إنّي... ألوم

بقلم/الصحافي فارس خشّان

 

قبل أيّام كنتُ أتصفح على مهل موقع "ناو ليبانون" فجذبني موضوع من جزأين كتبه محمّد بركات تحت عنوان "شهادة أسير في سجون حزب الله خلال غزوة بيروت".

يتمحور الموضوع حول ما حصل مع المسؤول في "الحزب التقدمي الإشتراكي" مروان صعب، في أثناء إخضاعه للتحقيق في واحد من معتقلات جهاز الأمن التابع لـ"المقاومة الإسلامية في لبنان".

 

نهيتُ الجزء الأوّل وانتقلتُ فورا الى الجزء الثاني المنشور في السابع والعشرين من آب 2008. كانت عيناي تتسابقان على القراءة مع قلبي الذي تتسارع ضرباته.

بدت صورة "حزب الله" الخارجة من شهادة مروان صعب، أسوأ بكثير من تلك التي كنتُ قد رسمتها في ذهني. تراءى لي أنّ الشاشة التي أتسمّر أمامها هي أريكة في عيادة محلّل نفساني، فأمام كل حرف كنتُ أكتشف كم من مرة دفعني خيالي الوطني الى ممارسة الضغط على ريشة عقلي حتى لا تحول دون إضفاء مسحة من الضياء على لوحتي.

 

وفجأة تجمّد كل ما فيّ. المقلتان على شاكلة الدهشة وكذلك الشفتان. كانت تلك الغدّة الجاسمة فوق كليتي بحاجة الى كل الطاقة الجسدية لإفراز ما يكفي من هرمون الأدرينالين، حتى أستطيع التعامل مع عناق الرؤية والضوء.

في السنوات الثلاث الأخيرة تعرّضتُ لكثير من الصدمات المثيرة والمفاجئة، إلّا أنّ أيّا منها لم تكن على مستوى تبلّغي نبأ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، باستثناء هذه اللحظة.

إليكم الكلمات التي أُحاول عبثا أن أُكسّر حروفها حتى تختفي تداعياتها من بصيرتي :

"في الضاحية بدأوا بتعذيبي بواسطة الكهرباء، بعدما أخبروني أنني في مكتب أمني تابع لـ"حزب الله". وبدأت التحقيقات تأخذ طابعًا هزليًا زائدًا عن حدّه. إذ بدأوا يحققون معي في قضية مقتل عماد مغنية. ذلك أن الوزير وئام وهاب قال سابقا إن هشام نصرالدين، المسؤول في "الإشتراكي"، له ضلع باغتياله. واتهموني بالتعامل مع نصر الدين. ثم سألوني عن فارس خشان الذي لا أعرفه إلا على التلفزيون، واتهمونني بأني أنقل له معلومات من وليد جنبلاط.

 

حينها قلت لهم: لماذا لا تعدمونني وننتهي؟. كنت قد وصلت إلى مرحلة من اليأس الفظيع. كانت أضلاعي محطمة وعيناي لا أرى فيهما شيئا منذ أربعة أيام، وقدماي شبه مشلولتين، وأنا متهم باغتيال مغنية والتآمر مع فارس خشان والعمالة لإسرائيل وروسيا والولايات المتحدة الأميركية. ما الذي يمكن أن يكون أسوأ من ذلك. بدا لي حينها الموت جميلاً."

 

ساعدني الأدرينالين الكثيف على تهدئة نفسي ... ولعلّ الصدمات السابقة كانت بمثابة اللقاح الوقائي.

توقفتُ عن القراءة وعدتُ إليها. أقفلت الكومبيوتر ومن ثم فتحته. أطفأتُ سيكارتي بعد إشعالها ومن ثم تناولتُ أخرى وأشعلتُها. فتحتُ البرّاد لألتهم شيئا أُعوّض به عن إلتهام أحد ما، ومن ثم أغلقته مبرئا الشيء من تهمة "الأحد ما".

 

هممتُ لأستعمل الهاتف ولكن سرعان ما رميتُه، لأنّني تخيّلتُ "لا إكتراث" الأنتَ بالأنا. إزدحم لساني بمحاولة إبتكار شتيمة غير مسبوقة للمحققين الميليشياويين، فإذا بها تذهب في اتّجاه معاكس تماما. سحبتُ الـ"ريموت كونترول" لأمارس أُمرتي على التلفزيون، فإذا بي أستغني عن "أخبار المستقبل" وألتجئ إلى "المنار"، لأنّ شماتة ذوي الظلم أذكى من ارتخاء "ذوي القربى".

