لبنان وانتخاب رئاسة المجلس الجديد

بقلم/الكولونيل شربل بركات

الكلام على رئاسة المجلس النيابي الجديد بدأ يأخذ موقعه في الإعلام اليوم، فقد قرب موعد هذا الاستحقاق وهو لا بد مهم في "جمهورية الطائف"، إذ لرئيس المجلس هذا دور أساسي في إدارة شؤون البلد، وما رأيناه قبل الانتخابات من تعنت السيد بري و"الألاعيب" التي قام بها مع بعض الكتل والنواب، أوضحت أهمية هذا الموقع. فرئيس المجلس بحسب "الطائف" لا سلطة فوقه في الشؤون التشريعية، وهو من يطلب انعقاد جلسات مجلس النواب أو يلغيها بدون أن يكون له شريك أو محاسب، وبمجرد أن ينتخب يصبح رئيس المجلس هذا، سلطة فوقية لا يجري عليها قانون. والأصعب هو أنه ينتخب لنفس مدة المجلس، فلا يمكن لهذا المجلس محاسبته أبدا بمجرد أن ينتخبه، وهذه بالذات هي نقطة تجعل منه ديكتاتورا، فكيف إذا ما استمر حكمه لثلاث ولايات متتالية يمكن أن تجدد، ولا يمنع ذلك أي بند في القانون، فيصبح هذا الرجل إذا، متحكما بالمجالس والقوانين، وبالتالي نكون قد أعطيناه سلطة الملوك أو الديكتاتوريين مع الفارق الشكلي في إعادة الانتخاب كل أربع سنوات.

الرئيس بري بالذات، ومع أننا قد نكن له بعض الاحترام لنضاله الشخصي في الوصول إلى ما وصل إليه، فهو لم يرث الزعامة ولا الثروة والجاه، بل صنع بيده وجهده كل ما له من زعامة ومن ثروة ومن جاه. وهو وإن كان من محاربي الإقطاع السياسي في شبابه، قد توصل لأن يصبح هو نفسه أحد إقطاعيي السياسة في دولة اليوم. ومهما قيل عن الرجل، من أنه ورث تركة الإمام الصدر، أو أنه التزم تطويع الشيعة لصالح الأسد، وأنه هادن الإسرائيليين ثم انقلب عليهم، وتناغم مع الفلسطينيين ثم حاربهم، وحتى بأنه مستعد للسير في ركب أميركا وبوش بالذات، إذا ما لزم الأمر، إلا أن الرئيس بري ليس بأسوأ من غيره من زعماء اليوم وأمراء الحرب أو الطوائف،  وهو على الصعيد الوطني، يمكن أن يقبل بكل الحلول التي تفرض على الوطن طالما فرضت، ويمكن أن يرعاها بشكل إيجابي، ومن هنا يعتبره البعض رجل كل العهود، ويصر البعض الآخر على أنه أفضل الموجود في الساحة اللبنانية.

لكن موقف الرئيس بري المتشدد ضد مشروع القضاء الذي كان الرئيس الحريري قد قبل به قبل وفاته والذي كانت تبنته المعارضة وأيدته أغلبية النواب، وموقفه في موضوع إطلاق سراح الدكتور جعجع والتهرب من إجراء جلسة لمناقشة قانون العفو عنه، وعدم اللياقة التي صدرت عنه في هذا الشأن تجاه بكركي بالذات وتجاه المسيحيين عامة، لا تعطيه رصيدا على الصعيد الوطني، لا بل يجب أن تأخذ بعين الاعتبار في حسابات القوى وإعادة انتخابه رئيسا للمجلس للمرة الرابعة على التوالي.

