جنبلاط متخوّف من شراء أراضٍ على 3 خطوط لتطويق الجبل وإقامة حزام شيعي

النهار - 2007 / 5 / 3

كتبت هيام القصيفي:

كما كانت لافتة جولات النائب وليد جنبلاط في الفترة الاخيرة على بلدات الجبل، كذلك كانت لافتة عودته الى الحديث عن بيع اراض في منطقة حاصبيا ومرجعيون، وان "مساحات شاسعة من الاراضي في منطقتي حاصبيا ومرجعيون تحولت مستوطنات عسكرية"، مؤكداً في 21 نيسان الفائت ان "وجودنا في خطر، لان اي مجموعة بشرية اذا ما فقدت ارضها فانها تفقد وجودها. وعندما تبيع اي مجموعة ارضها تفقد وجودها(...) اقول للبعض الذي يبيع ارضه، ايا يكن، انه عندما يبيع الارض انما يبيع كرامته ووجوده".

 

ليست المرة الاولى يتحدث جنبلاط عن موضوع بيع الاراضي، وهو الهاجس الذي يشكل خبزه اليومي، والذي دفعه حتى في عز حرب الجبل والتهجير الى الايعاز بمنع بيع اراضي عاليه والشوف، ونقل الملكية من المسيحيين الى غير المسيحيين. لكن هوية الجبل، الدرزية - المسيحية، لم تعد تلك الهوية التي كانت تحمي كيانه، ولو عرف هذا الكيان خضات تراوح بين العنف والسلم. واستتباب السلم جعل القرار غير المعلن بمنع بيع الاراضي قرارا لاغيا، لان المسيحيين المهجرين من الجبل استوطنوا في بيروت وكسروان وجبيل، ولان العودة تأخرت والجبل لم يعد يمثل لهم ذلك المكان الآمن، ولان الحاجة الاقتصادية باتت كبيرة، صارت اسباب البيع متعددة. وثمة مسلمة يجب الاعتراف بها، هي رغبة المسيحي في الانتقال الى المجتمع الاكثر امانا له مستقبلا.

 

لم تنفع اموال المهجرين في اقناع المسيحيين بالتمسك بأرضهم، فبدأت عمليات بيع الاراضي تأخذ مداها، تدريجا لغير اللبنانيين، وتحديدا للخليجيين، وتركزت عمليات البيع في منطقة المتن الاعلى، في قضاء بعبدا، وتوسعت تدريجا الى بلدات جرد عاليه. مع الاشارة الى ان عمليات البيع لم تقتصر على المسيحيين فحسب بل شملت ملاّكا دروزاً، وخصوصا في المتن الاعلى.

 

لكن عمليات البيع على مدى اعوام السلم التي تلت اتفاق الطائف، ولا سيما من غير اللبنانيين، ضبطت وان بتفاوت بقرار مجلس الوزراء عام 2001 الذي حدد نسبة تملك الاجنبي بـ"ثلاثة في المئة من الاراضي اللبنانية حدا اقصى"، ولم تشكل تاليا هواجس كبيرة لدى جنبلاط او غيره من قيادات الجبل لان البيع من اجنبي، في نظرهم، لا يشكل خطرا على المفهوم الديموغرافي والسكاني والطائفي على هوية الجبل، لكون الخليجيين يتملكون من اجل قضاء اجازاتهم في لبنان، ويساهمون في تعزيز الحركة الاقتصادية، ولا يعملون على تغيير هوية الجبل الاجتماعية والدينية.

 

لم تقتصر عمليات البيع على الجبل، وسجلت عام 1995 "انفجار" قضية بيع اراض في منطقة جزين، ولا سيما انها اتت متلازمة مع مشروع القريعة، وهو ما دفع الناس في تلك المنطقة الى الاعتقاد ان ثمة رابطا بين القضيتين. ونشرت "النهار" في 29 نيسان 1994 تحقيقا عن بيع الاراضي في منطقة جزين، مشيرة الى ان عمليات البيع شملت 1200 عقار بين 1992 و1995 . وترددت حينها اسماء نافذين دخلوا على خط شراء الاراضي، منهم مايك نصار احد المساهمين في شركة "سوليدير" الذي قتل وزوجته في البرازيل بعد وقت قصير على اغتيال الوزير السابق الياس حبيقة.

