الكراهيتان

حازم صاغيّة

الاحد 11 أيار 2008

 

 لم يكن مجرّد صدفة، ولا نتيجةً لخطأ حربيّ، أو سوء تفاهم، استهداف مؤسّسات "المستقبل" الإعلاميّة، المقروء منها والمرئيّ والمسموع، ومعها صحيفتا "اللواء" و"الشرق" ومجلّة "الشراع" وإذاعتا "الشرق" و"سيفان" الناطقة بالأرمنيّة. ذاك أن الضربة الهمجيّة الأخيرة تجمع بين حقدين وكراهيّتين، وتعبّر عنهما في آن واحد: كراهيّة للإعلام والحريّة وكراهيّة لبيروت.

 

فالحقد على الإعلام كان دومًا دين الأحزاب التوتاليتاريّة وديدنها. وهي ما استولت على بلد، في الشرق أو الغرب، إلاّ كان تأميم الإعلام وتكميمه أحد أعمالها الأولى. أما الحريّة التي تنجب الإعلام الحرّ بقدر ما يوسّعها ذاك الإعلام، فلا يتّسع لها صدر حزب بلغ به التواضع حدّ تسمية نفسه حزبًا لله، نموذجه ومثاله نظام "ولاية الفقيه" في طهران.

 

أما الأحزاب التابعة الصغرى فأنشطُها في الهجمة البربريّة ذاك الذي يقدّس "زعيماً" ويبشّر بإقامة دولة فاشيّة "سوريّة قوميّة اجتماعيّة" لا مكان فيها لأدنى نقد أو اعتراض أو مساءلة. وأما بيروت، مدينة الإعلام والحريّات والتعدّد والاختلاف، وحاضرة الألوان والأهواء والأمزجة، فينبع الحقد عليها من تعريفها المذكور نفسه. ذاك أن دعاة الصفاء العقائديّ واللون الواحد الذين يمقتون ما يخافونه، لا يمقتون ولا يخافون شيئًا كالمدينة الحاضرة المفتوحة. وهم لا يملكون لإذلالها إلاّ القوّة المحضة والجلفة يدمّرون بطاقتها التحطيميّة كلّ ما يبنيه التقدّم والتمدّن واسترخاء المدن.

 

وكم كان بليغًا في التعابير والتعليقات التي تردّدت على ألسنة قوى الانقلاب توكيد ذاك التعارض بين "شجاعتـ"ـهم و"رجولتـ"ـهم و"الاستعداد للموت" عندهم، وبين "جبن" خصومهم وطراوتــهم. وهذا بعد أن ملأ المتحدّثون أنفسهم الدنيا ضجيجًا حول تسلّح خصومهم وبنائهم ميليشيات لا تُقهر! وهو منطق يعلي المواصفات التي تمجّد ارتباط البشر بالأصول الوحشيّة بقدر ما تبخّس المواصفات التي تنمّ عن ذاك الانسلاخ.

 

والحال ان الإعلام محطّة التقاطع المثلى بين المدينة والحريّة، حيث يُصنع الرأي العامّ ويصار الى امتصاص أفكار ترد من العالم قبل أن تُنشر وتًبثّ في محيطها الوطنيّ المباشر. وعبر الإعلام تُكسر قبضة احتكار المعلومات من قبل السلطات المستبدّة، وقيضة توزيعها بانتقائيّة تحجب السلطات بموجبها ما ترتئي حجبه، وتزوّر ما ترتئي تزويره، كما تنشر ما ترتئي نشره. لهذا، مثلاً، كإن من أوائل ما قامت به نقابة "التضامن" البولنديّة، بُعيد تأسيسها لمقاومة النظام الشيوعيّ، إنشاؤها شبكة إعلام موازية لشبكة السلطة.

 

كذلك كان من أكثر ما حرّض نظام الجنرال جاروزلسكي على محاولة سحق "التضامن" إنشاؤها تلك الشبكة. فهل يصل اللبنانيّون يوماً ما، بعد تجربتهم الأخيرة مع "حزب الله"، الى وضع يُضطرّون معه الى إقامة إعلام موازٍ... ينشط تحت الأرض؟