الإخضاع من جزين إلى صنين

محمد سلام

 

الاربعاء 25 حزيران 2008

 

قبل اتفاق الدوحة كانت المعضلة مع "حزب السلاح" هي أن سلاحه هو أداة سياسية. بعد اتفاق الدوحة تبين أن المشكلة مع "حزب السلاح" هي أن سلاحه هو سر وجوده.

 

اتفاق الدوحة ظهّر المشكلة على حقيقتها، في عورتها وعريها: السلاح هو سر وجود هذه المسماة معارضة، والمكونة من جذع هو "حزب السلاح" وفروع هجينة ملحقة به، بعضها نتيجة التلقيح المذهبي كـ"حركة أمل"، وبعضها نتيجة الموقف الطوائفي السابق لمفهوم العيش المشترك المعبر عنه في اتفاق الطائف كتيارالعماد عون، وبعضها نتيجة علمانية تبعية ألحقت مفهوم الأمة السورية بحزب الكيان الشامي، كتنظيم أسعد حردان، وجزيئيتها البعثية الملحقة بالقيادة القومية لنظام الأسد.

 

اتفاق الدوحة أظهر بما لا يقبل الشك أن معارضة "حزب السلاح" غير قادرة على تحقيق ذاتها سياسيًا، دستوريًا وديمقراطيًا. ما يعني أنها غير قادرة على العيش مع شركاء لأن مجمل عقيدتها يقوم على إخضاع الآخر، والإخضاع نقيض الإقناع، فالإقناع عقل يحكم العلاقة مع شركاء والإخضاع سلاح يفرض الخضوع على أتباع.

 

في الدوحة خسر "حزب السلاح" تعطيله الانتخابات الرئاسية. فعاد إلى بيروت وانضم، مكرهًا، إلى مشروع انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسًا.

 

فكك "حزب السلاح" مستوطنة الخيم ذات السيادة، لكن ذلك لم يكن عمليا عنوان هزيمة سياسية له، بل جاء نتيجة قرار بالتخلي عن لزوم ما لا يلزم باعتبار أنه أقام مستوطنة أكبر من السيادة على مجمل بيروت الغربية باستثناء المحيط المباشر لقصر قريطم، والمحيط المباشر لمنزل زعيم اللقاء الديمقراطي وليد جنبلاط، ومنطقة الطريق الجديدة.

لذلك، رد "حزب السلاح" فورًا، وبالسلاح، على الموقف السياسي للرئيس ميشال سليمان المعبر عنه في خطاب القسم، وأبلغه في ميدان كورنيش المزرعة أن السلاح هو سر الوجود، ولا يسمح لسلاح الدولة بأن يكون موجودا إلا إذا كان خادما لسلاح "حزب السلاح"، وهو ما كان يعبر عنه في حقبة الاحتلال السوري بأن مهمة الجيش هي "مؤازرة" ما كان يسمى مقاومة.

 

وبعد تكليف الرئيس فؤاد السنيورة تأليف الحكومة العتيدة، بموجب استشارات نيابية ملزمة دستوريا هزم "حزب السلاح" سياسيا فيها، أطلق سلاحه مجددا في مرتفعات البقاع الأوسط، مستهدفا سعدنايل وتعلبايا، لتعديل ميزان القوة السياسي لصالحه، مستندا إلى المهمة التي حددها هو للجيش اللبناني، بأن يكون مصلحا اجتماعيا فقط، يرعى مصالحة، لا يوقف اعتداء على مواطنين ولا يبسط سيادة الدولة حيث يشاء "حزب السلاح" أن تكون السيادة لسلاحه.

 

وبعد تجدد الحديث عن إمكانية انتزاع مزارع شبعا من الاحتلال الإسرائيلي ووضعها في عهدة الأمم المتحدة بانتظار ترسيم حدودها مع سوريا، ازداد توتر "حزب السلاح"، وأيقن، مجددا، أنه يهزم في السياسة، فأشعل طرابلس بالسلاح ما دفع روسيا، نعم موسكو التي كان يعتبرها حليفته، إلى اعتبار ما جرى في عاصمة الشمال خرقا فاضحا لاتفاق الدوحة الذي يحظر استخدام السلاح في الخلافات السياسية.

 

"حزب السلاح" لا يشعر بأنه حي سياسيًا من دون ممارسة قهر الآخرين بسلاحه.