 

وهكذا، فإنّ انتهاء مفعول الأدرينالين كان مدخلا الى تكوّن الخيبة.

رحتُ أجول على الشخصيات التي يرتبط بها صاحب الشهادة، وإذا بي أتذكّر التاريخ التفصيلي لاجتماعي بهم جميعا، وكذلك حديثهم معي عن همومهم التي هي في واقعها طموحاتهم، وعن خيباتهم التي هي في حقيقتها عدم نيلهم كلّ ما به كانوا يُمنّنون النفس. فعلوا كل هذا ولكنّهم تجاوزوا هذه الواقعة الخطرة للغاية.

نعم هي الخيبة الكبرى، فما هو أقسى من السؤال الذي وجهه المحقق لمروان صعب عن علاقتي المزعومة به، بصفته وسيلة وصل بيني وبين زعيمه، كان قول صعب أنّه يئس من الحياة بفعل التهم التي وُجّهت إليه، ومن بين أفظعها، ما سمّاه تهمة "التآمر معي"!.

 

"حزب الله" لا ألومه، بل أتفهّم ما يقوم به ضدي وما يُحاول أن يستجمعه من ملفات بحقي.

ألستُ أنا من القائلين أنّه جزء لا يتجزّأ من المحور السوري-الإيراني؟

بلا، وقولي نابع من اقتناع عميق وراسخ، لا صلة له بالسلوكيات اللفظية الببغائية، ولذلك أفهم أن يُعزّز "حزب الله" ملف النظام السوري ضدّي. هذا النظام الذي يُلاحقني أمام ما يُسمّى "القضاء السوري" بتهم تصل عقوبتها الى الإعدام، ومنها على سبيل المثال لا الحصر "التحريض على الإقتتال الداخلي" و "التآمر على قلب نظام الحكم". هذا النظام الذي، وفي محاولة منه لتبرئة نفسه من شبهة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، نظّم ويُنظّم حملة عليّ، قوامها إتّهامي بملف غبي عنوانه "فبركة شهود" امام لجنة التحقيق الدولية بالتنسيق مع النائب مروان حمادة وفرع "الأمن والمعلومات" في قوى الأمن الداخلي. وبطبيعة الحال لا يُسقط هذا النظام من لائحته، تهمة التجسس لمصلحة العدو الإسرائيلي، التي باتت تشمل كل لبناني يرفض تحويل لبنان الى زنزانة في السجن السوري الكبير.

 

"حزب الله" لا ألومه، بل أُدرك بعمق ما يقوم به ضدي والتصوّر الذي يضعه في ذهنه عنّي.

ألستُ أنا من المقتنعين بأن هذا الحزب لا يُقرّب منه صحافيين بل أمنيين بوظيفة صحافي؟

بلا، وأنا أعرف نماذج كثيرة صدمتني بإكثارها من تقديم الأدلة الساطعة على الصفة التي تتكوّن من مزج مقدار بسيط من مهنة الحرية بمقدار كبير من مهنة... "ضبط الحرية" .

 

أمام هذه الحالة، يستحيل على "حزب الله" أن ينظر الى وضعية الآخرين إلا من خلال عينيه المُدمنتين على التعاطي اليومي مع الصحافي رجل الأمن، وبهذا المعنى فأنا وأمثالي لسنا في نظر "حزب الله" سوى صحافيين رجال أمن، عند "سيّد" غير معمّم... من أبناء الأرض الفانية.

 

"حزب الله" لا ألومه، ألستُ أنا واحدا من أولئك الخائفين على طبيعة مجتمعنا من طبيعة هذا الحزب الذي يستورد كل "إيران الثورة الإسلامية" إلينا بدءا بالمحظورات مرورا بالزي وصولا الى الإعلام ؟

 

بلا، أنا كذلك، وفي هذا تجديف على "روح الله العظمى"، ولا أنسى وكيف أنسى النظرة التي رمقني بها الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله قبل سنوات حين قلتُ له في جلسة ضيّقة إنّ المكوّن المذهبي الذي تطل به "المنار" على اللبنانيين مخيف، فعقّب قائلا: "هذا من دواعي التحشيد للمقاومة".

