بئس الافق

علي حماده (النهار)

الثلاثاء 28 أيلول 2010

 

بلغت السوريالية بالبعض حد مطالبة سعد الحريري برسائل مصورة مطبوعة بالتنكر للعدالة في جريمة اغتيال والده وسائر شهداء "ثورة الارز". وبلغت السوريالية حدودا فلكية بتهديد البعض بالتعامل مع من يقبل بالقرار الاتهامي العتيد كما يجري التعامل مع "الغزو الاميركي الاسرائيلي"، أي بمعنى آخر بالقتل والاغتيال والتفجير ! واخترقت السوريالية كل السقوف بطرح معادلة اما العدالة وإما الحرب في لبنان!

 

في جانب آخر، يجري تقديم موضوع ما يسمى "شهود الزور" على الموضوع الاساسي الذي هو الجرائم نفسها، وقد رد المدعي العام للمحكمة الدولية القاضي دانيال بلمار على هذا الموضوع بتأكيده انه لم يأخذ بأي من اقوال الاشخاص الذين جرى تداول أسمائهم كـ"شهود زور"، وبالتالي لم يبن استنتاجاته الجرمية على قاعدة ما ادلى به هؤلاء وقد تراجع بعضهم عن اقواله ليصير نجما تلفزيونيا على شاشات المنار وغيرها وليسرح ويمرح في بلاد الله الواسعة.

 

ان التركيز على قضية وهمية مثل "شهود الزور " يأتي في سياق الحرب المفتوحة على المحكمة الدولية منذ البداية، وقد سقط عدد من شهداء "ثورة الارز" على ارض المعركة ضحايا الحرب الارهابية التي خيضت ضد التحقيق الدولي، ثم المحكمة التي ما قامت لو لم يتوصّل التحقيق الدولي الى شيء ما صلب يمكنه الوقوف امام محكمة ذات معايير قضائية دولية، وذلك على غير ما هي المحاكم في العالم العربي العسكرتاري، او تلك التي يصير فيها القاضي، لا بل المدعي العام اسير الترهيب والترويع الذي يمارسه طرف اعتاد القتل من غير ان يقف امامه طرف يحاسبه على افعاله.

 

في حالة "حزب الله" الذي يراكم التهديدات الصريحة بالقتل المتعمد وصلنا الى ساعة الحقيقة : ففي حراكه الممهد لشيء ما امني، وضع الحزب نفسه في قفص الاتهام، وقدّم نفسه في صورة المرتكب الذي يريد الافلات من المحاسبة على افعاله بالبلطجة وبالتهديد بجر البلاد الى حمام دم. طبعا نحن لا نتهم الحزب ولا غيره ما دامت المحكمة صارت على الابواب، وما دام القرار الاتهامي سيتكفّل بذلك، لكننا نلاحظ ان الحزب لا ينفك عن الاساءة الى صورته وعلاقاته في الداخل اللبناني. فالمبالغة في التهديد بالقتل تنتج على المدى الابعد مفعولاً عكسياً لانها تغرز في عقول اللبنانيين (حتى الحلفاء) صورة بالغة السوء عن الحزب، وقد انتهى كقوة كانت تسمي نفسها "مقاومة" ليصير قوة "قمع" للبنانيين لا تخفي اهدافها الفعلية بالتسلط على حياتهم ومستقبلهم، وبمحاولة تطويعهم والحاقهم بمشروعه الاقليمي الذي ما استطاع ان يتجاوز الحدود المباشرة لبيئته. 

 

ان المحكمة قائمة ولا ينفع "حزب الله" ان يرهب اللبنانيين مستخدما سلاحه لمنع المحكمة من العمل، وقد تبين ان مضمون المؤتمرات الصحفية للامين العام للحزب السيد حسن نصرالله في ما خصّ المعطيات والقرائن التي من شأنها ادانة اسرائيل باغتيال الحريري وسائر شهداء "ثورة الارز" كان اجوف، فانتقل الموضوع الى شهود الزور، ولما تبين ان المسألة لا يمكن ان تحجب القضية الحقيقية، أي الاغتيالات نفسها، صار اللجوء الى تهديدات بالقتل الجماعي بأصوات اعضاء في البرلمان. والآن نحن امام المعضلة الكبيرة التي تتمثل في ما كنا نحذر منه منذ سنوات: ان "حزب الله" في طبيعته هو حزب مولد للحروب الداخلية والخارجية. وهو غير قادر على تقديم مشروع آخر، اللهمّ سوى الدم ومزيد من الدم. هذه هي ازمته الوجودية.

أما في لبنان فرغم ما يتمتع به الحزب من فائض في القوة، ورغم حراك اعلامي - سياسي حليف له، فإنه يجد نفسه في مأزق كبير: فقد بلغ مرحلة صار في حاجة الى استخدام السلاح ضد اللبنانيين عند كل منعطف في السياسة والعدالة. في مرحلة تشكيل الحكومة الحالية كانت التهديدات بأن تشكيل حكومة اكثرية نيابية ستواجه على الارض بالقوة واحتلال العاصمة مرة جديدة. وفي مرحلة الاختلالات الأمنية العرضية كان استخدام السلاح في احياء بيروت ضد تنظيم حليف امرا عاديا كتنشق الهواء.

 

وفي مرحلة استكمال الحرب القديمة – الجديدة على المحكمة لمنع محاسبة قتلة رفيق الحريري وسائر شهداء "ثورة الارز" صار التهديد بالقتل بلسان "برلمانيين" الوسيلة التي يجري استخدامها لتطويع اللبنانيين. فمتى المرحلة المقبلة التي يصار فيها الى تنفيذ التهديدات؟

 

طبعا لو كانت ثمة دولة في لبنان، ولو كان ثمة جيش ضامن لأمن الناس لما تجرأ طرف على نقل خلاف سياسي الى مشروع دم. وفي مطلق الاحوال فقد كشف "حزب الله" نفسه لبنانيا بعدما عزّز شكوك اللبنانيين في شأنه، وكشف نفسه اكثر بعدما كشف عن طبيعته الحقيقية كقوة لا افق لها سوى افق الدم، والدم وحده. فبئس الافق!