جنرال المقابر المنبوشة!

بقلم/بول شاوول

 

ثم وكمن هبطت عليه "الموحيات" من "لدْن"، وأخذته "الجلالة"، أو غشيته "الرؤيا" "الاهليليجية" أو خطفته شطحة "صوفانية"، ها هو الجنرال عون يكتشف بعد كل هذه السنوات أن هناك مقابر جماعية من مخلّفات الحرب، موجودة، (بيقينه وببنانه) في "حالات" أو في أماكن أخرى حصرتها "رؤياه" اللوناتيكية في مناطق دون سواها، في إشارة "ذكية" معتقة ولماعة (الجنرال ذكي ومعتق ولماع) الى أن خصومه السياسيين من "المسيحيين" (وفي مناطق نفوذهم آنئذ) قد ارتكبوها...! براو: إخترع البارود!

 

عال! ومن يمانع لا سيما الذين لم تلطخ أيديهم بالدم وبالمال وبالسلاح أن تُكتشف مثل هذه الآثار الأليمة ليس اليوم فقط، بل وعلى امتداد حروب الآخرين على أرضنا، وفي كل المناطق والدساكر والقرى والمخيمات والملاجئ... بل وأكثر: من يمانع أن تكتشف كل المجازر التي ارتكبت ولم تكن مقابرها جماعية أو مجهولة... بل فردية ومعروفة: فالجريمة جريمة سواء دفنت في باطن الأرض أو ارتكبت في العلن وفي المعارك وعلى الحواجز وفي الأحياء!

وإذا كان للتحقيقات أن تجري في هذه الشؤون التي خبرها وعرفها كل اللبنانيين وارتكبها معظم الذين انخرطوا في لعبة الحرب، فلن يبقى أحد خارج دائرة الاتهام: من أبطال "الشرقية" الى أبطال "الغربية"، ومن معارك طائفية بين طائفة وأخرى الى معارك مذهبية ضمن المذهب الواحد: من المجازر المارونية المارونية، الى المجازر الشيعية ـ الشيعية، وصولاً الى المجازر الفلسطينية ـ الفلسطينية، والعربية ـ العربية، وصولاً الى المجازر الإسرائيلية المتواصلة منذ أكثر من نصف قرن!

 

إذاً الجنرال عون صاحب الحروب الكثيرة والمفيدة مُحقّ في مطالبته بكشف مقابر جماعية في "حالات"، ولكن لماذا اكتفى بهذا القدر، ولماذا حصر الموضوع الحسّاس بهذه المقابر الجماعية، ولم يتبسط الى كل المجازر التي ارتكبت في لبنان على أيدي الميليشيات المنتمية الى كل الطوائف والأحزاب. وفي هذه الحالة هل يبرئ الجنرال نفسه من هذه المسؤوليات؟ ومن قال أن كفّي الجنرال "نظيفتان" ومنزّهتان عن الدم (والمال) لكي يوفر لنفسه هذه "الحرية" المطلقة المطمئنة في إثارة مثل هذه المواضيع الحساسة، وفي "انتقاء" من يشاء وتناسي من يشاء.

 

والجنرال (فارس ساحات الوغى) خاض حروباً كثيرة تارة باسم "الشرعية" وأخرى باسم نفسه: من سوق الغرب فإلى حربي الإلغاء والتحرير.. وصولاً الى "حالاته" اليوم، التي باتت موضع شفقة!

 

أما معارك سوق الغرب وسواها فندعها جانباً، لنتوقف قليلاً عن الحربين المتتابعتين: الإلغاء ضد القوات "اللبنانية" في سياق التنافس على زعامة الشارع المسيحي من ضمن توحيد الصوت لحصر الترشيح لرئاسة الجمهورية، وحرب التحرير التي رفعت شعار طرد "الاحتلال" السوري من لبنان. في الأول استجلب عون المساعدات السورية من أسلحة وبنزين ومازوت... وأعتدة ليهزم القوات اللبنانية في "المناطق" المسيحية: ووقع عندها ما وقع من ضحايا وشهداء ودمار وخراب وفتحت مقابر وأغلقت أخرى: كانت معركة مقابر مفتوحة، حرب الإلغاء: كانت معركة قتل الآخر بيد الآخر: مصادرة الآخر بيد الآخر: توحيد الآخر بالقوة بيد الآخر بالقوة: وكانت سبقتها أيضاً حروب من العيار نفسه "لتوحيد البندقية" (وهذا ما جرى في المناطق الأخرى بين "أصحاب القضايا الواحدة"... وصولاً الى المذهب الواحد (إقليم التفاح، والضاحية..).