 

نام موضوع بيع الاراضي فترة من الزمن، وعاد اليوم ليطل من الباب الشوفي، بعدما فتح النائب وليد جنبلاط ملفا فيه الكثير من الحساسيات، لانه يمس فريقا سياسيا يمثل الطائفة الشيعية، في فترة تحفل بالاحداث وبالتوترات بين الطرفين . ولان هاجس بيع الاراضي يكبر كثيرا لدى الاقليات، كان الخوف على منطقة جزين التي يهاجر اهلها ويتركونها الى بيروت والى خارج لبنان، لعدم اطمئنانهم الى مستقبلهم، والتي تباع اراضيها من الغرب ومن الشرق على حد سواء. وكان الخوف ايضا على منطقة الكورة التي تمتد اليها عمليات بيع الاراضي لسكان طرابلس وجوارها، وخصوصا ان المسيحيين في كلتا الحالتين هم الذين يبيعون ارضهم. الا ان التطور الاخير في منطقة حاصبيا هو بيع بعض الافراد الدروز اراضي هو الذي اثار مخاوف جنبلاط.

 

ولأن فتح أي ملف يحتاج الى وجهتي نظر، كان لا بد من القاء الضوء على المعلومات التي توافرت لدى الحزب التقدمي الاشتراكي حول عمليات بيع الاراضي في منطقة حاصبيا ومرجعيون ومن يقف وراءها. وخصوصا ان ثمة من يعتبر ان عمليات بيع الاراضي هي مشروع يهدف الى اقامة "محمية شيعية"، بدأت مقدماتها بتعطيل مجلس النواب وبايحاء منع انتخاب رئيس للجمهورية.

 

وفي المقابل كان لا بد لـ"حزب الله" من الرد على اسئلة "النهار" على لسان عضو المكتب السياسي غالب ابو زينب، ولا سيما ان الحزب يعتبر ان الخطر الاكبر من بيع الاراضي هو الذي يحصل في جزين وفي المنطقة الممتدة الى شرق صيدا، في عملية تكمل المشروع الذي بدأ في تلك المنطقة في الحرب وبعد التسعينات.

تشكل منطقة حاصبيا كما هو معروف امتدادا طبيعيا لمنطقة الشوف ذات الغالبية الدرزية والمتصلة جغرافيا بقضاءي عاليه وبعبدا. فحاصبيا تضم بحسب الدراسة الاحصائية للباحث يوسف شهيد زخيا الدويهي 20399 درزيا، يتواصلون في شكل يومي سياسيا واجتماعيا مع دروز الشوف الذين يبلغ عددهم 74954، ومع دروز راشيا البالغ عددهم 23995، اضافة دروز عاليه البالغ عددهم 81574 ودروز بعبدا البالغ عددهم 33910 .

 

من هنا فان خشية جنبلاط هي ان يتعرض التواصل الطبيعي الممتد جغرافيا من محافظة النبطية شرقا أي حاصبيا الى محافظة جبل لبنان للتهديد تلقائيا بفعل عمليات بيع الاراضي في المنطقة الواقعة بين حاصبيا والشوف من جهة، من طريق شراء اراض من ملاّك دروز وسنة، اضافة الى شراء اراض من ابناء منطقة جزين، والبدء بعمليات استطلاع وشراء اراض في قضاءي بعبدا وعاليه. وتتعدى الخشية فصل المناطق الدرزية الى محاولة انشاء "كيان" شيعي. وبحسب الحزب التقدمي الاشتراكي فان هدف عمليات شراء الاراضي في مناطق برغز والسريرة والقطراني هو ربط المناطق الشيعية الجنوبية في محافظتي الجنوب والنبطية بالبقاع الغربي من جهة حاصبيا، سواء عبر شراء قطع ارض في البلدات او في المساحات الجردية، ووصل المناطق الساحلية عبر شراء اراض في منطقة صيدا، وربط منطقة الضاحية الجنوبية بالبقاع الاوسط والشمالي عبر خط الضاحية القماطية - كيفون - سوق الغرب.

