حزب الله" خائفٌ من وضع عون بأفق انتخابات 2009

نصير الأسعد

عن المستقبل 16 آب 2008

بعد مجمل التطوّرات التي عاشها لبنان في السنتين الماضيتين، تنقل أوساط مطلعة متابِعة عن "حزب الله" خوفه من الوضع الذي آل إليه الجنرال ميشال عون و"التيار الوطني الحر" على المستويين التنظيمي والسياسي. وليس خافياً أنّ مصدر هذا "الخوف" هو أنّ الانتخابات النيابية العام المقبل ليس فقط ستحدّد من هو الفريق الأكثري الذي يُفترض أن يحكم، بل ستحدّد إلى حدّ كبير مصير البلد كياناً ودولة ونظاماً سياسياً، وستُحسم نتائج المعركة الانتخابية على الصعيد المسيحي. ذلك انّ ""المتبدّل" الرئيسي في الانتخابات المقبلة هو "الصوت المسيحي".

 

مشكلة أولى: بين التيّار و"الحلقة" الأضيق ضمنه

في هذا السياق، تفيد معطيات توافرت للأوساط المتابِعة أنّ التيار العوني واجه في الأسابيع الأخيرة ثلاث مشكلات رئيسية.

المشكلة الأولى داخل "التيار" نفسه، وقد "تفجّرت" في ضوء إعتماد عون تمثيل "التيار" في الحكومة بـ"الحلقة" الأضيق المقرّبة منه شخصياً وعائلياً. وقد أثار هذا الأمر "حساسيات" تنظيمية داخلية أتت تضاف إلى "الحساسيات" التي دفعت الجنرال في وقت سابق إلى تأجيل المؤتمر الحزبي حتى الخريف المقبل نظراً إلى الصراعات على القيادة.. تحت عباءة الجنرال.

 

.. وحساسيات نيابية وعلى صعيد الحلفاء

والمشكلة الثانية، تزامناً مع تشكيل الحكومة أيضاً، برزت داخل الكتلة النيابية. ذلك انّ اعتماد التمثيل الحزبي "الصرف" حرّك "حساسيات" نيابية معينة عبّرت عن نفسها داخلياً وفي الكواليس.

 

أمّا المشكلة الثالثة، ودائماً في مرحلة تشكيل الحكومة، فكانت على صعيد العلاقة مع بعض الحلفاء المسيحيين. لقد جرت المقارنة بين أداء "حزب الله" حيال حلفائه وأداء عون تجاه حلفائه. "حزب الله" اكتفى بوزير واحد له ووزّر درزياً من "المعارضة" هو طلال أرسلان وشيعياً من "الحزب السوري القومي الاجتماعي"، في حين حصر عون التمثيل الماروني "المعارض" به ولم يوزّر أيّاً من "موارنة المعارضة".

 

الجنرال في خطابَي 2005 و2008

وفي اعتقاد الأوساط المتابِعة أنّ هذه المشكلات الثلاث ذات الطابع "التنظيمي" أو "التنظيمي ـ السياسي" المختلط، تضافُ إلى المشكلة الأصلية، السياسية، أي المتعلّقة بالخطّ السياسي الذي ينتهجه الجنرال. في جلسات مناقشة البيان الوزاري في مجلس النواب الأسبوع الفائت، بدا الجنرال ونواب "تكتل التغيير والاصلاح" بوصفهم فريقاً مسيحياً أو فريقاً في التمثيل السياسي المسيحي "غرباء" قياساً إلى المسائل الرئيسية التي يدور النقاش والسجال والصراع حولها في البلد، بل بدوا "غرباء" عن البيئة المسيحية التي يمثّلون أو التي يشاركون في تمثيلها.

 

بين خطاب عون في جلسة مناقشة بيان الحكومة السابقة في العام 2005 وخطابه في مناقشات 2008، ثمّة "تطوّر إلى الوراء". في خطاب 2005 طالب الجنرال الحكومة آنذاك بأن "تحدّد لنا الحدود اللبنانية بالضبط وما هي بقع الأرض غير المحرّرة حتى نعرف حدودنا والأراضي التي علينا تحريرها مع الظروف الموضوعية التي تجعل المقاومة تسلّم سلاحها إلى القوى المسلّحة اللبنانية، وهكذا تكون الدولة اللبنانية مسؤولة في صورة نهائية عن الأمن والدفاع عن الوطن".

