من "سايكس- بيكو" إلى سوق الغرب

دولة الرئيس العماد ميشال عون يرد على وزير دفاع سوريا مصطفى طلاس

 

أن يؤبّن السيد مصطفى طلاس، وزير الدفاع السوري، رئيسه الراحل حافظ الأسد، فهذا  واجب يمليه الوفاء للرجل الذي اختاره ليكون وزيراً على مدى المرحلة التي مارس خلالها السلطة، وهذا شأن لا يعنينا من ناحية الشكل. ولكن ما يهمنا هو معالجة الجنوح الدائم لدى رجال النظام السوري عندما يتكلّمون عن مشاريعهم  السياسية المستقبلية،  فيعطونها هوية سياسية تاريخية غير موجودة، ويحاولون فرضها بخطاب إيديولوجي يدغدغ العواطف، ويفتقد للمقومات العملية والعلمية التي تؤمّن لها الديمومة والنجاح.

 

إن رداً كاملاً على السيد طلاس أو غيره من المتحدثين عن الوضع الجغرافي- السياسي لمنطقة الشرق الأوسط، يقتضي نشر اتفاق سايكس-بيكو المعقود بين فرنسا وإنكلترا عام 1916، والذي بموجبه تقاسمت الدولتان المسؤولية والنفوذ في المنطقة، ومن ثم نشر مضمون مؤتمر عصبة الأمم في نيسان عام 1922، والذي حدّد دور ومهمة هاتين الدولتين. فالإشارة إلى هذه الإتفاقات بكلمة رفض أو قبول ليست أكثر من موقف سياسي فردي يخلو من الأهمية، ويموت مع صاحبه إذا ما جاء خارج واقعة التاريخي الصحيح المتجسّد بواقع اجتماعي اقتصادي سياسي.

 

وتوحي المواقف السورية من خلال رفضها لاتفاق سايكس- بيكو، وكأنها ترفض وجودها كدولة، وتوّد العودة إلى العصر العثماني لتعود ولايات عثمانية، تحدّد أقصى طموحاتها بتعيين والٍ من سكانها ليحكمها بدل الوالي التركي، كما توحي أيضاً بأن الدولتين الفرنسية والإنكليزية قد فككتا دولة عربية قائمة، لإنشاء كيانات مصطنعة. والواقع أنه كان هناك مشروع دولة عربية لم تقم لعدة أسباب غير نابعة في غالبيتها من إرادة الدولتين، وقد  أُخذت هذه الأسباب بعين الإعتبار عند إقرار الحدود الدولية الحالية لدول المنطقة. ولا نريد الدخول في جدل حول هذه الأسباب وماهيتها، لعدم إقحام أصحاب العلاقة في موضوع لم يعد يعنيهم اليوم بقدر ما يعنينا.

 

وأعتقد أن الرد بالوقائع التاريخية ضمن تسلسلها الزمني هو افضل ما يحسم الجدل ويوقف التلاعب بالحقائق.

والحقيقة الأولى هي أن في لبنان شعباً وهوية سياسية، عبّرت عن ذاتها بأشكال مختلفة. ومن دون التوغل في العصر القديم، نجد لبنان دولة  قائمة منذ مطلع العصر الحديث على الأقل، أي تحديداً منذ العام 1516، مع بداية العهد العثماني، مع مؤسس الإمارة المعنية فخر الدين الأول سلطان البر. وقد تمتّعت هذه الإمارة بحكم ذاتي لبناني، فكان لها جيشها وعلاقاتها الخارجية، وقد عقد الأمراء اللبنانيون معاهدات مع دول خارجية، وحاربوا الباب العالي للمحافظة على هذا الحكم.

 

أما باقي المنطقة فكان مقسماً إلى ولايات يحكمها والٍ عثماني. وسوريا لم تكن يوماً خلال التاريخ، القديم والحديث، هوية سياسية، فإسم سوريا أطلقه اليونان على منطقة جغرافية تقع بين بلاد ما بين النهرين وفينيقيا ولم يكن اسماً لدولة.

 

فعام 1920 تم الإعتراف بالكيان اللبناني كدولة قائمة، وليس كدولة تمّ إنشاؤها، وقد روعي في رسم حدودها الحدود المختلفة للإمارة اللبنانية، وأُعيدت إليها الأراضي المسلوخة عنها. وكانت سوريا في حينها أربع ولايات أصبحت أربع دويلات هي: دويلة العلويين، دويلة الدروز، دويلة دمشق، ودويلة حلب، وبقيت كما هي حتى عام 1925، حيث ضُمّت دويلة الشام إلى دويلة حلب وسميّت الدولة السورية، ولم تُجمع الدويلات الأربع في دولة واحدة إلا في عام 1939، وسميت عندئذٍ الجمهورية السورية، واعترفت بها قوات الحلفاء عام 1941، بعد تحريرها من قوات فيشي.

