المعارضة مصرّة على إستقالة الحكومة وتذرّع ميقاتي وحلفائه بضرورة التفاهم على حكومة بديلة منعاً للفراغ

ميشلين ابي سلوم*

 

لم يعد البحث في مصير حكومة نجيب ميقاتي خارج سياق اللعبة السياسية بعدما دخلت الولايات المتحدة بقوة على خط التغيير الذي رفع شعاره تحالف قوى الرابع عشر من آذار غداة تشييع الشهيد اللواء وسام الحسن رئيس فرع المعلومات في مديرية قوى الأمن الداخلي والمحسوب سياسياً على قوى الرابع عشر من آذار.

 

ففي أعقاب موقف الخارجية الأميركية  الداعم للعملية الجارية راهناً لقيام حكومة جديدة تستجيب لمتطلبات الشعب اللبناني، أبلغت السفيرة الأميركية في لبنان مورا كونيللي رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان خلال زيارتها للقصر الجمهوري أمس دعم الولايات المتحدة للرئيس سليمان وقادة آخرين في سعيهم على جمع حكومة فاعلة واتخاذ الخطوات اللازمة المقبلة في أعقاب اغتيال اللواء الحسن، مشيرة الى أن هذه المسألة هي شأن لبناني داخلي ولن تحكم مسبقاً على نتائج الجهود المبذولة، ثم كرّست الوزيرة كلينتون هذا الموقف.

 

وكانت مشاورات رئيس الجمهورية التي بدأت قبل يومين شملت بعد رئيس حزب الكتائب الشيخ أمين الجميّل ورئيس كتلة المستقبل النيابية الرئيس فؤاد السنيورة، رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد الذي نفى البحث في التغيير الحكومي. كما استقبل سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان علي عواض العسيري الذي اكتفى بالقول أنه نقل إلى رئيس الجمهورية تعازي المملكة العربية السعودية باللواء الحسن وضحايا الانفجار، مؤكداً أن هذا العمل يستهدف أمن لبنان واستقراره، مجدداً وقوف المملكة إلى جانب لبنان ودعمه.

 

وسط هذه الأجواء وفي ما لم تتضح بعد معالم المرحلة المقبلة والمنحى الذي ستتخذه الامور في البلاد في ضوء سفر الرئيس ميقاتي الى السعودية حيث يؤدي مناسك الحج وإصرار قوى 14 آذار على موقفها من استقالة الحكومة واستمرار المشاورات الرئاسية المتوقع امتدادها حتى الأسبوع المقبل بفعل سفر رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون الى كندا على ان يعود الثلاثاء المقبل، ترى المعارضة ان المواقف الدبلوماسية الدولية ولا سيما الغربية التي بنت عليها قوى 8 آذار لتعويم الحكومة واعتبارها صك براءة دولياً للرئيس ميقاتي تتكشف تباعاً على حقيقتها من خلال سلسلة المواقف الأميركية والعربية بدءاً من الخارجية الاميركية التي اكدتها مجدداً السفيرة كونيللي مروراً بالموقف السعودي الذي عبّر عنه السفير علي عواض العسيري خلال زيارته الى الرئيس امين الجميّل اليوم مؤكداً أن بلاده لا تتدخّل في الشأن اللبناني الداخلي إلا أن ما يهمها هو استقرار لبنان وسيادته ووحدته. واعتبرت ان الدعم الدولي لو كان موجها للحكومة لكان سفراء الدول الخمس زاروا السراي عوض قصر بعبدا بما يؤكد ان الدعم هو للدولة اللبنانية ممثلة بالرئيس سليمان.

 

ويرى احد المحللين السياسيين لا ينتمي الى أي من فريقي الرابع عشر والثامن من آذار، أنه ليس مستغرباً على الإطلاق أن تطالب المعارضة الحكومة الميقاتية بالاستقالة جراء جريمة اغتيال رئيس شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي اللواء وسام الحسن، لأن هذا موقف طبيعي وفي محله على اعتبار أن الحكومة تتحمّل مسؤولية إدارة السلطة في البلاد، وهي مقصّرة في مكان ما في منع حدوث هذه الجريمة البالغة الخطورة لتهاون بعض أجهزتها الأمنية في منع حدوثها من جهة، أو لوجود ممثلين لتيارات وأحزاب فيها، هدّدوا اللواء الحسن علانية وأكثر من مرة بمصير قاتم لقيامه بواجباته الوظيفية في كشف شبكات التجسس الاسرائيلية، أو ملاحقته للخلايا الإرهابية التي تتربص شراً بلبنان طوال السنوات الماضية أو إجهاضه لمخططات إثارة الفتنة الطائفية والمذهبية كما حصل خلال قيام شعبة المعلومات بإلقاء القبض على الوزير السابق ميشال سماحة بالجرم المشهود أثناء تحضيره للقيام بمسلسل اغتيالات وتفجيرات إرهابية بالمشاركة مع مسؤولين سياسيين وأمنيين سوريين كبار كما اعترف بذلك أمام التحقيق معه بهذا الخصوص.