الإبتسامة التي فرّت من بين شفتيّ، بعد تعقيبه، كانت القفل الذي أوصد بإحكام باب حارة حريك في وجهي.

 

إذا، لا لوم على "حزب الله"، فما يقوم به يتطابق كليا مع أسباب إعتراضي عليه، لكنني في المقابل، ألوم الآخرين "منّا".

ألومهم عندما يستخدمون عبارة "تهمة التآمر مع فارس خشان"، وكأن "عوارض استوكهولم" جعلتم يُسلّمون بقدسية ما ينطق به "سجاّنهم " من سخافات، ليتنعّموا برضائه.

ألومهم عندما يستسهلون إخفاء واقعة بحجم هذه الواقعة، حيث يكاد "حزب الله" يستصغر مخاطر إيهود أولمرت وإيهود باراك ومعهما كل المستوى الأمني في إسرائيل أمام مخاطر هذا ... الفارس خشّان.

 

ألومهم عندما لا يستشعرون أن تراخي الجاهل بالخطر، هو كتراخي النائب وليد عيدو الذي جرفه الإرهاب بصحبة بكره خالد، أو كتراخي الزيادَين اللذين خطفتهما الحيلة الى الذبح .

 

ألومهم عندما لا يُدركون أن أقرب مفرق الى "الخيانة " لا يشقه الإضطهاد ، إنّما الإهمال.

ألومهم عندما لا يفقهون أن الأقدر على مواجهة العواصف هو العشب الصغير الذي من دونه تبقى الاشجار مهما ارتفعت كالعملاق التائه في صحراء قاحلة... تستوجب القطع .

 

ألومهم عندما أغرق في الحيرة بين احتمالَي الجهل والإستلشاء، اللذين أكره أسر من أحب بهما .

ألومهم لأنّهم يعتبرون الفرد منهم هو مجرّد فرد، ويُهملون شعار فرسان زمن الفرسان : الجميع في خدمة الفرد، والفرد في خدمة الجميع.

ألومهم لأنهم يحسبون أنهم يرقصون، ولكنّ حالهم كحال الصوص الذي يضعه ساديّ على مقلاة فوق النار.

ألومهم لأنّهم يستخفّون بذاك الإعرابي الذي نادى اللص المتدثر بحالة المسكين، وهو يمتطي الحصان المسلوب قائلا له: إياك أن تُخبر أحدا بما فعلتَ، لئلا تموت المروءة عند العرب.

 

ملاحظة الى كل من يعتبر نفسه مستهدفا بهذا الكلام: الرجاء إستبدال الشتائم والتحريض والتنظير في الطب النفسي وقواعد الإعلام، بتقديم تبرعات الصدقية والإلتزام والوضوح للجماهير التي احتشدت في ساحة الشهداء في 14 آذار 2005، وذلك في مهلة أقصاها الشهر الرابع الذي يسبق التحشيد الى صناديق الإقتراع.

 

(موقع ناو ليبانون.كوم)

1 أيلول 2008

شهادة أسير في سجون "حزب الله" خلال غزوة بيروت

هكذا تفرّج الجيش على اعتقالي

نقلاً عن ليبانون الآن

بقلم/محمد بركات ، الجزء الأول نشر الاربعاء 20 آب 2008 والجزء الثاني نشر الاربعاء 27 آب 2008

 

 

على تقاطع بيروتي، حيث أصابتني قذيفة إسرائيلية في العام 1982، حين كنت مقاتلا في صفوف "الحزب التقدمي الإشتراكي" ضد قوات الإحتلال التي غزت بيروت، على التقاطع نفسه، اعتقلتني مجموعة من "حزب الله" بقيادة الشاب علي ياسين ليل الثامن من أيار الماضي. هذا التقاطع الذي يقع في قلب "كركول الدروز"، "قرية" الدروز في بيروت، حيث تربيت وعشت منذ ولادتي، وعاش أجدادي وأجدادهم من قبل.