 

بحسب المعلومات المتوافرة لدى التقدمي، فان عمليات بيع الاراضي تتم عبر متمولين لحساب "حزب الله" وعلى صلة ببنك "صادرات ايران"، وهذه العمليات تهدف الى اقامة مجمعات سكنية كبيرة لعناصر الحزب وعائلاتهم على شكل قرى صغيرة تؤمن التواصل السكاني الشيعي بين قضاء النبطية وقرى شيعية في قضاءي راشيا والبقاع الغربي، وفك التواصل الدرزي بين الشوف وحاصبيا.

 

ومعلوم ان الشيعة في قضاء النبطية يشكلون بحسب دراسة الدويهي 176508 شيعيا، أي ما نسبته 94,63 في المئة من سكان القضاء، وفي البقاع الغربي 25,922 أي ما نسبته 22,96 في المئة من سكان القضاء. وشراء "حزب الله" الاراضي عبر مقربين منه من شأنه ان يعزز التواصل مع الوجود الشيعي المتنامي في البقاع الغربي بعدد 25,922 شيعيا، أي ما نسبته 22,96 في المئة من سكان القضاء.

 

وفي معلومات الاشتراكي ان الذين يشترون الاراضي هم متمولون شيعة قريبون من الحزب، وبرز منهم رجل الاعمال علي تاج الدين. وهو بحسب معلومات الاشتراكي من بلدة حناويه في قضاء صور، سافر الى افريقيا في اوخر الثمانينات، فعمل في زائير ثم في سييراليون وغيرها من الدول الافريقية. وبعد ازدهار اعماله نقل نشاطه الى لبنان حيث افتتح عددا من المصالح التجارية.

 

وبدأ بشراء عقارات في عدد من المناطق الجنوبية واقام عليها تجهيزات وشركات صناعية متنوعة. وهو يعمل لمصلحة "حزب الله" ويزور ايران في صورة مستمرة.

وقد اشترى تاج الدين مليونا ومئتي الف متر مربع في محيط بلدتي السريرة والقطراني في قضاء جزين، التي باشر العمل فيها لاقامة مجمعات سكنية عليها. واشترى نحو 300 الف متر مربع في منطقة برغز التي تؤمن له التواصل مع مرجعيون والقرى الشيعية في البقاع الغربي وراشيا. وقد تمت عملية الشراء من آل شمس في حاصبيا، وبوشر العمل فيها من اجل بناء 1600 وحدة سكنية.

 

واهمية هذه المناطق الحيوية انها تمكّن من يملكها من السيطرة على مدينة جزين التي تشكل المعبر الذي يربط الجنوب بالشوف الدرزي وبصيدا السنية. ومع تضاؤل الوجود المسيحي في جزين والنزعة الى بيع الاراضي فيها تكبر دائرة الخطر، وخصوصا في ضوء المعلومات ان اراضي بيعت بين عامي 2005 و2006 (الشاري خليل ياسين) شملت الحمصية وبتدين اللقش والميدان والغباطية وبنواتي وبكاسين، أي ما مساحته تقريبا مليون متر مربع، وهذا يزيد من احتمالات فقدان المنطقة لهويتها المسيحية، في مقابل تطويق الوجود السني في البقاع الغربي، الذين سيكون محاصرا بين البقاعين الشمالي والاوسط من جهة واتصال الشيعة في قضاءي مرجعيون والنبطية بالشيعة في البقاع الغربي وراشيا.

