انقلاب الأقلية على اتفاق الطائف والدستور محكوم بالفشل

المستقبل - الثلاثاء 23 تشرين الأول 2007

النائب عمّار حوري(*)

 

حين تسقط الأقلية، والتي تسمي نفسها معارضة، بتكرار تجربة استعمال سلاحها أو التهديد باستعماله في الداخل بأساليب مختلفة، تعلم تماماً انها ومن خلال هذا الأسلوب الميليشيوي تقوم بانقلاب على اتفاق الطائف والدستور، وتحاول ربما عن سابق إصرار إنهاء مرحلة السلم الأهلي، والعودة إلى لغة ممجوجة مرفوضة، أسقطها اللبنانيون بمعظمهم بعد تجربة الحرب الأهلية، اعتقاداً من قيادة الأقلية عن سوء تقدير بأنها قادرة على قلب الموازين، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، واستعادة امتيازات فقدتها بعد الانتصارات الديموقراطية الكبيرة التي حققتها الأغلبية منذ الجريمة الزلزال جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، حين نجحت الأغلبية باستعادة معالم السيادة على الأرض اللبنانية تنفيذاً لما ورد في اتفاق الطائف، والفوز بأغلبية نيابية واضحة، وتشكيل حكومة تعبر عن مفاهيم الحرية والسيادة والاستقلال في لبنان العربي بالاختيار لا بالإجبار، أملاً بدولة تعبّر عن مجموع مصالح المواطنين، دولة آمنة وليست أمنية تؤمن بأن الأمن هو نتاج مناخ سياسي، لا خطف فيها لمجلس الوزراء من أحد، دولة تكون فيها الحريات العامة مصانة بما فيها حرية التظاهر بعيداً عن استعمال هذا التظاهر كسلاح يصادر إرادة الآخرين، دولة تحترم المجتمع الدولي وتتفاعل معه كعضو فاعل في الأسرة الدولية نجح في حشد دعم اقتصادي تم التعبير عنه في مؤتمر باريس 3 ومؤتمرات اخرى، ونجح في حشد دعم كبير لإقرار المحكمة ذات الطابع الدولي لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد والجرائم ذات الصلة.

 

تم كل ذلك، فوجدت قيادة الأقلية أن لا حل أمامها وأمام امتداداتها الإقليمية إلا بإسقاط اتفاق الطائف والدستور والمؤسسات، وإسقاط القرار الوطني من يد الحكومة، وقلب الطاولة بالكامل، فحددت آلية التنفيذ للقضاء على المكتسبات الوطنية التي تحققت بعد ثورة الارز ووضعت خطتها تحت عنوانين رئيسيين: أولهما منع المحكمة ذات الطابع الدولي بأي ثمن، وثانيهما إعادة تركيب الدولة وفق المثالثة، أي الشيعية والمسيحية وباقي الطوائف، وحيث انها لا تملك الوسائل الديموقراطية الدستورية لإسقاط الاتفاق، سواء في المجلس النيابي أو الرأي العام، قررت تنفيذ انقلاب بكل ما في الكلمة من معنى، فوضعت قيادة الأقلية الخطة الميدانية للانقلاب، تناغماً مع المصالح الإقليمية المعروفة، وتم توزيع الأدوار على كبار وصغار الأقلية مهما صغر حجمهم، فأعطيت أمرة استعمال السلاح ومكانه وزمانه وطريقة توزيعه واستعماله والتدريب عليه لقيادة الأقلية حصراً، إضافة لكونها أصلاً الوكيل المحلي لتوزيع الأموال النظيفة، وأعطيت للتابعين في الأقلية بعض المهام التي تناسب أحجامهم وترافق هذا التحضر للعمل الانقلابي المسلح مع تجييش إعلامي غير مسبوق ترافق مع حملات تضليلية منظمة تفوقت ببعض أساليبها على مسيلمة الكذاب في العصور السابقة وعلى غوبلز في العصر الحديث.

 

وإذا راجعنا التسلسل الزمني لمراحل الانقلاب، نجد انها ابتدأت يوم 8 آذار 2005 بمحاولة ثانية لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لكن هذه المحاولة لم تنجح مع إسقاطها بالضربة القاضية يوم 14 آذار 2005 حين انتفض الشعب اللبناني بشبه إجماع معبراً عن رفضه للمحاولة الانقلابية، وإصراره على المضي في خطوات الحرية والسيادة والاستقلال.

 

ومع اغتيال الشهيد جبران تويني في 12/12/2005 واتجاه الحكومة لطلب المحكمة ذات الطابع الدولي من حيث المبدأ، اعتكفوا وخرجوا من الحكومة في محاولة لإحياء فرص الانقلاب على الشرعية والمؤسسات الدستورية التي أفرزها اتفاق الطائف. ومع فشل نتائج خروجهم، ومع ضرورة عودتهم وفق خطتهم الانقلابية لمحاولة التعطيل من داخل مجلس الوزراء، افتعلوا موضوعاً لم يكن مطروحاً في حينه حول سلاح حزب الله، إلى أن نادوا بالسيناريو المعروف والذي لم تغير الحكومة ولا الأكثرية موقفها منه.

