كيم إيل عون

بقلم/راشد فايد

بعيدا عن فنون "الزوم إن" و"الزوم آوت" التي لفتنا إلى لعبتها الأمين العام الاشهر في خطابه الشهير في الثامن من آذار 2005، يمكن القول إن المشاهد التي بثتها محطات التلفزة، حتى الثماني آذارية منها، من جولة العماد ميشال عون في رعاية "حزب الله" في الجنوب، لا تسر الصديق ولا تغضب العدو، والعكس صحيح بالتأكيد.

 

فالحضور الجماهيري الهزيل لم يكن في مستوى سطوع الشمس التي افترض بيان "التيار الوطني الحر"، قبل يوم من "الزيارة العاجلة"، انها ستكون "أكثر ضياء على الجنوب الذي سيدخل هيكل ثقافة الحياة". فقد غابت "سعف الترحيب"، وندرت اللافتات التي "تسابق الخطاطون" - بحسب موقع التيار على كتابتها، لكن حضرت دلالات كثيرة، ليس أبرزها أن الاجواء التي أحيطت بها الزيارة ذكرتنا بقراءاتنا في السبعينات لأدبيات الانظمة الشمولية، لا سيما عن إطلالات الرفيق كيم إيل سونغ "المحبوب لقلوب أربعين مليون كوري" والتي كانت تمنح الشمس مزيدا من السطوع وتبارك بطون الحوامل وتمنح الخصوبة للرجال والأمومة للعاقرات .

1 - أراد الجنرال من الجولة، في ما أراد، "استرداد جزين" كما قال الوزير جبران باسيل الذي أقر، ضمنا، بولاية "حزب الله" على الجنوب.

 

2 - وأراد الحزب من بيان "العلاقات الاعلامية" فيه الذي رسم للجنرال خطوات زيارته العاجلة (لماذا عاجلة أصلا وما الذي عجل بها؟) أن يقول إنه حامل مفتاح الجنوب وإن الدخول اليه لا يكون إلا من بوابته، من دون أن يغفل مسايرة حليفه رئيس مجلس النواب وحركة "أمل" بإعطائه دورا هو استئذان الجنرال له باتصال هاتفي و"وضعه في أجواء الزيارة".

 

3 - لم يرحم الجنرال حتى حليفيه، في سعيه الى شد العصب الطائفي عله يساعده على "نجاح دفتري" في الانتخابات المقبلة، فاعتبر صهره الوزير جزين تحت احتلال يستوجب استردادها (طبعا بالوثيقة التفاهمية)، لكنه أحرج الحليف الأضعف واقعيا فاستنفر نائب "كتلة التنمية والتحرير" علي بزي الذي عكس خوفا من أن يصبح مسيحيو الجنوب خارج عباءة "أمل" بعدما سحب الحزب من تحتها، أو كاد، جل شيعة الجنوب بمحافظتيه.

 

4 - اثبت الجنرال استعداده الطيب لنجدة حليفه الأكبر عند الحاجة. فبعد اكثر من ثلاث سنوات على عودته من المنفى، وأكثر من سنتين على توقيع الوثيقة الشهيرة تذكر زيارة الجنوب وتحديدا بعد الغيبوبة التي دخلتها الوثيقة الثانية في سجل الحزب، وهو ما كشفه في كلمته في بنت جبيل حيث أراد أن يطيّب خاطر حليفه باتهام الآخرين بمحاربة نياته الوطنية الطيبة، لكأن الدولة تبنى بالتفاهمات بين المجموعات المتناحرة وليس بالتسليم لهذه الدولة بسلطتها على الوطن والمواطنين.

الدلالات تتنافس مع الوقائع في "تزيين "الزيارة:

 

1 - اكد النائب حسن فضل الله، ربما من دون أن يتنبه، أن الجنرال كان على تفاهم مع "حزب الله"منذ ما قبل عودته الى بيروت وقبل الانتخابات النيابية وقبل خلوة مار مخايل الشهيرة. أي أن كل ما روّجه في تلك الانتخابات عن "الذئب" الذي يريد "أكل" المسيحيين لم يكن الا لاستنفار الغرائز الطائفية واستدرار خوف الناخبين.

 

2 - رفض الجنرال، في حديث مع أحد المواطنين، استرجاع مزارع شبعا (وتلال كفرشوبا والقسم اللبناني من الغجر) مصرا على أن يكون ذلك بالتحرير، أي بالعمل العسكري، ناسيا أنه في زيارة الى الجنوب وأنه سيعود مساء الى الرابية ولن يبقى في جزين أو رميش.

 

3 - تبرأ الجنرال من المسؤولية عن إعادة اللبنانيين الفارين الى اسرائيل محيلا الموضوع على رئيس الجمهورية ومتجاهلا أنه بنى على مأساة غالبيتهم "مجد" وثيقته مع الحزب.

 

4 - لم يحمل الجنرال في "زيارته" الى أهل الجنوب المسيحيين إلا هدية واحدة هي التخويف من الآخر: الآخر الذي يشتري الاراضي في جزين، بحسب زعمه. والآخرون الذين لا يعترفون بالآخر. والآخرون الذين "مع الخطوط التي لا تعترف بالهوية اللبنانية ولا بالحدود اي الوطن اللبناني".

 

لكن الأهم هو تجاهل النائب عون أنه كان يجول في منطقة يرشحها "حزب الله" باستمرار لتكون منصة لايران، وحاجزا يرد عنها أثمان طموحاتها الاقليمية.

وبينما كان العماد يجول تحت علم الحزب وفي حماية عناصر انضباطه، كان رئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد يعلن من إقليم التفاح المجاور والملاصق لجزين أن "ايران مصممة على أن ترد الصاع بألف صاع لكل من تراوده أوهام الاعتداءات عليها، وأول طلقة تطلق من الكيان الصهيوني في اتجاه أيران ينتظرها رد بــ 11 الف صاروخ". وأضاف: "هذا ما يؤكده القادة العسكريون في الجمهورية الاسلامية".

 

قد يكون للجنرال مبرر في عدم الانتباه الى مغزى كلام رعد. فالأخير لم يحدد عن أي صواريخ يتحدث. هل هي الـ 11 ألف صاروخ التي يملكها حزبه؟ الاجابات ليست متعددة، ولا تلغي سؤالا آخر لم يجب عنه الجنرال: هل يذكر كلامه السابق أيام المنفى على أن حزبه الحليف لا يملك قراره ويأتمر باوامر سوريا؟

 

عن المستقبل 26/8/2008