 

ويلاحظ هذا الخبير أنه جراء مطالبة المعارضة باستقالة الحكومة مقابل إصرار الفريق السياسي الداعم لها وفي مقدمه «حزب الله» على وجه الخصوص، قد أدخل البلاد في أزمة سياسية حادة بدأت تنعكس سلباً وضرراً على مختلف نواحي الحياة بدون استثناء، وهي تؤشر نحو الانحدار إلى الأسوأ في الأسابيع القليلة المقبلة إذا لم يتم تداركها بحل وحيد لا بديل له وهو الاستقالة السريعة للحكومة الحالية والمباشرة بتشكيل حكومة جديدة تحت مسمّى حكومة إنقاذية أو حيادية أو وحدة وطنية أو أي حكومة يتم التفاهم بشأنها وهذا ليس متعذراً على الإطلاق خلافاً لما يردده بعض المستفيدين من وجود الحكومة الميقاتية أو المصرّين على استمراريتها لتغطية مخططاتهم الإقليمية التي باتت تشكل عبئاً مدمّراً على لبنان أو المتمسكين بمواقعهم الوزارية والمصلحية لتغطية النظام السوري المتهالك وتأمين بعض متطلباته في مواجهة الحصار الديبلوماسي والعقوبات المفروضة عليه.

 

ويعتبر المحلل السياسي أن أسلوب المكابرة الذي يعتمده رئيس الحكومة نجيب ميقاتي للتهرّب من الاستقالة لا يفيد شيئاً في تجاوز الأزمة الحاصلة ولا يعطي الحكومة المقومات المطلوبة لاستمراريتها في مهامها بإدارة السلطة في البلاد، ولم يعد ينفع إنعقاد جلسات مجلس الوزراء واتخاذ القرارات وإصدار التعيينات أياً كانت في إعادة الزخم الى العمل الحكومي وتفعيل عمل الحكومة ككل أو حتى إعادة الثقة المفقودة بها شعبياً منذ البداية، بل يؤدي كل ذلك إلى إطالة أمد الأزمة القائمة بلا طائل وتعميق حدة الانقسام السياسي والشعبي وإلى تداعيات سلبية غير محمودة في حركة الشارع عموماً، وزيادة الشلل في حركة الحكومة التي لم تستطع الايفاء بالحد الأدنى من وعودها والتزاماتها للمواطنين، إن كان على صعيد تحسين مستوى التغذية بالتيار الكهربائي التي لا تزال على حالها من التردي والتقنين الذي يعم مختلف المناطق بالرغم من المبالغ المالية الطائلة التي رصدت للنهوض بهذا القطاع والتأخر غير المبرر في استقدام بواخر الطاقة من الخارج، أو على صعيد التدهور الفادح في قطاع الاتصالات الخليوية على مستوى لبنان كلّه، في حين يشهد الوضع الاقتصادي انكماشاً ملحوظاً نتيجة السياسات الخاطئة للحكومة وانكفاء السياح والزوار العرب والخليجيين بفعل الفلتان الامني وظاهرة قطع طريق المطار وخطف المواطنين بهدف الابتزاز المالي وغير ذلك.

 

وفي اعتقاد المحلل المذكور فان تذرع ميقاتي وحلفائه بضرورة التفاهم المسبق على أسس الحكومة البديلة بين كل الأطراف السياسيين قبل اقدام الحكومة الحالية على الاستقالة بحجة عدم وقوع البلاد في حالة الفراغ السياسي في هذا الظرف الحسّاس والدقيق إنما يخفي وراءه محاولة مكشوفة للتهرب من استقالة الحكومة ككل والاستمرار على وضعيتها الحالية التي تؤمن إمساك التحالف السوري الإيراني بمفاصل السلطة والقرار السياسي وتبقي لبنان ضمن محور طهران دمشق الحالي في مواجهة المحور الخليجي والعربي في إطار الصراع الدائر بالمنطقة، بالرغم ما يخلقه موقع لبنان ضمن المحور الأوّل من اضرار وتداعيات خطيرة خصوصاً على العلاقات مع العرب عموما وعلى الوضع الاقتصادي ومصالح اللبنانيين التي بدأت تتأثر جرّاء ذلك.

 

وينقل السياسي المخضرم عن أحد المعارضين الكبار الإصرار في السير بمطالبة حكومة ميقاتي بالاستقالة حتى النهاية بالرغم من رفض الأخير التجاوب مع هذا المطلب وإمعانه في المكابرة، لأن المعارضة تعتقد أن التعاون في هذا المطلب أو تجاوزه حالياً لم يعد ممكناً على الإطلاق بعد جريمة اغتيال اللواء الحسن ومسيرة الحكومة الحافلة بالاحداث وعدم الاستقرار الامني في مختلف المناطق اللبنانية.

ولأن مصير لبنان ككل أصبح في خطر شديد في ظل استمرار الحكومة الحالية وسعيها إلى مداراة النظام السوري والتغطية على استباحة «حزب الله» لمؤسسات الدولة وقرارها ومرتكزاتها.

 

وينصح السياسي المخضرم بضرورة الانكباب على وضع الأزمة الحالية على مشرحة البحث وإيجاد الحلول المطلوبة بأسرع وقت ممكن وبضرورة أخذ العبر من الوقائع والأزمات السابقة التي حتمت على رؤساء جمهورية وحكومة ومسؤولين الاستقالة لتفادي الوقوع في الأسوأ وإفساح المجال للحلول المطروحة لتأخذ مكانها ولتجنيب البلاد مزيداً من الخضات والمآسي والدمار والدماء، مشدداً على أن الأزمة الحالية هي اخطر بكثير من الأزمات السابقة ويتوقف على حلها مستقبل لبنان ومصيره، الأمر الذي يتطلب من كبار المسؤولين والسياسيين الترفع عن الحساسيات والخصوصيات والمناصب والتصرف بمسؤولية وانفتاح لايجاد المخارج المطلوبة وهي متيسرة حالياً، لئلا يتحمل هؤلاء وخصوصاً من هم في سدة المسؤولية، مسؤولية التداعيات السلبية المحتملة جراء استمرار الأزمة الحالية وممانعتهم في تحمل المسؤولية الملقاة على عاتقهم وتحديداً منهم الرئيس ميقاتي.

*صحافية لبنانية

30 تشرين الأول/12