بعد 3 سنوات على عودة العماد ميشال عون (1-4)

وقائع جلستين لـ"الهيئة التأسيسية" في "التيار": الأب - القائد "يأكل" أبناءه

5 أيار2008/ عن جريدة النهار

 

العماد ميشال عون رافعاً اشارة النصر في ساحة الشهداء يوم عودته في 7 أيار 2005.

النائب ميشال عون يلقي كلمته المتلفزة في المعتصمين في ساحتي رياض الصلح والشهداء في الأيام الأولى للاعتصام الذي بدأ في 1 كانون الأول 2006.

الاستقبال الشعبي الحاشد في ساحة الشهداء يوم عودة العماد عون. طلاب في "التيار" يواجهون خراطيم المياه اثناء احد تحركاتهم في كلية العلوم في الجامعة اللبنانية - الفنار.

النائب ميشال عون متحدثاً بجمع من أنصار "التيار" في الرابية.

 

قبل أسابيع نقلت "النهار" في هذه الزاوية شهادة من عبدالله خوري، روى فيها محطات من التاريخ النضالي لـ"التيار الوطني الحر" الذي كان أحد المشاركين في تأسيسه مطالع التسعينات من القرن الماضي، قبل أن يتوقف طويلاً في محطة مفصلية من هذا التاريخ. وهي الفترة التي تلت انتخابات بعبدا - عاليه النيابية الفرعية في سنة 2003، وقيام العماد عون بتعيين هيئة قيادية لـ"التيار" في المواقع التنظيمية كلها، من دون انتخابات ومن خلف ظهر الهيئة العامة والناشطين الاساسيين في "التيار"، مما أدى الى قيام عبدالله خوري نفسه مع مجموعة كبرى من الناشطين في منطقة المتن الشمالي، بتجميد نشاطهم والخروج من "الحركة العونية". اليوم، ومع اقتراب الذكرى السنوية الثالثة لعودة العماد ميشال عون من المنفى الى لبنان في 7 أيار 2005، أعدت "النهار" ملفاً عن احوال "التيار" اليوم. وهو يتضمن شهادتين من اثنين من أركان "الهيئة المركزية العامة" التي تشكلت بعد عودة العماد عون لوضع النظام الداخلي الاساسي لـ"حزب التيار الوطني الحر"، فرويا، عطفاً على شهادة عبدالله خوري، وقائع جديدة تتفاعل داخل هيئات "التيار" كلها، منذ عودة العماد عون. هذا اضافة الى شهادة من مسؤول العلاقات السياسية في "التيار" جبران باسيل.

 

في الحلقة الاولى من هذا الملف رواية تفصيلية ودقيقة عن وقائع جلستين اثنتين عقدتهما "الهيئة التأسيسية" في حضور الجنرال. أما الراوي فكان شرطه الأول ترك اسمه وغيره من رفاقه في الهيئة، مغفلة وطي الكتمان، لأنه ورفاقه لا يزالون داخل أطر "التيار" التنظيمية، ولا يعترضون على مواقفه وتحالفاته ونهجه السياسي العام، بل فقط على سياساته التنظيمية الداخلية.

 

أما الحلقة الثانية من هذا الملف (الاحد المقبل) فهي شهادة من جبران باسيل، على ان تتبعها حلقة ثالثة، تتضمن شهادة لواحد من قدامى ناشطي "التيار" في منطقة الشمال، وجمّد نشاطه وخرج من أطره التنظيمية كلها، بعد الانتخابات النيابية الاخيرة، لكنه رغب ايضاً أن يبقي اسمه مغفلاً لاسباب خاصة. اما الحلقة الأخيرة من الملف فيكتبها وضاح شرارة.

 

في أثناء اعداد هذا الملف كنا عازمين على اغنائه بشهادات نسائية من قدامى الناشطات في "التيار"، فاتصلنا بكل من السي مفرج وهنيدة إلياس ولينا غريب، فكان جوابهن أن نستمهلهن لمشاورة المسؤول الاعلامي في "التيار" انطوان نصرالله، والحصول على موافقته. وبعد يوم أو اثنين، كان جوابهن - كل منهن على انفراد - أن نصرالله لم يوافق على طلبهن، واعتذرن عن عدم الادلاء بشهاداتهن. وحين اتصلنا بالمسؤول الاعلامي نفسه وطلبنا منه اللقاء، رفض غاضباً، وقال أنه لا يتكلم مع من يريد "تهديم التيار الوطني الحر" وأنه لن يسمح لأحد من "التيار" بالادلاء بشهادته.