 

فحرب الإلغاء لم تكن ريادة في سلسلة الحروب "الإلغائية" التي عاناها اللبنانيون ولم تكن ولن تكون الأخيرة: ولا جديد في أن نقول أن مثل هذه الحروب ورثناها من تواريخنا العربية السحيقة. ومن تواريخ الثورات القديمة والانقلابات الحديثة حيث كان الحسم لمن يسبق في تصفية الآخر من رفاق السلاح بعد نجاح هذا الانقلاب أو هذه "الثورة": من ثورة يوليو (أبعد فيها الأخوان المسلمون الذين شاركوا فيها عن المشاركة في النظام الجديد)، الى "ثورة" البعثين المظفرين بانتصاراتهما الدائمة، في سوريا والعراق وما نتج عنهما من تصفيات في صفوف الحزب الواحد والجبهة العريضة الواحدة... وصولاً الى ليبيا واليمن و"أمجاد يا عرب أمجاد"!

 

فمعركة "الإلغاء" ورثها العقل العوني (وسواه) من العقول السلطوية التي لا تؤمن لا بشريك ولا برفيق في تقاسم "جبنة" الحكم: بل الصوت الواحد والقائد الواحد والبطل الواحد! إذاً أراد عون أن يكون في "الشرقية" البطل الواحد الذي يتكلم باسم "القطيع" الواحد. وكان من الطبيعي، أن يؤدي ذلك الى تنوع أساليب القتال والقتل... على مساحة من المقابر تفتح كل يوم وتلتهم من تلتهم من "الشهداء" والمقاتلين والأبرياء!

 

فعون الجنرال ذو الذهنية الانقلابية كمعظم جنرالات العالم الثالث، عانق محتضناً الذهنيات الانقلابية السائدة في عالمنا العربي وفي الأنظمة التوتاليتارية! والتوتاليتارية تعني إذن: استبداداً واحداً وقمعاً واحداً وفاشية واحدة لا لبس فيها، وكل من عداها فهو "خائن" أو شرير أو متآمر أو على صلة بأعداء الخارج (الأسطوانة ما زالت شغالة) يمكن أن تسمعوها كل يوم وبلا انقطاع منه مطربي 8 آذار وسائر المطربين على المنابر السياسية العربية!

 

أما حرب "التحرير" فغير بعيدة ومختلفة عن حرب الإلغاء بمضامينها وأهدافها: إذ هي تتويج طبيعي للأول. والجنرال "الإلغائي" عون (وسائر الإلغائيين) ها هو يعلن حرباً على "المحتل" السوري لتحرير لبنان منه. عال! وإعلان الحرب هذا لم يكلفه به أحد: لا الشعب اللبناني (كأكثرية) ولا البرلمان ولا الحكومة هو كلّف نفسه به لأنه كان هو رئيس حكومة عسكرية تقسيمية طائفية لا تمثل أي إرادة عمومية أو على الأقل استفتاء عمومياً. ولم تكن "مشروعاً" وطنياً "إجماعياً" بقدر ما كانت مغامرة القائد الواحد الأوحد لتشريع وجوده على سدة رئاسة الجمهورية: كانت معركته الرئاسية هي (كما هي الحال اليوم) أكثر مما كانت معركة التحرير.

 

وهنا جنونها وعبثيتها... أي هنا بالذات اصطدامها بالجدار: وكان من الطبيعي في ظل قوى غير متكافئة بين الجنرال وبين النظام السوري... أن ينهزم الجنرال وتنهزم معه "حربه التحريرية".... وحلمه الرئاسي (المزمن حتى الدموع!). هذه الحرب شملت مختلف المناطق اللبنانية: وفتحت المقابر على امتداد المعارك من ضحايا وقتلى: من الجيش السوري الى الجيش اللبناني (الذي ورّطه عون بحربين لم يجهز لهما) فإلى الميليشيات فإلى الناس. وكان للناس النصيب الأوفر من الخراب والأضرار والضحايا: المقابر في كل مكان ولا تحتاج الى من يخفيها: فالقتل المتبادل علني وبكل الأسلحة وبكل التكتيكات وبكل أنواع الجنون: من المجازر الجماعية (الجنود والضباط الذين دفنوا في مقبرة جماعية)، وكذلك المجازر الجماعية في الملاجئ (القصف العشوائي الذي صرع كثيرين في أحد ملاجئ بيروت (الغربية)، فإلى مجزرة اليونيسكو... إلخ.

