التحالف مع عدو ضد عدو!؟

بقلم/محمد سلام

السبت 30 آب 2008

 

المؤسسة العسكرية هي التي أنتجت اتفاق القاهرة السيئ الصيت في العام 1969 ما أعطى منظمة التحرير الفلسطينية "الحق" في استخدام أراض لبنانية" لشن هجمات على إسرائيل بقصد تحرير فلسطين، فأسقط لبنان، قانونيا، اتفاقية الهدنة اللبنانية-الإسرائيلية لعام 1949 وفتح الباب على استباحة الأراضي اللبنانية في الصراع الإقليمي، فسال نهر الدم .. وصولا إلى سقوط الشهيد النقيب سامر حنا على أرض "الساحة" المستباحة.

 

للتاريخ، نذكر أن اتفاق القاهرة تم توقيعه على خلفية الصراع بين الجيش اللبناني ومنظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تؤيدها قوى اليسار المعروفة بالحركة الوطنية اللبنانية، وإثر سلسلة من الاشتباكات بين الطرفين في غير منطقة لبنانية.

 

المجلس النيابي اللبناني ألغى اتفاق القاهرة بعد عقدين من إقراره، والسلطة الوطنية الفلسطينية، كما منظمة التحرير، لم تعد تعترف به، إضافة إلى الاعتذار الذي قدمته المنظمة للبنانيين عن دورها على أرضهم في عقد السبعينات وصولا إلى انسحابها على وقع الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982، ومن ثم طردها من شمال لبنان بقوة الجيش السوري في العام 1983.

 

استشهاد العميد حنا في إقليم التفاح طرح بقوة مسألة السيادة الوطنية، ووحدانية سلاح الجيش اللبناني على الأرض اللبنانية، وأعاد طرح موضوع الاستراتيجية الدفاعية بندا أول على طاولة الحوار الموعودة.

 

فهل يعني ذلك أن الحوار، في حده الأدنى، سيسفر عن اتفاق قاهرة جديد بين الدولة اللبنانية ... و"حزب السلاح" هذه المرة، على الرغم من مطالبة قوى 14 آذار، وغيرها، بإعادة إحياء اتفاقية الهدنة مع إسرائيل، ما يحظر استخدام أراضي أي من الدولتين في الاعتداء على الدولة الأخرى؟

 

من المفيد التذكير بأن اتفاقية الهدنة حمت لبنان في العام 1967 من الاعتداء الإسرائيلي الذي هزم ثلاثة جيوش عربية في ستة ايام واحتل أراضي مصر وسوريا، وما كان في عهدة الأردن من أراضي فلسطين.

 

الجزء الوحيد من الأراضي اللبنانية الذي خسره لبنان في حرب العام 1967 كان مزارع شبعا التي سيطرت عليها القوات السورية منذ أوائل ستينات القرن الماضي ولم يستطع "الملازم" ميشال عون دخولها على رأس دورية راجلة لأن الجيش السوري أعاده إلى لبنان.

 

الجيش الإسرائيلي اجتاح الجنوب واحتل الشريط الحدودي في آذار العام 1978، بعد عامين من اجتياح جيش نظام الأسد الأراضي اللبنانية، تحت عنوان خرق لبنان لاتفاقية الهدنة، سواء بتوقيعه اتفاق القاهرة العام 1969، أو بطلبه الاجتياح السوري في العام 1976 الذي "شرعن" عربيا في الربع الأخير من ذلك العام وتحول قوات "ردع"  عربية انسحبت منها الكتائب العربية تباعا وبقي السوري حاكما وحيدا للبنان لـ 30 عاما.

 

الاعتداء على طوافة الجيش اللبناني، بغض النظر عما يثار حول ظروفه من التباسات مزعومة هي في ذاتها ملتبسة، ومن دون استباق نتائج "التحقيق" الذي لا نعلم ما إذا كان القضاء اللبناني يجريه بوحدانية سيادية أم يشارك فيه مع قوى أخرى، أدى في نتائجه المباشرة إلى إقامة "حدود صلاحية" للقوى النظامية اللبنانية، ما يعني، استنتاجا، أنه أقام أيضا "حدود" صلاحية لمقاومة "حزب السلاح".

 

حدود "الصلاحية" هذه هي المكون الأساسي لذلك الاتفاق الذي وقع في القاهرة العام 1969 وأدى، نتيجة القضم الذي مارسته منظمة التحرير والقوى المتحالفة معها، ومن ثم نتيجة القضم الذي مارسه الجيش السوري، إلى تجريد الدولة اللبنانية من كامل سيادتها على كل أراضيها ... حتى بعد إلغاء المجلس النيابي لاتفاق القاهرة.

 

من هنا ضرورة قرع ناقوس الخطر كي لا تؤدي "حدود الصلاحية" الجديدة إلى قضم جديد لسيادة الدولة اللبنانية، يتمدد وفق مقتضيات ما يسمى "أمن المقاومة" ليأكل من عصب الدولة اللبنانية ... فيسقطها تحت عنوان "التصدي للعدو الإسرائيلي".

 

التصدي للعدو الإسرائيلي، وأيضا أي عدو آخر، هو حتما عنوان مركزي للسياسة الوطنية-السيادية للدولة اللبنانية.

 

ولكن هذا التصدي إن لم يكن من ضمن الصلاحية الحصرية للدولة اللبنانية، قرارا وأداة تنفيذ، لا يمكن إلا أن يؤدي في النتيجة إلى قضم الدولة وهضمها، خصوصا في ظل عشعشة الثقافة الخشبية في عقول من يعتقد أن قتال إسرائيل، وهو حتما واجب وشرف إذا كان دفاعا عن لبنان، يعطي من يمارسه حق حكم لبنان، حتى إذا كان هذا الحكم هو لمصلحة ... غير لبنان.

 

لتبسيط الكلام نقول ليس صحيحا إطلاقا أن عدو عدوي هو صديقي.

 

هذه النظرية العشائرية المنشأ سيقت بها الشعوب كما قطعان الماعز على مدى قرن تقريبا ... ثم سقطت.

 

فعدو عدوي يمكن أن يكون أيضا عدوي الذي يريد أن يتخلص من عدو اختاره، على الرغم من عدم تماسه الجغرافي به، ليخضعني بدلا منه سواء عبر اكتساب "شرف" مقاومته على أرضي، أن عبر تحقيق نصر عليه، أيضا على أرضي، وبدماء شعبي واقتصادي المنهار.

 

هنا تكمن خطورة الوضع ما يستدي من مثقفي "النضال الرث" إعادة النظر في نفعية سكتهم الأحادية التي تنتج ثلما أعوج، كما الثور الأعور.

 

على أحاديي ثقافة "العدو الواحد" تحرير عقولهم من سكة الثور الأعور، ويتعودوا النظر بعينين اثنين، لا بعين واحدة، إلى صف الأعداء، كي لا نسقط ضحايا الحول الذهني فنتحالف مع أحد الأعداء ضد أحد الأعداء  ... فيهزمنا في النهاية العدو الذي ننصره على العدو، أو العدو الذي نعاديه لحساب عدو آخر.

 

إذا كنا سننتصر، أو نهزم، فيجب أن يكون ذلك لحساب لبنان ... كي لا نكون في النهاية "عملاء".

 

عن موقع لبنان الآن