جلجامش لبنان يتقهقر عائداً إلى دياره

خالد حاج بكري*

 

الحياة - 06/06/08//

ليس على العماد ميشال عون الذي وقع اتفاق الدوحة على مضض، وبلغ من العمر عتيا، أن ينشرح صدره، وتهدأ عواصفه، وهو يجيز صكّا شديد الغموض في بنوده جميعا، وملتبسا، ومقلقا في تفاصيله وشياطينها كلها، عدا ذلك البند الذي يقضي بانتخاب سواه رئيسا، وخلا تلك التفاصيل الدقيقة التي سارع الرئيس نبيه بري إلى تحديد مساء الخامس والعشرين من أيار (مايو) لتخطيها جذريا في جلسة انتخاب حظيت بمتابعة عربية وعالمية لا مثيل لها.

 

وفي الساعة التي سيتنفس اللبنانيون فيها الصعداء لتغلّبهم على عقبة سياسية شاقة، يكون قد أسدل الستار على حلم الحالم المغامر المقامر، ويكون جلجامش السياسة اللبنانية، قد أنفق الخطوات القليلة المتبقية في رحلة العودة المؤسفة والمريرة إلى المنزل، في إقرار حزين بالهزيمة الثانية، أو الأخيرة.

 

هزيمة يمكنها أن تفتح الملف المتخم بالمغامرات والسياسات الإشكالية، لرجل اختار في لحظة حساسة من لحظات الانقسام اللبناني أن يلقي عباءة الحنان على فريق بدا لوهلة أنّ أسنانه تصطك بردا، وأخذ يذب الهجمات تلو الهجمات دفاعا عن حليفه الجديد الذي لم يكن من عداوته بد في غابر الأيام، عندما كان الجنرال يدافع في أرجاء العالم عن الاستقلال والسيادة وحصرية السلاح، ونهائية الوطن اللبنانيّ، ويحذّر اللـــبنانيين والعالم من مخاطر تسلّح فئة لبنانية، ومظالم أن يملك هذا السلاح فريق سياسي يلتبس لديه السياسيّ بالطائفي، ويعجز عن رؤية العالم متنوّعا بديعا؛ فيصلبه في الإيديولوجيا، ويقرأه كما كشفت معاركه في بيروت والجبل مؤخرا بمذهبية حادّة.

 

بحقّ لم تكن المفاجأة العونية بالاصطفاف في معسكر الثامن من آذار طبيعية، ليس لأنّ الجنرال قد طعن بجماهير الحركة بُعيد نزولها إلى الشارع لتشكر النظام السوري عام 2005 عندما تحدث في معرض تعليقه على الحشود الضخمة عن موضوع الكم والكيف، فهذا التقلب من خصال السياسيين!

 

بل لأنّ التوازن بين جمهوري الثامن والرابع عشر من آذار لم يظهر على حقيقته إلا بعد انضمام التيار الوطني الحر إلى صفوف المعارضة، ولأنّ هذا التوازن نجح في شلّ عمل الحكومة اللبنانية بالفعل بعد القول، و خصم ثلاث سنوات من عمر المجلس النيابي ذي الأكثرية السيادية، كان يمكنها أن تشهد خطوات تسرّع الانتقال الضرويّ إلى الدولة، بعد أن كانت الأكثريات غير اللبنانية، في السنوات التي سبقت استشهاد الرئيس الحريري، عامرةً بممارسة حقوقها اللبنانية أمنيا واقتصاديا وقضائيا، ... وسياسيا بالطبع، وحريصةً على استنزاف هيمنتها الديموقراطية حتى القطرة الأخيرة!

 

على أنّ الأخطر في المعادلة التي عدّلت نقص صفوف الثامن من آذار بالاصطفاف العوني، إنما يكمن في الأهداف التي عبر عنها الشيخ نعيم قاسم، بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على خطاب الرئيس بشار الأسد، الذي وصف فيه رئيس الحكومة اللبنانية بالعبد المأمور، عندما طمأن الرئيس السوري، وتمنى عليه أنّ يقر عيناً، فلبنان باق في موقعه، ولا أحد يستطيع تحويله إلى ممر للمشروع الأميركي.