 

الخط الساحلي وخط الضاحية عاليه
يعتبر الاشتراكي ان نجاح التجربة الشيعية في الضاحية الجنوبية ونموها السكاني المتسارع، والتوسع في شراء الاراضي والممتلكات في بلدات المتن الجنوبي، تمهد في المنظار الشيعي للتوسع تدريجا نحو الجبل من جهة عاليه. وقد ساهم انحسار الوجود المسيحي في تعزيز التجربة الشيعية، ولا سيما في المناطق التي كنت تشكل عمق الضاحية كبرج البراجنة والشياح وحارة حريك. لكن المناطق الدرزية لم تسلم ايضا من التوسع، ولا سيما في منطقة صحراء الشويفات التي اذا ضمت الى الاوزاعي شكلت حزاما يطوق الجبل من جهة الغرب، ويفصل تاليا المنطقة الدرزية عن بيروت السنية.

 

اما النقطة الاستراتيجية الابرز على هذا المحور فهي خلدة، التي بدا يتشكّل فيها جيب شيعي الى جانب جيوب مماثلة في دوحة عرمون وبشامون، مع ما تمثله هذه النقطة الاستراتيجية الحيوية من ضرورة لوصل الضاحية ساحليا بالجنوب الشيعي. اضافة الى معلومات متفرقة عن بدء عمليات شراء مماثلة في منطقة الجية وجدرا وداود العلي في اقليم الخروب للهدف نفسه. اما الخط الآخر الممتد من بعبدا صعودا في اتجاه كيفون والقماطية فآخذ هو الاخر في التوسع في اتجاه سوق الغرب التي سجلت فيها عمليات شراء متزايدة. وبحسب معلومات التقدمي، فان العمليات تتم على يد احد افراد التابعية الايرانية واسمه علي كرمشهاني لحساب علي تاج الدين. وتمثل سوق الغرب بدورها، اسوة بالشويفات وخلدة، نقطة استراتيجية لاشرافها على الضاحية وبيروت. وبحسب معلومات الحزب التقدمي فان عمليات الشراء في سوق الغرب تتناول كلها مواقع حساسة وحيوية، وتتم وفق عمليات مموهة وباسماء مستعارة.

 

وتشير معلومات الحزب التقدمي الى ان ثمة محاولات حثيثة للدخول الى قلب الشوف، ومنها شراء اراض في السمقانية وعين وزين لمصلحة طعان حسن العنان.

 

"حزب الله": نقاوم الفيديرالية

في مقابل معلومات الحزب التقدمي الاشتراكي، ماذا يقول "حزب الله"، على لسان ابو زينب؟

يعتبر جنبلاط ان الحزب يخطط لشراء الاراضي من المسيحيين والدروز من اجل وصل الجنوب بالبقاع الغربي؟

اذا سلمنا بالمخطط الذي يتحدث عنه جنبلاط، فما هي الخطوة التالية؟ هل لدى الشيعة مخطط لقيام فيديرالية في لبنان مثلا؟ نحن نعتبر ان مقتل كل التفكير الشيعي و"حزب الله" و"امل" ان يحدث التقسيم في لبنان وتقوم الفيديرالية. وهما يقاتلان في شكل حاد لمنع هذا المشروع. اما اذا كانت عمليات شراء الاراضي في منطقة معنية تثير حساسيات، فلان البعض يريد ان يبقي منطقته مفتوحة لتطورات ما في المستقبل اذا اقتضت ان ينشئ كانتوناً ما. ووجود لبنانيين من غير طائفة يؤدي الى منع قيام هذا الكانتون او المنطقة الفيديرالية. وهذا يعني ان ما يحصل هو ضرب لمشروعه الذي يفكر فيه، وليس لمشروع الآخرين. من هنا استغرب الا يثير شراء الاراضي في منطقة جزين حفيظة جنبلاط. مع العلم ان ملايين الامتار بيعت من موظف بسيط يدعى خليل ياسين، الذي يشتري اراضي ومناطق واسعة من دون ان تثير هذه العمليات حفيظة السيد جنبلاط، لانها تقع خارج نطاق المشروع الذي يريده.

