كلمة السيدة صولانج بشير الجميّل وتقارير

في ذكرى 14 أيلول 2009

27 سنة تمرُّ على غيابِك يا بشير،

يومَها حمَلتَ صليبَك في عيدِ ارتفاعِ الصليبْ، وذهبتَ حيثُ قافلةَ الشهداءْ تنتظرُ قائدَها.

أمّا هنا، فما زالَ أصدقاؤك ورِفاقُك ومُحِبّوكَ يحمِلونَ صليبَهم معكَ كلَ يومْ، وهُمْ على نفسِ التصميمْ والحضورْ والمُشاركةْ.

رَغمَ كلِ تلكَ السنواتْ الصعبةْ والقاسيةْ والأليمةْ، لم يتعبوا، لم يخافوا، لا منَ القهرِ ولا منَ الإضطِهادْ.

كثيرونَ مِمَنْ كانوا حَولكَ، أقْرَبينَ وأَبْعَدينْ، صَمَدوا ولم يَتبدّلوا. ولكنَ بعضَهم غَيّرَ وتغيّرْ، تراجعَ وتَجابنْ، انقلبَ وتَـَنكّرَ للمبادىءْ والقيمْ، ومِنهم مَن اعتبرَ نفسَه هوَ الخلاصْ.

لكنَ الصامدينَ والأوفياءْ لمبادئِك، ظلّوا يُمّثلونَ الاكثريةْ الساحقةْ.

وها هي الاشرفيةْ، المنطقةْ التي أحبَبْتْ، والتي على أرضِها استشهدْتْ، باقيةْ وفيّةْ لذِكراكْ، تحتضِنُ بطلَها بِكُل فخرٍ واعتزازْ.

لم يكنْ وارداً أن أتحدّثَ في السياسة ، لأنني واثِقةٌ أنَ الذي يتابعُ النضالْ ويحمِلُ المِشْعَلْ "مكفّى وموفّى"، ولكن ما شهِدْناهُ وعِشْناهُ في الاسابيعِ الماضيةْ وخاصةً في الايامِ الاخيرةْ حَتَّمَ علينا الكلامْ.

-       ناضلَ بشير واستشهدْ من أجلِ قيامِ دولةٍ واحدةٍ وقويةْ.

-       وخُضْنا معاركَنا السياسيةْ والانتخابيةْ من أجلِ تثبيتِ حّقِ ِ الدولةْ وتَفْعيلِ مُؤسساتِها الدُستوريةْ.

-       وقبلَ 7 حزيران وبعدها حذّرَ غبطةْ البطريركْ صفير كما حذّرنا من فوزِ الفريق الآخرْ، حتى لا تتعطلَ عمليةُ استعادةِ الدولةْ لسُلطاتِها وصلاحياتِها ودورِها.

-       أما ما نَراهُ اليومْ، فهوَ تعطيلٌ مُتَعَمَّدْ لقيامِ الدولة، لمنعِها من أَن تبسطَ سيادتَها وحريتَها على كامل الـ10452 كم2.

لقد عِشْتُ شخصياً هذه التجربةْ مع زملاءَ لي، خلالْ الاربعْ سنواتْ الماضيةْ، وعِشتُ التهديدَ والتهويلْ.

لم نَخَفْ ولم نتراجع، رغم استشهادْ كبارٍ مِناّ أصدقاءَ وقادةْ ونوّابْ.

لقد عطّلوا المؤسسات الدستوريةْ، بَدءً بمجلسِ النوابْ لأشهرٍ طويلةْ، ثم مجلسِ الوزراءْ، واحتلّوا شوارعَ العاصمةْ من أجلِ إخضاعِنا وإخضاعِكُمْ للتعويضْ عن انسحابْ الجيشْ السوري، وعطّلوا الانتخاباتْ الرئاسيةْ لتفريغِ موقعِ الرئاسةْ الاولى.

لكنَ شعبَ لبنان قال كلِمتَه وانتصرتْ ثورةُ الارزْ من جديد في 7 حزيران، وامتنعَ فريق 14 آذار عن تعطيلْ انتخاباتْ رئاسةْ مجلسِ النوابْ، َضنّاً بقيامْ المؤسساتْ الدُستوريةْ وقيامةِ الوطنْ.

فرَّدوا على تلكَ الخُطوةْ الإيجابيةْ بتعطيلِ انطلاق ِالحكومةْ، السلطةْ التنفيذيةْ المَعْنِيَّةْ مع رئيسِ الجمهوريةْ في إِدارةِ شؤونْ الوطنْ.

ما نراه اليومْ وما نلمِسُهُ، هوَ أنَ هناكَ فريقاً يصِرُّ على تعطيلِ قيامْ الدولةْ، ضارباً عرضَ الحائطْ نتائجَ الانتخاباتْ الديمقراطية، ولأنه ما زالَ يعتبِرُ لبنانْ "ساحةْ مُباحَةْ" وشِعارُهُ "حقْ القوّةْ "، وشعارُنا " قوّةُ الحقْ ".

 

بعدَ كلِ ذلكْ، ألاَ يحقُّ لنا التساؤلْ، لماذا عندما يتعلّقُ الأمرْ بالموقعْ المسيحي الأولْ في الرئاسةِ الأولىَ، تقومُ قوةُ السلاحْ بالتعطيلْ والعملْ على الفراغْ لأشهرٍ وأشهرْ؟

لماذا عندما يتعلّقُ الأمرْ بقيامْ حكومةٍ لبنانيةْ، وطنيّةْ بكلْ مَعنىَ الكلمةْ، تقومُ قوّةُ السلاحْ بتعطيلِ مُهِمّةْ الرئيسِ المُكلّف أي الرئاسة الثالثة لأشهر وأشهر؟

لماذا عندما يتعلّق الأمر بالرئاسة الثانية، رِئاسة مجلس النواب، يتم ذلك خِلالَ ساعاتْ وليسَ بعد أشهرٍ وأشهُرْ ؟

هل هناك مَلامِحَ في الأفُقْ تؤّشِر لتولّي السُلطةْ بقوّةِ السِلاحْ، وهلْ هذا ما يريدونَنا أنْ نَشْعُرَ به؟

لِذلك أقولُ باسمِكُم انتُم، وباسمِ الاكثريةْ الساحِقةْ منَ اللبنانيينْ الصامدينْ:

"لقد قدّمْنا تضحياتْ كبيرةْ حتى الشَهادةْ مِن أجلِ إعادةِ قيامْ الدولةْ، مِن بشير الى عددٍ منَ الرؤساءْ والنوابْ والشخصياتْ وصولاً الى شهداءْ ثورةِ الأرزْ.

ولنْ نسمحَ بِجَّرِ لبنانْ الى أزمةٍ جديدةْ تُعيدُهُ الى الوراءْ لكي تَعودَ الأيادي الخارجيةْ الخبيثة تَعبَثُ بهِ منْ جديدْ.

