رســـــالة هـــادئــــة إلى وليد جــنـبـــلاط     

بقلم/صالح مشنوق

 

الى الزعيم وليد بك جنبلاط...

 

لم نشأ ان نخاطبك في أوج النقاش حول مجموعة من المتفجرات السياسية التي اطلقتها للعلن منذ اسابيع قليلة. فالهدف من رسالتنا ليس الجدل وما اكثره هذه الايام داخل صفوف قوى الرابع عشر من آذار... الصحي منه وغير الصحي. بل ان غايتنا هي التوصل الى نقاش هادئ وبنّاء في مقتضيات "اعادة التموضع التكتيكي" الجارية حاليا في ظل المراجعة الداخلية – اذا حدثت – داخل قوى الاستقلال. والانطلاق عندها الى برنامج سياسي موحد ولوائح محددة (انشاء الله) يخوض بها التحالف الانتخابات – ان حصلت – بنجاح.

 

ولكن بما اننا اليوم على ابواب مرحلة جديدة يحق لنا – بل يتوجب علينا – ان نخاطبك بصراحة قائلين لك ان الأداء السياسي "لساحر قوى الاستقلال" في الاشهر الاخيرة لم يكن على قدر طموحاتنا. لنبدأ معك من اليوم الاول. في يوم الرابع عشر من شباط المشؤوم، عندما استشهد الرئيس رفيق الحريري اعتقدنا جميعنا ان "ظهرنا انكسر" وان ما حصل لا بد ان يجدد للجيش السوري احتلاله ثلاثين عاما جديدة. الجماهير المفجوعة الباكية تنزل الى الطرقات محتجة ولكن لا افق سياسيا لغضبها. عائلة الشهيد لم تحسم الزعامة بعد وهي غارقة في بحر من الانكسار والحزن لا يمكن ان ينتج عنه الا اتهام القاتل بالقتل. قيادات المعارضة اللبنانية مشتتة حائرة دخلت في معظمها يومها الى قصر لم تعتد عليه يوما.

 

يومها، أُنعم على هذا الوطن بزعيم جلس في قاعة قريطم يستقبل التعازي ويفكر في اخراج السوريين في آن واحد. وحد الصفوف وحصن العائلة وحمل العلم وقادنا جميعا الى حيث الانتصار. كنت يا وليد بك جنبلاط آنذاك عنوانا لكل ما نطمح اليه، رصيناً، شجاعاً، توحيدياً واضح الرؤيا كثير العزم والاندفاع. ومنذ ذلك الحين وانت المؤتمن على اندفاعة انتفاضة الاستقلال. على سحرها. على معنوياتها. على حماسة جمهورها. على حيوية قضاياها وحتى التسويق العالمي لأحقيتها.

 

اما الاشهر الستة الاخيرة فقصة اخرى. نقد ذاتي كجلد النفس. تصريحات فردود فعل فتصحيح حزبي. كلام علني يجب ان يقال في الكواليس الضيقة. اعادة تموضع – على احقيته – بدت للناس جميعا وكأنها تخل عن الحلفاء. لا لقاءات ثنائية مع الحليف المسيحي الواقعي. نواب ووزراء كل يغني على ليلاه.

 

نحن نعلم انك كغيرك محاصر بالحسابات الانتخابية والمعطيات الطائفية. ونعلم ان الاندفاعة الدولية تجاه الملف اللبناني تراجعت وان الرئيس الاميركي الداعم للبنان مكبل اليدين الى حين انتهاء ولايته. نعلم ان المشروع العربي ما زال غائبا ومربكا تنقصه الرؤيا والالتزام والرغبة في المواجهة. ونعلم ايضا ان السلاح غيّر كل الموازين وفرض مراجعة لكل الحسابات. نعلم انك تلوم حلفاءك على الكثير وفي هذا تملك اكثر بكثير من الحق.

 

صحيح اننا بحاجة الى اعادة تموضع تكتيكي والى مراجعة جدية وصحية وموحدة لتجربتنا في الاعوام الثلاثة الماضية. اين اخطأنا واين اصبنا. اين كنا واين اصبحنا. لكن اعتراضنا الشديد على أدائك هو في امور ثلاثة لا رابع لها. الاول هو التوقيت. الثاني هو الشكل. الثالث هو المنبر. اي اي مراجعة علنية تصحيحية لأداء قوى الاستقلال لا تتم الا في وقت يكون الناس فيه قد استعادوا جزءا من معنوياتهم، بأسلوب النقد الصحي والبناء والموحد في ظل رؤيا واضحة لأخطاء المرحلة السابقة واستراتيجية المرحلة المقبلة. ولا تتم الا من منبر تابع لقوى الاستقلال اعلاميا كان او جغرافياً.

