ماذا تريد المعارضة: وطن الرسالة .. أم الساحة؟

بقلم/محمد سلام

ما أحوج لبنان أن يستعيد "الدور والرسالة" اللذين وضعهما له باب روما الراحل يوحنا بولس الثاني وينتفض على دور "الساحة" الذي يفرضه عليه اللاعبون الخارجيون بالتواطؤ مع بعض الصغار المحليين

 

وتبقى صلوات المؤمنين بتطويب الأب يعقوب الكبوشي، ومعها كل صلوات المؤمنين بلبنان الواحد، وصيغة العيش المشترك من الأهمية بمكان، إذا اقترنت هذه الصلوات بحسن النوايا وقوة الإرادة للعمل معاً كلبنانيين لإنقاذ الوطن من عذاباته المستمرة، ولإنقاذ هذا الشعب الطيّب من السقوط إلى هاوية الانتحار الوطني الجماعي

 

ومع تسليمنا بقدرة العناية الإلهية على حماية هذا البلد وأهله من شر ما يُحاك لهم في "مطابخ" لعبة الأمم، إلا أن ما يجري على الأرض، وما نراه من صور مسلسل الأحداث اليومية، لا يُبشّر بالخير، بل هو مصدر قلق متزايد، وخوف متعاظم مما قد تحمله المرحلة المقبلة من عواصف وتطورات دراماتيكية

 

وإذا توقفنا ملياً أمام أبعاد الأحداث اليومية المتسارعة حولنا، يتبين لنا حجم المخاطر الحقيقية المحدّقة ليس بالوضع الأمني والسياسي الراهن وحسب، بل وأيضاً بصيغة النظام اللبناني برمته، ومواصفاته المميزة بألوان الحرية والديمقراطية والتعددية الثقافية

 

وهذه بعض القراءات لأحداث برزت في الأسبوع الماضي على سبيل المثال لا الحصر:

 

أولاً: فوجئ اللبنانيون، وفي مقدمتهم قادة سياسيون في الموالاة والمعارضة بمطالبة العماد ميشال عون بتقليص صلاحيات رئيس الحكومة، بما يؤدي إلى تقويض دور رئيس السلطة التنفيذية في تركيبة السلطة اللبنانية وجاء هذا الطرح العوني المفاجئ خارج سياق الحركة السياسية الجارية بين طرفي اتفاق الدوحة، وما يتخللها من اتصالات مباشرة وغير مباشرة بين الرؤساء الثلاثة وقيادات سياسية وحزبية معنية بحلحلة العقد التي تعترض تشكيل حكومة العهد الأولى

 

طبعاً الهدف الأساس لطرح عون صلاحيات رئيس الحكومة في بازار السجالات السياسية هو محاولة مكشوفة لاستعادة "العصبية المسيحية" حول التيار العوني، بعد التراجعات المتتالية في شعبية التيار ورئيسه التي كشفتها الاستطلاعات الأخيرة في المناطق المسيحية

 

ولكن لا يُخفى على "جنرال الرابية" أن مثل هذه الطروحات تسمم أجواء الوفاق الداخلي، وتُدخل الصراع السياسي الحالي مناخات طائفية فتنوية عانى اللبنانيون، كل اللبنانيين، من تداعياتها المدمرة في السبعينات والثمانينات وكادت تودي بالوطن وأهله على مذبح المصالح الشخصية وشهوات السلطة الأنانية

 

وجاءت الردود الغاضبة من رؤساء حكومات سابقين هم أركان في تركيبة المعارضة في مقدمتهم الرئيس عمر كرامي، لتُحبط المحاولة العونية المكشوفة بفتح ملف سجالي جديد مع الموالاة عامة ومع الرئيس المكلّف خاصة، لإلهاء الرأي العام اللبناني عن حقيقة الصراع السياسي في المرحلة الراهنة، وللتغطية على دور عون وبعض حلفائه في المعارضة على تعطيل تشكيل الحكومة العتيدة، بعدما أمضوا في تعطيل الانتخابات الرئاسية طيلة ستة أشهر بالتمام والكمال!