سننتصرْ ، وهكذا نكونُ قدْ حَقَّقْنا حُلمَ بشيرْ."

هذه الكنيسةُ شاهِدةٌ منذُ 27 سنةْ على هُتافاتِكم : "بشير حيّ فينا"،

وهذا يعني أنَّكُم ما زِلتمْ مؤمنينْ بمبادىِء بشيرْ، وتُقَدِّرونَ استشهادَهُ مِنْ أجلِ قيامْ الدولةْ القويةْ، الفاعِلَةْ والعادِلَةْ.

وأُعاهِدُكُم بهذه الذكرىَ أَن تبقى عائلةْ بشيرْ عائلتَكُمْ، وأَن نَسْتمِرَّ معاً نُناضِلْ ِمن أجلِ الحق ِ والحُريّةْ.

وبهذه المناسبة، أُوجّهُ شُكري العميقْ لفخامةِ الرئيسْ ميشالْ سليمانْ ورئيسَيْ مجلسِ النوابْ والحكومةْ، ورئيس تكتّل لبنان أولاً، لإِيفادْ مُمَثلينَ عنهم.

وأشكرُ غبطةَ أبينا البطريركْ مار نصرالله بطرس صفيرممثلاً بسيادة المطران رولان ابو جوده الذي يرعَى هذا القُداسْ ككلِ سنةْ، كما أشكرُ معالي الوزراءْ والنوابْ والرسميينْ وقادةَ الاحزابْ والشخصيات الذين حضروا.

وأشكر أيضاً وسائلَ الإعْلامْ وجميعَ الذين حضروا من كلِ لبنانْ لتأكيدِ محَّبتهمْ وتعلُّقِهِمْ بمبادىءِ بشيرْ.

ولن أنسى أبناءَ الاشرفيةْ الاوفياءْ، وحزبْ بشيرْ، وقواتْ بشير.

وأقولُ لكَ يا بشيرْ : سيبقى النصرُ لَكَ والمجد للبنانْ.

 

قداس في الاشرفية في الذكرى ال 27 لاستشهاد الرئيس بشير الجميل

المطران ابو جوده ممثلاالبطريرك صفير:الساعة خطرة والعناية الالهية لن تهمل لبنان

نحن بحاجة الى الكثير من التسامح والمحبة لكي نحصن وطننا لبنان ومجده

صولانج الجميل:لن نسمح بجر لبنان الى أزمة جديدة لتعود الأيادي الخارجية تعبث به

لماذا يتم التعطيل عندما يتعلق الأمر بالموقع المسيحي الأول في الرئاسة الأولى ؟

وطنية- لمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لاستشهاد الرئيس بشير الجميل، أقيم قداس عند الرابعة وعشر دقائق من بعد ظهر اليوم، في كاتدرائية الآباء اللعازاريين في الاشرفية، في حضور الوزير ريمون عوده ممثلا رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان،

سيرج طور سركيسيان ممثلا رئيس مجلس النواب الاستاذ نبيه بري، الوزير جان اوغاسبيان ممثلا رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، الرئيس الجميل وعقيلته جويس، الوزيرين زياد بارود وايلي ماروني، النائب عاطف مجلاني ممثلا رئيس كتلة لبنان أولا النائب سعد الحريري، النواب نديم الجميل، سامي الجميل، بطرس حرب، روبير فاضل، رياض رحال، فادي الهبر، روبير غانم، هنري حلو، اغوب بقرادونيان، ميشال فرعون، جورج عدوان، سامر سعاده،ايلي عون، دوري شمعون، نايلة تويني، هادي حبيش، فؤاد السعد، فريد حبيب، سيبوه كلبكيان، طوني أبو خاطر، جوزف المعلوف، قائد القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع الوزيرة والنائبة السابقة نايلة معوض، عقيلة الرئيس الشهيد النائبة السابقة صولانج الجميل وابنته يمنى، الوزير السابق جو سركيس، النواب السابقين فارس سعيد، سمير فرنجية، بيار دكاش، وغطاس خوري، عثمان الدنا، رفيق شاهين، شاهي برصوميان، العميد رودولف صليبا ممثلا المدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي، نقيب الصحافة محمد بعلبكي، والسيدة باتريسيا عقيلة الوزير الشهيد بيار الجميل، السيدة لولا عقيلة النائب الشهيد انطوان غانم، وفد من المكتب السياسي الكتائبي برئاسة نائب الرئيس المحامي شاكر عون، وفد من القوات اللبنانية برئاسة المحامي جوزف ابي نعمه والمهندس عماد واكيم، مستشار النائب سعد الحريري للشؤون السياسية داوود الصايغ، الامين العام لجبهة الحرية فؤاد ابو ناضر، السيد ميشال مكتف، وفد من الرابطة المارونية، وفد من المجلس العام الماروني، وعدد من الفاعليات السياسية والاجتماعية وحشد من المؤمنين.

وترأس القداس النائب البطريركي العام المطران رولان أبو جوده ممثلا البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير وعاونه فيه الابوان جورج جلخ وجان الحاج في حضور الاباتي بولس نعمان والاب الدكتور يوسف مونس ولفيف من الكهنة.

خدمت القداس جوقة الكنيسة مع انشاد منفرد لجومانا مدور.

المطران أبو جوده

وبعد الانجيل المقدس، ألقى المطران أبو جوده عظة قال فيها:"بناء على دعوة عائلة الرئيس الراحل الشيخ بشير الجميل صاحب الغبطة والنيافة، الكادرينال مار نصرالله بطرس صفير، بطريرك انطاكية وسائر المشرق، الكلي الطوبى، الى ترؤس القداس كما في مثل هذا الوقت من كل سنة، في ذكرى اسشتهاده مع رفاقه شرفني السيد البطريرك اذ كلفني ان امثله في هذا الاحتفال والقي كلمة في هذه المناسبة.

اولا : والمناسبة تذكرني بما قاله رجل من عندنا، من لبنان هو يوسف السودا (1889- 1969) قال"امل وطيد في الصدر، وايمان راسخ في النفس، ان العناية لا تهمل لبنان وان اللبنانيين ينهضون ويتحدون ويثبتون للملأ انهم رجال هذه الساعة الخطرة.

1- هذا الكلام قيل عام 1919 اي قبل تسعين سنة والحال على حالها، والساعة لا تزال خطرة والحاجة الى الاتحاد الوطني ملحة، والايمان بالله حقيقة يستحيل اهمالها لان لبنان ليس مجرد جغرافية صنعتها المصادفات ولم يكن تاريخه عاديا مألوفا وقد تحول الى رمز ومعنى وجوهر يصعب تحجيمه او تحديده او الكلام عليه بلغة نازلة تشبه ما نسمع هذه الايام وسط تراجع في ادبيات السياسة وفي المناقبيات عموما.

