قراءة استراتيجية لحركة حزب الله الأخيرة في منطقة الريحان

بقلم الكولونيل شربل بركات

 

يتساءل البعض هذه الأيام عن أهمية منطقة الريحان الاستراتيجية بالنسبة لحزب الله، ويحاولون تفسير قيام الحزب بتحصين وتجهيز مراكز فيها، بالاضافة إلى شراء أراض وعمليات اسكان تتم بأموال إيرانية، بأنه تحضير لمعركة جديدة مع اسرائيل ونقل خطوط الدفاع التي يملكها الحزب من جنوب الليطاني إلى الريحان وجنوب البقاع بعيدا عن عيون الاسرائيليين وخارج منطقة عمل القوات الدولية.

 

ولكن في نظرة سريعة للانتشار السكاني وتركيز القوى في لبنان، نجد بأن استعدادات حزب الله ليست ضد اسرائيل ولا هي من أجل بناء قواعد لصواريخه الطويلة المدى بقدر ما هي محاولة لمنع فصل الجنوب الشيعي عن البقاع الذي يسيطر فيه حزب الله ويعتبر طريق امداده بالسلاح والتجهيز من قبل إيران وعبر الحدود السورية.

 

حزب الله، لا بل الحرس الثوري الإيراني الذي يخطط ويأمر، يرى بأن أية محاولة سيقوم بها الحزب في مجال منع الاستقرار في البلد ووقف الحياة الديمقراطية سوف تؤدي في نهاية الأمر إلى الصدام المسلح، وهو يحاول أن يؤمن طرق امداد جماعته في الجنوب عبر ممر استراتيجي يعتبره حيوي جدا؛ هو ممر مشغرة عرمتى جرجوع ومنها إلى النبطية وإقليم التفاح. ومن هنا يحاول شراء الأراضي وتحصين المواقع والسيطرة الكاملة على هذا المحور الرئيسي في استراتيجيته للسيطرة على لبنان.

 

في حال قيام أي نزاع مسلح سوف تفرز المناطق اللبنانية، وقد يستطيع الدروز بقيادة جنبلاط قطع طريق الشام ومنع الاتصال بين البقاع والضاحية، وقد تستطيع القوات الدولية وقف الامداد باتجاه النبطية عند مرجعيون. وإذا ما تم التنسيق بين هذه القوات والقوات التابعة للحكومة أو المؤيدة لها في مناطق الجبل عبر منطقة الريحان، فإن الجنوب سوف يعزل عسكريا ويمنع عنه التموين والتجهيز ما سيقضي على مقاومة حزب الله فيه، من هنا التشديد على خلق منطقة عسكرية قوية قادرة على مقاومة أي ضغط من قبل الجيش أو أية قوى أخرى، ولو مدعومة من قوات الأمم المتحدة في الجنوب، بقصد عزل حزب الله في هذه المنطقة كمقدمة لتنظيف الساحل بكامله من سيطرته.

 

يوم أبقى الجنرال لحد منطقة جزين تحت حماية جيش لبنان الجنوبي، كان الهدف الرئيسي من ذلك منع حزب الله، الذي كان يسيطر بكل الدعم السوري - الإيراني على البقاع، من العبور إلى الجنوب بسهولة وخلق الجمهورية الاسلامية على اراض لبنانية يكون لها منفذا على البحر المتوسط؛ الحلم الدائم لملوك فارس. ويوم قامت حركة أمل، بعد خطف "الكولونيل هيغنز" رئيس فريق المراقبين الدوليين في لبنان، بملاحقة جماعة حزب الله، استطاعت السيطرة على الجنوب كله وطردهم منه، وذلك لعدم سهولة دعم حزب الله في الجنوب. ثم كان ما كان بأن تحايلت سوريا على أمل فأدخلت عناصرها في الجيش الذي سيطرت عليه من خلال الحكم وأبقت على عناصر حزب الله "كمقاومة مسلحة" وحيدة هيمنت شيئا فشيئا على الطائفة الشيعية ومن ثم أصبحت الذراع السوري - الإيراني الدائم الجهوز على الأراضي اللبنانية.