 

هناك، على تقاطع شارعي مارالياس والاستقلال، استدرجني ضابط من الجيش اللبناني ليعتقلني ياسين لأبقى معتقلاً حتى مساء السادس عشر من أيار.

 

يومها قال لي الضابط، عبر مكبر الصوت، إنه يريد أن "يحلحل" الأمور معي، أنا المسؤول المباشر في "كركول الدروز" عن نحو 120 عنصرًا إشتراكيًا، بقي منهم في المنطقة 15 فقط، بعد السابع من أيار. ذلك أن وليد بك جنبلاط أصدر أوامر بألا نقاوم وألا نقاتل أحدًا مهما كانت الظروف وأن نسهّل عمل الجيش اللبناني، سامحًا فقط بأن يحمي كلّ منا منزله، هذا إذا اقتحمه أحد. ولو أراد وليد جنبلاط أن يقاتل لكان ساندنا وأقام خطوط الإمداد. فنحن، الشعب الدرزي، شعب مقاتل ولنا تاريخ حافل منذ العام 1860 في القتال والاستبسال، وعندما نقرر أن نقاتل نضرب مئة حساب ونفكر مئة مرة ولا ندخل معركة من دون تخطيط.

 

لكن لم ينتبه البيك إلى أن "كركول الدروز" كلها بيتي ومنزلي، وإلى أنه كان عليّ أن أحمي المنطقة كلها كأنّني أحمي غرفة نومي. فأنا لم أستطع أن أترك المنطقة إلى الجبل كما فعل الآخرون. لم تسمح لي كرامتي بأن أغادر أرض أجدادي. رغم أن أكثر من 300 مقاتل إشتراكي غادروا وطى المصيطبة ليل السابع من أيار، متوجهين إلى الجبل، نزولا عند رغبة جنبلاط في تجنيب بيروت معركة كبيرة. فـ300 مقاتل في وطى المصيطبة و120 في كركول الدروز قادرون على فتح معركة كبيرة، وإن انتهت بمجزرة. وهناك سبب آخر لعدم انتقالي إلى الجبل، وهو أن لا أقارب لي هناك. فأنا، كما أسلفت، ولدت وترعرعت هنا في كركول الدروز، وأقربائي كلهم هنا، فإلى أين المفرّ؟

 

أذكر هنا أنني أنا الذي قررت البقاء في المنطقة، ولا علاقة لوليد جنبلاط نهائياً بالأمر. جنبلاط أعطى أوامر بعدم المقاومة. لكنني لا أملك بيتًا في الجبل. وكركول الدروز ملك لنا، نحن الدروز. حتى الشارع ملك لنا وقد استملكته الدولة مقابل "ملاليم"، لتحسين المنطقة. بعدها استملك الرصيف كلّ من "حزب الله" و"حركة أمل"، من خلال افتتاح مقهى رصيف يجلس فيه شبانهم ومراهقوهم، ملاصق للخلوة التي نصلي فيها. هكذا احتلوا الشارع الذي أملكه. وحين أعود من عملي ينظرون إليّ بطريقة سيئة. فكيف لي أن أتحمل هذا الوضع وأترك حتى منزلي لئلا أتورط في مشكلة معهم.

 

أيضًا في المنطقة مبنى يملكه عراقيون. مبنى مهجور احتلوه وحولوه إلى ثكنة يتواجد فيها، باستمرار، بين 20 و 30 مقاتلاً. كأن منطقة كركول الدروز أصبحت "كريات شمونة".

 

لكن لماذا المقاتلون في كركول الدروز؟ أسأل نفسي باستمرار، وأجيب: ربما تكون استراتجية دفاعية استباقية، هدفها السيطرة على المنطقة إذا قصفت الضاحية الجنوبية، لئلا يكون النازحون تحت رحمة أحد غيرهم، وليكونوا أقوياء، خصوصًا بعد الأحاديث عن أن أحداً لن يستقبل أحدًا في الحرب الآتية. وقريبًا من المبنى ـ الثكنة هناك تجمع مدارس درزية فتحتها أنا بيدي للنازحين في حرب تموز 2006.

 

لهذه الأسباب كلها طلبت أن أسجل موقفًا صغيرًا وهو أن أبقى في المنطقة وأن أقاتل ولو لمدة ربع ساعة فقط. لذا جهزت 15 مقاتلا فقط من أصل 120. وبالتالي لم يكن في نيتنا أن نفتح جبهة. فمن يريد فتح جبهة لا يكتفي بخمسة عشر مقاتلاً فحسب.