2- هل ان الله الذي اختار سرو لبنان وسنديانه والشربين لتزيين بيت مقدسه وتغنى بمجد لبنان وبجماله، "يا صور انك قلت انا كاملة الجمال" هل يرضى بأن تدمر عظمة هذه الارض المباركة ويدبل زهرها وتأكل النار الارز؟

3- وهل تعتقدون ايها الاحباء ان الله يتركنا في حال حرصنا على وحدتنا وعلى جبه الخطر الذ يهدد البلاد والعباد؟ ان ما ينقصنا ، منذ 1860 و1958 و1975 وحتى هذه الساعة هو الثقة باننا نستحق رحمة السماء وبأننا شعب له عزيمة وطموح واحلام، توجه جميعها نحو بناء الخير وتحصين الانسان والمجتمع وليس نحو تكديس الثروات وتجييش الانانيات وتنشيط المذهبيات وتفكيك وحدة الداخل بتطلع المصالح الاقليمية والدولية قبل مصالحنا المشتركة وتطلعاتنا المرتبطة بهويتنا وتراثنا وتقاليدنا.

4- واكثر ما يجعلنا في قلق هو تجاهل ما بدل من تضحيات عبر التاريخ لترسيخ سيادة لبنان واستقلاله وللحفاظ على طابعه الثقافي والحضاري، فما اكثر الذين عذبوا واضطهدوا وشردوا وقتلوا في عتمات المماليك والعثمانيين وفي الازمنة الحديثة وما اكثر البطاركة والاساقفة والكهنة والعلمانيين، من ابناء الكنيسة، الذين قدموا حياتهم قربانا على مذبح لبنان، كي يدوم مجده ويشع نوره وينشأ على ارضه احباء الله وابناء، ولولا هذا التاريخ المضيء بقداسة الدماء الطاهر وبقيم المعرفة والمحبة لدى اللبنانيين لما كان للبنان مجد او ساعون الى مجد.

ثانيا: وفي ذكرى استشهاد الرئيس بشير الجميل، لا بد من تجديد ايماننا بان روحه لم تمت، وبأن الرؤى والمواقف التي مات من اجلها لا تموت.

1- مات في سبيل قضية محقة والحق يعلو ولا يعلى عليه". وقد قال المعلم" لا تخافوا الذين يقتلون الجسد... شعر رؤوسكم كله محصى فلا تخافوا اذا، انتم اعز من عصافير كثيرة"، وقال ايضا"، في سياق اخر" اياكم ان ترتعبوا يسلمكم الناس الى العذاب، ويقتلونكم وتكونون مكروهين لدى الامم من اجل اسمي .

2- اولم يستشهد المسيح شهادة للاولوهة فيه، بعدما استغرب جرائم الاخرين عبر سؤاله: " لماذا تريدون قتلي؟" لكنه قبل الشهادة تعبيرا عن ولائه الكامل لابيه.

3- وقال لبشير وامثاله من الشهداء:" ما كان عبد اعظم من سيده فاذا اضطهدوني اضطهدوكم ايضا".

4 - وحبة الحنطة التي تموت في الارض هي وحدها التي تخرج ثمرا كثيرا، وقد حمل الرئيس الراحل صليبه وصليب ابنته مايا، وتبع سيده، ثم حمل الوزير بيار امين الجميلن ابن اخيه الصليب ذاته من بعده، وقافلة الشهداء طويلة" ونبيلة وبدمائها تحيك مجد لبنان، ومن يستعيد خطب الرئيس الشهيد ومواقفه وخطبته الوصية في ظل الصليب ثم ليلة استشهاده يقدر فيه ايمانه العميق بالمسيح وتعلقه الكياني بلبنان وفروسيته التي جعلته لايبالي بالخطر ليحمي الارض التي تحولت الى ام تستحق كل اكرام وكرامة.

ثالثا: ان العبرة التي نستنتجها من هذه الذكرة نجدها في الجواب على السؤال المؤثر الذي طرحه السيد المسيح ويطرحه لبنان ايضا على قاتليه لماذا تريدون قتلي:

1 - السؤال طرحه شهداؤنا وهم بالالوف، منذ كان لبنان واتخيلهم وارواحهم تحت ذاك المذبح الذي تحدث عنه يوحنا في سفر الرؤيا، وقد سفكت دماؤهم من اجل كلمة الله، ومن اجل الشهادة التي ادوها وهم يصرخون للرب باعلى صوتهم حتى متى،ـ ايها السيد القدوس والحق تؤخر معاقبة اهل الارض على ما فعلوه بنا، متى تستقم منهم لدمائنا فاعطي كل منهم ثوبا ابيض، وقيل لهم ان يصبروا الى ان يكمل عدد شركائهم واخوتهم الذين سيقتلون مثلهم".

2 - نعم ايها الاخوة الاحباء، ان الساعة خطرة، وان العناية الالهية لن تهمل لبنان، ونحن في حاجة الى المزيد من الاستشهاد والصلاة والصبر والى الكثير من التسامح والمحبة، لكي نحصن لبنان ومجد لبنان كما صنع اباؤنا من قبل ونقف موحدين بإزاء التحديات الخارجية والفخاخ الداخلية.

3 - وعقيلة الشهيد الرئيس الراحل وابنته يمنى، ونجله الشيخ نديم الذي يتابع المسيرة كما الشيخ الرئيس السابق اطال الله بعمره وحرمه، ونجله الشيخ سامي هم جميعهم على مثال كبيرهم حريصون على كيان لبنان وهويته وعلى تمكين أمنه وتمتين منطق الحوار والتفاهم فيه بدلا من التفجيرات والاغتيالات وخطاب الاستقواء المذهبي والطائفي.

4 - وليثقوا ولنثق جميعا بأن الدماء العزيزة الغنية التي سقت تراب لبنان وروحه، لن تذهب هدرا، فرفعة لبنان اعطيت لشهدائه وللمخلصين من ابنائه الذين صمدوا في الاودية والجبال، على الرغم من موجات الاضطهادات وتمسكوا بالكهوف والصخور والقمم كالنسور التي تعرف انها ستموت لكنها لا توقف الصياح ولا تتهيب تجاه العواصف والرياح ولا تحسب ان لها سعادة واستقرارا خارج فضاء لبنان.

فليسلم لنا لبنان وليرحم الله الشيخ بشير ورفاقه وسائر الشهداء آمين".

وبعد القداس، تم توزيع دروع لاهالي الشهداء الذين سقطوا في 14 ايلول.

صولانج الجميل/كما جاءت في بداية التقرير

****

في الذكرى الـ 27 لغياب بشير الجميل يمنى بشير الجميّل: "انا بنت الكتائب تعمدت بالقوات والقضية"
المصدر : خاص موقع 14 آذار
14 ايلول 2009/ حاورتها ناتالي اقليموس

منذ 14 ايلول 1982 ونحن نسعى الى تحقيق الدولة القوية التي حلمنا بها معك، منذ 27 عاماً و"الحلم" لم يتحول بعد الى "حقيقة". الا اننا لازلنا على "دعساتك" "ثابتون اليوم وغداً" نهتف من جيلٍ الى جيل "بشير حيّ ّفينا".