 

عجز عن قهر بعض الشيعة سياسيا، ومنهم طبيب أسنان في مدينة النبطية، فتم اعتراضه في ضواحي المدينة وأخرج من سيارته وأطلقت عليه ثلاث رصاصات في رجليه لإقناعه بمنطق السلاح أن معارضة السلاح ممنوعة، حتى بالكلمة.

 

وبعد زيارة القائمة بالأعمال الأميركية ميشال سيسون لأحد رموز قطاع الأعمال والتجارة في النبطية اتخذ "حزب السلاح" قراره بتصفية الوجود الشيعي الآخر في مناطقه، معتبرا أن هذ الوجود يمثل اختراقا أميركيا لمجتمع السلاح السيد بسلاحه، بل الموجود فقط بسلاحه.

 

على هذه الخلفية، وفي ضوء حقيقة عدم قدرة عماده المهزوم بسلاحه منذ 18 عاما على تحقيق إنجاز سياسي له ولو بطرح غير دستوري لإخراج عنوان هزيمته الرئيس السنيورة- من التداول السياسي، سيعمد "حزب السلاح" مجددا إلى محاولة فرض واقعه بسلاحه في معارك جديدة لإخضاع من لم يخضع ... بعد.

 

وبعد فشل معاركه المتنقلة في تحقيق خرق سياسي له، سيعمد "حزب السلاح" إلى إطلاق المزيد من المعارك، لكنه قد يطعم هجماته بنكهة إما جديدة، أو متجددة، لعله يقنع الخصم بالتذوق أن الخضوع استسلاما أقل تكلفة من الخضوع مهزوما بالسلاح، مع ما يواكب الهزائم المسلحة من تكلفة.

 

النكهة الجديدة التي يعدها "حزب السلاح" لمعركته قد تكون عبر استهداف القطاع المسيحي لخصومه السياسيين الذين لم يضعهم بعد في اختبار المواجهة المسلحة.

 

فرضية النكهة الجديدة تؤشر إليها حقيقتان، سياسية وعسكرية.

 

-الحقيقة السياسية هي فشل عماد "حزب السلاح" في إقصاء الخصم، المجسد بالرئيس السنيورة، عن التداول، كما فشله في إقصاء الخصم السياسي المسيحي الذي يمثله دولة الرئيس ميشال المر، الذي تمكن هو من إقصاء عون "حزب السلاح" عن المتن.

 

-الحقيقة العسكرية هي ما كشف عنه مؤخرا من انتشار عسكري لـ"حزب السلاح" في منطقة صنين-الزعرور وممارسة مسلحيه سلطات الخطف والتحقيق مع "الغرباء" الذين يتجرأون على الدخول إلى المنطقة، وهي نفس الصلاحية التي يمارسها "حزب السلاح" في منطقة كروم جزين، حيث انفجر لغم بإحدى آلياته العسكرية مؤخرا.

 

أما فرضية النكهة المتجددة، فتتمثل في إستكمال عملية اجتياح بيروت، التي يعتقد "حزب السلاح" أنها هي التي عززت موقفه وأجلسته إلى طاولة واحدة مع من رفض التحدث إليه منذ نهاية العام 2006 بعد احتلاله الأول لبيروت.

 

استكمال عملية بيروت قد يكون بمحاولة اجتياح منطقة الطريق الجديدة

أو منطقتي بشامون-عرمون لإخضاع القيادة السياسية السنية نهائيا، إذا قبلت الخضوع، أو إلغائها نهائيا ما يشطبها، في تقدير "حزب السلاح"، من معادلة انتخابات العام 2009 مع بقية حلفائها في قوى 14 آذار.

 

المفاضلة قيد التداول في غرف "حزب السلاح" المظلمة هي بين إخضاع السنة أولا ما يؤدي، في رأيه، إلى خضوع تلقائي-استسلامي للمسيحيين يلتقطه عونه تحت شعار حماية المجتمع المسيحي، أو إخضاع مسيحيي 14 آذار أولا ما يؤدي، وفي رأيه أيضا، إلى انسحاب نهائي للسنة المعتدلين من المعادلة.

 

وإذا عجز "حزب السلاح" عن تحقيق هذا الإلغاء فلن تكون انتخابات في العام 2009، لأنها مشروطة إما بنزع سلاح الحزب أو بنجاح الحزب في إخضاع سلاح الدولة.

 

عن موقع لبنان الآن 2008