جنرال انطاكية وسائر المشرق 

  ٣ شباط ٢٠١٠

إيلي فواز

المصدر : موقع لبنان الآن

http://www.nowlebanon.com/Arabic/NewsArticleDetails.aspx?ID=143602

 

لا يقع الاعلان عن نية العماد ميشال عون التوجه إلى مدينة حلب السورية على رأس وفد يضم وزراء ونواباً وشخصيات للمشاركة في المئوية السادسة عشرة لعيد مار مارون في التاسع من الشهر الجاري، خارج سياق ما مضى به الجنرال، منذ استقل الطائرة الخاصة للرئيس السوري بشار الاسد، مستأنفًا بذلك سنناً كان لبنانيون كثر اعتقدوا انها سقطت مع خروج الجيش السوري من لبنان بعد 29 عاماً.

 

في الشكل ليس لأحد ان يجادل عون في زيارته "الدينية" بعد زيارات سياسية عدة كان يدين ما يشبهها اذا ما قام بها اي من السياسيين اللبنانيين على قاعدة ان العلاقات يجب ان تقوم بين ممثلي الدولتين، وغالباً ما كان يسأل اين هي القوى السياسية السورية التي تجرؤ على زيارة لبنان واقامة علاقات مع مسؤوليه.

 

كما انه من غير الممكن مساجلة عون في هذا المنطق بعد انضمامه منذ زمن بعيد الى "قوى الممانعة والصمود"، والانتساب انتساباً أصيلاً إلى تجمع "شكراً سوريا". لكن اللافت ان خبر الزيارة جاء مقروناً بتفاصيل من نوع انه سيعلن عن ان المنطقة المحيطة بالكنيسة محمية طبيعية، وعن استكمال واعادة ترميم كنيسة مار مارون من الحجارة القديمة التي كانت قد شيدت بها. وهناك كلام عن حفاوة رسمية في استقبال عون وربما اجتماعه الى الرئيس السوري، علما ان الزيارة لا طابع سياسيًا لها. على هذا يسع المسيحيين ان يصلوا "الافخارستيا" على انجازات رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" الذي دفع بالنظام السوري للتفكر باحوال الكنيسة المارونية والبيئة المحيطة بها، بعدما همش طويلا الموارنة افرادا وجماعات وقيمًا سياسية واجتماعية.

 

الواضح الى الآن ان انصار الجنرال بدأوا بالترويج للزيارة بوصفها حدثاً نوعياً يضاف الى سلسلة انجازات حققها عون منذ "حرب التحرير" وصولا الى" لبننة" حزب الله من خلال ورقة التفاهم.

 

الارجح انه لم يعد من جدوى في مناقشة الجنرال للعودة عن "تسورنه" السياسي. والنقاش في هذا الاطار يبعث على الملل والكآبة. ذلك انه ومن معه يمضون قدماً في استدعاء التدخل السوري مجدداً من طريق اثارة العصبية المذهبية عبر الاغراق في الحديث عن "الموارنة".

 

الحق انه لم يسبق للبنان ان احتاج الى مسيحييه عموما والموارنة خصوصا كما هو الآن. والباعث على هذه الضرورة ان الخيارات المطروحة عليهم صارت بين ميشال عون وبين ميشال شيحا، من دون ان ننسى التحاف الاول للعباءة الشامية.

 

ليس في زيارة عون غرابة، فهو كان يريد تكسير رأس حافظ الاسد والآن صار يفتقد الى "هوى" الشام ويدمن تنشقة بين الفينة والأخرى بذرائع عدة. لكن الغرابة في ان يحتفل بلد عربي يدعي حزبه الحاكم "العلمانية" بحدث ديني بامتياز، وبحضور زعيم ماروني يتوق الى "فصل الممارسة السياسيّة عن الدين، سعياً إلى اقامة الدولة العلمانيّة".

في الاحوال كلها، فان منطقتنا تعج بالتناقضات التي تتعايش بعضها مع بعض، كمثل قطر التي تجمع على ارضها قناة "الجزيرة" او الشيخ قرضاوي المعادي للغرب، وأكبر قاعدة عسكرية امريكية في الشرق الاوسط.

 

والحال هذه، فالسؤال الذي يندفع الى الحناجر: ما رمزية ومغزى هذه الزيارة لدى الطرفين؟ خصوصاً ان لبنان هو موطن الكنيسة المارونية وقبلة الموارنة الوحيدة. وإن كان ثمة مكان للاحتفال بوجودهم في الشرق على مدى ستة عشر قرنا فهو من دون تردد لبنان. ثم ان سوريا البعثية كانت منذ تدخلها المباشر في لبنان معادية للموارنة وتوقهم للاستقلال.

ولم ينس اللبنانيون ان الموارنة ابان الحرب كانوا هم من أوجد وردد شعار "اعرف عدوك / السوري عدوك (السوري بمعنى النظام وليس الانسان او الهوية)". طبعا لا شيء يمنع الموارنة من التقارب مع سوريا، لكن ليس قبل فض العالق بينهما من قضايا واحترام استقلال وسيادة لبنان وصولا الى الكشف عن مصير المعتقلين في السجون السورية. هذا في الجانب المتعلق بالدعوة شؤوناً وشجوناً، اخذاً ورداً. لكن للدعوة جوانب أخرى:

 

في ما يتعلق بالشأن السوري، الواضح ان الزيارة هي مناسبة لتوجيه رسالة سياسية في اتجاهين: الاول للاستهلاك اللبناني وضد خصوم عون، خصوصاً رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع على قاعدة ان رهان الاخير على الغرب "لتغيير سلوك" سوريا فشل وان لا مكان له في السياسة ان لم ينتظم في صفوف الاسستتباع ويرضخ للوصاية.

اما الاتجاه الثاني، فهو موجه الى الغرب ويسعى لاظهار بشار الاسد بصورة القائد العصري والعلماني المنفتح على كل الديانات والثقافات.

هذا في الشكل اما في المضمون، فالاسد يسعى لاعادة الامساك بالقرار اللبناني عبر حلفائه. وهو يسعى ايضا في هذا الاطار إلى إعادة احياء الترويكا التي حكمت لبنان طوال حقبة الطائف ومن خارجه، منصبا نفسه المرجع الوحيد في فض الخلافات المستعصية بين اهل الحكم في لبنان.

اما بالنسبة للعماد عون فان الزيارة تأتي كجرعة دعم اضافية من سوريا المنتصرة، على حسب ما يقول مفوهوها الكثر، في مواجهتها مع الغرب للتأكيد على صوابية خياراته السياسية، لا سيما نظريته في تحالف الاقليات من ايران وصولا الى الرابية.

 

والزيارة أيضا توكيد لزعامة عون التي يعتقد انها تتعدى اطارها الجغرافي وربما اطارها الزمني. ولعل الرئيس الاسد يستغل المناسبة ويطوب العماد عون جنرالا لانطاكية وسائر المشرق.