 

توالت مراحل انقلابهم، فجرّبوا ارهاب الناس وتخويفهم، فاتبعوا أسلوباً جاهلياً كالذي قاموا به بعد برنامج بسمات وطن الشهير في 2 حزيران 2006 بالاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة، والاعتداء لاحقاً ودائماً على لوحات إعلانية أو صور لسياسيين، وفرض صورهم وشعاراتهم دون غيرها. كل ذلك لم يوفقوا فيه وكانت المراحل تسقط الواحدة تلو الأخرى، وليس سوى أنهم وفي موازاة كل ذلك اتبعوا سياسة كسب الوقت، خلال مؤتمري الحوار والتشاور والذي لم ينفذوا حرفاً مما التزموا بهما.

 

جاءت حرب تموز، التي استدرجتها الأقلية، تأكيداً لمصادرة قرار الدولة بالسلم والحرب، وخدمة لملف نووي إيراني يحاول تحسين موقعه التفاوضي إقليمياً، ومحاولة ودون أدنى شك لعرقلة إنجاز المحكمة ذات الطابع الدولي. سقط الشهداء الذين ننحني جميعاً أمام تضحياتهم ودمائهم، وتمكنت الحكومة من خلال مقاومتها الديبلوماسية مدعومة من الأكثرية من الصمود والانتصار السياسي وإنجاز نصر سياسي للبنان تمثل بقرار مجلس الأمن 1701، كل ذلك بشهادة بعض الأقلية وكل العالم.

فشلت أهداف الأقلية من حرب تموز في دفع الانقلاب إلى مراحل متقدمة، فحصلت الاستقالات الشهيرة بعد اغتيال الوزير والنائب الشهيد بيار الجميل، حين وافقت الحكومة من حيث المبدأ على نظام المحكمة، وبدأت مرحلة انقلابية جديدة تمثلت بالاعتداء على الدستور نصاً وروحاً، والاعتداء على اتفاق الطائف.

 

لم تصل الاستقالات إلى مبتغاها، فقررت قيادة المعارضة النزول إلى الشارع في أول كانون الأول 2006 واحتلال الشوارع والساحات وإلحاق أكبر ضرر ممكن بمصالح الناس، خلافاً للدستور والقوانين المرعية وخلافاً للأديان والأخلاق، تتبعها طبعاً في الشارع مجموعات التابعين، ويتبعهم صغارهم، وكان هذا اليوم يشكل ساعة الصفر لاحتلال السراي الكبير وإسقاط الحكومة في الشارع، واشتراط الثلث المعطّل في الحكومة، ولايخفى على أحد ماذا يريدون أن يعطلوا. ولعلنا لم ننسَ كلام النائب ميشال عون من أن الرئيس السنيورة لن يتمكن من جمع أوراقه وأغراضه قبل اضطراره لمغادرة السراي وهذا ما لم ولن يحدث، مما اضطرهم لمحاولة ثانية يائسة يوم العاشر من كانون الأول 2006.

 

سقط الانقلاب في المأزق الكبير، ففي السياسة لم تتمكن الأقلية من تغيير الأكثرية النيابية ولا الحكومية، برغم سقوط الشهداء من الوزراء والنواب، ولم تنل طبعاً الثلث المعطل، وفي الشارع لم تتمكن الأقلية من اجتذاب تأييد ما يتجاوز أقليتها في الرأي العام، بل لم تتمكن من اجتذاب تأييد أكثر من طائفة واحدة جزئياً من أصل طوائف لبنان الثمانية عشر، فاهتزت صورة قيادة الأقلية في الدول الشقيقة والصديقة وفي كثير من دول العالم وسقطت قيادة الانقلاب، قيادة الأقلية، بالمذهبية الضيقة المرتبطة اقليمياً بجهة غير عربية، وسقط صغار الأقلية بالأساليب المفضوحة الممجوجة المرتبطة بنظام الوصاية.

 

بدأت قيادة الأقلية بفقد أعصابها، وزاد خطابها توتراً، بعد فشل كل مراحل الانقلاب السابقة، فقررت استعمال كل ما لديها لفرض الانقلاب بالقوة. فكان يوم 23 كانون الثاني 2007 هذا اليوم الأسوأ في تاريخ قيادة الأقلية وأتباعها والذي عاثوا فيه فساداً بعيداً عن أي وازع وطني أو ديني أو أخلاقي، فأقفلوا الطرقات ودمروا الممتلكات العامة كما في عصور الجاهلية، وأرهبوا الناس كباراً وصغاراً شيوخاً ونساء، وكالعادة كان الفشل في انتظارهم.

 

لم يصبروا سوى ساعات قليلة فقاموا يوم الخميس الاسود في 25 كانون الثاني 2007 بالهجوم الشهير على منطقة الطريق الجديدة ليسفر عدوانهم عن سقوط عدد كبير من الشهداء والجرحى وتدمير الممتلكات العامة والخاصة، وأهم من ذلك كله تدمير بقية باقية من احترام لهم في العالمين العربي والاسلامي وفي دول العالم، فكان الفشل الذريع لقيادة الأقلية بعد الوقفة البطولية لأبناء المنطقة في التصدي للانقلابيين، فوقعت هذه القيادة بشر أفعالها، وتدخلت ايران مباشرة منعاً لتفاقم الأمور.