قد يقول البعض بأن هذا شأن شيعي داخلي، ونحن نقول هنا أن هذا الحديث بالذات مردود، فإذا كان لبنان يقوم على تجمع طوائف أو مناطق، فلماذا لم يقبل الرئيس بري نفسه طرح الدكتور جعجع والقوات اللبنانية بموضوع الفدرالية وهي الحل الأنسب أو التسمية الواضحة لهكذا حل. وإذا كان خيار الأكثرية النيابية هو المطلوب، فلماذا لا ترشح كتلة الحريري وهي الأكبر في المجلس الجديد أحد نوابها الشيعة، كباسم السبع مثلا، فهو قد يكون مقبولا أكثر بكثير من الرئيس بري، وقد يكون وجها جديدا يعطي لرئاسة المجلس نوعا من الديمقراطية، وبنفس الوقت فهو يعتبر من أكثر المعارضين وأولهم، فلماذا لا يأخذ ترشيحه بعين الاعتبار؟

يقول البعض أن تصميم حزب الله على خيار السيد بري هو الذي يرجح الكفة، وكأن حزب الله أصبح اليوم الآمر الناهي في لبنان، ولماذا؟ لأنه لا يزال يتمسك بسلاحه ويهدد بحرب أهلية. ونقول للخائفين من الحرب الأهلية بأن حزب الله لا يمكنه أن يجعل صراعه على السلطة حربا أهلية، لأنه يوم أرادها كذلك، وقام بتجميع مئات الألوف في ساحة رياض الصلح لدعم بقاء سوريا وهدد بالحرب الأهلية، كان رد اللبنانيين مسيرة المليون ونصف لتقول له لا لحرب أهلية وأنتم لستم كل لبنان، ويجب أن يكون الرد على كل تهديد من صيغة "قطع الأيدي" بأن لبنان ليس لكم وحدكم ولن يرضى شعبه بأن يبقى رهينة لتسمياتكم وادعاءاتكم. ومن رئاسة مجلس النواب يبدأ التغيير، لا ليكون ضد بري تحديدا، بل لنعتبره لمجرد التغيير أو المظهر الديمقراطي، فليس هناك من استمرارية على هذا النحو في بلد يدعي الديمقراطية، وليس هناك من عيب أن ينتخب نائب جديد ليحل محل الرئيس بري. وإذا كان حزب الله يريد أن يظهر بأنه لم يحدث تغيير في لبنان ولذا فهو باق، فهو بلا شك يسير بالاتجاه المغلوط، والخطوة الصحيحة التي يجب أن يتخذها زعماؤه يجب أن تكون الطلب إلى الجيش اللبناني تسلم سلاح الحزب واعتباره كبقية الأحزاب اللبنانية تحت القانون لا فوقه.

من هنا تتخذ خطوة انتخاب رئيس جديد للمجلس أهمية بارزة في السياسة اللبنانية اليوم، وهي يجب أن تأخذ بالجدية المطلوبة، فإما أن تكون "ثورة الأرز" ثورة مستمرة نحو التغيير الجذري باتجاه لبنان جديد قادر على العيش والاستمرار في عالم تتجاذبه الصراعات وقادر على التخلص من كل رواسب التبعية، وإما فنحن على أعتاب مرحلة جديدة قد تعيدنا إلى الوراء وستكون أشد خطرا على البلد من مرحلة إلغاء اتفاق السابع عشر من أيار، وتكون سوريا قد خرجت من الباب (هذا إذا ما كانت قد خرجت فعليا) لتعود من الشباك، وهو شباك المراوحة والتخوف من الدفع باتجاه الدولة القادرة والتي تديرها فعلا ديمقراطية يتعلمها أبناؤها يوما بعد يوم. أوليست الاغتيالات التي تجري على الساحة السياسية هي أولى الرسائل لهذه العودة؟

لبنان الذي أعطي فرصة جديدة بالقرار الدولي 1559 والذي يعيد له حقه بالحياة والانضمام إلى نادي الدول المستقلة القادرة على إدارة شؤونها، هو بالفعل على مفترق طرق مهم ولم يتجاوز بعد مرحلة الخطر، فهل يفهم القيّمون على المحاور السياسية هذه الخطورة؟ أم أنهم سيعيدوننا إلى الوراء لترجع آلة البعث أو غيرها، وربما اليوم، مع نجاح التشدد الإيراني، القبضة السلطوية لعملاء إيران تحت أية ذرائع أو أسماء يريدون أن يتغطوا بها، لتتحكم بهذا الشعب الحضاري الذي أضاء سماء الشرق الأوسط بأمل من نوع آخر، هو أمل الحياة والمستقبل، بدل غيوم الحقد والموت التي ظللته طوال عقود متتالية ؟.

26 حزيران 2005