 

كنت ليل الثامن من أيار في الخلوة (المصلى الدرزي) التي تقع على بعد أمتار من التقاطع، أتابع ما يجري على الأرض عبر هاتفي الخلوي، الذي أتواصل بواسطته مع ضباط الجيش ومسؤولين أعلى رتبة مني في الحزب، وعبر جهازي اللاسلكي أتواصل مع "الشباب" المنتشرين وراء زجاج نوافذ منازلهم، ومع زوجتي، التي كانت تراقب الشارع من منزلي.

 

كان هناك حاجز للجيش اللبناني عند "تقاطع الاستقلال". لكن بعد احتدام المعارك ليل الثامن من أيار، إنسحب الضابط -ربما خاف- وغادر مع جنوده. فاتصلت بقيادة الأركان وأبلغتها بانسحاب القوة، وما هي إلا دقائق حتى أجبرت قيادة الأركان هذا الضابط الذي أعرفه بالإسم على العودة إلى مركزه.

 

وقد أبلغني أحد الشبان، بواسطة اللاسلكي، أن قوة للجيش تتقدم باتجاه محلة "البطركية" وخلفها قوة من المشاة. فقلت له إنني أعرف وطلبت منه أن يستمر في المراقبة. استقرت القوتان تحت مبنى عبد الخالق، الذي يملكه جدي، وبدأوا بمناداتي عبر مكبر الصوت، لأنهم لا يعرفون أين أنا، لكنهم متأكدون أنني في الجوار. فنزلت من "الخلوة"، وحين هممت بقطع الطريق باتجاههم، فتح مجهول النار باتجاهي، لكنني أفلتت بأعجوبة بسبب الظلام الدامس والطقس الماطر وخبرتي العسكرية.

 

وصلت إلى ملالة الجيش ورحت أتحدث مع المقدم وطلبت منه أن نلملم كل شيء بأقل خسائر ممكنة. قال لي فور رؤيتي: "خرّبت الدنيا على راسنا"، قاصدًا اتصالي بقيادة الأركان التي أجبرته على العودة إلى مركزه. بدا أن الأمر أزعجه كثيرًا.

 

فسألته :"ما المطلوب مني الآن؟"، فقال: "وقف إطلاق النار من جهتكم"، فأخبرته أنه لا يوجد إطلاق نار من جهتنا، وبأن النيران تطلق من جهة "حركة أمل" وما يعرف بـ"سرايا المقاومة" فقط، ذلك ان "حزب الله" لم يكن قد تدخل بعد، وكانت الساعة بين التاسعة والنصف والعاشرة ليلاً.

 

إتصل المقدم بقيادته طالبًا منها أن تتحدث مع الميليشيا من أجل وقف إطلاق النار. وفجأة خرج مسلحون من خلف ملالة الجيش، لأكتشف أن المشاة الذين كانوا مع الجيش هم عناصر من "حركة أمل" و"حزب الله".

 

وبدا واضحًا أن المقدم متواطئ معهم، إذ قال لهم: "لا تطلقوا النار، هذا مروان صعب معنا وقد اعتقلناه". هكذا تبين أنه متفق معهم بأن يقوم باستدراجي ليسلمني إليهم.

فورًا طلب مني علي ياسين، مسؤول "حزب الله"، أن أدخله إلى الخلوة ليفتشها. فقلت له إنها مكان ديني، وإن دخوله إليها يعد خطأ كبيرًا، وإن انتشر خبر دخول قوة من "حزب الله" إليها ستتوتر الأجواء أكثر في بيروت والجبل. فقال لي على طريقة مسؤولي "حزب الله" حين يتصنعون التواضع: "سأدخل وأركع وأقبل الأرض وسأخلع حذائي قبل الدخول. وأمام إصراره، وافقت".

 

تقدم المقدم وقال إنه سيدخل معنا لحمايتي من أي مكروه: "لكن عليك أن تساعدهم وتتعاون معهم". وتوجهنا إلى الخلوة التي تقع تحت منزل جدي.