 

شهادة عضو في الهيئة السياسية لـ"التيار" كما رواها لبيار عطاالله

كتابة محمد أبي سمرا

 

بعد عودة العماد ميشال عون من منفاه الفرنسي في 7 أيار 2005، عقدت "الهيئة العامة" لـ"التيار الوطني الحر" خلوتها الاولى في لبنان في حضور العماد العائد. في 18 آب من العام نفسه عُقدت الخلوة بفندق غيست هاوس - الرابية. و"الهيئة العامة" تضم مجموعة الكوادر المسؤولين أو القياديين في المناطق والقطاعات كلها، النقابية والطالبية والشبابية. وكان على جدول أعمال الخلوة مناقشة النظام الداخلي لـ"حزب التيار" المزمع إنشاؤه.

 

صعقة الجنرال

جلس العماد عون الى المنصة، وأخذ يشرح وجهة نظره ونهجه الجديدين في العمل السياسي والتنظيمي لـ"التيار"، فقال ما يمكنني تلخيصه في العناوين الآتية:

 

-1 المناضلون الجيدون ليسوا في الضرورة قادة جيدين.

-2 لا يحق لكل من شارك في نضالات الامس وتظاهراته، أن يشارك اليوم في قرارات "التيار" السياسية والتنظيمية.

-3 لا يظننّ أحد من قدامى ناشطي "التيار"، أن العائدين الى لبنان سوف يكونون خدماً لديهم، ناسباً قوله هذا الى زعيم الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعادة، حين عودته الى لبنان من مهجره في اميركا الجنوبية.

-4 المجموعات التي كانت ناشطة بين 1990 و2005، وتضم نحو ألفي ناشط، صارت تشكل اليوم سداً في وجه عشرات الألوف من الراغبين في الانتساب الى "التيار".

-5 أنا لا أؤمن بالديموقراطية، بل بالرؤيا.

-6 هناك هوة سحيقة بيني وبين "التيار" الذي عليه أن يلحقني، لأنه مقصّر وفقدت ثقتي به.

 

نحن، قدامى "الكوادر" ومسؤولي الهيئات القطاعية والمناطقية المختلفة في "الهيئة العامة"، صعقنا كلام الجنرال القائد الذي كنا ننتظر عودته، آملين أنه سوف يقوّم الخلل التنظيمي الذي أصاب "التيار" منذ العام 2003، حين ألغى مبدأ الانتخابات التنظيمية في الهيئات كلها، واعتمد مبدأ التعيين. وذلك عندما تولت محموعة من عائلته ومقربيه الكثيري الاسفار والاجتماع به في باريس، طبخ التعيينات القيادية وتعليبها، بعد التداول معه بأسمائها التي أرسلها مرفقة بقرار مبرم لتنفيذها في لبنان، مما حمل بعض قدامى الناشطين على الاعتراض وتجميد نشاطهم مستائين من مبدأ التعيينات. كان معظمنا يدرك آنذاك أن ما حمل تلك المجموعة من أقارب ومقربي الجنرال على إقناعه بما أقدم عليه، هو شعورهم بأنه حان وقت قطاف ثمار النشاط المتزايد لـ"التيار" وتوسع قاعدته الشعبية على نحو غير مسبوق، نتيجة تراكم نضالاته والتعاطف الكبير الذي حظي به بعد اعتقالات 7 و9 آب 2001، وفي المعركتين الانتخابيتين النيابيتين الفرعيتين في المتن وفي بعبدا - عاليه، في 2002 و2003. أما ما حملنا على الصمت، نحن الذين كنا نعترض على التعيينات، فهو حرصنا على تماسك صفوفنا ونضالنا، وعدم تضييع انتصاراتنا وقضيتنا في خلافات تنظيمية داخلية ينذر ظهورها وتداولها في العلانية العامة الشعبية والاعلامية باهتزاز صورة "التيار" وسمعته.