 

ثانياً: إثر القضاء على المحاولة العونية المشبوهة في مهدها، أطلقت "عناصر مجهولة" من المعارضة "لعبة" الإنذار للرئيس المكلّف ولمدة ثماني وأربعين ساعة فقط: إما التأليف أو الاعتذار!

 

لم يُضفِ ظهور هذه اللعبة في مقر رئيس السلطة التشريعية، ولا التصريح بها علناً على لسان زميل كبير وقطب عزيز في قوى 14 آذار، أية مسحة جدّية على هذا الطرح، الذي يعرف أصحابه قبل غيرهم، أنه خارج السياق السياسي لاتفاق الدوحة، ومثل هذا الكلام يتعارض أولاً وأخيراً، مع نصوص الدستور الذي لم يُحدد مهلة زمنية لمهمة الرئيس المكلّف، فضلاً عن أن التعاطي بلغة "الإنذارات" يتنافى مع أبسط مبادئ الوفاق الوطني، والحرص على التعاون المشترك بين الأكثرية والأقلية لتشكيل الحكومة الجديدة، وتأمين الانطلاقة المنشودة للعهد الجديد

 

ولكن ثمة ملاحظة لا بد من أخذها بعين الاعتبار، إذا كنا نصرّ على الاطلاع على خلفية هذه المناورة، التي اتسمت بكثير من الخفّة والسطحية

 

الواقع أن ثمة من ربط بين محاولة الأقلية إحراج الرئيس المكلف لإخراجه من السراي، وامتناع نواب المعارضة عن ترشيح السنيورة في الاستشارات الإلزامية في قصر بعبدا، رغم علم قيادات المعارضة بتمسك الأكثرية بترشيح رئيس الحكومة المستقيلة دستورياً، وجاء هذا الامتناع من قوى 8 آذار، بمثابة اعتراض مبطّن على ترشيح السنيورة لرئاسة الحكومة الجديدة

 

وما لبث هذا الاعتراض أن تُرجم إلى خطوات عملية على الأرض من خلال حملة الشروط - العقد التي أطلقها أقطاب في الأقلية، تقدّمهم بالطبع العماد عون، وفق سيناريو مدروس بعناية لتوزيع الأدوار في صفوف المعارضة

 

ورغم الجهود التي يبذلها الرئيس المكلّف لحلحلة "العقد السيادية والخدماتية"، فإن تمسّك الأقلية بالفيتوات على بعض المرشحين لدخول الحكومة الجديدة، وفي مقدمتهم الوزير الياس المر، أحمد فتفت، مروان حمادة، فضلاً عن تمترس عون وراء حقيبة سيادية، يُعطّل أي مسعى لبناني أو حتى عربي لتسهيل تشكيل الحكومة العتيدة

 

ثالثاً: بدا واضحاً أن استمرار تنقل المسلسل الأمني في أكثر من منطقة من بيروت وضواحيها إلى سعدنايل وتعلبايا في البقاع، إلى باب التبانة وجبل محسن في الشمال، يهدف إلى إصابة أكثر من هدف في وقت واحد:

 

1 - ضرب هيبة العهد الجديد والضغط على رئيسه القادم من قيادة المؤسسة العسكرية

 

2 - إسقاط تفاهمات اتفاق الدوحة التي نصّت على عدم استخدام السلاح في الداخل لحسم الخلافات السياسية

 

3 - ممارسة شتى أنواع الضغوط الأمنية والشعبية والنفسية على الأكثرية لدفعها إلى الخضوع لشروط ومطالب الأقلية في تشكيل الحكومة الجديدة

 