في ذكرى الـ 27 لاستشهاد الرئيس المنتخب بشير الجميّل، كان لموقع "14 آذار" الالكتروني مقابلة خاصة مع ابنته يمنى التي أكّدت لنا انها لم تخسر فقط والدها "انما فرصة الانضمام اليه في بناء الدولة اللبنانية القوية".

يمنى الابنة

1- ماذا يعني ان تفقد "يمنى" والدها وهي في عمر السنتين؟

أشعر وكأنني متساوية مع العديد من ابناء الشهداء الذين فقدوا ذويهم في زمن الحرب. وأنا في الحقيقة لم أفقد فقط بشير "الوالد"، انما خسرت فرصة الانضمام اليه في مسيرة بناء الدولة القوية، فهو من انشأ وقاد المقاومة اللبنانية.

صحيح انني خسرت بشير وانا مازلت في السنوات الاولى من عمري، ولكن لا أرى من قيمة للاعمار، فهي مجرد أرقام وأشعر كأنني خسرت بشير البارحة وليس من 27 عاماً.

2- ما هي الذكريات التي تحتفظين بها عن والدك؟

نظراً الى ان والدي استشهد باكراً، وكنت لم أتجاوز الثانية من عمري، لم يتسن لي الوقت لتمضيته برفقته واحفظ عنه الذكريات. ولكن تخطر على بالي حادثة مميزة كانت قد روتها لي والدتي صولانج، هذه الذكرى تعود الى اليوم الذي استشهد فيه والدي، في صباح 14 أيلول 1982 وبينما كان يهم بشير الى الخروج من المنزل، أخذت منه مفاتيحه وخبأتها رغبة مني في ابقائه لمدة أطول معنا، ولكن بعد محاولات جمّة في اقناعي اعدت له المفاتيح.

في المقابل مسيرة بشير الجميّل منذ ولادته وحتى استشهاده تحولت الى ذكرى مركبة من صور كونتها ولا أزال في كل مرة التقي فيها مع من عاصروه وعرفوه عن كثب. واليوم بشير بات بالنسبة الي كتاباً مفتوحاً.

3- كيف تساهمين في الحفاظ على استمرارية ذكرى بشير ؟

أولاً، من خلال تفعيل دور مؤسسة "بشير الجميل" وما تصدره من منشورات وتنجزه من أعمال اجتماعية، خيرية، صحية. بالاضافة الى القداس السنوي الذي تحيه العائلة مع محبي بشير، والفضل الاكبر اليوم في ابقاء ذكراه خالدة يعود لجهود والدتي صولانج.

من جهة اخرى، بعد حرب تموز2006 أنشانا مستوصف "بشير الجميّل" في الاشرفية، لنقول للقاتل ان في المكان الذي هدرت فيه الدم (بشير)، نحن على استعداد لتقديم المزيد منه في سبيل خدمة الناس.

4- لو كان بشير حياً ما هي المواقف التي كان ليطلقها تجاه:

- التأخير في تشكيل الحكومة

أعتقد ان بشير كان اختار المضي قدماً في تأسيس حكومة تحقق مصالح لبنان وشعبه. وهو لطالما حلم بالخروج من دولة "المزرعة" والعبور الى دولة قوية ترعاها المؤسسات والقوانين.

- سلوك المعارضة وتمسك الجنرال عون بمطالبه

اما بالنسبة الى سلوك المعارضة، لاشك ان بشير كان سيسعى الى حكومة وحدة وطنية، ولكن في ظل الضغوطات والشروط التي تفرضها المعارضة، أعتقد انه كان ليتجه نحو حكومة "واقعية"، تضمّ الاكثرية بذلك تنجو البلاد من مأزق الوقوع في التعطيل.

وفي ما خص مطالب الجنرال، لم يكن ليقبل بشيرفي تمرير مطالب شخصية لاي فئة كانت، وللاسف نرى اليوم عون متمسكاً بمصالح لا تتجاوز مصلحة أسرته.

- قضية الاسرى في السجون السورية

ان قضية الاسرى المعتقلين بدأت منذ العام 1975 في ظل الحرب، وموقف بشير كان واضحاً للغاية وهو : تحرير الـ 10452 كلم2 ، وتحرير آخر اسير لبناني في السجون السورية، ولاشك انه لم يكن ليبدل مواقفه وهذا ما يحاول ان يجسده شقيقي نديم من خلال الشعار "ثابتون اليوم وغداً".

وهنا اريد تذكير كل من يزور سوريا في شكل مستمر ان مازال هناك اسرى في السجون السورية، والمدخل الوحيد لبناء علاقات حقيقية مع هذه الدولة لا يتم الا من خلال اطلاق سراح هؤلاء المعتقليين.

- السلاح خارج سلطة الدولة اللبنانية

منذ انتخاب بشير رئيساً للجمهورية كان مشروعه الاساسي بناء دولة تخدم المواطن من خلال مؤسساتها، وجيش يحفظ سيادة هذه الدولة واستقلالها والاهم ان يبسط سلطته على السلاح كافة. كما أراد بشير ضمّ القوات اللبنانية بما فيها من عناصر واسلحة الى الجيش اللبناني. واليوم لاشك كان ليطالب بضم حزب الله الى الجيش كي لايبقى من سلاح خارج سلطة الدولة.

سوريا هي القاتل المحرّض والمخبئ

5- اين بات ملف جريمة التحقيق في اغتيال الشهيد بشير؟

مازال الملف في يد القضاء اللبناني، ونناشده بالمضي قدماً حتى تحقيق العدالة لسيما وان من الواضح ان سوريا هي القاتل والمحرّض، والمخبئ، وللاسف لا تخجل من الجريمة التي اقترفتها.

6- ماذا تعرفين عن القاتل حبيب الشرتوني؟

لا اعرف عنه شيئاً، وهذه المسألة اتركها للقضاء الذي من المفترض ان يأخذ مجراه.

7- ماذا تقولين للقاتل؟

أتذكر هنا مطلع اغنية للسيدة فيروز "شوبدك تقتل لتقتل ماراح تخلص القصة..." وفي نظري لن تنتهي القضية، بشير حيّ فينا وكل شاب من المقاومة اللبنانية حي فينا.

8- الى اين قد يصل الصراع الحزبي بين الكتائب والقومي السوري؟

صراع تاريخي يعود الى اللحظة الاولى التي اطلق فيها حزب "الكتائب" استقلال لبنان. من الواضح ان حزب القومي السوري لم يعترف حتى الآن بكيان لبنان، لذا الى ان يعترف به حينها نفكر بالتواصل معه، ولكن ارى ذلك من رابع المستحيلات.