 

تعتقدون ان جنبلاط يثير الموضوع لانه يريد ابقاء المناطق الدرزية على صلة ببعضها من اجل مشروع اقليمي؟

- طبعا. هو يحاول ابقاء هذه المناطق متصلة ببعضها، لان احد الخيارات المطروحة امامه هو انشاء كانتون تتصل مناطقه بعضها بالبعض الاخر، ووجود لبنانيين من غيرمذهب يعطل عليه هذا المشروع، دون ان يعني ذلك ان هذا المشروع سيتحقق غدا، او انه يتجه اليه قريبا.

 

اراضي جزين

لكن السؤال هو ان عمليات الاراضي التي تباع من شخص يقال انه قريب منكم، فهل علي تاج الدين يرتبط بعلاقة مع "حزب الله"؟

- طبعا لا. علي تاج الدين رجل متمول ومليونير كبير، معروف في افريقيا وفي المنطقة التي يشتري فيها. وتاليا لم نصطنع رجلا متمولا ولا موظفا اسمه خليل ياسين، وقلنا له ان يشتري الاراضي. تاج الدين يعمل في كثير من المشاريع في تلك المنطقة. وهو لا يمت باي صلة تنظيمية الى الحزب. انه رجل متمول. نعرفه؟ طبعا نعرفه، كما نعرف جميع الاقطاب الذين يؤيدون المقاومة. فهذا شيء وامواله شيء آخر. ولو كان السيد جنبلاط قادرا ان يقول ان هذه الاموال لـ"حزب الله" لما كان قصّر ابدا.

* لكن المعلومات تفيد ان بنك صادرات ايران يموله؟

- تاج الدين متمول وثري. وقصته مثل قصة أي لبناني عمل في الخارج ونجح، وجاء الى لبنان ليستثمر امواله ويقيم مشاريع تجارية.

لكنهم يقولون ان مساحات الاراضي التي اشتراها تاج الدين وغيره في مناطق محددة مثل السريرة وبرغز لاقامة مجمعات سكنية عليها تباع فقط من الشيعة. اما الاراضي فتُشرى من مسيحيين ودروز . وانتم تعرفون ان موضوع بيع اراض شاسعة في هذه المناطق يثير مخاوف المسيحيين والدروز على السواء.

لنتذكر ان الرئيس رفيق الحريري رحمه الله اشترى مناطق كاملة وملايين الامتار وجبالا ووديانا. فهل نتهم كل رجل يشتري في منطقة لا ينتمي اليها طائفيا بأنه يريد ان يستولي على المنطقة؟

ونتيجة متابعتنا للموضوع بعد اثارته في الاعلام، لا بد ان نلفت الى مغالطة ومفارقة. لقد اشترى تاج الدين في السريرة والقطراني وبرغز اراضي جردية يريد ان يحولها مجمعات سكنية، وتاليا لم يشتر مناطق سكنية، ليغير هويتها الطائفية. فهل اراد اهل السريرة والقطراني شراء شقق لديه ولم يبعهم؟ مع العلم ان ابناء هذه القرى تركوا قراهم لانعدام مقومات الحياة فيها. فهل يشتكون ان تاج الدين لا يبيع الا الشيعي؟ اذا اراد احدهم الشراء فنحن مستعدون لان نصله بتاج الدين ويشتري منه أي شقة يريدها. ما يحصل هو تحريض طائفي عن بيع الدروز والمسيحيين اراضيهم من اجل سكن الشيعة.