 

كان من بواعث صمتنا ايضاً أننا كنا نعتبر أن عودة الجنرال - القائد والأب، سوف تعيد تصحيح الوضع التنظيمي برمته، بعد تعرضه للاضطراب والترهل والفوضى بين 2003 و2005. لكن ما حدث هو العكس تماماً، فأطلقت عودة الجنرال العنان لتهميشنا على الغارب، وعن سابق تصور وتصميم، وفي حركة انقلابية على التاريخ النضالي لـ"التيار" ومواقفه وتوجهاته منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي. الدليل الساطع على هذا، كلمة الجنرال نفسه في الخلوة الاولى بعد عودته، والتي ما كانت تعني شيئاً آخر سوى تكريس إزاحتنا واستبعادنا من التدخل في القرارات السياسية والتنظيمية، وتنصيب مجموعة قيادية لـ"التيار" عادت معه من الخارج، ولم تكن بارزة وناشطة، ومعظمها كان يدور في فلك "التيار" على نحو متفاوت، وبعضها كان خارج الأطر التنظيمية والنضال اليومي.

 

أما العامل الاساسي في تصدّر هذه المجموعة الهيئات القيادية النافذة، فكان القرابة التي تشد بعضهم الى الجنرال، اضافة الى المحسوبية والاستزلام. والدور الابرز في عملية التقريب والتنصيب والاستبعاد والتهميش، لعبه كل من جبران باسيل صهر الجنرال، وبيار رفول الذي كان يتولى تأمين لوازم التظاهرات الشعبية تأييداً للجنرال أيام كان رئيساً للحكومة الانتقالية في القصر الجمهوري. وهو غادر لبنان قبل حرب 13 تشرين الثاني 1989، وهاجر الى أوستراليا، وعاد في أوقات متقطعة قبل عودته الاخيرة مع الجنرال سنة 2005.

 

غضب الجنرال

في خلوة 18 آب 2005 كان من المفترض أن نناقش مسودتين للنظام الداخلي لحزب "التيار" المزمع إنشاؤه. لكن الجنرال، بعد كلمته الافتتاحية الصاعقة، إعترض على فكرة وجود مسودتين، وأعلن عن إرادته إقرار المسودة الاخرى، من دون مناقشة، فحصل سجال مبتسر لم يفضِ الى أي نتيجة، سوى الاستمرار على تثبيت بيار رفول وفادي الجميّل مسؤولين عن العمل التنظيمي، من دون أي حساب لاعتراضنا قبل ارفضاض الخلوة.

 

داومنا على تسجيل اعتراضنا في لقاءات وجلسات تالية متلاحقة، قبل أن تُدعى "الهيئة العامة" في شتاء 2006، الى جلسة التصويت على مسودة النظام الداخلي الواحدة، وتعيين الهيئات القيادية كلها، من المكتب السياسي الى الامانة العامة والهيئة التنفيذية، التي احتفظ الجنرال لنفسه مع نائب الرئيس بتعييها كلها، لاغياً مسودتنا للنظام الداخلي، والتي تنص على أن تقوم الهيئة العامة بانتخاب ثلثي أعضاء المكتب السياسي الذي يشكل دائرة صنع القرار في الحزب، على أن يعين الجنرال الثلث الباقي من أعضائه.

 

قبل جلسة التصويت هذه، كان الجنرال قد وعدنا بأنه لن يحضرها، واذا حضر، فلن يتدخل ولن يتكلم. لكنه حضر وتدخل ولم يترك الكلام لأحد سواه. وحين استمرت المناقشة على غير ما يرغب، أخذته سورة من الانفعال والغضب الشديدين، حتى أنه خرج تماماً على طوره، وأخذ يصرخ متوعداً. ومما قاله في غمرة غضبه وصراخه: أنتم لا تفكرون في غير مرحلة ما بعد عون، لأنكم تريدون حزباً يدوم ويبقى، قابلاً للحياة من بعدي. أنا أعرف شو بدكن، بدكن تعملوني رئيس حزب وتخصوني. وبين فترة وأخرى، كلما سمع أحداً منا يتكلم، كانت تشتد نوبات غضبه فجأة، حتى أنه هجم مرات متتالية على المتكلمين وانتزع الميكروفون من أيديهم.