 

الأخطر هنا، أن أهداف ورؤى السيد قاسم لم تنعكس في لـــوحة لبنانية ذات تمثيل نـــوعـــيّ في التعدد، إلا بانضمام الجنرال إلى اللوحة.

 

فبعد أن نجح جلجامش السياسة اللبنانية في ابتزاز القاعدة المسيحية بشعاري ضرورة حصر السلاح بالدولة، والغضب من التحالف الرباعي الذي همّش المسيحيين، لم يتورع عن التفريط بهما تماما، فلم تكن وثيقة مار مخايل الشهيرة إلا بيانا انقلابيا موصوفا على هذين الشعارين، لأنّها سمحت للسلاح وقرار استخدامه وتحكمه الموضوعي بقرار الحرب والسلم، أن يكون في قبضة حزب الله المقاوم من جهة، وسامحت حزبَ الله وحدَه على التحالف الرباعي من جهة ثانية!

 

تفاهم مار مخايل ظلّ غامضاً، وبازل التفسيرات التي أعطيت للتسويغ والتحليل لم يكتمل، والتحليل الذي قضى بمرارة عداوة الرجل للحريرية السياسية والشخصية، لم يف بالغرض، لأنّ التخابث في إخفاء المعاني العميقة لاغتيال الرئيس الحريري، يبقى لغزا سياسيا في حياة استقلالي كبير كالعماد عون، ولا تفسّر العداوات الشخصية، على أهميتها، منطقَ الانتقال بخفة من استثمار ناجح للاغتيال، إلى التبذير الخاسر والمؤكد بالسكوت عن أسبابه.

 

والقراءة التي تؤكد أنّ الجنرالَ خصم تقليدي للأكثرية الطائفية الساحقة، بوصفه واحدا من مروّجي أطروحة تحالف الأقليات الكئيب ضد غول الشرق الأوسط السنّيّ، منقوصةٌ أيضا؛ لأنّ التخابث الثاني في توصيف الانعطاف الشعبي السنيّ نحو لبنان الوطن النهائي والدولة العربية المعتدلة، يتناقض جذريا مع الطموح العوني لهذه الدولة بالذات.

 

فقد عانى فريق واسع من اللبنانيين، والعماد عون على رأسهم، من الانحياز السنيّ إلى أجندة فوق لبنانية، الأمر الذي كان يضع الاستقلاليين في مأزق العزلة، ويسلّم خيوط التحكم بالبلاد إلى اللاعبين الإقليميين المتأزمين والمتعادين والباحثين عن رقعة يطرحون فيها بذارهم، ولا يعقل أن يخفي الجنرال أنفةَ مشمش العكارية من ضم جثمان شهاب القدور إلى ترابها، وانتقالَ النسوة العكاريات من الطبخ للإسلاميين، والــزغردة لــبطولاتهم، أيا يــكن مــصدرهم، إلــى حمل الــطعام إلى الجنود اللــبنانيين، والــغناء الحمــاسي للأبـنــاء، الــذين عــملوا علــى اجتثاث الفكرة الإرهابية والتصور الرعويّ المتخلف وشبح الــفتنة الذي كان باســتطاعــته أن يــدفع الــوطن إلى الانــسحاق بيــن رحــيي تــطرفين:

 

شمالي سني سلفي يريد خلافة إسلامية، وجنوبي شيعي يرنو إلى تحطيم الولايات المتحدة ومشاريعها التآمرية على أرض لبنان، كما يبدو، وإقــامة دولة الــولي الــفقيه كمــا الــمآل والمرتجى، ولا يعقل أن يغضّ الــعماد عون النظر عند هذه اللوحة الجديدة الباهرة. فالهيمنتان اللتان كانتا أقرب إلى هيئة لبنان من حــبال وريده، جثمتا على صــدور اللــبنانيين علـى هــيئة كابــوس مــفزع.