 

ولذلك فإن سوريا هي من إفرازات اتفاق "سايكس-بيكو". والسيد طلاس نفسه عمره أكبر من عمر الجمهورية السورية، ولولا هذا الاتفاق، والانتداب الفرنسي الذي أقرته عصبة الأمم، لكانت سوريا اليوم أربع دويلات متناحرة، ولا أعتقده يجهل مضمون الوثائق الفرنسية التي تتضمّن الموقف العلوي، المطالب باستقلال الدولة العلوية، كما لا يجهل هوية موقّعيها. وبالتالي فإن سوريا هي البدعة التي أوجدها الفرنسيون، وليس لبنان المتجذر تاريخياً، وهويته عمرها من عمر التاريخ المدوّن.

 

أما اعتراضه على نتائج "سايكس بيكو"، ورفضه إياها، ما هو إلا من باب المزايدة الغوغائية لأنه مدين بوجوده لهذا الاتفاق، وإذا كان تعيساً بسببه فما عليه إلا إلغائه والعودة بسوريا إلى دويلاتها الأولى، ولكن الأمر هو أدهى وأصعب لأن النظام لا يعترض أصلاً على من أوجد له فسحة العمل، ولكنه يريد أن يعزو سبب مشاكله إلى الاتفاق بعد أن فشل في خلق وحدة وطنية، وجنح بنزعته التسلطية نحو السيطرة الفئوية على الحكم وتغطيتها بأفكار قومية لا تعدو كونها أكثر من شعارات.

 

وهذه النزعة تنقلنا فوراً من الداخل السوري إلى لبنان، حيث أبدع سيادة الوزير في الحقل العسكري، وخاصة في معركة سوق الغرب، حيث قال عنها نقلاً عن لسان الرئيس حافظ الأسد بأنها "معركة العرب في كل قطر من أقطارهم، وقام الجيش السوري بالمساندة والدعم المدفعي بكثافة لم تعرفها أية معركة في تاريخ فن الحرب، وسقطت سوق الغرب بأيدي المقاومة وأصبح الطريق ممهداً إلى بيروت، وعندما أبلغت الرئيس الأسد بذلك قال: عليك أن تبلغ رفاقنا بالتوقف عند هذا الحد لأن للدول العظمى كبرياؤها الوطنية ولا يجوز أن نحرجها وطنياً..."

 

لم نعرف أي معركة من معارك سوق الغرب قصد السيد طلاس بكلامه، لأنه جرت في سوق الغرب ثلاث معارك كبرى وذلك في التواريخ التالية: في 10أيلول 1983 وفي 22 أيلول 1983، والأخيرة كانت في 13 آب 1989 وفي المعارك الثلاث لم يحتلها أحد، كما لم ينسحب أحد من المهاجمين لأنهم قتلوا جميعاً، وكانت تسلّم جثثهم إلى مؤسسة الصليب الأحمر، وإننا لم نُشِد يوماً بأنفسنا كجيش لبناني، لتغلّبنا على كثافة النار وكثافة العدد، وتحمُّلنا أفدح التضحيات والخسائر.

 

وكم كنا نتمنى أن تكون المساندة "للمقاومة اللبنانية"، جاءت خلال عملية "تصفية الحسابات" أو "عناقيد الغضب"، أو خلال ضرب البنية التحتية اللبنانية. أما "كثافة الدعم المدفعي"، فلو أنها كانت خلال حربي ال67 وال73 لأشفت غليلنا، ولكن أن تكون على اللبنانيين جيشاً ومواطنين فهي جريمة لا تغتفر.

 

ومن المخجل أن يتبجّح السيد طلاس بجرائمه في لبنان جاعلاً منها انتصارات عسكرية، ومن المحزن أن تصل عمالة السلطة اللبنانية إلى حد الإصغاء إليه والتصفيق له دون أن يتجرأ أحد ويضع حداً لهذيانه.

 

ولا بد لنا من تقدير النظام السوري لقدرته على التحليل والاستدراك، فاكتشف كبرياء الدول العظمى بعد هزيمته وجعل منه غطاءاً لإنسحابه من المعركة. ولقد أصبح من الموجب التذكير بأن كل هجوم كلامي يقوم به السيد طلاس على دولة ما، ليس إلا غطاءاً لتآمره معها على دولة شقيقة أو صديقة. وبالتأكيد ليس "الأسطول السوري" المساند "لأسطول المقاومة الوطنية" هو الذي امّن حصار لبنان من الخليج إلى المحيط وقطع الإمدادات. وحتى الأغبياء يعرفون من أعطاه الضوء الأخضر ليدخل المنطقة الحرة من لبنان، وينهش أبناءها، جنوداً ومواطنين،  فيقتلهم شنقاً ورمياً بالرصاص بعد وقف إطلاق النار مرتكباً أفظع الجرائم التي تدينها جميع القوانين والمواثيق الدولية.

 

ولربما كانت هناك حسنة وحيدة لكلام طلاس وهو الإقرار الرسمي بحرب سوريا على لبنان، وبأن هذه الحرب لم تكن أهلية كما كانوا يدّعون، أما القلة من اللبنانيين الذين اشتركوا مع سوريا فلم يكونوا سوى الصدى الذي يردد ادعاءاتها بأن الحرب أهلية، وهكذا شكلوا الغطاء لتنفيذ خطة دولية إقليمية أوصلت لبنان إلى الجحيم، ولم ولن تنقذ سوريا.

لقد أُمر المبتلي بالمعاصي بالإستتار فقولوا للسيد طلاس أن يفعل.

 

فرنسا في 24/7/2000