناني والسلطة الشرعية وليس تنظيماً مسلحاً متمرداً على الدولة.

 

ما البديل من الطائف؟

سابعاً - إن اتفاق الطائف الذي يصوره عون على انه "رمز هزيمة المسيحيين"، والذي قامت السعودية بدور اساسي في تأمين التوصل اليه، حقق ثلاثة انجازات كبرى للبنانيين:

 

1 - انهى الحرب الاهلية التي استمرت اكثر من 15 عاماً وألحقت الهزيمة بجميع اللبنانيين اذ لم يستطع اي طرف تسجيل انتصار حاسم على اي طرف آخر. كما ان هذا الاتفاق الذي وقّع عام 1989 أمّن الوصول الى صيغة جديدة متوازنة لتقاسم السلطة بين المسلمين والمسيحيين على اساس المناطق.

 

2 - وضع حداً لهذه الهزيمة اللبنانية الجماعية بموافقة الغالبية الساحقة من اللبنانيين ومن مختلف الطوائف. وهذا الاتفاق لم يسرق انتصاراً حققه المسيحيون في الحرب ضد المسلمين، اذ لو ان طرفاً انتصر على آخر لكانت الحرب استمرت، اذ يستحيل ان تهيمن طائفة كبرى على طوائف كبرى اخرى في لبنان.

 

3 - اتاح اعادة بناء الدولة ومؤسساتها ومهّد الطريق لاعادة اعمار لبنان. ولو كان اللبنانيون قادرين آنذاك على ادارة شؤون بلدهم بانفسهم لما كان النظام السوري حصل على تفويض دولي وعربي لمساعدتهم على الخروج من دوامة الاقتتال الداخلي وبناء دولتهم ومؤسساتهم. لكن ما حدث هو ان النظام السوري انتهك اتفاق الطائف وتجاوزه اذ انه فرض عام 1991 على الحكم اللبناني المرتبط به توقيع "معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق" التي ادت الى ايجاد علاقة وحدوية بين لبنان وسوريا، واعطت شرعية لبنانية للهيمنة السورية على هذا البلد. واستمرت الحال على هذا الاساس الى ان انتفض اللبنانيون على الهيمنة السورية بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. ولو كان عون رجل دولة مسؤولاً لما كان اكتفى بانتقاد اتفاق الطائف بل لكان اعد مشروع اتفاق بديلاً منه وافضل. لكن عون يواجه مأزقاً في هذا المجال اذ ان تبنيه المثالثة بدلاً من المناصفة سيثير نقمة المسيحيين، كما ان مطالبته بتعزيز دور المسيحيين وتقوية صلاحيات رئيس الجمهورية ستواجه بالرفض من جانب "حزب الله" وآخرين.

 

ثامناً - يتحدث عون عن ضرورة اصلاح الدولة ويوحي ان الحكام الحاليين غير قادرين على ذلك. لكن موقفه هذا ليس جدياً ويدخل في اطار الحملة على الاستقلاليين. اذ ان الجنرال لم يطرح اي مشروع حقيقي مدروس قابل للتطبيق لاصلاح الدولة. ومن يريد اصلاح الدولة فعلاً يبدأ بدعم هذه الدولة ومؤسساتها وليس بدعم دولة "حزب الله"؛ ومن يريد الاصلاح يحرص على السلم الاهلي فلا يبرر استخدام السلاح والعنف في الصراع السياسي الداخلي؛ ومن يريد الاصلاح يحرص على كسب مساندة المجتمع الدولي وسائر الدول العربية البارزة والمؤثرة والتي تؤمن حماية شرعية حقيقية للبنان المستقل.

 

واكد الديبلوماسي الغربي في تقريره: "إن عون يتمتع بثقة مفرطة في الذات لكنه يخطئ اذ يعتقد انه يستطيع ان يقود المسيحيين او قسماً منهم الى حيث يريد، وانه قادر على اقناعهم بأن النظامين السوري والايراني حريصان على استقلال لبنان وامنه واستقراره، وان الدول الاخرى الداعمة فعلاً وجدياً لبنان هي عدوة للبنانيين عموماً وللمسيحيين خصوصاً. فالمسيحيون هم في قلب الحركة الاستقلالية ولن يقبلوا التضحية بدولتهم ونظامهم واستقلالهم من اجل ارضاء عون وحلفائه. والانتخابات المقبلة ربيع 2009 ستثبت ذلك".

 

وانهى الديبلوماسي الغربي تقريره بالقول: "لقد اصاب اللبنانيون وكانوا على حق حين انتخب نوابهم وبدعم دولي وعربي ليس له مثيل العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، لان سليمان رجل دولة مسؤول حقيقي، ولانه زعيم وطني حريص فعلاً على مصالح جميع اللبنانيين، وعلى سلامة الوطن واستقلاله، كما انه حريص على كسب دعم المجتمع الدولي والمجموعة العربية له ولقضيته".