 

فقد كان يمكن لنجاح مسلحي فتح الإسلام، أن يشطر البلاد إلى إمارتين إسلاميتين، يتفحّص المسيحي والليبرالي صباح كل يوم في كنفيهما ضلوعه المحطمة وجروحه الجديد منها والقديم! ولا يصحّ أن ينسجم لدى الاستقلالي الكبير أنّ الاستثمار الأنجح يكمن في التهوين من شأن انتصار اللبنانيين على أعداء تاريخهم ومســتقبلهم، كــما لا يــستقيم أنّ الانــعطــاف إلى الــحريرية الــسياسية واتــهامها بــدعم مــسلــحي فتح الإسلــام يــعني تــوصيفا يملك ذرة من مصداقية، أو نقلة فيها نزر من براعة في لعبة الصراع السياسي، فقد سَخِرَ من هذا الانعطاف وذلك التوصيف والتحليل حلفاءُ العماد عون قبل خصومه، وشــرعوا في الاســتثمار مــعه، مؤكدين بمكر، أنّ فارســهم المختار الذي ارتضى أن يتحدى الفوهة بصدره ببساطة وبكبرياء، يملك من المعطيات، ما يجعله يؤكد انخراط تيار المستقبل في مساندة مسلحي نهر البارد!

 

تخابثان خاسران حقا، فاغتيال الرئيس رفيق الحريري أكبر مما عمل العماد عون على تسويقه، والتحول السني أوضح من أن يغطيه الجنرال بــغربال مــتهرئ، والــحقيقة الــعــونية الــتي تــكمل أحــجار بازل فهم تمــوضــعه المذهل لا تكمن هنا.

 

الأرجح أن الحجر الناقص يمكن التماسه خارج القيم الوطنية التي روّج لها جلجامش السياسة اللبنانية لخمس عشرة سنة في المنفى، والأكيد أنه يجثم في طيّات الخلاصات السياسية التي حاول تقديمها لثلاث سنوات خلت، أما ما تجذّر في الأرض ومكث فيها، فهو أنّ الجنرال الخاسر تسبب بما يزيد على انقسام مريع في رؤية المسيحيين بالذات لوطنهم، عندما مكّن حزب الله لأسباب غير لبنانية بالطبع من تعطيل الدولة، وشلّ الأكثرية، وإغلاق مجلس النواب، وأعطى أخيراً الثلث المعطل إلى السلاح.

 

وهكذا، فلم يخسر العماد ميشال عون المصداقية فحسب، وإنما فرّط بحلمه الرئاسي الذي حمله إلى تلك المنحدرات، وتموضع في صــُلب حركته الــسياسية وأســــبقيتها جميعاً أيضاً.

 

وإذا كانت الحساسية اللبنانية التي تعيش اليوم طقسا دافئا لطيفا بعد ثلاث سنوات من التأزم والخوف، تنأى بنفسها عن التساؤلات الأشد إلحاحا بعد تحرّك السلاح نحو الداخل اللبناني وتوقيع تفاهم الدوحة، فإنّ الغد القريب سيفتح ملف العماد ميشال عون على اتساعه، وسيتكفل التاريخ بوضع الحدود الفاصلة بين وطنيين غامروا بأرواحهم على مذبح أوطانهم، وسياسيين قامروا بأوطانهم على موائد طموحاتهم الشخصية الخضراء.

 

**كاتب سوري

المسيحيون

حازم الأمين

 

الجمعة 6 حزيران 2008

لبنان الآن

 

فجأة ومن دون مقدمات تمهد لهذا التحول، انتقل العماد ميشال عون وتياره الى الكلام عن "مصالح المسيحيين" بأضيق ما في هذه العبارات من إقصاء وانعدام الشعور بضرورة تهذيب الخطاب حتى الطائفي بما يليق بجماعة حريصة على بعض ماء الوجه حيال الجماعات اللبنانية الأخرى. بداية افتتح التيار العوني مرحلة ما بعد اتفاق الدوحة بحملة ملصقات كثيفة تحمل عبارة "عون رجّع الحق لأصحابه" وأخرى تحمل عبارة "عون رجّع الحق للمسيحيين".

