الحلم بتغيير النظام في دمشق

بقلم/الكولونيل شربل بركات

 

يحلم بعض اللبنانيين منذ زمن بأن العالم الحر الذي لا بد سئم تصرفات حكام دمشق سوف يسعى لتغيير الحكم هناك، وهم يبنون، في بعض الأحيان، سياساتهم ومشاريعهم على هذا الأساس، ولكن وفي نفس الوقت لا يقبل اللبنانيون أبدا التدخل الخارجي بشؤونهم ولا يسعون من جهة أخرى إلى استغلال الفرص لبناء وطن محصّن ثابت وقادر على الانطلاق نحو التقدم ونحو دور طبيعي وأساسي في استقرار المنطقة.

 

قد يكون العالم سئم بالفعل من تصرفات النظام السوري، وهو سئم منذ فترة طويلة من هذا النوع من الأنظمة التوتاليتارية التي تزرع الخوف بين شعوبها وتسيّرهم بالإرهاب وتفرض عليهم الشقاء بدل الرفاهية والخير.

 

قد يكون العالم جاد في وقف توسّع هيمنة النظام السوري كجديته في محاربة آفة الإرهاب التي تقضّ مضاجع الشعوب المتقدمة، وتمنع استمرار الحياة الطبيعية وتبادل الخبرات العالمية وحرية التنقل والحركة في عالم أصبح صغيرا على هذه البشرية المندفعة، بواسطة التكنولوجيا الحديثة التي طورت، نحو وحدة الأرض كلها بأديانها ومعتقداتها وأفكارها ومخاوفها، لتصبح قرية عالمية، بالفعل، تسعى للخروج نحو آفاق الكون الواسع ومشاركة الخالق، عز وجل، في تطويره وتطويعه.

 

قد يكون العالم سئم بالفعل تخلّف هذا النظام القابع خلف نظريات تحكّمت بالشعوب في النصف الأول من القرن الماضي وأذاقتها مرارة الحروب وقساوة الظلم، ولكن هل يعاقد اللبنانيون الأذكياء بأنهم يعيشون وحدهم في هذا العالم أو أن العالم والمحيط ملزومين بالعمل على خدمتهم بدون أن يقدموا هم سوى النصح؟

 

كلا وألف كلا، فإذا كان العالم قد سئم صحيح من النظام السوري الوقح فهو أيضا سئم دون شك من تردد اللبنانيين وعدم مسؤوليتهم في إدارة بلادهم، فقد أعطاهم العالم القرارات الدولية لتساندهم في السير بالطريق الصحيح، وأعطاهم الدعم الدولي والعربي الغير المشروط، فإذا بهم يتراجعون عن دورهم في مواقف ثلاث:

 

أولا عندما اندفع حزب الله في الطلب من سوريا البقاء في لبنان في 8 آذار (الذي حمل اسمه فيما بعد)، وكان رد الشعب اللبناني أن نزل إلى الشارع في ما دعي بثورة الأرز، وأظهر أن هؤلاء لا يخيفونه، وإذا بالمتزعمين، ولسياسات ضيقة وحسابات خاصة، يركضون إلى هذا الشقي ويتحالفون معه في الانتخابات ثم يشركونه بالحكم ويرفضون تنفيذ القرار الدولي 1559 الذي سحب السوريين عن كاهلهم وعرف مكامن الخطر عليهم.

 

ثانيا عندما قسمّوا جبهة النضال في سبيل الاستقلال ليتحالف أحد أبرز المناضلين فيها مع عدو الوطن وعدو المجتمع الدولي والمصنف بالإرهاب، ما أدى إلى استغلال هذا الأخير لتضعضع الحركة الاستقلالية فأغرق البلد في حرب، فتحها "على حسابه" بدون مشورة أحد، للمزايدة على الكل ولفرض نفسه صاحب القرار. وكانت النتيجة، بدل أن يندفع من في موقع المسؤولية لإخراج هذا المرض من الجسم اللبناني، ومحاكمته على فعلته هذه التي أغرقت البلاد في آتون النار وتسببت في الخراب والدمار وقتل الأبرياء وتهجيرهم، وبدل أن تطلب الحكومة من المجتمع الدولي أن يفرض تنفيذ القرار الدولي 1559 بالقوة تحت البند السابع من القانون الدولي، قام هؤلاء بتعويم القاتل وإعادته إلى الحياة.

 

ثالثا عندما عادت سوريا لتهريب السلاح عبر الحدود وتجهيز هذا الحزب ضد البنود الواضحة في القرار الدولي 1701 وبالرغم من استعداد العالم لاتخاذ القرارات المناسبة لدعم هذه الحكومة، فشلت بالطلب بنشر قوات دولية على هذه الحدود ومنع تدخل النظام الغادر في شؤون لبنان.

اليوم لا يزال منظروا السياسة اللبنانية، الذين لم يقدروا بعد على اتخاذ قرار بفرض فتح البرلمان وإجراء انتخابات رئاسية، وهم يريدون أن يجريها العالم لهم بدون أن يمس شعور أحد أو يزعج الإرهابيين وأسيادهم، وبالرغم من أن عملاء الإرهاب يقتلون النواب الواحد تلو الآخر ويحتلون الساحة الموازية للبرلمان ولمقر الحكومة وهم قادرون في أية لحظة على الانقضاض وقتل كل النواب دفعة واحدة، فلن يمنعهم ضمير ولا قيم أو أخلاقيات، لا يزال هؤلاء يحلمون "بالفارس الأبيض" وهو اليوم ليس القوات الدولية أو الدعم العربي لأنهما موجودان ولم يعرفوا أن يستعملوهما بعد، إنما بفكرة فذة كأن أحد لم يسبقهم إليها هي تغيير النظام في سوريا.

 

نقول، وبكل أسف، لأحبائنا الجالسين على كراسي الحكم في بيروت، أن الفرصة التي أعطيت لكم لم تعط لأحد في العالم ولكنكم لم تستفيدوا منها حتى الآن، ربما لضعف في النظر أو خوف تربيتم عليه أثناء الاحتلال، ولذا فلن يأمن العالم أن يعطيكم فرصة العمل على تغيير النظام في سوريا ما دمتم لم تستطيعوا أن تقبضوا على الحكم في لبنان كما يجب ليصبح لبنان بلدا قادرا على حماية نفسه وحماية السوريين في حالة الفوضى، لا سمح الله، التي ستلي أي تغيير في نظام هو متشعب كالسرطان في جسم سوريا وليس من السهل أبدا تغييره بعملية جراحية سريعة. والنظام السوري يعرف ذلك ولذا فهو يسعى دوما لإبقاء الفوضى في لبنان لإطالة عمره لأن العالم لا يمكنه تحمل فوضى في العراق وسوريا ولبنان في نفس الوقت.

 

فإن كنتم ترغبون في تغيير النظام في سوريا فعلا، أو تتمنون على الأقل، عليكم واجب مهم وهو أن تحصنوا لبنان بدءً من حدوده مع سوريا وصولا إلى الحزم في موضوع حزب الله وغيره من المسلحين بالدعوة الصريحة والواضحة إلى تنفيذ القرار 1559 بكل جوانبه ومواده، ومن ثم لخلق نظام ديمقراطي صحيح ليس بالمزرعة ولا بالمافيا أو الشركة العقارية التي يسهل عليها أن تبيع كل شيء، قادر على ضبط لبنان ومساعدة سوريا والعراق على السواء لتركيز الاستقرار في المنطقة.

وإلا فالآتي أعظم...

 

تورونتو 4 تشرين الثاني 2007