رهائن في وطنهم

بقلم/راشد فايد

النهار/17 آب/2010

 

الحزب وقادته يعرفون كل شيء. في السياسة والاقتصاد والاجتماع. يعرفون الحقيقة والكذبة. يعرفون خفايا الماضي وأسرار الآتي. يعرفون من هرطق، ومن أدى الصلوات في أوقاتها. يميزون، دون غيرهم، الخطأ من الصواب. هم ميزان الحكمة، ونبراس العدل والصمصام القاطع بين النور والظلمة.

 

ليس هذا ما يحاولون إيحاءه. بل هو ما يطبقونه يومياً: يعرّضون البلاد والعباد لعملية غسل للذاكرة من جهة، وتغذيتها بما يتقرر في غرفهم المغلقة من جهة أخرى. قبلهم، لا أحد انتصر ولا واجه ولا قاوم، وبعدهم لا أحد يدافع عن الأمة (أي أمة؟) ويحمي الحدود ويحفظ الوطن. يقولون اليوم بأمر، فإن لم يقع لا يتورعون عن قول نقيضه. و"أصدق الناس" معصومون. إن اخطأوا ننسى خطأهم، فيمحى. يريدون لبنان على إيقاعهم، والحياة السياسية رد فعل لمواقفهم وتقييماتهم.

 

بالأمس قالوا إنهم ينتظرون كلاماً من رئيس الحكومة. وحين لم يقل ما ينتظرون نفوا أن يكونوا انتظروا. فأساس صورة القادر أن يعرف ما سيأتي به الغد. ما فعله الرئيس سعد الحريري أنه لم يعزز هذه الصورة. الرد عليه كان انه عاجز عن توحيد مواقف تياره السياسي وكتلته النيابية، ودعوة بادحة له ليقدم استقالته. الحزب وقادته يريدون العالم طبق الأصل عن تصوّراتهم. يذكروننا بمراهقتنا السياسية في الستينات مع البعث والناصرية، وفي السبعينات والثمانينات مع المقاومة الفلسطينية.

 

كان خصمنا الأميركي والإسرائيلي يلعب معنا الشطرنج، بينما كنا نلعب معه الدامة. ومع ذلك، كنا نأمل أن ننتصر، بل كنا نريد أن ننتصر. كنا نرى النصر أمراً عسكرياً فقط. لا يعنينا النصر في التقدم العلمي والاجتماعي والاقتصادي، وفي صناعة الإنسان، قبل كل ذلك وبعده.

 

انقضى القرن العشرون على أنقاض أحلامنا بقيام دولة الوحدة العربية. وانقضى أكثر من نصف قرن على اغتصاب فلسطين. دخلنا القرن الجديد بانكسارات كلية متراكمة، ودخلوه بإنجازات علمية وتقنية وسياسية متعدّدة. دخلناه بكثير من الكلام والقليل من الأفعال. ودخلوه بقلّة الكلام وكثرة الفعل. نخطئ فننسى ونصف الدمار بالانتصار، يخطئون فيقيمون لجنة فينوغرادوف ويحاسبون المسؤول، ويتعلمون كيف لا يتكرر الخطأ.

 

الحزب اليوم، يناكف المحكمة الدولية، يلعب الدامة على رقعة الشطرنج. يريد أن ينهيها ويلغي دورها. يشق طريقاً، على حسابه، في الشارع وفي السياسة، معتقداً انه سيتقاطع مع طريقها فيقطعه، من دون أن يرى ان المسلكين متوازيان لا يلتقيان.

 

عملياً، لا يتأثر بمواقفه إلا اللبنانيون: يقلقهم، وينكّد يومهم، ويوتّر غدهم، يضع الفتنة في وجههم عقاباً لهم على قرار ظني قد يصدر عن المحكمة لا يستسيغ مضمونه. يذكّرهم في ذلك بالرهائن الأجانب في لبنان إبان الحرب. كان خاطفوهم يساومون عليهم حكوماتهم التي قد لا يكونون مؤيّدين لمواقفها. واليوم يلوّح الحزب للبنانيين بأنهم سيكونون رهائن فتنة، طرفاها هو والمحكمة الدولية. هو لا يريد أن يعترف بالمحكمة. لكنه يعرف أن عدم اعترافه لا يلغيها، فـ"يعاقبها" بخطف اللبنانيين إلى الخوف على الاستقرار، وسجنهم رهائن القلق. والمقايضة معلنة: إطلاق الرهائن في وطنهم مقابل طلاق لبنان من المحكمة الدولية. لكن "عصمة" المحكمة ليست في يد لبنان.

 

 وهذه حقيقة، بينما "عصمة" الفتنة تبقى في يد المروج لها، وهذا واقع.

إنها أحجية في الحياة السياسية في زمن الحزب. يردّ على الشطرنج الدولي بـ"دامة" محلية. يريد أن يحول مخاوفه الذاتية إلى همّ وطني. ويقولب الرأي العام بمطرقة إعلامية تبرئه من أي سوء قد يصيب البلاد، وتجرّم كل مَن لا يقبل بذلك.

 

في حرب التحالف الدولي لتحرير الكويت، استخدم صدام حسين الأجانب في بلاده دروعاً بشرية لمنع قصف مواقع استراتيجية في العراق. الحزب يجعل من اللبنانيين جميعاً دروعاً بشرية في وجه المحكمة الدولية، فيما الحل الأبسط مواجهة اتهامه، إن وقع، بالحجة القضائية والوقائع المثبتة، ويفترض انه لا يفتقدها كما يقول.