9- لماذا لا يتم انشاء محكمة دولية حول جريمة اغتيال بشير؟

نحن نثق بالقضاء اللبناني الذي لا شك في انه قادر على الوصول الى الحقيقة والعدالة في مختلف القضايا والجرائم لو اراد ذلك.

يا ابي ..."ثابتون اليوم وغداً"

10- هل من علاقة بين قضية اغتيال والدك وإغتيال الشهيد بيار؟

هناك علاقة وثيقة بين القضيتين لا مفرّ من ذلك، لاسيما في وجود فئة من لبنان وخارجه ترفض أن يكون هناك من يؤمن بالحقيقة ويهتف بها، كما لا تتمنى الاستقرار للبنان ولا الطمأنينة لاهله.

11- في الذكرى السابعة والعشرين على رحيله، ما هي الرسالة التي تحملينها لوالدك ؟

في هذه الذكرى الحميمة عبارة واحدة يمكنها ان تختصر ما أود قوله: يا ابي نحن "ثابتون اليوم وغداً".

يمنى الشقيقة

12- لماذا لم تترشحي الى عضوية المجلس النيابي بدلاً من نديم؟

أنا ونديم شخص واحد، وما يهمنا هو القضية والمضي قدماً في احقاق مسيرة والدنا بعد ان حملنا مشعله. كما أرى ان نديم هو الانسب في تجسيد طروحات بشير للمرحلة القادمة، وهو قادر ان يمثل فئة كبيرة من شباب لبنان في البرلمان. وانا فخورة في ان يرى الناس في نديم صورة والدي بشير.

13- هل كنت من داعمين نديم لينخرط في المعترك السياسي؟ لماذا؟

كنت أول من دعم نديم كي يدخل المعترك السياسي، مع العلم انه ليس بحاجة الى من يشجعه فهو يحب السياسة ولم يتردد يوماً في خوض هذا المجال مهما يحمل من اخطار. والكتائب عبر التاريخ قدمت الكثير للبنان، ونحن لا يمكننا الا ان نكون في خدمة مصلحة هذا الوطن.

نديم الانسب في تجسيد طروحات بشير

14- الى اي مدى يمكن ان تؤثري في قرارات شقيقك؟

يستمع نديم الى العديد من الاراء المتنوعة، وانا من ضمن المجموعة التي يناقشها من حين الى آخر، ولكن القرار النهائي يتخذه هو بنفسه.

15- اين تختلفين مع نديم (القرارات- المواقف...)؟

لا مكان بيننا للخلاف مهما اختلفت آراؤنا تبقى قضيتنا واحدة وهي بناء الدولة التي حلم بها بشير، دولة متماسكة تدافع عن مصلحة شعبها.

16- ما هي النصيحة التي ترددينها على مسمع شقيقك؟

انصحه بان يبقى دوماً على مسيرة والدنا مهما كانت الطريق وعرة، فنحن مسيحيون ونعيش في رجاء دائم مع يسوع. ولا يكفي ان يتكل الانسان على ما توفره له التكنولوجيا ليحمي نفسه، ولكن من المفترض ان يسلّم امره لمشيئة الله.

يمنى المناضلة

17- الى اي مدى انت منخرطة في حزب الكتائب؟ وما الذي يميزها عن القوات اللبنانية؟

لاشك في انني منخرطة في الكتائب، وانا مسؤولة عن أقسام الحزب ضمن محافظة بيروت. القوات والكتائب يمثلان في خطابهما ومشروعهما المقاومة اللبنانية. "انا قواتية في الكتائب" لا أميّز بين هذين الحزبين لان المضمون واحد، وتجمعني بهما علاقة مميزة. "انا بنت الكتائب تعمدت قوات" كما انني ابنة القضية اللبنانية التي تمثلها الكتائب والقوات.

عون لا يمثل المقاومة المسيحية

18- هل الجنرال عون يمثل المقاومة المسيحية (او الصف المسيحي) كونه ثاني أكبر كتلة نيابية؟

الممثل الاول للمقاومة المسيحية ورمزها بالنسبة إليّ هو "بشير الجميّل"، وحين يكون الجنرال عون تحت راية هذه المسيرة رافعاً عناوين بشير يستحق عندها ان يمثل المقاومة كما يدعي.

19- الامَ تفتقر المقاومة المسيحية اليوم؟

تفتقر الى وحدة الصف التي هي المدماك الاول لوحدة الصف الوطني، ولكي نحققها نحن بحاجة الى قائد قوي نظيف الكف بامكانه جمع كل المسيحيين، على عكس ما تشهده الساحة المسيحية. نحن حتى الآن لم نجد الزعيم الذي نتوق اليه، لذا مازال حلم بشير الهاجس الوحيد بالنسبة الى العديد من المسيحيين ولم يجدوا حتى الآن من يحمّلونه حلمهم في بناء دولة القوانين والمؤسسات.

البطريرك نصرالله الاجدر في توحيد المسيحيين

20- هل ترين ان الدور المسيحي مغيّب؟ لماذا؟

لا أعتبره ابداً مغيباً انما مقسوم الى قسمين، وهذا ما ينعكس سلباً على تأثير الدور المسيحي في الحياة السياسية. من جهة اخرى، بامكاننا تلمس قوة هذا الدور المسيحي خصوصاً في العام 2005 حينا اجتمعنا قوات وكتائب الى جانب العديد من الاحزاب ونزعنا معاً الوصاية السورية عن لبنان.

وأستغل الفرصة هنا للاشارة الى ان غبطة البطريرك ما نصرالله بطرس صفير هو الاجدر في أخذ المبادرة وتوحيد الصف المسيحي.

21- ما هو موقفك من الذين جعلوا شعار "لبنان اولاً" عنواناً لتكتلهم؟

أفتخر وأفرح كلما استعان فريق سياسي شعارات بشير وأفكاره، سيما وأن أكبر تكتل نيابي رفع شعار "لبنان أولاً". كذلك أفرح حين يتحدث حسن نصرالله عن الـ 10452كم2... وهذا ما يؤكد ان بشير كان رجل صاحب روؤية ثاقبة، وعلى حق منذ أكثر من 30 لاسنة، لذا نرى اليوم ان ابرز الاقطاب السياسية تحتكم الى طروحاته.

22- هل تفكرين ان تخوضي يوماً المعترك السياسي؟

العمل السياسي قادر ان يستوعب الجميع في نظري سيما من يرغب في مساعدة وطنه.

الشباب جسر القضية وجوهرها

23- ما هي رسالتك الى شباب لبنان وشاباته ؟

انتم جسر القضية، ولولاكم لامعنى لها. أتمنى ان لا نفقدوا حماسكم لان لبنان في حاجة دوماً الى أفكاركم الغنية.