في خطاب 2008 الأخير يقول إن "الشعب والجيش والمقاومة هوية دفاعية واحدة تتكامل على الأرض (..) وكل لبناني له الحق في أن يكون في المقاومة وله الحق في أن يتجنّد في الجيش النظامي (..) وبالإجمال إنّ الدول الصغيرة كلبنان لا يمكن أن تواجه بجيوش كلاسيكية (..) وبهذا المفهوم سندافع دوماً عن المقاومة وعن استراتيجية الدفاع لأنّها الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تؤمن لنا جزءاً من التكافؤ مع العدو الكلاسيكي الذي يواجهنا دائماً".

 

المسار الانحداري.. إلى "فلسفة المقاومة"

إذاً من المطالبة في الـ2005 بتحديد ظروف إنتهاء المقاومة كي تؤول مسؤولية الأمن والدفاع عن الوطن إلى الدولة، إلى "التنظير" في الـ2008 لاستمرار المقاومة والسلاح وللتوازي بين الجيش النظامي و"حرب العصابات"، وبينهما "وثيقة التفاهم" الموقّعة في شباط 2006 بين "التيار" و"حزب الله"، وبموجبها يغطي الأول سلاح الثاني إلى أمد غير محدّد، من الواضح انّ ثمّة مساراً انحدارياً من الدولة إلى الدعم المرحلي لسلاح "حزب الله" إلى تأييد هذا السلاح. والمرحلة الأخيرة ـ أي تأييد السلاح ـ تحصل بانتقال لافت من الدعم "السياسي" إلى تقديم "فلسفة المقاومة".

 

لا شك انّ هذا المسار الانحداري في الخطاب السياسي العوني ـ كما في الممارسة السياسية ـ بالنسبة إلى "المقاومة" و"سلاح المقاومة"، ليس عفوياً. إنه تعبيرٌ شديد الوضوح عن مسيرة "الاندماج" العوني بـ"حزب الله" وسياسته ومصالحه. إنه تعبير عن طريق لا رجعة فيها، أي غير قابلة لـ"المراجعة".

 

"حزب الله" وخوفه من تراجع عون مسيحياً

فمن جانب، لا بدّ انّ "حزب الله" شديد السعادة لأن طرفاً مسيحياً ليس فقط يدعمه ويغطيه بل يتولى "التنظير" عنه. لكن من حقّه أن يخاف ـ "حزب الله" ـ من وضع الجنرال مسيحياً لأن مصداقيّته استُنزفت على مدى السنوات الثلاث الماضية، تماماً لأن عون و"التيار الوطني الحرّ" غيّرا جلدهما أي غيّرا مبرّر وجودهما، ولأنّهما في حالة انحدارية تبعاً لذلك. ولا شكّ أنّ "حزب الله" ـ كما عون ـ يعرف أنّ الجنرال وتيّاره إكتسبا نسبةً عالية من التأييد المسيحي في إنتخابات العام 2005 في ظروف مختلفة وبخطاب آخر.. وأنّ العامل الرئيسي في التأييد المسيحي لعون آنذاك كان "التحالف الرباعي" وكان الخطاب المناهض لـ"حزب الله" و"التكليف الشرعي". ووفقاً لهذه المعاني جميعاً، فإنّ المشكلات الثلاث المشار إليها آنفاً، ذات الطابع "التنظيمي" أو "التنظيمي ـ السياسي" المختلط، إنما هي ـ بالمحصّلة ـ نتاج أزمة الخط السياسي العوني في البيئة المسيحية، وهي أزمةٌ لا يستطيع عون "معالجتها" بالهروب إلى عناوين بديلة أياً كانت.

 

..لكن لا بديل لكل منهما عن الآخروخوف "حزب الله" من وضع الجنرال و"التيار" يعني خوفه من نتائج الانتخابات النيابية المقبلة. وبما أنّ نتائج هذه الانتخابات تُحسم في الإطار المسيحي، فإنّ الحزب خائفٌ من تراجع عون في هذا الإطار. ذلك أنّ الانتخابات المقبلة كي تُسفر عن أكثرية نيابية يقودها "حزب الله" تفترض أن يزيد الجنرال نوّابه أو أن يحتفظ بعددهم الحالي على الأقلّ.. وكلّ المؤشرات معاكسة لذلك.

 

أمّا كيف سيواجه "حزب الله" خوفه هذا عندما "يترسّخ"، فتلك مسألةٌ لا بدّ من انتظار الجواب حولها. المؤكد أن لا بديل مسيحياً من عون بالنسبة إلى "حزب الله".. وقد ولّى إميل لحود. والمؤكد انّ عون في "جيب حزب الله".. و"الباقي" للمتابعة.