4 - ارسال عدة رسائل الي الخارج العربي والدولي، بأن المعارضة، وعمودها الفقري حزب الله، ممسكين بالأرض بقوة السلاح، وأن هذه القوى مستعدة لحسم الصراع الداخلي وتداخلاته الخارجية بقوة المدفع، بعدما تم إنزال الأسلحة الثقيلة إلى مناطق الاشتباكات المتنقلة

 

وثمة في المعارضة من يتحدث عن خطط لمواجهات حاسمة في بعض المناطق بهدف تغيير تركيبة المعادلة السياسية السائدة حالياً في المناطق المستهدفة

 

غير أن المفارقة الغامضة والمحيّرة ما زالت تدور حول أسباب ومبررات استنكاف القوى الأمنية، وفي مقدمتها الجيش، عن القيام بمهمة حماية المدنيين العزّل من الاعتداءات المسلحة، وعن التدخل الفوري لوقف الاشتباكات المتنقلة بين منطقة وأخرى، وعن ملاحقة المسلحين والمعتدين على الآخرين حيث تثبت واقعة الاعتداء

 

إن استمرار مثل هذه الاشتباكات وما تفرزه من اعتداءات على المواطنين الآمنين وتعرّض بيوتهم وممتلكاتهم للخراب، من شأنه أن يؤسس لمجموعة فتن وحروب لن يخرج منها أحد منتصراً، لأن معارك "داحس والغبراء" الجاهلية الجديدة ستستنزف قوى كل الأطراف، مهما بلغت قوة وتسليح هذا الطرف أو ذاك، وسيكون الوطن، بصيغته الفريدة، ونظامه الديمقراطي، هو الخاسر الأكبر أولاً وأخيراً

 

كلما شعر اللبنانيون أنهم أمام فرصة لالتقاط الأنفاس، والبحث عن مخارج لأزماتهم المستمرة، تنهار بوادر الإنفراج فجأة، وتُقفل أبواب الحلول بقدرة الأيدي الخارجية التي تريد لبنان "ساحة" لتصفية حساباتها مع الآخرين، وليس "رسالة إنسانية" وقدوة حضارية برسم الآخرين كلما راهن اللبنانيون على موسم سياحي واصطيافي واعد لتعويض بعض خسائر السنوات العجاف الثلاث الماضية، يحصل ما ليس بالحسبان من خضّات أمنية، وأزمات سياسية، تودي بكل آمال الأمن والاستقرار والازدهار

 

فهل تستطيع الأقلية تحمّل المسؤولية أمام الوطن والتاريخ مرة أخرى، في حال استمر تعطيل تشكيل الحكومة الجديدة، وتحوّل التلاعب بالوضع الأمني إلى انفجار شامل يلتهم لهيبه الأخضر واليابس؟

 

وماذا يعني الهجوم المفاجئ على السعودية؟

 

الهجوم المفاجئ الذي شنّه أحد قياديي حزب الله على المملكة العربية السعودية لم يكن مستغرباً من الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، التي باتت تدرك جيداً أنه كلما احتقنت العلاقات الإيرانية مع السعودية، يُبادر حزب الله إلى ترجمة هذا الاحتقان بحملات من الاتهامات والافتراءات التي تطال مواقف المملكة الداعمة للشقيق الأصغر، والمساندة لكل قضايا الأمتين العربية والإسلامية

 

وإذا كان حزب الله ملتزماً في الدفاع عن مواقف إيران وتدخلاتها في ملفات القضايا العربية الشائكة، فإن اللبنانيين معنيون أكثر في صيانة العلاقات الأخوية مع المملكة السعودية، هذه العلاقات القائمة على مبادئ الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في شؤون الآخر، والعمل على تعزيز التعاون لما فيه خدمة مصالح الشعبين والبلدين الشقيقين

 

أما مسألة العلاقات السعودية - الإيرانية فتبقى شأنا يهم الطرفين المعنيين، بعيداً عن محاولات التدخل من حزب الله أو غيره من الأطراف اللبنانية الأخرى، لأن مثل هذا التدخل يُفسح المجال من جديد لتحويل الوطن الصغير إلى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات الصراعات الخارجية على أرضه، وعلى حساب أمن واستقرار شعبه