 

أخيراً جرى التصويت على مسودة النظام الداخلي الوحيدة، فنالت 60 صوتاً من المؤدين، مقابل 57 صوتاً معترضاً معظمهم من قدامى الكوادر في الهيئة التأسيسية لـ"التيار" منذ مطالع التسعينات.

 

بعض الذين صوتوا مؤيدين، فعلوا ذلك تداركاً لشجار قد يحصل. وهنالك فتيات صوتن مؤيدات حياء من الجنرال أو خوفاً عليه من شدة الانفعال والغضب.

 

الصيد بالمفرق

بعد انتخابات المتن الشمالي النيابية الفرعية صيف 2007، طلبنا اللقاء بالعماد عون، نحن الذين يسموننا "مؤسسي التيار" الذين يبلغ عددنا نحو 160 ناشطاً من قدامى الكوادر ومسؤولي القطاعات على اختلافها. كان داعينا الى طلب اللقاء، إطلاع الجنرال على رأينا في أسباب فوز مرشح "التيار" بأصوات لا تزيد سوى زيادة ضئيلة على الاصوات التي نالها المرشح المنافس، أي الرئيس أمين الجميّل، معتبرين ان مرشحنا ما كان ليفوز في الانتخابات لولا الأصوات التي منحه إياها الشيعة من آل زعيتر في المتن الشمالي، وأن اسباب تدني شعبية "التيار" في الوسط المسيحي ليست سياسية فقط، على ما بينت نتائج الانتخابات المتنية، بل هي تنظيمية أيضاً. فـ"التيار" في رأينا يعاني من فشل واهتراء تنظيميين كبيرين منذ عودة الجنرال عون الى لبنان، ودخولنا معترك العمل السياسي الشعبي المباشر.

 

رفض الجنرال طلبنا الاجتماع به على نحو جماعي، واقترح أن يستقبل كلاً منا على انفراد ليطلعه على رأيه، فأدركنا أنه يريد اصطيادنا بالمفرق، جرياً على عادته في اتصالاته بنا من باريس، ولقاءاته الانفرادية. فكلما زاره أحدنا واجتمع به ليطلعه على أمر ما يتعلق بأحوال "التيار" وشؤونه، غالباً ما يقول لمحدثه: "معك حق، وهذه المسألة سوف نعالجها، وتلك سوف نحلها. نعم معك حق. كل هذه الأمور سوف تعالج قريباً". ولكثرة ما تكررت مثل هذه اللقاءات التي ما من مرة أفضت الى شيء، صرنا نعلم ان ما يُقال فيها يُنسى تماماً ما ان يغادر واحدنا دارته في الرابية، كأن شيئا لم يكن، وما من شيء قيل في هذه اللقاءات.

 

لذا رفضنا اللقاءات الانفرادية، وطلبنا لقاء جامعاً كي نطلعه على الحقيقة ونواجهه بها. اي حقيقة التركيبة العائلية وعلاقات المحسوبية والاستزلام والفوضى التنظيمية السائدة في "التيار". ومن ذلك حصر التصرف بالاموال التي تجمعت في صندوق "التيار" من التبرعات وغيرها منذ سنة 1988 وحتى اليوم، بأسماء اشخاص من عائلته، وحصر العلاقات والقيادة السياسية به وبصهره جبران باسيل فقط لا غير، وحصر العلاقات التنظيمية ببيار رفول. هذا مع العلم اننا اكدنا له ان خلافنا معه ليس سياسياً، وحصرنا اعتراضنا في مسألة الادارة السياسية والتنظيمية التي نعتبرها اقطاعية عائلية محصورة بميشال عون وعائلته ومحاسبيه فقط.