ولكن الا تعتقد ان كل الظروف السياسية والاقتصادية والدينية تدفع المسيحيين الى البيع؟

- ثمة فارق بين عمليات البيع المحددة والعمليات الضخمة للاستيلاء على الاراضي. لو كانت العمليات تتم في السريرة والقطراني وتتوسع الى غيرها من المناطق، لكان يحق للجميع وضع علامة استفهام، وهذا امر طبيعي، لكن هذا لم يحصل حتى الساعة. في المقابل، فان ما يحكى عن عمليات بيع اراض مستمر حتى تاريخه لا تتم في تلك المنطقة التي يحكي عنها جنبلاط بل في منطقة جزين القريبة من صيدا. فهذا هو الموضوع الاساس والاهم الذي يجب الحديث عنه، لان المناطق التي تباع شاسعة وهي مأهولة، واراضيها خصبة ولم تعد لاهلها. وهذا الموضوع يجب السؤال عنه ومعرفة من يشتري بهذه الكميات الضخمة ومن يستغل حاجات الناس، وليس من يشتري في اراض جردية. يجب تصويب البوصلة، والعودة الى سؤال مبدئي: هل يحق للبناني ان يشتري اينما كان؟ طبعا. هل يمنع مثلا على أي كان ان يشتري في كسروان؟ هل وصلنا الى مرحلة نقيم فيها فيديرالية طوائفية في السكن؟

 

"الاشتراكي كان يحضنا على الشراء"

 

لكن الواقع هو كذلك. ثمة مناطق سنية وشيعية ومسيحية. مع العلم ان جنبلاط يطرح علامات استفهام على كل عمليات شراء الاراضي على خط الجنوب وجزين ومرجعيون والساحل والطريق الممتدة الى سوق الغرب؟

- هذا الامر له علاقة بالسياسة وليس بالواقع. انا اتذكر اننا حين كنا نجلس مع الاشتراكيين كانوا يحضونا على شراء اراض في هذه المناطق. وانا اتحدث عما حصل معي. كانوا يحضوننا على التوسع وشراء الاراضي في كيفون ومحيطها. كانوا يقولون لنا في شكل منتظم توسعوا واشتروا اراضي في المنطقة. ونحن لم يكن عندنا أي مخطط من هذا النوع والا لكنا اشترينا لان سعر الاراضي في تلك الفترة كان زهيدا. نحن لم يكن لدينا أي مخطط توسعي، اما ما يحصل من توسع فله علاقة بالتطور الديموغرافي ليس اكثر وليس باي مشروع لاقامة منطقة شيعية.

ما يحصل هو ان جنبلاط يتحدث عن تاج الدين، فتردون بالحديث عن خليل ياسين؟

- نحن نسأل لماذا هناك صيف وشتاء تحت سقف واحد. اذا كان ثمة هواجس فنلتحدث عن كل عمليات البيع. فهل يعقل ان تثير كمية امتار قليلة هذه الضجة. ونسأل استطرادا، اذا سلمنا جدلا بأن مشروع تاج الدين نجح، وانا لا ادري من سيذهب ليسكن هناك، فهل سيتمكن مئة شخص من تغيير ديموغرافية منطقة بكاملها؟

ولكن منطقيا المناطق الشيعة قابلة للازدياد ديموغرافيا اكثر من غيرها، بدليل ما حصل في قضاء جزين وارتفاع عدد السكان الشيعة في فترة زمنية قصيرة؟

- هذا ليس له علاقة بالديموغرافيا، بل بالهجرة المسيحية المتزايدة. ولو كانت الخيارات الشيعية في تلك المنطقة متاحة لكان قسم من اهاليها لسافروا قبل المسيحيين بسبب الاوضاع المتردية في المنطقة. اعتقد ان النمو الديموغرافي لا يتم بتطور دراميتكي. البعض يحمّل الموضوع اكثر مما يحتمل.

قلت ان المناطق التي تشرى غير مأهولة، لكن هناك من يقول ان عمليات البيع تترافق مع شق طرق؟

- اذا اراد احد ان يقيم مجمعات سكنية فكيف سيصل اليها، في الهليكوبتر. وجنبلاط خبير في استثمارات الاراضي، واشترى وباع كثيرا منها، ويعرف تماما ان أي فرز للقطع الصغيرة يكون مصحوبا بشق طرق من اجل تسويقها للبيع. واعود للسؤال هل ممنوع ان يشتري أي كان في أي منطقة؟

هل يحق للمسيحي او الدرزي ان يشتري في الضاحية الجنوبية؟

- من يحتاج الى ارض فسيشتريها.