24- في الختام الامَ تطمحين؟

أطمح الى العيش في دولة قوية تحترم حقوق الانسان وتدافع عنها. دولة توفر لابنائها الطبابة الصحية الشبه مجانية، التعليم الالزامي، ضمان الشيخوخة.

25- في الختام، ماذا يميّز الذكرى الـ 27 لاستشهاد بشير الجميّل عن نظيرتها السابقة؟

في هذه الذكرى نرفع شعار "النصر لك"، فنحن نقدم الى بشير كل الانتصارات التي حققناها حتى هذه اللحظة وعلى رأسها فوز نديم في الانتخابات النيابية.

 

شهادتان عن الباش من جوزيف ابي خليل وفؤاد شبقلو 27 سنة على اغتيال بشير الجميل

الشراع 18 أيلول/09
منذ 27 سنة اغتيل الرئيس بشير الجميل الذي انتخب رئيساً للجمهورية لمدة عشرين يوماً، ولم يتمكن من ممارسة مهامه كرئيس للبلاد، وبقيت الى اليوم ظروف اغتياله لغزاً على الرغم من ان المنفذين معروفون وهم من الحزب السوري القومي الاجتماعي وقد أمضى احدهم حبيب الشرتوني عدة سنوات في السجن قبل ان يتمكن من الفرار عام 1990 وكان اللبنانيون قد انقسموا حول شخصية بشير بين مؤيد ومعارض، على ضوء ما كانت تعيشه البلاد من انقسام سياسي وطائفي في سنوات الحرب الاهلية، وقد التقت ((الشراع)) كلاً من نائب رئيس حزب الكتائب جوزيف ابو خليل والمحامي فؤاد شبقلو احد ابرز وجوه الحركة الوطنية خلال فترة الحرب الاهلية وأجرت معهما حوارين حول شخصية بشير الجميل وحول النظرة اليه اليوم والى ما كان يحمله من افكار وطروحات:

نائب رئيس حزب الكتائب جوزف أبو خليل:
*كان ممن يصنعون التاريخ
*ثورة الأرز امتداد لمشروعه بناء الدولة وإخراج كل القوى الأجنبية من لبنان
*أنا أول من ذهب إلى إسرائيل بعلمه ولو كان عميلاً لما وقف بوجه بيغن
*من قتله حريص على إبقاء لبنان ساحة تتنفس فيها صراعات المنطقة
*تركوا شبعا ((مسمار جحا)) وسوريا تريد محاربة إسرائيل عبر لبنان وباللبنانيين
# كيف تقرأ بشير الجميل اليوم بعد 27 سنة على رحيله؟

- ربما بشير الجميل كان مشروعاً مبكراً منذ 27 سنة، وربما كان سابقاً لأوانه؟ وهذا المشروع هو إخراج كل القوى الأجنبية من الأراضي اللبنانية ومن ثم بناء دولة مستقرة ومزدهرة، وطبعاً حينها كانت مشكلة الوجود الفلسطيني المسلح قد حُلت جزئياً بإخراج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان بقياداتها وأسلحتها الثقيلة عام 1982، وبقيت مشكلة إخراج السوريين وإخراج الإسرائيليين، وهذا ما كان يسعى إليه، ولكن يبدو ان مشروعه كان مبكراً على اعتبار ان المشكلة ما زالت هي نفسها بعد 27 سنة من اغتياله، وما زال لبنان ساحة لصراعات إقليمية ودولية، والسؤال الذي قد يُطرح هو لو انه بقي حياً هل كان بإمكانه أن يحقق هذا المشروع في ذلك الحين؟! ما أعرفه أن بشير الجميل كان مقداماً، وشخصاً غير عادي من الأشخاص الذين يحركون التاريخ ويصنعونه ويزيدون من سرعة الزمن إذا صح التعبير على أساس ان ما حققه في سبع سنوات، غيره كان يحتاج فيه إلى عشرين أو ثلاثين سنة.

# ما الذي حققه؟

- المكانة التي بلغها ووصل إليها من مقاتل إلى قائد فإلى رئيس جمهورية؟ فكان ذا شخصية من الشخصيات التي تسرّع الزمن بتوجهاته وأسلوبه وطريقة عمله، فلو بقي حياً لربما كان قد نجح ربما، ولكن الأكيد ان مشروعه كان سابقاً لأوانه بدليل ان السلاح الفلسطيني ما زال موجوداً في لبنان، وما زالت إسرائيل موجودة، وكذلك سوريا، وما زال الصراع قائماً على أرض لبنان بين إسرائيل والدول العربية، فأحياناً تسنح في التاريخ أمام رجال الدولة أو القادة الكبار فرص سريعة وعليهم اقتناصها وكان هناك فرصة سريعة تمر أمامه، وهي بناء الدولة وإخراج القوى الأجنبية وحين انتخب كما قلت كانت مشكلة الوجود الفلسطيني المسلح قد حلت نسبياً، وكان الجيش السوري قد انسحب جزئياً أيضاً، وبقي إخراج الإسرائيليين وكان هناك دعم دولي، وقد شكل ذلك فرصة أمامه.

# وهل هذه الفرصة هي من قتله؟

- لا شك ان من اغتاله هم المتضررون من هذه الفرصة ومن المشروع الذي حمله، وهؤلاء كانوا حريصين على ان يبقى لبنان ساحة لتنفيس كل صراعات المنطقة، وهو ما زال على هذه الحالة حتى اليوم، ونحن نرى كيف ان لبنان يُستعمل الآن أداة لمنع الحروب في المنطقة، فليس هناك حرب بين أي دولة عربية وإسرائيل، وليس هناك حرب بين إيران وإسرائيل، ولا بينها وبين أميركا، فلا حروب في المنطقة، ولكن جميع تلك الأطراف تُنفّس عن صراعاتها على الساحة اللبنانية ولذلك فإن اغتياله كان اغتيالاً للمشروع الذي تقدم به خطوات عديدة لإعادة بناء الدولة، لأننا نعرف انه لا يوجد دولة فالدولة بمعنى ان لها السيادة على كل الأراضي اللبنانية لم تكن موجودة، وما زالت غير موجودة وهذا كان هو مشروع بشير، أن يحرر لبنان من كل القوى الأجنبية ومن ثم بسط سيادة الدولة على كل لبنان واعادة بنائها.