 

اخيراً وافق على استقبال وفد مصغّر منا ضم نحو 10 كوادر. وما ان اجتمع بهم في الرابية حتى اضاف اليهم كمال اليازجي وجبران باسيل وبيار رفول وعيّن الجميع في لجنة سماها "الهيئة المركزية" مراهنا على نسفها من الداخل وتفشيلها. ثم ما لبث ان غيّر اسم هذه الهيئة فسمّاها "هيئة تقييمية" مهمتها اعداد تقرير حول العمل التنظيمي في "التيار" للنظر فيه ومناقشته لاحقاً. قدمت هذه الهيئة تقريرها للجنرال ثم حلت نفسها، على امل ان يناقش التقرير ويعاد النظر في الهيكلية القيادية والتنظيمية. لكن اي شيء من هذا لم يحصل وذهبت الجهود كلها ادراج الرياح، ورأينا اننا مقبلون على انتخابات حزبية في "التيار" في نيسان 2008، وعلى انتخابات نيابية عامة في 2009، بينما الأمور كلها تسير من سيىء الى اسوأ، لتلقي بنا في الهاوية.

 

مجدداً طلبنا ان نجتمع به جماعيا، فرفض كالعادة. وهكذا وجدنا انفسنا مضطرين الى عقد اجتماع عام في "التيار". حددنا نهار الاثنين الاخير من شهر آذار موعدا للاجتماع في فندق سانشوري بارك اوتيل في الكسليك. وذلك للتداول في الحال التي وصلنا اليها، ورفع تقرير مفصل للعماد عون عن مداولاتنا. عشية موعد الاجتماع صدر عن قيادة "التيار" تعميم وزع عبر البريد الالكتروني، محذرا الاعضاء من عقد اجتماعات عامة ومناقشة مسائل عمومية تتعلق بشؤون "التيار". لقد أُسقط في يدنا، وخشينا من خروج اخبار وشائعات الى العلن عن خلافات وانشقاقات في صفوف "التيار" في حال عقدنا اجتماعنا المرتقب الذي استبدلناه بوفد منا قام بزيارة العماد عون واطلعه على غايتنا من الاجتماع. كان جوابه للوفد ان صورة مختلفة تماما قُدِّمت له عن نياتنا، وهي اقدامنا على اعلان انشقاق في "التيار".

 

لذا اقترح ان ينعقد الاجتماع العام بحضوره في الرابية غدا الثلثاء، كي نناقش الامور كلها وصولا الى اقرار خطوات تنفيذية لما يُتفق عليه في الاجتماع.

 

حوار مع القائد الأب

بعد وقت قصير من خروج الوفد من الرابية، بدأت شائعات تصلنا من هنا وهناك، وتقول ان العماد عون يعتبرنا مجموعة انقلابيين لا تمثل شيئا في "التيار" وسوف يعلن غدا طردنا والخلاص منا. وصبيحة الثلثاء راح ضابطان من حرسه يتصلان هاتفيا بعدد منا مهدّدين متوعّدين، لحملنا على عدم حضور الاجتماع المقرر، فيما ركزت اتصالات الضابطين الهاتفية بآخرين على الطلب منهم عدم التعاطي معنا. وكان الهدف من هذه الاتصالات الضغط علينا وضعضعة صفوفنا وتخويفنا وبذر الشقاق بيننا، كي لا يتجرأ على الاستجابة للاجتماع سوى عدد ضئيل منا. لكن على الرغم من هذا كله وصل نحو 80 كادرا الى الخيمة المخصصة للاجتماعات في دارة الجنرال عون في الرابية.

 

حين دخل الى الخيمة القاعة، بادرنا قائلا: شو شباب عم بيجمعكم فيلتمان من شان ياخدكم عند الحريري؟! وسرعان ما صعد الى المنصة، فيما تحلق حولنا عناصر من امنه الخاص. وفي هذا الجو المتوتر والمشحون بدأ اللقاء، وعرض بعضنا وجهة نظره في حال "التيار" الراهنة. ويمكن تلخيص ما ورد في المداخلات على النحو الآتي:

 

بعد عودة الجنرال تحول "التيار الوطني الحر" مجموعة سياسية مسيحية غايتها وهدفها الوحيدان ايصال العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية او الى السلطة فقط لا غير. لذا فَقَد "التيار" معظم كادراته الناشطة والمؤسِّسة. وبعدما كان يضم في صفوفه اشخاصاً وطاقات لم تتوافر لأي حزب سياسي لبناني من قبل، دخل في حال من الإهتراء والتآكل، نتيجة هدره رصيده وطاقته، بعدما استرسلت قيادته الراهنة في ممارسة العمل السياسي بناء على الحضور الشخصي والمصالح الشخصية. وحتى الجنرال عون نفسه يقول انه يفضل "الحالة العونية" على "التيار الوطني الحر". والحالة العونية ليست سوى تلك المناخات والأجواء القروية والشعبية التي تؤيد ميشال عون وتريده رئيسا للجمهورية، او قائدا شعبياً لم يعد يحتاج الينا بعد عودته.

