الله بالسريانية

بقلم/محمد سلام

الاحد 19 تشرين الأول 2008

 

 

حكمة من الثقافة السريانية: "حين يؤدي الإنسان دور الله، فليس بإمكانه تجنب ممارسة دور الشيطان أيضا".

 

ومن الثقافة السريانية أيضًا: "إذا لم نقرأ سوى ما نوافق عليه، فلن نتعلم إطلاقا".

 

ما مناسبة الاستعارة، وتحديدا الآن، من الثقافة السريانية الطاعنة في العراقة في مشرقنا العربي؟

 

المناسبة، ببساطة، هي وقاحة ما يجري في الموصل من استهداف للعراقيين المسيحيين... بالتزامن مع ما روج له، ترويعا، في لبنان من احتمال استهداف للمسيحيين في الشمال.

 

قرأت مئات الصفحات عما يجري في الموصل. فهمت أن مسيحيين قتلوا، وفجرت منازلهم، بعدما خطف مطرانهم. فهمت أن الذعر يسيطر عليهم. فهمت أنهم هجروا من منازلهم وأحيائهم، وبلداتهم. فهمت أن جيرانهم من العراقيين المسلمين العرب غير راضين عما اصاب أهلهم من الطائفة المسيحية. وقرأت مناشدات لإنقاذ مسيحيي العراق، واتهامات للاحتلال الأميركي بالتواطؤ. واتهام للحكومة العراقية بعدم الجدية في المعالجة.

 

قرأت، وفهمت كل ما سلف. ولكن لم أقرأ عمن يقتل ويستهدف المسيحيين في العراق. لم أقرأ عن مجرم محدد بالإسم، والهوية، أكان فردًا أو تنظيمًا أو جماعة.

 

مريب هذا الإغفال المتعمد للجاني، بل مخيف هذا التجهيل، خصوصًا إذا ربط بعبارة تعريفية واحدة وردت في فقرة ضمن موضوع لإحدى وكالات الأنباء الدولية ذكرت فيه أن "8,300 عائلة مسيحية فرت من منازلها في الموصل خوفا من العنف الذي يقال إن متطرفين سنة يتحملون مسؤوليته".

 

وكالة الأنباء الحريصة، مهنيا، والمحنكة سياسيا، لم تتحمل مسؤولية التهمة. بل نسبتها إلى يقال، أي إلى التجهيل، فلم تذكر حتى من يقول، ولم تضف إليها أي معلومة تعرف بهؤلاء المتطرفين السنة المزعومين.

 

التهمة الشقيقة في لبنان، وكما روج لها من قبل وسائل إعلامية عدة، ونسبت إلى "تقارير أمنية" زعمت أيضا أن أصوليين سنة سيستهدفون المسيحيين في الشمال، وقد يستهدفون رمزا دينيا أو سياسيا مسيحيا أيضا.

 

في العراق وقع الاعتداء من قبل المجرم المجهول، أو المجهل، على المسيحيين في الموصل.

 

في لبنان، وقع التهويل بالاعتداء على المسيحيين في الشمال، ولكن بتمايز نوعي. فقد تطوع أحد نواب كتلة "التغيير والإصلاح" للمساهمة في "التوضيح" التجهيلي، فأشار إلى أن أطرافا إقليمية وبعض القيادات المحلية كانت تمول وتدعم هؤلاء المتطرفين، وصدرت أيضا "توضيحات" سورية عن تحول شمال لبنان قاعدة لأصوليين، وساهم كتّاب من فلك "حزب السلاح" في الترويج لنظرية أن تنظيم القاعدة حول لبنان من "أرض نصرة لأرض جهاد" لاستهداف "النصارى".

 

اكتملت الصورة، صورة المؤامرة، لربط مشهدي الضحايا "المسيحيين" في العراق ولبنان، بمشهد "المعتدين" من الأصوليين، أو المتطرفين "السنة" في الدولتين.

 

الغريب في هذه التلفيقة هو أمر أساسي واحد، متى عرف بان الهدف.

 

كل من تحدث عن الأصولية السنية المزعومة التي تستهدف المسحيين في العراق، وتستعد لاستهداف المسيحيين في الشمال، هو إما مجهول أو من بيئة معادية، أقله نظريا، لهذه الفئة من التطرف.

 

من الملفت، فعلا، أن تكون ثقافة نواب كتلة العماد عون، قد "تطورت" إلى مستوى من التعمق في الفقه الإسلامي، على الرغم من ضعفها البنيوي في الشؤون الثقافية عموما، واللاهوتية .... المسيحية من ضمنها.

 

اللافت أيضا أن يكون كتبة "حزب السلاح" قد اصبحوا متخصصين في شؤون تنظيم القاعدة، إلا إذا كانوا قد اعتنقوا فكره ... أو اعتنق فكرهم ... أو أقام على أرض ولاية فقيههم!؟

 

حتما هناك جريمة ترتكب في العراق ضد المسيحيين. وعلى الأرجح هناك جريمة تدبر أيضا، أو يهول بها، في شمال لبنان ... ضد المسيحيين.

 

وحتما، أيضا وأيضا وأيضا، هناك من يدبر صراعا بين سنة ما والمسيحيين في الشرق، ليخلق ما يعتقد أنه سيكون "ضحية مسيحية يتعاطف معها الغرب" ضد السنة فيهب لنجدتها، أو يكلف أحدا بنجدتها، فيتحقق له في الحالتين ضرب المسلمين العرب، وتحديدا العرب السنة ... وضرب العلاقة التاريخية بين المسيحية المشرقية والعرب، التي تحدث عنها مفتي القدس في مسجد محمد الأمين، والتي كانت اساس العلاقة بين المسلمين والمسيحيين ... وما زالت.

 

هناك من يسعى إلى "وراثة" المسيحيين العرب ... من العرب، ويسعى أيضا إلى تشويه صورة العرب السنة عبر إقناع العالم الغربي "المسيحي" بأنهم يذبحون المسيحيين، وهم مجرد مجموعة من الإرهابيين المتعصبين الذين يجب القضاء عليهم والتعامل مع قوة إقليمية جديدة تستطيع أن "تضمن" المحافظة على الأقليات في الشرق.

 

المسألة لا تحتاج إلى عبقرية. فمن يتجرأ على التفكير في ضرب قاعدة تكامل الأديان التي وضعها الله، هو من يعتقد أنه يؤدي دور الله.

 

عميقة، فعلا، الثقافة السريانية: "حين يؤدي الإنسان دور الله، فليس بإمكانه تجنب ممارسة دور الشيطان أيضا".

 

و "إذا لم نقرأ سوى ما نوافق عليه فلن نتعلم إطلاقا".

 

هذه مصارحة.... بالسريانية هذه المرة.

 

**عن موقع لبنان الآن