انتقلت قيادة الأقلية بعدها الى قرار استعمال السلاح مباشرة، فكان توزيع السلاح والتدريب عليه، وبدأ توزيع المال النظيف بكثافة، مع اختراع واجهات وتجمعات جديدة لصغار الأقلية، واستغلال التابعين تحريكاً لنزوات سياسية لديهم نتيجة حالات مرضية معروفة، كل ذلك تمهيداً للمحاولة الأخيرة البائسة واليائسة في مراحل الانقلاب لمنع انتخاب رئيس للجمهورية بالقوة.

 

وبعد، لقد حاولت قيادة الأقلية تغيير نظاراتها أملاً بتغير الحقيقة لكنها لم ولن تتغير. حاولت جعل المحكمة على قياس المجرمين وليس الجريمة فلم توفق. حاولت فرض رأي من تنتمي إليهم إقليمياً وعربياً بالقوة فضعفت وتقهقرت. حاولت تغيير نهج المقاومة من سرية الى أسلوب العراضات فكان ما رأته بأم العين. حاولت افتعال واسع ثم التذرع به فأضحت كالمقاتل على طريقته بغير خطط. اخترعوا أرقاماً وريبورتاجات كاذبة أكدت لنا وللرأي العام أن ما من أرقام تكذب لكن بعض الكذابين يرقمون، وان ما من سماء تدعو للكفر لكن بعض من يدعون الانتماء إليها يكفرون ويكفّرون. لقد حاول الانقلابيون أن يفرضوا علينا نحن الضحايا ضبط النفس، وعلى شهدائنا التحلي بالصبر، وعلى أهل الشهداء تقدير ظروف القاتل وعصبيته واحترام تاريخه، ونحن في المقابل نقول: انقلاب الأقلية على اتفاق الطائف والدستور محكوم بالفشل.

 

فلسوء حظهم ولحسن حظنا نحن في تيار المستقبل وقوى 14 آذار تعلمنا من الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومن كمال جنبلاط ومن كل شهدائنا أن أفضل سبيل للتغلب على الصعاب اختراقها، وان من يملك الارادة يمتلك القوة، وأن الواثق من نفسه يقود الآخرين، وان ما من أحد أكبر من وطنه. تعلمنا أن هناك طريقتين ليكون لدينا أعلى مبنى، إما تدمير كل المباني من حولنا، أو أن نبني أعلى من غيرنا، فاخترنا نحن في 14 آذار أن نبني أعلى من غيرنا واختارت قيادة الأقلية أن تدمر كل ما عداها من مبانٍ.

 

أما أنتم يا أبناء وطني الأوفياء الشرفاء، فمعاً نجدد العهد والوعد والسير معاً على نهج الاعتدال دون خوف، والاقدام دون تهور، والطموح الواثق دون حدود، نهج الكبار المتعالين الذين يرفضون مجاراة الصغار وأساليبهم، نهج اتفاق الطائف بما يعنيه من نهائية لبنان ككيان لجميع أبنائه، وما يعنيه من عروبة واثقة بنفسها وناسها وأمتها وبكل المبادئ السامية والنبيلة، وما يعنيه أيضاً من إيمان بالعيش المشترك والوحدة الوطنية، وبالنظام الديموقراطي وبالحريات في إطار القانون، وصولاً الى نهوض حضاري يسعى إليه كل مؤمن بمستقبل هذا الوطن.

 

لن نقبل الوصاية ولا التبعية ولا التحول الى ساحة للصراعات الاقليمية أو الدولية، سنتمسك بكل ما أوتينا من قوة بعروبتنا ودولتنا وحريتنا وسلامنا الوطني. لن ننغمس في سجالات التضييع والتمحور، وتفويت الفرص السانحة لاعادة الاعمار والنهوض وتحسين شروط حياة الناس، والافادة من الاهتمام العربي والدولي في دعم صنع مستقبل آخر للبنان، ولن نقبل السير إلا في ما يزيد مواطنينا أمناً واستقراراً وحرية. ان اللبنانيين يستحقون دولة مدنية آمنة وكاملة وسيادة غير منقوصة، ونظاماً ديموقراطياً قوياً، يستطيعون فيه ممارسة حياتهم بشرف، وحرياتهم العامة، ويتمكنون بالابداع وبالحرية من صنع المستقبل الواعد والزاهر وتطوير ثقافة الحياة، في إطار لا يجوز الجدال فيه أو تناوله وهو العيش المشترك، والدولة الواحدة سلطة وأمناً وقراراً وحرية. يستحق الشعب اللبناني بعد الآلام الطويلة والحروب المستعرة، فرصة للاستقرار، وفرصة للنمو، وفرصة لبناء المستقبل. لكل ذلك نؤكد ان انقلاب الأقلية على اتفاق الطائف والدستور محكوم بالفشل.

 

(*) عضو كتلة "المستقبل"