عون وانعكاسات علاقته بـ "حزب الله" على "كرامة" المسيحيين

فارس خشّان

العلاقة القائمة بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" أضحت مهينة للمسيحيين في لبنان، لأنها تكاد تُصبح، إعلاميا على الأقل، علاقة تجمع بين قوي بطاّش وبين ضعيف طالب حماية.

 

فمنذ "غزوة بيروت" يُصر العماد ميشال عون على إبلاغ المسيحيين يوميا أنه "أنقذهم" بفعل التفاهم الذي وقعه والأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصرالله في شباط 2006، حتى بدا أنه لولا هذا "الصك" لكان المسيحيون في لبنان قد ذُبحوا في أسرّتهم وعلى أعتاب منازلهم.

 

ومنذ تمّ التفاهم بين عون ورئيس الحكومة المكلّف فؤاد السنيورة على حصّة "التيار الوطني الحر" في الحكومة العتيدة، بدأت آلة "حزب الله" الدعائية والسياسية تُروّج لعظمة هذا الحزب في الوفاء بتعهداته، حتى بدا أن العماد عون قد نال "حظوة" من السيّد نصرالله ولم "ينتزع" حقا.

 

ومنذ تمّ التوافق على حجم القوى السياسية في الحكومة العتيدة أيضا، بدأ "حزب الله" يقول إنه ليس بحاجة الى أن يتمثل في مجلس الوزراء بأكثر من وزير واحد، حتى بدا للكثيرين ان هذا الوزير هو قائد "فرقة الـ11 وزيراً"، فما يوافق عليه يبصمون هم عليه، وما يهز رأسه رفضا له يحاربون ضده.

 

وعلى الرغم من هذه الصورة المهينة التي تحفل بها وسائل الإعلام يوميا، ثمة من يتحدّى قوى الرابع عشر من آذار أن تحذو حذو قوى الثامن من آذار، ليُظهر "تيار المستقبل" بزعامة النائب سعد الحريري قدرة على قيادة هذا الفريق كما يقود "حزب الله" بزعامة السيد حسن نصرالله فريقه.

 

وهذا يعني عمليا أنه مطلوب من الحريري أن يُلاقي نصرالله في اختزال المسيحيين، فيُعطيهم "مغانم" في مقابل أن ينتزع قرارهم، فيختار لهم الحقائب ويُلزمهم بها، تماما كما يختار لهم مسارا سياسيا ليلتزموا به.

 

إلا أن ما حصل على مستوى الثامن من آذار لن يحصل على مستوى الرابع عشر من آذار، فلا المسيحيون يطلبون حماية سعد الحريري الأمنية ولا الحريري يتهددهم في كوابيسهم بترسانته القاتلة، ولا المسيحيون ينتظرون على أعتاب قريطم هبة وزارية ولا قريطم تشحذ آلتها الإعلامية من أجل تمنينهم ليلا ونهارا.

في واقع الحال، ما يحصل على مستوى الرابع عشر من آذار، حتى ولو تمّ تصويره على أنه تنازع على الحقائب والأحجام، يبقى أسهل بكثير مما حفلت به الأسابيع الخمسة التي فوّتها عون على البلاد من أجل أن يمن عليه "حزب الله" بهذا الكم من الحقائب، ذلك أن كل المطالب التي رفعها عون قد تهاوت، ليسير بالنتيجة بما فرضه عليه "حزب الله".

 

وفي هذا السياق، لا ينسى المراقبون أن عون طالب بداية بوزارة المال، ولما وافق الرئيس السنيورة على إعطائه إياها، ضربه "حلفاؤه" على يده، بعدما كانوا قد أخفوا عليه المعايير التوزيرية التي أوصلها السنيورة الى "الثنائي الشيعي". ضربوه على يده، لأن نيله حقيبة المال يعني حرمان "حزب الله" متستّرا بـ"حركة أمل" من خدمات مهمة تقدمه له وزارة الخارجية، فتراجع عون.

 

وحين ضاقت السبل بعون، خرج "حزب الله" عارضا إعطاء عون وزارة الإتصالات ومعها منصب نائب رئيس الحكومة، لكن عون أصرّ على وزارة سيادية، بالمفهوم الكلاسيكي، ما اضطر الرئيس نبيه بري الى "تخريجة" تفيد بأن وزارة الإتصالات هي أهم وزارة سيادية، بالمفهوم غير الكلاسيكي، لأنها تسيطر على الجو والبر والبحر.

 

ولمّا تمّ منح العماد عون وزارة الإتصالات إشترط أن يحصل معها على وزارة الأشغال، ولكن الرئيس السنيورة أوقف المفاوضات، إلى أن كان الرابع من تموز، تاريخ وصول وزير الخارجية السوري وليد المعلم الى باريس لإعداد "الزيارة التاريخية" للرئيس بشار الأسد، فتكثّف ضغط "حزب الله" على عون ليتنازل عن واحدة من هاتين الوزارتين، فطالب علنا بوزارة الأشغال لأنه يريد "الزفت"، ولكنه وبعدما اطّلع على رغبة "حزب الله" بسحب وزارة الإتصالات من الأكثرية "لأسباب إستراتيجية" عاد فقبل بوزارة الإتصالات.

 

وفي مطلق الأحوال، وعلى الرغم من عمق هذه الصورة "السيئة"، فإن عون لم يأخذ حصة لم تكن معروضة مثيلتها عليه قبل ثلاث سنوات، إذ إنه طالب يومها بوزارتي العدل والبيئة ووزارة دولة فنالها، ولكنه عاد فرفض الدخول الى الحكومة لأن "الطاشناق" و"الكتلة الشعبية" لم تتمثلا مباشرة، على خلفية إصرار قيادة الأكثرية آنذاك على عدم منح "الأقلية" الثلث المعطّل. في الوقت الراهن نال عون حقيبة الإتصالات، وهو كان يريد المالية، وحقيبة الشؤون الإجتماعية، وهو كان يريد الأشغال، ووزارة دولة ولو برتبة نائب رئيس حكومة، في حين نال سكاف وزارة الزراعة و"الطاشناق" وزارة الطاقة، على اعتبار أن "الثلث المعطل" توافر للأقلية هذه المرة بفعل الموازين التي أملت "إتفاق الدوحة".

 

ولكن الفرق بين الأمس واليوم، أن عون كان يقترح للحقائب شخصيات أهّلها نضالها وليس نسبها وطاعتها، فكانت البيئة للآتي من باريس سيمون أبي رميا وكان العدل للدكتور سعد الله الخوري أما حاليا، فالحقائب كلّها من نصيب "أهل البيت".

 

ووسط ما هو حاصل من "تمنين" على جبهة الثامن من آذار، فإن اللبنانيين يتطلعون الى ما ستسفر عنه الإستشارات على جبهة الرابع عشر من آذار، وسط ارتياح الى المعايير التي وضعها الحريري وقبله الدكتور سمير جعجع وسائر قادة 14 آذار، من أن المطلوب تكافؤ في توزيع العمل ضمن الفريق الواحد بعد تشاور يهدف الى رفع لواء لبنان بلا تمنين من هنا وبلا تبعية من هناك.