قوة إلهية ما أعمتهم عن الخلوة، فأخذتهم إلى بيت جدي وأخبرتهم بأن هناك شيخة عجوز وأتمنى ألا تزعجوها. قرعت الباب فصوب ياسين السلاح نحو رأسي وطلب مني أن أتكلم مع من في الداخل خوفًا من أن يكون هناك عناصر مسلحة في الداخل. كانت بحوزتهم معلومات بأن هناك مسلحين داخل الخلوة جاهزون لإطلاق النار، ويعلم أن وجودي يحميه.

 

قرعت الباب وقلت :"خالتي هذا أنا افتحي الباب". فتحت خالتي الباب وهي شيخة يزيد عمرها عن 80 سنة، ومعها شيخة أخرى يزيد عمرها عن 90 سنة.

 

فور أن فتحت خالتي الباب بدأت الزعرنات، ونسي ياسين وعده بأن يقبل الأرض ويحترم الخلوة وما شابهها من عبارات التواضع الكاذب. فورًا استعمل رجله ولبط الباب. فقلت له: "أنتم مقاومة وقد وعدتني"، فرد قائلا: "ولا كلمة".

 

دخل إلى المنزل، وهو قصر قديم عمره أكثر من 300 عام، وفوراً انتشر عناصره وراحوا يخلعون ويكسرون الأبواب والأثاث في بحثهم عن أسلحة أو شبان، ولم يجدوا شيئًا.

 

كلّ هذا تحت أنظار المقدم في الجيش وضباطه، الذين كانوا يمسكون بي خوفًا من أن أهرب وليس لحمايتي. بعدها توجه مقاتلو "الحزب" و"الحركة" إلى متجر لبيع المشروبات الروحية كنت أملكه منذ عام. وقلت لهم إنه لم يعد ملكي، لكنهم اقتحموه وأحرقوا صور وليد جنبلاط التي كانت معلقة على جدرانه، ونهبوه. وعرفت لاحقا من زوجتي وأولادي والشباب، أنه طوال فترة الاشتباكات، وبعد السيطرة على بيروت، كان عدد كبير من الشبان يفترشون مدخل المتجر ويخرجون منه المشروبات والبزورات، طبعا مع عدة النراجيل، ويسهرون على الرصيف حتى الصباح، يوميًا.

 

إذا بعد انتهائهم من تفتيش الخلوة، أو الأحرى منزل خالتي الذي يقع فوقها، ومن تفتيش متجر كنت أملكه، وضع ياسين الأصفاد في يديّ بأمر من مختار المصيطبة شوقي مسلماني، الذي تبين أنه مسؤول أعلى من ياسين. ولسخرية القدر فقد أعطيته صوتي في الانتخابات البلدية. وحين قلت للضابط إنني لا أريد الذهاب، أجابني: "سيطرحون عليك بعض الأسئلة فقط ثم سيسلمونك إلى أصدقائك في قيادة الأركان". فأجبت: "ليطرحوا الأسئلة هنا"، لكن التواطؤ كان ظاهرًا بين الطرفين. وبدأت رحلة التعذيب الطويلة في سجون "حزب الله".

 

هنا حلقة ثانية وأخيرة من شهادة المسؤول في "الحزب التقدمي الإشتراكي"، مروان صعب، الذي اعتقله "حزب الله" في الثامن من أيار الماضي، وعذبه واتهمه بـ"العمالة لإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية وروسيا، واغتيال عماد مغنية، وبعمليات اغتصاب، وبتصفية عمال سوريين"، قبل أن يفرج عنه على مشارف اتفاق الدوحة في السادس عشر منه.

 

 

الأصفاد التي وضعت في يديّ كانت عبارة عن أسلاك، تمامًا كما يعتقل الإسرائيليون الفلسطينيين، وكما اعتقلوا كثيرين منا خلال الاجتياح، وكما نرى الصور الآتية من سجن أبو غريب في العراق.

 

بداية الاعتقال كان في نادٍ رياضي يملكونه في حيّ اللجا. ثم نقلوني إلى ثكنة فتح الله في سيارة "rapide"، عرفتها رغم أنهم غطوا رأسي بكيس أسود لئلا أعرف أين نحن. وقد لمحت من تحت الكيس أحدهم يعطي آخر إشارة بيده، فهمت لاحقًا معناها، وهي الضوء الأخضر للبدء باستعمال العنف معي. فورًا حملني شابان قويان ورمياني في السيارة، فشجّ رأسي عند اصطدامه بالحديد.