 

إذاً فالمجازر المذكورة التي ارتكبتها القوات السورية فتحت المقابر، والمجازر التي ارتكبها عون فتحت المقابر أيضاً: مقابر بمقابر! وخسائر بخسائر! ورعب برعب! كل هذا لأن الرئيس حافظ الأسد لم يرضَ تعيين عون رئيساً! ذلك أن عون الذي استجلب السلاح من سوريا لمحاربة القوات اللبنانية استجلب السلاح والمال والمساعدات من صدام حسين لمحاربة السوريين: حرب البعثين دخلها عون من باب حلمه الرئاسي المستحيل!

 

وهل نعود الى حروب السنتين (75 ـ 77)، وما تخللهما من مذابح وتهجير ومقابر جماعية وتصفيات فردية... بلغت مئات الألوف..! إذاً الموضوع شائك وشيّق ودسم لمن يريد: قد نعثر، إذا ما نبشنا أرضنا، على عشرات أو مئات المقابر الجماعية والفردية، فلماذا لا يتنكّب الجنرال عون، وهو "البريء" ونظيف الكف من المال والدم (كما أسلفنا وبيّنا عبر حروبه) ويطالب بتحقيقات ميدانية في كل لبنان: من مذابح صبرا وشاتيلا الى مذابح المخيمات، فتل الزعتر، فما بين الفصائل الفلسطينية المتنوعة الانتماء: من الصاعقة الى فتح فإلى الجبهة شعبية...

 

فإلى كل الأحزاب "اللبنانية": الكتائب، الأحرار، المرابطون، الشيوعيون، القوميون، منظمة العمل الشيوعي، والبعث السوري والبعث العراقي... عندها يكون كل شيء متبادلاً: نعود الى القبور والشواهد والمقابر لنقرأ تاريخنا كله جيداً. وعندها لن يكون لأحد أن يشمت بأحد ولن يكون لأحد أن يبرئ نفسه ويتهم الآخرين (إلاّ اذا برأه التاريخ والتحقيقات)، ونكون بذلك، قد سعينا عبر الادانة الذاتية الى ادانة عمومية، والى تظهير كل ما ارتكبته اسرائيل من مجازر في حق الفلسطينيين واللبنانيين والمصريين والسوريين والأردنيين! اذاً كلنا سواء في أرض "الانبياء" و"الرسل" والأولياء!

 

أمّا ان يتقدم ميشال عون ويرد على سقوط تياره المدوي في الانتخابات النقابية للمهندسين وسواها وعلى انسحاب ميشال المر من كتلته، ومن اهتزاز الوضع التنظيمي والسياسي في تياره... وفي محاولة تعمية الأسباب والعراقيل التي تُفتعل لمنع انتخاب المرشح التوافقي الجنرال ميشال سليمان... ويفتح ملفاً أكبر منه، وملفاً لا يسلم منه، لا في حربيه المشهورتين (لم يربح الجنرال معركة واحدة في حروبه الخاسرة!) بل في حروبه الأخرى "العسكرية، والميلشيوية! ملف المقابر الجماعية وفي منطقة معينة، فهذا يعني الشروع في مغامرة جديدة لن يكون هذة المرة عون "بطلاً" فيها بل أحد "طباليها" لاتساعها وتجاوزها الحدود اللبنانية والتفاصيل القائمة.

 

أي الى حروب لن تؤدي يا جنرال سوى الى مقابر جديدة مفتوحة وغير مفتوحة، مدفونة وفي الهواء الطلق، وعلى الأشجار والروابي، والأرصفة، والمدن... كلامك بهذه الطريقة استمرار للتحريض على الانقسامات والتقسيمات والتنازع غير المدني. ونظن أن "البيادق" ستنقلب هذه المرة قبل سواها، وقبل الهيكل وقبل البلاد والعباد... فتذكروا أيها البيادق!