 

وهذه العبارة على ما فيها من سذاجة ومن تحريف للحقيقة لكنها تتضمن معاني مخيفة ليس أقلّها ان الحق الضائع في لبنان هو ذاك الذي يعني المسيحيين فقط، اما ان يكون مواطن شيعي مثلاً قد قتل ابنه على الطريق أثناء ذهابه الى المدرسة، فهذا ليس صاحب حق، او ان حقه ليس من ذلك النوع الذي يطمح التيار العوني (الوطني والعلماني) الى انتزاعه له.

 

في البداية قلنا إنها نزوة ما بعد الدوحة، وأنها تعويض معنوي عن خسارة الطموح المركزي المتمثل في الوصول الى قصر بعبدا. لكن تلك الحملة الدعائية استتبعت بنشاط إعلامي استثنائي لنواب التيار مدارها تلك القناعة الضيقة المتمثلة في ان ما أُنجز في الدوحة ينحصر في انتزاع مقاعد نيابية في بيروت وإلحاقها بدوائر ذات غالبية مسيحية. في هذا الادعاء انقلاب على شعارات التيار نفسه الذي لطالما انقلب على شعاراته. فالغبن الذي تحدث عنه التيار في اتفاق الطائف ينحصر اذاً في نقل مقاعد نيابية قليلة من دائرة المزرعة الى دائرة الأشرفية. خمسة عشر عاماً من المواجهة التي خاضها التيار الوطني الحر مع الدولة ومع تجربة ما بعد الطائف تنتهي في نقل خمسة مقاعد نيابية الى دائرة الأشرفية.

 

علماً ان الجميع في لبنان يدرك ان ذلك لم يكن إنجاز التيار العوني، وان قبول تيار المستقبل بتقسيم بيروت أملته ايضاً تحالفاته مع قوى أشد مسيحية من التيار العوني وأكثر التصاقاً في معاني التمثيل المسيحي حتى بمعنى الكلمة السيئ.

 

المشكلة ان التيار العوني لبس القفازات القذرة بعد فوات الأوان. فأحد المعاني الإيجابية القليلة لهذا التيار ذلك الطموح العوني الذي تجاوز في اكثر من فترة المعاني الطائفية. لكنه يستحضر اليوم خيارات الأحزاب المسيحية في ذروة الانقسام الأهلي، علماً ان تلك الأحزاب تعمل ومنذ سنوات على طرد السمعة التي لحقتها من جراء إطلاقها تلك الشعارات.

 

أفلا يُذكّر شعار "عون رجّع الحق للمسيحيين" بتلك العبارة التي سادت خلال سنوات الحرب: "أمن المجتمع المسيحي فوق كل اعتبار".

اما مشكلة عون الأكبر فتتمثل في ان المسيحيين أنفسهم لن يطول بهم الوقت لكي يكتشفوا عدم صدق ادعاءاته، والأرجح انهم اكتشفوا ذلك. فالموقع المسيحي الأبرز الذي من المفترض الدفاع عنه، والذي يملك اليوم تحديداً وبعد اكثر من 20 عاماً من التهميش، هو موقع رئاسة الجمهورية. وعون بدأ معركته مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان منذ اليوم الأول لتسلم الأخير منصبه، وليست مماحكات تشكيل الحكومة إلا محاولة لإفهام الرئيس بأنه ليس المسيحي الأقوى. سيؤدي ذلك حكماً الى إعاقة استرجاع الرئاسة "المسيحية" موقعها في التركيبة اللبنانية. عون سيتولى هذه المهمة، بينما نواب تكتله يعلنون من على شاشات التلفزيون بأن "عون أعاد للمسيحيين حقوقهم".