 

إن القول بأن حزب الله كان مقاومة وطنية هو خطأ استراتيجي أساسي وقع فيه الزعماء اللبنانيون بسبب مسايرة قوى الاحتلال، ومحاولة إظهاره وكأنه المدافع عن حقوق الطائفة الشيعية كان خطأ آخر بنفس الفداحة، وعدم السماح بقيام قيادة شيعية قوية لمجابهة حزب الله من قبل أحرار الطائفة الشيعة في الانتحابات النيابية الماضية كان الخطأ الأكبر لجماعة الأكثرية، كما كانت إعادة انتحاب الرئيس بري للمرة الرابعة رئيسا للمجلس، من ضمن صفقة التحالف الرباعي، ما جعله يلتزم أوامر حزب الله ويبقى تحت مظلته، فيسحب وزرائه من الحكومة، ويمنع انعقاد المجلس النيابي في دورته العادية، وهو سوف يرفض، بدون أدنى شك، حق الأكثرية بانتخاب الرئيس الجديد، ويسمح في نهاية الأمر بالدخول في حرب داخلية، طالما سعى إليها أعداء لبنان، وتقسيم البلاد، إذا لم يتم لحزب الله السيطرة عليها، بين دولة يقيمها وحده حيثما يستطيع، وكل اللبنانيين فيما تبقى من الاراضي، وكأن كل ما قيل عن منع التقسيم من قبل المجتمع الدولي من جهة، ومن قبل العرب من جهة أخرى، لا ينطبق على حلفاء سوريا بل على معارضيها فقط.

 

إن سوريا التي خرجت من لبنان بسبب ضغط المجتمع الدولي وقرار مجلس الأمن 1559 تصمم للعودة بواسطة حزب الله الذي يختبئ دوما خلف مقولة محاربة اسرائيل كلما اجمع اللبنانيون على ضرورة التخلص من سيطرته وابتزازه، فهو أعلن الحرب السنة الماضية عندما أوشك الجميع على الاتفاق حول مطالبته بتسليم سلاحه، وهو احتل وسط بيروت تحت شعارات واهية ليكون له رأس جسر في حربه القادمة على لبنان، وهو يتحضر اليوم لجعل جبل الريحان الممر البديل لنظام دمشق للعبور إلى الساحل في حال أغلق الجبل بوجهه.

 

إن وجود قوى تابعة لسوريا وقادرة على إغلاق مطار بيروت (في الناعمة مثلا) ساعة يشاء نظام دمشق، والسماح لحزب الله بالتحرك بحرية في مجالات التدريب والتحصين والاتصالات والأمن، وبقاء غرفة العمليات المشتركة بين السوريين والحرس الثوري الإيراني وحزب الله قائمة، هي مؤشرات خطرة تطال الاستقرار والامن ليس فقط بالنسبة لتحرك السياسيين والقادة السياديين في لبنان، وإنما لكافة المواطنين، وأيضا للقوات الدولية العاملة في الجنوب. وطالما لم تستطع الحكومة أن تستعين بمجلس الأمن من أجل تأمين السيطرة على تهريب الأسلحة والعتاد والعناصر عبر الحدود مع سوريا، فإن الوضع في لبنان قابل للتفجير في أية لحظة، أجرت الانتخابات الرئاسية أم لم تجر، لأن ما يمنع نظام دمشق من المضي في هجومه المضاد على الحكم اللبناني هو التعاون الجدي بين الحكومة والمجتمع الدولي، وعلى الحكومة أن تحدد مخاوفها ومطالبها قبل فوات الأوان، لأن البكاء على الأطلال لن يجدي نفعا، ومقولة الخوف من تفسير مطالب الحكم بأنها مماشاة للسياسة الأمريكية ضد بلد عربي أو فصيل وطني هو الغباء بعينه، فمن لم يأبه لخراب الضاحية والجنوب ولبنان واعتبر اطلاقه الصواريخ بالرغم من كل الخراب الذي حصل "انتصارا الاهيا"، يمكنه في أي وقت أن يفتح حربا أخرى ويستخدم كل الوسائل لضرب خصومه والسيطرة على البلاد.

 

في 26-آب-2007