 

اما نحن مجموعة قدامى الكوادر الناشطين الذين قام تاريخ "التيار" النضالي على اكتافنا في ازمنة الخوف والقمع والاعتقال فلا حساب لنا ولا دور الآن، سوى شماتة مجتمعنا واهلنا بنا، لأننا اصبحنا خدماً لميشال عون وصهره جبران باسيل الذي خصص له "التيار" موازنة مالية شهرية تبلغ 16 الف دولار ليصرفها على ولائمه وعزائمه وشراء الاكاليل للأعراس والمآتم. فأين هي اذاً، أطروحات "التيار" عن الاقطاع السياسي العائلي، ما دام متجهاً نحو تأسيس اقطاعية سياسية عائلية. فها هو بيت عون السياسي يهمّش المناضلين، ويمنح الحظوة والمال والزعامة والوجاهة للأقارب والمحاسيب والحاشية. وفوق هذا كله ممنوع علينا محاسبة احد، أكان وصولياً ام انتهازياً واستعمل "التيار" لمنافعه الشخصية ووجاهته.

 

في الاثناء، ووسط هذه المداخلات المثيرة والمشحونة، كان الجنرال عون يستمع صامتاً ومربدّاً، وينشغل احيانا في تدوين ملاحظات على اوراق امامه. وفيما كان ابن اخيه نعيم عون يقدم مداخلته التي لم تكن مختلفة عما ورد في غيرها، انفجر غضب الجنرال عنيفا كما لم نعهده من قبل. فوقف على المنصة صارخاً في وجه ابن اخيه معتبراً انه رأس الحربة في الهجوم، وظل يصرخ مهددا متوعداً حتى طرده من القاعة، ثم قال لنا: على من لا يعجبه أن يلحقه. وسط هذين الغضب والصراخ وخروج نعيم عون من القاعة، ساد ذهول بيننا، وراح بعضنا يغادر القاعة تباعاً وفي صمت تضامناً مع نعيم، بينما حاول حرس الجنرال الخاص تهدئة سورة غضبه وسخطه. اما مساعده توفيق وهبه فقد خرج محاولا استرضاء نعيم واعادته الى القاعة فيما كان ثلاثة ارباع الحاضرين قد تبعوه في المغادرة.

 

بعد وقت عاد الهدوء الى القاعة التي لم يبق فيها سوى 20 او 30 من الذين قرروا متابعة الجلسة بعدما رضي الجنرال بذلك وتمالك غضبه المحموم وجلس مجددا الى المنصة. وحين بدأ احدنا بالكلام على المساوىء التنظيمية التي شابت معركة المتن الانتخابية التي نعتبرها فاشلة، جنّ جنون الجنرال واطلق مجدداً العنان لغضبه وصراخه، قائلاً: معركة المتن هي الانتصار الاكبر الذي حققته في حياتي السياسية. انتم وحدكم الفاشلون والسلبيون وغير البنائين. لو لم تكونوا كذلك لكنتم ساهتم في محطة OTV التلفزيونية التي ليس من سهم واحد لكم فيها والتي أسستها من اموالي الخاصة. ولا فضل لأي منكم في عودتي من المنفى، انتم الذين احترفتم الجهاد وصرتم مجاهدين وابطالا على حساب ما اطلقته وأسسته قبل رحيلي من لبنان. وها انتم اليوم عديمو الفائدة. فلو كنتم نافعين في شيء لاشتغلتم وامتهنتم مهنة ما غير الجهاد تدر عليكم اموالا وتؤمن لكم مستقبلاً، بدل ان تظلوا عالة على "التيار" ومعدمين مادياً.