لكن المسيحيين باعوا اراضيهم في حارة حريك بسبب وجود "حزب الله" فيها.

- كلا، بل لانهم اعطوا اسعارا مرتفعة. لقد حصل نمو ديموغرافي في المنطقة، واراد الناس التوسع وشراء الشقق والاراضي، فدفعوا ثمنها. ولكن ثمة اناس لم يقبلوا ان يبيعوا. الاسعار المرتفعة وغيرها من الاسباب الموضوعية دفعت الناس الى البيع، ومن غادروا خلال الحرب افادوا من هذه المبالغ لشراء شقق حيث انتقلوا ولتعليم اولادهم .

هل رسمتم علامة استفهام على خليل ياسين ؟

- طبعا، ونحن نرصد هذه الحركة. اما علي تاج الدين فهو يقول علنا انه اشترى ولديه مشاريع عمرانية وتجارية، واعتقد ان هذا المشروع سيتأخر لان المنطقة تحتاج الى حياة وحيوية.

ليس المهم المنطقة حياتيا بل اهميتها الاستراتيجية؟

- هم جنبلاط وهاجسه ان يقطع التواصل بين المناطق الدرزية. وهاجسه اقامة كانتون مستقبلي يجب الحفاظ على التواصل بين اجزائه. لماذا لا يتحدث احد عن القرى الشيعية الموجودة هناك، وابناؤها هم الذين يشترون الاراضي؟ لنقل اذا اننا نريد وصل المناطق الشيعية في جزين والجنوب بالبقاع.

هذا تماما ما تتهمون به؟

- ما هذا المنطق؟ والى اين سيصل هذا التفكير؟ غدا سيطالب المسيحيون ايضا بوصل مناطقهم. اذا كان جنبلاط متخوفا الى هذا الحد فليشتر. فالناس تريد ان تبيع وهو قادر على الشراء، فليقم بذلك . من يعزل ليس الاراضي والمناطق بل المشروع السياسي. لقد انفصل الشريط الحدودي سابقا ضمن المشروع السياسي الذي اقامته اسرائيل، وليس موضوع الاراضي.

ولكن هل سيشتري اراضي في المحاور الثلاثة التي يقول انكم تشترون فيها كقضاء بعبدا مثلا والقماطية وكيفون؟

- هل يقدم جنبلاط مستندات على ذلك؟ اذا اردت انا ان اسكن في بمكين وشملان على اساس انها منطقة جميلة، فهل يعني ذلك انني انفذ مشروعا؟ معظم الذين اشتروا في تلك المنطقة هم ابناء قرى بعيدة في الجنوب او البقاع، والتوسع هو في اطار النمو الديموغرافي ليس أكثر، ولا تُقام في تلك المنطقة اي مشاريع كبيرة.

ولكن يقال انكم تتوسعون ايضا في منطقة الحدت وسقي الحدت؟

- هناك مشاريع تظهر تلقائيا انها مفتعلة، وهناك مشاريع تتم بحسب العرض والطلب والنمو السكاني. ما يحدث هو ان جنبلاط يكبر الحجر كي يرفع الصوت على اكثر من محور، ويقوم بالتحريض ليقول ان المشكلة غير محصورة في الجنوب، بل للايحاء ان هناك مشروعا عاما يريد اشراك المسيحيين فيه. وما يحدث في الحدت وسقي الحدت هو مشاريع تجارية بدأ العمل بها منذ التسعينات. لا صحة لاي مشاريع كبيرة لا في الحدت ولا في كيفون ولا اي مشاريع لنا علاقة بها. ما يحدث هو تخويف جنبلاط للمجموعات الاخرى بأن "حزب الله" قادر على شراء الاراضي من اجل شراء كل لبنان.