 

في ثكنة فتح الله بدأ بعض الشبان في الدخول إلى الزنزانة التي وُضعت فيها، وراحوا يتعرفون إليّ: "هذا هو"، "هيدا القصة كلها"، "هيدا المسؤول عنهم"...

بعدها بدأت رحلة أسبوع من التعذيب. كانوا قد جهزوا كلّ شيء: العصي والأسلاك والرجال المدربين على التعذيب وكلّ شيء. كانوا يتناوبون عليّ ساعة بساعة. كانوا يتعبون من ضربي، ويعجبون لأنني لم أسقط.

 

كسروا يدي ورجلي وضربوني على قدميّ اللتين أصيبتا في الاجتياح الاسرائيلي إصابات بالغة وظاهرة جدًا، ومازلت أُعالج منها منذ أكثر من 25 عاما، وقد سافرت 8 مرات إلى روسيا للعلاج.

 

 

 

كانوا يعرفون كلّ تفصيل في حياتي. لذا اتهموني بأنني عميل روسي، وأنني تدربت على أيدي الـ"كي.جي.بي" على تحمل الألم والتعذيب، وأن هذا هو سبب عدم اعترافي، حتى تحت الضرب، بأنني عميل إسرائيلي.

 

ضربوني بأدوات حادة وبالرفش. وكانوا يسألونني عن مستودعات السلاح في بيروت. وكنت أردّ بأننا لا نملك أسلحة في بيروت، بل في الجبل فقط. لكنهم لم يصدقوني، كانوا متأكدين من وجود مستودعات سلاح في بيروت وكانوا يريدونني أن أدلهم إليها. وكانوا يضربونني لكن من دون جدوى، فكيف سأدلهم على مستودعات غير موجودة؟

 

واعترفت بأنني أملك 5 قاذفات "آر بي جي" في المنزل (عرفت لاحقا أنهم سرقوها) لكن هذا سلاح فردي منذ الحرب الأهلية ولا علاقة للحزب به. وفي هذه الأثناء، كانوا يدخلون إلى منازل أقربائي، ومنها منزل ابن عمي الذي يملك حضانة أطفال قاموا بتكسيرها ونهبها.

 

لكن التحقيق الجدي بدأ في العاشر من أيار، بعد أكثر من 48 ساعة من الضرب والتعذيب المتواصلين. يومها اتهموني بأنني أتعاون مع إسرائيل، بحجة أنني وضعت كاميرات مراقبة في المنطقة. اتهموني بأنني أبث صورها إلى إسرائيل، ذلك أن في المنطقة منزلاً لمسؤول في "حزب الله".

 

وبالفعل أنا قررت تركيب كاميرات في المنطقة منعا لأي خلل أمني، خصوصا بعد الإنفجارات الكثيرة في بيروت. ولأنني كنت أريد، في حال حصول تفجير، أن أكشف الفاعلين.

 

علمت لاحقا أنهم لم يحطموا الكاميرات، بل سرقوها. وفي حين كانوا يضربونني لمعرفة مكان الذاكرة الأم التي تحتفظ بصورهم وهم يسيطرون على المنطقة، علمت لاحقا أن شبان "أمل" سرقوا من أحد المنازل الكمبيوتر المحمول الذي يحتوي على هذه الذاكرة.

 

حين كانوا يعذبونني سألتهم: "لو كنت يهودياً هل كنتم لتعاملونني بهذا الشكل"، فأجابوني: "أنتم أفظع من اليهود". وفي اليوم الثاني، بعد الظهر، أخذوني إلى الضاحية. وقد علمت أنني في الضاحية لأن الطريق كانت طويلة نسبياً. وبعد وصولي قال لي أحدهم: "تحيات الحاج علي عمار لك". وعلمت لاحقا أن زوجتي اتصلت بوائل أبو فاعور، الذي اتصل بعلي عمار. وكانت النتيجة أن زادوا من تعذيبي فتبيّن لي أنّ علي عمار أوصاهم بتعذيبي أكثر.