 

في هذه اللحظة وقف احدنا قائلاً في سخرية مرة، بل مأسوية: والله ما كنا عارفين هيك، لا يؤاخذنا الجنرال لأننا التهينا في النضال ولم نحصّل ثروة، بل بقينا فقراء وصرفنا ما كنا نحصّله على انشطة "التيار". فاذا كانت هذه هي جريمتنا، فلا يؤاخذنا الجنرال الذي لا نصلح ان نكون خدماً في بيته.

زادت هذه الكلمات من غضب الجنرال، فصرخ مجدداً: لا فضل لأي منكم في شيء. لستم سوى عالة على "التيار"، ومجموعة انقلابيين. هيا انصرفوا من هنا، لا حاجة بي لأحد منكم. بل سأعيّن لجنة للتحقيق في الشائعات التي اطلقتموها ضد قيادة "التيار".

 

ابناء العقوق والضلال

صامتين واجمين رحنا نخرج من القاعة. بعضنا، بعد تجاوزه بابها، امسك بطاقة انتسابه الى "التيار" ورماها عالياً في الهواء، فيما كان صوته من الداخل يصلنا مهددا متوعداً: كلكم محالون للمثول امام لجنة التحكيم، ومن لن يمثل امامها، سوف اطرده.

 

هكذا غادرنا منزل القائد الذي لم نكن نعتبره قائدا فحسب، بل اباً لنا ومثالا وموجِّهاً، نحن قدامى كوادر "التيار" الذين طردنا من بيته كأبناء العقوق والضلال.

 

بعد هذا الاجتماع راح الجنرال عون يسمينا الانقلابيين ويقول لكل الذين يزورونه انه سوف يحاكمنا ويطردنا. ثم أطل علينا من شاشة تلفزيون "الجديد" لينعتنا بالمدسوسين والمزروعين والانتهازيين والفوضويين الذين يقفون ضد التفاهمات الوطنية ويجب تشحيلهم من شجرة "التيار" التي كبرت كثيراً بعد عودته.

 

لماذا؟ لأن القائد الملهم لم يعد في حاجة الينا بعد عودته من المنفى، ما دام صار في وسعه مخاطبة الشعب العظيم مباشرة من دون وسائط. فكيف للذي جعل المطالبة بمشاركة المسيحيين في السلطة مطلبه الاساسي، ان يمنع المشاركين في تأسيس "التيار" وفي نضالاته كلها، من مشاركته في شيء، ومن ابداء الرأي في شيء، هو المنادي في كل يوم وساعة باحترام آراء الآخرين والاعتراف بهم؟! بلى انه يسمح في امر واحد: تبجيل كل كلمة يقولها وتقديسها في الصباح والعشية وفي كل وقت. اما اذا لم نبجّل القائد وكلامه، فتكون مدة استعمالنا قد انتهت، نحن من كان يقول قبل عودته من المنفى، اننا بناة المستقبل، وقادة الغد، وابطال لبنان، وضمير الوطن. وهو بعد عودته أراد "تياراً" غير الذي عرفناه طوال 15 سنة من النضال ضد الاحتلال السوري والنظام اللبناني التابع له، مجددين في ذلك صرخة القائد - الأب الذي لم يجد ما يقوله لنا بعد عودته سوى عبارة: انا وحدي "التيار"، ومن ارادني فليتبع حاشيتي، وإلا فانكم تنكدون مستقبلي.

 

هل الجنرال العائد هو المستقبل، والاجيال التي وهبت شبابها لـ"التيار" هي الماضي؟

 

أي مستقبل هذا يَعِد به القائد الأب الذي يأكل ابناءه؟! وهو في هذا يعتمد سياسة استهلاك الناشطين جيلا بعد جيل، ثم يخلعهم ويرميهم، ليأتي بغيرهم من المطيعين والمطواعين، ما دام زمن حاجة الحركة العونية الى مناضلين قد ولى وانطوى، وهي اليوم في حاجة الى متمولين وممولين، لاقامة اقطاعية سياسية عائلية يرثها عنه صهره وحاشيته من المقربين.

شتان ما بين قائد أب يخلع ابناءه ويأكلهم جيلاً بعد جيل، وبين السيد حسن نصرالله الذي يقول لأبناء حزبه: اقبّل اياديكم وجباهكم.

 

الأحد المقبل حلقة ثانية: شهادة مسؤول العلاقات السياسية في "التيار" جبران باسيل.