 

كفاك لعباً بالنار: امتهنت هذا اللعب في حروب عديدة وفشلت! وكنت كلما خسرت حرباً تنقل البندقية الى كتف أخرى وإلى جهة أخرى لتدفعك الى حرب أخرى... وهكذا دواليك! فمتى ستقلع ايها الجنرال عن هذه الحرفة.. وعن هذه العقلية الموروثة من الأنظمة العربية وغير العربية، الاستبدادية: وهنا نقول لك بكل بساطة: اللبنانيون بأكثريتهم لا يريدونك رئيساً عليهم: فهم جرّبوك "رئيس حكومة" صَنَع حربين، فما بالك اذا صرت رئيس جمهوريتهم: فكم حرباً ستصنع! جربّك اللبنانيون وخسرت الرهان.

 

وكرروا الرهان بعدما عدت من المنفى. فخسرته مرة أخرى: وها أنت اليوم خاسر في كامل الأبهة الخاسرة! ولكن لن يقبل احد (ولا حتى الكثير من المنتمين الى تيارك وقد بدأوا يتبرمون) ان تغامر بكل شيء... من أجل اللاشيء، تيمناً بالعقل الشمشوني.. علي وعلى اعدائي يا رب!). ولكن من هم اعداؤك: لا أحد يعرف، ذلك انه لا احد يتكهن مع من تكون غداً: هل تنقلب على حزب الله، كما انقلبت على 14 آذار وحلفائك؟ هل تنقلب على سوريا كما انقلبت اليها...؟ لا أحد يدري سوى ان المنقلب عند عون وجهته الرئاسة: من يؤيده يكن معه، ومن لا يؤيده يُعادِه!

 

واذا صدف انه فقد التأييد من الجميع عادى الجميع (ونظن ان لا احد يريد عون رئيساً حتى بعض حلفائه البعثيين والجهاديين: فهم يستعملونه لتعطيل الانتخابات وليس لانتخابه).

 

ويبدو أن عون اليوم بعدما احترقت اوراقه الجديدة والحالية ها هو يعود الى الأوراق القديمة: القبور! نبشها، لاضافة عناصر قديمة الى "تجديداته الفكرية والسياسية: باتت المقابر بأنواعها المادية والمجازية من "حلوله"العجائبية: حليف المقابر الأقوى: من مقابر "حالات" الوهمية، الى مقابر بعض الشهداء كانطوان غانم الذي لفق له "خبرية" بإعلانه انه كان سيترك 14 آذار، وينضم اليه ولهذا ربما قتل، وفي هذه "التلفيقة" تدنيس للميت، وتبرئة للقتلة (يخترع مقابر جماعية ضد خصومه ويبتكر تبرئة للقتلة): لعبة موتى ومقابر لسانها عون، ولكن ما نخشاه ان يكون هذا "التردد" الكثير الى "الشواهد" والقبور...

 

علامة "الساعة" عند عون: او اعلان نهاية مبكرة أو متأخرة، فيكون بعدها "كالشبح" الطائف بين النهايات، وفي شقوق الساعات المنقرضة، وفي ظلال الموتى يستلهم ما يستلهم في حروبه مع الأحياء: بل كأن عون بدا "العائد" من وراء المقابر الجماعية الى مدن لم يعد يرى فيها، سوى اما تخيلات مقابر جماعية، او مستقبل مقابر جماعية! كأن هذا الرجل ينتهك حرمة الموتى، وذكراهم وشهادتهم ويحوّلها مادة للابتزاز السياسي: فالذي يبتز الأحياء في الحروب والمصائر، يبتز الموتى! ولكن من يصل الى هذه المدارك، لا بد ان يكون في طريقه الى التفكك: (والنهايات تفكك) او في طريقه الى ان يصبح إما مقبرة جماعية مدفونة تنتظر من ينبشها: او مقابر جماعية ممتدة على طول الوطن وعرضه!

 

ذلك اننا بتنا نخشى ان يتحول الجنرال من رقم ما في السياسة اللبنانية الى مجرد شبح مجهول الاقامة! أو ان يصير هو، وبكل أسف، مجرد مقبرة مأهولة بصنوف الأشباح. فكيف يكون الجنرال جنرالاً ويصبح فجأة حفرة مفتوحة بلا قرار ولو "عَمّق الحفار الحفرة الى آخر سوداوية النفس وقتامها وعتمتها وجرائمها السرية والمعلنة!

 

فهل يتحول ميشال عون من "جنرال الجيش المهزوم" الى جنرال المقابر المنبوشة؟!

بول شاوول