 

قد يكون الملف اللبناني أحد بنود التأزم الحالي بين الرياض وطهران، بعد سلسلة من الالتزامات والوعود من الطرف الإيراني، والتي بقيت حبراً على الورق رغم المبادرات العديدة التي اتخذتها السعودية ودول خليجية أخرى في تحسين علاقات حسن الجوار مع إيران، فضلاً عن المشاركة في الجهود الدبلوماسية، والتي بُذلت على أعلى المستويات مع عواصم القرار الدولي، لتخفيف حدة التوتر مع طهران حول الملف النووي، ولتغليب الحل الدبلوماسي لهذا الملف على الخيار العسكري

 

ولعل التأجيل المتكرّر للزيارة المرتقبة للأمير سعود الفيصل إلى طهران، والتي كانت متوقّعة منذ خريف العام الماضي، يُشير إلى مدى الإحباط الذي أُصيبت به الدبلوماسية السعودية، بسبب عدم التزام الطرف الإيراني بتنفيذ ما يتم التوافق عليه لمعالجة الملفات الساخنة في العراق وفلسطين ولبنان، بما يؤدّي إلى إعادة الأمن والهدوء إلى هذه البلدان، والحدّ من التدخلات الأجنبية والاستغلالات الصهيونية لحالات التوتر وعدم الاستقرار في هذه البلدان لتنفيذ مخططات معادية لنظام الأمن العربي ومصالح شعوب المنطقة بأسرها

 

يبقى من المضحك المبكي أن يتم اتهام السعودية بتمويل الفتنة في لبنان، في وقت تَجهد فيه القيادة السعودية، وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، في مدّ يد العون والمساندة للبنان، دولة وشعباً ومؤسسات، من دون أي تفريق أو تمييز بين منطقة وأخرى، أو بين طائفة وأخرى، لأن الهدف الأساسي والأسمى للمساعدات السعودية كان بلسمة جراح اللبنانيين، وتمكين الدولة اللبنانية من القيام بأعبائها المالية الضاغطة بسبب تداعيات حرب تموز عام 2006، وحالة عدم الاستقرار السياسي التي أعقبتها، والتي كان حزب الله وحلفاؤه الطرف المباشر فيها

 

في حين أن مساعدات إيران اقتصرت على قنوات حزب الله ومناطق جمهوره، من دون الالتفات إلى بقية مكوّنات الشعب اللبناني، وإلى المناطق الأخرى، الذين شاركوا في التصدي، وفي تحمّل نتائج الحرب الإسرائيلية الظالمة على لبنان، على كل لبنان

 

وقيادة حزب الله تدرك جيداً أن السفير السعودي عبد العزيز الخوجه كان أكثر السفراء العرب إقداماً على عقد اللقاءات مع السيد حسن نصر الله في ظروف بالغة الحساسية والتعقيد، وهو عمل بكل حكمة وشجاعة على ترتيب زيارة الوفد القيادي من حزب الله إلى الرياض لعقد سلسلة لقاءات مع كبار المسؤولين السعوديين، وكل ذلك في إطار تأكيد حرص المملكة للبقاء على مسافة واحدة من جميع الأطراف اللبنانية

 

إن حالات الغضب والتوتر التي فجّرتها عملية اجتياح بيروت وما تبعها من اشتباكات متنقلة هنا وهناك، تحتاج إلى جهود جدية ومخلصة للتهدئة والتطويق، لا إلى مزيد من الشحن والتحريض، خاصة وأن الجميع يُدرك بأن النار ما زالت تحت الرماد، وأن ثمة أيدي تحاول تحريك الرماد لإعادة إشعال نار الفتنة من جديد

 

فإلى الاعتصام بحبل الحكمة والوحدة قبل فوات الأوان!

 

23 حزيران/2007