# إذا كان مشروعه هو اخراج السوري والفلسطيني والاسرائيلي من لبنان، فإن هؤلاء قد خرجوا عملياً فلماذا إذن استمر لبنان ساحة للصراعات الخارجية؟

- لا، لم يخرجوا من لبنان، ما زال السوري والفلسطيني والاسرائيلي موجودين بشكل مباشر في لبنان، وإلا لماذا مزارع شبعا ما زالت معلقة وما زالت كمسمار جحا، فسوريا تعرف انها اذا قدمت ورقة الى الامم المتحدة تعترف فيها بأن هذه المزارع لبنانية تنتهي المشكلة، ولكنها ترفض ذلك، لأنها لا تريد ان يستعيد لبنان سيادته على ارضه، وتريد ابقاءه ساحة، فلماذا لا تحارب هي اسرائيل مباشرة؟ لانها تريد محاربتها بواسطة حزب الله وعبر لبنان، وحزب الله معروف انه مسلح ومدعوم مالياً من ايران، وبالتالي فان اسرائيل تحارب ايران ايضاً عبر الساحة اللبنانية، وهذه الحقيقة، فلبنان هو اختصار لكل الحروب عندنا، وهو دائماً الضحية لسوء الحظ.

# هل ترون تغييراً في النظرة من الفريق الاسلامي الى بشير الجميل بعد حركة 14 آذار/مارس؟

- قبل اغتيال بشير كان التبدل بالنظرة من المسلمين قد بدأ بحدود ما لأنهم ادركوا من خلال الايام التي عاشها كرئيس منتخب، حقيقة المشروع الذي يحمله لتحقيق سيادة لبنان وبناء الدولة، ورأوا انه مقدام وصادق في طروحاته، خاصة بعد ان التقى به الرئيس صائب سلام ولم يكن يعرفه من قبل، وحصل نقاش بينهما اطلع الرئيس سلام من خلاله على حقيقة تفكير بشير وطروحاته وشكل ذلك بداية تبدل في النظرة اليه، ولذلك حين اغتيل رأينا كثيرين ممن كانوا ضده قد اصيبوا بالحزن الشديد لأنهم شعروا ان فرصة لاحت في الافق وقد ضاعت على لبنان واللبنانيين.

# ما زال هناك وجهتا نظر تجاه بشير الجميل الاولى تقول انه دفع مضطراً للتعامل مع اسرائيل، والثانية تقول هو في الاساس وليد مشروع اسرائيلي وأداة من ادواته؟

- هذا كلام يقال، ولكن لو كان بشير الجميل ومشروعه اداة اسرائيلية ما كان قطع اتصالاته مع اسرائيل، وهذا ما فعله بعد اجتماع نهاريا مع مناحيم بيغن، فلو كان اداة لم يقف تلك الوقفة في وجهه وانسحب من الاجتماع معه، اما بشأن العلاقة مع اسرائيل فأنا اول من ذهب الى اسرائيل وقد اعلنت ذلك مراراً وكتبت عن ذلك وعن الظروف التي دفعتني للذهاب الى اسرائيل، وللقيام بمغامرة في البحر للوصول اليها، والسبب اننا لم نجد احداً يعطينا السلاح للدفاع عن انفسنا ولمساعدتنا بوجه الفلسطينيين الذين وصلوا الى بعد خمسين متراً من هنا (بيت الكتائب المركزي في الصيفي).

وهذه كانت بداية العلاقة مع اسرائيل ولو كنا عملاء لاسرائيل ما كان بشير اصطدم مع بيغن.

# هل ذهبت بتكليف من بشير؟

- لا كانت مبادرة شخصية مني، ولكنني ذهبت بعلمه، هو لم يطلب مني، ولكني بادرت الى ذلك وأعلمته بالامر قبل ذهابي.

# نجحت زيارتك لاسرائيل يومها؟

- نعم نجحت جداً، وحصلنا على الذخيرة للدفاع عن النفس، وهذا امر معروف ومعلن ولا استحي به، ولكن حين شعرنا ان اسرائيل تريد الهيمنة علينا اصطدم معها بشير ومع بيغن بالذات.

# هل لديك قناعة انه اغتيل بسبب هذا الموقف؟

- نحن نعرف ان من دبر عملية الاغتيال هم ((القوميون السوريون)) والمنفذون معروفون اما من يقف وراءهم فلا اعرف، هل هي سوريا؟ ربما، وربما لا يقف وراءهم احد، والسؤال نفسه يطرح الآن من اغتال الرئيس رفيق الحريري، ومن اغتال غيره من القيادات اللبنانية مثل كمال جنبلاط والمفتي حسن خالد وناظم القادري؟ وحتى اليوم ما زلنا مهددين بالاغتيال في كل لحظة، لأن هناك من لا يريد للبلد ان يسترد حريته وسيادته، وهناك من لا يريد محاربة اسرائيل مباشرة، ولكن عبر لبنان وبواسطة لبنانيين.

المحامي فؤاد شبقلو: حين قطع علاقته باسرائيل أيدناه
*كان متخماً بالكره لكل عربي وحلمه انشاء وطن قومي للمسيحيين
*استحق رئاسة الجمهورية بعد ان رفض توقيع اتفاق سلام مع بيغن
*لبنان كان ساحة وما زال وسيبقى والطائفية علة العلل

# قبل 27 سنة كنتم ضد بشير الجميل لماذا وكيف تنظرون اليه اليوم بعد الاحداث والتطورات الاخيرة التي شهدها لبنان؟

- كان بشير الجميل جزءاً من الجبهة اللبنانية، وكان بيننا صراع سياسي تحول الى صراع عسكري، ومعلوم ان بعض اطراف تلك الجبهة كان على علاقة مع اسرائيل، وهذه حقيقة ولم تعد سراً من الاسرار، وبعضهم يتباهى بتعامله في فترة من الفترات مع اسرائيل.

# بعض هؤلاء يقول ان التعامل مع اسرائيل فرض عليهم ودفعوا دفعاً اليه خوفاً من التحالف السياسي والعسكري الذي كان بين الحركة الوطنية في ذلك الحين والمنظمات الفلسطينية؟