 

لنأخذ على سبيل المثال كلامك عن حجم القوات اللبنانية في خضم اسبوع تشكيل الحكومة. الا تعلم يا وليد بك ان اكبر معركة نخوضها اليوم في لبنان هي معركة الرأي العام المسيحي وان تصاريحك هي الاكثر قدرة على دفع الناس في اتجاه الجنرال عون؟ ماذا كان يضر لو ترفعت عن الخوض في الوزارات الانتخابية وانت الاعلم ان لا معركة انتخابية في مناطق نفوذك؟

 

لنأخذ على سبيل المثال كلامك المتكرر عن العروبة مباشرة بعد احداث ايار. لماذا لم تقل لنا اين قصرنا بحق فلسطين والعروبة؟ هل اخطأنا عندما اخرجنا فلسطين من المزايدات الرخيصة التي تطلقها انظمة عربية رغبة بمشروعية ما بينما لا طلقة رصاص على حدودها المحتلة منذ قبل ان نولد؟ لماذا لا تقول لنا ما المطلوب منا بحق فلسطين كي نقوم به اليوم قبل الغد؟ هذا لا يعني اننا تخلينا عن عروبتنا ابدا. لكننا من العرب الذين يدفعون وحدهم ثمن عروبتهم على "الحدودين" منفردين.

لنأخذ على سبيل المثال كلامك عن احداث طرابلس. لماذا يصدر عنك كلام ومن ثم تتراجع عنه فيكون الضرر قد وقع؟ كيف استنتجت اننا ننتقم لبيروت في طرابلس؟ الا تعلم حجم الضرر المعنوي الذي تصاب به من هذه التصريحات المدينة التي شكلت منطقتها عصب وعديد انتفاضة الاستقلال وهي تتعرض للاغتيال السياسي؟

 

لنأخذ على سبيل المثال المقابلة الوحيدة التي اجريتها بعد احداث ايار. الا تعتقد اننا كنا بحاجة الى رؤيتك من خلال منبر صديق؟ فاي مراجعة نقدية هذه التي تجري من خلال اعلام خصومك؟ ولماذا استعمل اسلوب المراجعة بشكل يحبط الناس ونحن اكثر الناس بحاجة الى مراجعة تأخذنا من جديد الى دائرة المبادرة؟ فلماذا أخفت الناس بحرائق المعارك الكبرى وعقلك اقرب الى التسوية، وفي هذا لست وحدك.

 

المشكلة في خطابك يا وليد بك انك عندما تهاجم بالسياسة تذهب الى ما بعد السماء مسقطاً النظام السوري وحارقا الارض على خصوم الداخل. وعندما تتراجع بالسياسة تذهب بنا وبنفسك الى مظاهر الانكسار التي لا تشبه بشيء معادلة التسوية وإن لم تكن متكافئة. نحن لا نريد لك ومنك ايا من هذا الكلام. صحيح ان التاريخ قد يقول عنك انك صنعت انتفاضة الاستقلال. ولكن صحيح ايضا ان انتفاضة الاستقلال اعطتك زعامة اكبر من كل تجارب الماضي.

 

نحن نراك مؤتمناً على معنوياتنا وعواطفنا واحلامنا. نريدك مؤتمناً على وحدة صفوفنا واندفاعة جهودنا. نريدك المنظّر الاول لضرورة تصحيح ادائنا في الشكل والمضمون والتوقيت الذي يصلح لتلك المراجعة. نحن نعلم انك لم تتخل عن حلفائك، وانك ملتزم الاهداف السياسية التي وضعناها سويا، وان محاولاتهم لاستدراجك الى موضع آخر وصورة اخرى لن تنجح ان شاء الله. نحن نريدك اكبر من الجبل والطائفة والانتخابات والوزارات والخلافات الداخلية وتفاصيل التكتيك السياسي. نريدك كما كنت يوم جلست في قريطم آنذاك في اصعب الايام قائلا لنا: الايام صعبة... المطلوب الصمود... باختصار يا وليد بك جنبلاط... نريدك أ لّا تشبه الا لبناننا.

 

مع الاخلاص والمحبة... جمهورك الاوسع في قوى الرابع عشر من آذار

 

صالح المشنوق

12 أيلول 2008