 

في الضاحية بدأوا بتعذيبي بواسطة الكهرباء، بعدما أخبروني أنني في مكتب أمني تابع لـ"حزب الله". وبدأت التحقيقات تأخذ طابعًا هزليًا زائدًا عن حدّه. إذ بدأوا يحققون معي في قضية مقتل عماد مغنية. ذلك أن الوزير وئام وهاب قال سابقا إن هشام نصرالدين، المسؤول في "الإشتراكي"، له ضلع باغتياله. واتهموني بالتعامل مع نصر الدين. ثم سألوني عن فارس خشان الذي لا أعرفه إلا على التلفزيون، واتهمونني بأني أنقل له معلومات من وليد جنبلاط.

 

حينها قلت لهم: "لماذا لا تعدمونني وننتهي؟". كنت قد وصلت إلى مرحلة من اليأس الفظيع. كانت أضلاعي محطمة وعيناي لا أرى فيهما شيئا منذ أربعة أيام، وقدماي شبه مشلولتين، وأنا متهم باغتيال مغنية والتآمر مع فارس خشان والعمالة لإسرائيل وروسيا والولايات المتحدة الأميركية. ما الذي يمكن أن يكون أسوأ من ذلك. بدا لي حينها الموت جميلاً.

 

قلت لهم أعدموني. فقالوا: هذا ما سيحدث. وجاء أحدهم وقرأ "لائحة الاتهام"، وفيها اتهموني بعمليات اغتصاب، حاولت الاستفسار عنها فضربوني. والتهمة الثانية هي جمع عمال سوريين وقتلهم، ولا أحد سمع أن هناك عمالاً سوريين جمعوا وقتلوا. والتهمة الثالثة هي إحراق صورة حسن نصر الله في الطريق. ثم قال لي قارئ اللائحة إن الحكم صدر وهو الإعدام. فاقترب مني ولقّم المسدس ووضعه في فمي، فرفعت يديّ المكبلتين بسرعة، وسيطرت على المسدس وحاولت أن أطلق النار، لكن تبين أن المسدس فارغ من الرصاص. فاتهموني بالكفر وبأنني أريد قتل نفسي وضربوني أكثر.

 

وددت الانتحار لأنني شعرت باليأس. بعدها صاروا ينقلونني كل يومين إلى مركز جديد لا يبعد دقائق عن المركز القديم، ويضربونني مرة جديدة ويطرحون الأسئلة نفسها والتهم نفسها، وأنا لا شيء عندي لأقوله.

 

ولكي يعذبونني نفسيًا أيضًا راحوا يقولون لي إن غازي العريضي وجد مقتولاً في عاليه، وأكرم شهيب محروقاً في الشويفات، وتيمور جنبلاط مقتولاً على باب المختارة. وكنت أعرف أنهم يكذبون، لأن تيمور كان وقتها في فرنسا. وكنت أسمع باستمرار أصوات معتقلين آخرين، في زنزانات مجاورة، إما يتوسلون أو يطلبون الإتصال بذويهم أو يعرضون أموالاً أو يطلبون ماءً أو طعامًا.

 

في اليوم الثامن نقلوني إلى غرفة واسعة، وكانت الوحيدة المضاءة من الغرف التي استضافوني فيها. ورفعوا الكيس عن وجهي وفكوا يديّ. وأتى رجلان محترمان قدما إليّ "سفرة" فيها الفتوش والتبولة والصيادية والحمص والمتبل، وطلبوا مني أن آكل، للمرة الأولى منذ 8 أيام. واعتذروا مني وقالوا لي إن كلّ ما جرى هو ردّة فعل على استهداف سلاح الإشارة التابع للمقاومة. وطلبوا مني السماح وقالوا إنهم يريدون فتح صفحة جديدة، وطلبوا مني مساعدتهم على فتح صفحة جديدة مع أهالي كركول الدروز.

 

واستنتجت لاحقًا أنه بعدما اعتقل رفاقي في تومات نيحا سبعين مقاتلاً من "حزب الله" بدأت المعاملة الجيدة.

 

ثم أخذوني إلى وفيق صفا. قبل ذلك دخل علي أحدهم، وقد عرفت من صوته أنه أكثر من عذّبني، وطلب مني أن أسامحه، وأصرّ كثيرًا، لكنني قلت له: "الله هو الذي يسامح".