- هناك تفسيرات عدة تقال في هذا الشأن، ولكن اساس الموقف العدائي ان هؤلاء كانوا جزءاً من خطة اسرائيل لانهاء الثورة الفلسطينية ومصادرة سلاحها تمهيداً لفرض استسلام مذل مع اسرائيل على الشعب الفلسطيني ولمنع قيام دولة فلسطينية، وهذا ما اتضح منذ ((اوسلو)) حتى اليوم، فقد عمدت حركة ((فتح)) الى ترك السلاح وتسليمه من اجل الوصول الى دولة فلسطينية، تعيش الى جانب الدولة الاسرائيلية، ولكن تبين لاحقاً ان اسرائيل لا تريد دولة فلسطينية ولا تريد سلاماً مع الفلسطينيين، وهي تخشى السلام ولا تستطيع البقاء الا في اجواء الحرب والتعبئة، حتى تستمر بأخذ التعويضات من المانيا وبتلقي المساعدات من اميركا وبالحصول على الدعم من اوروبا وكل ذلك ضد العرب ولمنع تطور مجتمعاتهم وتنميتها، ولا شك ان الذين تعاملوا مع اسرائيل في حينه كانوا ضحية وعود غير صادقة وكاذبة بالحماية من اسرائيل والغرب، وقد دفعوا الثمن غالياً لقاء تعاملهم معها، ونحن ننظر الى بشير الجميل اليوم من خلال مرحلتين، الاولى مرحلة تعبر عن تربية طائفية متخمة بالكره لكل من هو غير ماروني ولكل من هو عربي، وهذا ما كان موجوداً في افكاره وطروحاته وخطبه، وكانت احلامه طائفية ومذهبية وفي مقدمتها انشاء وطن قومي مسيحي في لبنان، وقد قام بتحريض كل المسيحيين العرب في سوريا والعراق وفلسطين والاردن للقدوم الى لبنان، بهدف التوطن فيه، وانتهت هذه المرحلة بالتعاون مع اسرائيل ونحن كنا ضده في هذه المرحلة وكنا نعارضه ونرفضه ونعتبره عميلاً لاسرائيل، اما المرحلة الثانية عند بشير الجميل فتبدأ منذ انتخابه رئيساً للجمهورية، فمن حينه تصرف وكأنه استحق هذه الرئاسة وقد عقد اجتماعاً في نهاريا مع بيغن ورفض الانصياع له بتوقع معاهدة سلام منفردة، وهي في الحقيقة معاهدة استسلام، وأخذ مسافة من اسرائيل وبدأ يتراجع عن العلاقة معها ويتنصل منها وهذه المرحلة نؤيد فيها بشير الجميل.

# الشعارات التي رفعها بشير الجميل، هناك من يقول انها تحققت الآن مع ثورة الارز وقوى 14 آذار/مارس؟

- فريق 14 آذار/مارس مؤلف من عدة اطراف و14 آذار/مارس ليست حزباً واحداً، وقد التقى اطرافها على رفض القتل والارهاب وضد القاتل او القتلة، والامر الاساسي الذي جمع 14 آذار/مارس هو الحقيقة وتنفيذ العدالة، لان لبنان في كل تاريخه لم يفقد هذا الكم من الشخصيات السياسية وتلك النوعية ذات القيمة الكبيرة كما فقد في الفترة الاخيرة من رفيق الحريري الى سمير قصير فجورج حاوي الى الآخرين الذين جوبهوا بالعنف لقمع الرأي وبالرصاص وهذا هو ما أوجد 14 آذار/مارس، ونحن في الماضي تقاتلنا مع بعض اطراف 14 آذار/مارس، نعم ولكن السبب انهم كانوا على علاقة باسرائيل، ونحن كنا ولم نزل وسنبقى ضد اسرائيل التي اغتصبت فلسطين واغتصبت الحق العربي، وشردت الشعب الفلسطيني.

# في ذلك الوقت كان لبنان ساحة للصراعات في المنطقة بسبب القضية الفلسطينية، وبشير الجميل كان لا يريده ساحة وهذا ما تقوله 14 آذار/مارس مجتمعة اليوم؟

- كان لبنان ساحة وهو اليوم ساحة كبيرة وسيبقى ساحة لصراع القوى في المنطقة، وذلك لأنه يتمتع ببعض الحريات وبنوع من أنواع الديموقراطية، ونحن حين كنا مختلفين حول الموضوع الإسرائيلي بشكل أساسي وكنا نرى ان البعض ينفذ خطة إسرائيلية لإضعاف الشعب الفلسطيني ومحاصرته ونزع سلاحه، وهذا ما رفضناه ودخلنا في صراع عسكري مسلح ضدهم وضد الكتائب والقوات والأحرار والجبهة اللبنانية في كل مكان من لبنان، وحين دخلت إسرائيل إلى لبنان عام 1982 قاتلناها حتى انسحبت، وكانت قد ارتكبت مجازر صبرا وشاتيلا، وساعدها في ذلك ميليشيات لبنانية معروفة، وكل ذلك لتخويف الشعب الفلسطيني وتيئيسه ودفعه إلى الاستسلام، ونحن نرى اليوم كيف ان الكتائب والقوات اللبنانية وحزب الوطنيين الأحرار وحزب الوعد (جماعة إيلي حبيقة) يتسابقون على التنصل من تلك المجزرة، وحسناً يفعلون، لأن ما حصل جريمة إنسانية كبرى، إذن ما أريد قوله ان سبب الخلاف الأساسي هو تعامل بعض الأطراف مع إسرائيل وقتالهم إلى جانبها ضد الفلسطينيين ومن يتشدقون ويصرحون اليوم بأننا حولنا لبنان إلى ساحة، واننا تعاونا مع الفلسطينيين، فإن كثيراً من هؤلاء نعرفهم فرداً فرداً وهم من الذين اجتمعوا مع لوبراني في فندق الكسندر حين جاء لتنسيق الأنشطة الإسرائيلية في لبنان، والحقيقة ان الصراع في جوهره صراع عربي إسرائيلي هم أخذوا جانب اسرائيل في هذا الصراع ونحن اخذنا الجانب العربي، بغض النظر عن خلافنا مع النظام السوري الذي آزرهم حتى لا يذهبوا الى اسرائيل، لكنهم في المحصلة وفي الاساس كانوا مع اسرائيل، وحين اصطدم النظام السوري عسكرياً مع الكتائب والاحرار ادرك ان كل الحوار الذي قام بينه وبينهم قد سقط، وكانوا موعودين بنـزع السلاح الفلسطيني لكن السوريين عجزوا، لأن انور السادات كان قد سبقهم الى اسرائيل وحينها اعلنوا الحرب عليه وهاجموه في كل المناطق اللبنانية، ولكن عندما توصلنا الى اتفاق الطائف فإننا في الحقيقة طوينا صفحة الحرب وأوقفناها وأجرينا تسوية داخلية لطي صفحة الماضي، ولذلك الآن علينا ان نطبق الطائف بشكل سليم وصحيح وان نشكل الهيئة الوطنية لالغاء الاساس الطائفي للنظام السياسي وهو الطائفية وقد اكتشف الجميع ان علة العلل في لبنان هي الطائفية التي تحولت اليوم الى مذهبية قاتلة، وقد قتل بشير الجميل في احدى مراحل ذلك الصراع العربي - الاسرائيلي، والصراع بين سوريا واسرائيل، فسوريا كانت تريد فرض العقاب عن مرحلة سابقة من التعامل مع اسرائيل، واسرائيل ارادت فرض العقاب عن مرحلة النكول والتراجع عن التوقيع على معاهدة سلام ولذلك فمن الصعب اكتشاف من قتله فهل قتلته حسابات قصر النظر او تهوره او قتل نتيجة دعسة ناقصة، او خيانة لم تكتمل، او اتفاق الآخرين عليه؟ وأنا اعتقد ان بشير الجميل ضُحّي به امام مصالح الكبار كما حصل مع كمال جنبلاط وموسى الصدر ورفيق الحريري فربما حين يكبر الانسان على وطنه يصبح خطراً على غيره.