الجنوب
كتاب من
تأليف
الكولونيل
شربل بركات
يحكي عن
مراحل من حياة
المنطقة
الحدودية في جنوب
لبنان في
الفترة ما بين
سنوات 1976 و1988
مقدمة
الجنوب
جزء من لبنان
عزيز علينا
نحن أبناؤه لا
بل عزيز على الكل....
الجنوب
وقد كان دوما
مدخل القضايا
الكبرى وباب
الأحداث، ما
هي حقيقته في
المرحلة
الأخيرة من
تاريخ لبنان؟
وهل كان بالفعل
مظلوما أم
ظالما؟ وهل
كان أهله خونة
مجرمين، أم
أبطالا
شرفاء؟ أسئلة
لا بد أن تسأل
يوم يكون
الحكم قد فتح
أبواب التشفي
بالناس،
وأصدر
الأحكام
الغيابية، وجرّم
من جرّم
دون وجه حق.
وها هم أبناء الجنوب
يحسبون، كنصف
لبنان، خونة
أو خوارج،
فيجري عليهم
قانون النفي،
بالتهويل أو الترهيب،
بالأحكام
الغيابية أو
التهديد، وبكافة
الأحوال يهجّرون
إلى خارج
البلاد ليكبر
أبناءهم وهم
يتساءلون ما
كان ذنب آبائنا
لنظلم نحن
فنعيش في
المنفى أو الغربة؟
ومن كان أفضل
منهم في الوطنية
فليرجمهم
بحجر...
قصة
الجنوب طويلة بدأت
مع بدايات
التاريخ، فهو
موطن صور
وصيدا وعمقهما،
وهو جليل
الأمم ومسارح الآموريين
والآراميين
والكنعانيين،
وقد تهلّن
بعد الاسكندر
يوم ردم هذا
البحر وقضى على
منعة صور، ثم
تنصّر
مع تلامذة
المسيح
الهاربين
ليجدوا الملجأ
فيه، وتشيّع
بعض أبنائه مع
أبي ذر
الغفاري
الصحابي الذي
نفاه معاوية،
واستقبل
الصليبيين
وحارب في صفوفهم
حتى انتقم منه
المماليك
ومنعوا السكن
فيه من البحر
و حتى عمق
أربعين كيلومترا،
ففرغت البلاد
وبارت
الأراضي وغطّى
الشوك طرقه
وأكملت
الأيام هدم
بيوته، ولكنه عاد
ليعمر مع زوال
حكم المماليك
وبدايات المعنيين
واستقر أكثر
مع فخر الدين فأزهرت
البلاد
وتزينت
بالقرى
والمزارع، ولكن
ليذوق بعد
ناصيف النصار
وتفاهمه مع ضاهر
العمر، ظلم
الجزار،
فتعود السخرة
ويكثر الطيّاحة
والهاربون،
ومع جمال باشا
ينزل الظلم من
جديد وتضرع
القلوب إلى
الخالق
ليرفعه،
فيفعل، ليقوم
لبنان الكبير،
ولكن ليس
بالسهل وقد
هاجمته
العصابات من
كل حدب وصوب
باسم الدين أو
الدنيا، باسم السياسات
الدولية أو
مشاريع
الهيمنة،
وباسم
المؤامرات
والشعارات.
هاجموا أهله ليرسموا
الحدود،
فكانت دماء
أهله هي
الحدود،
هاجموا قراه وهجروا
بعضها، ولكن
من بقي أبقى
الجنوب
لبنانيا...
ومرة
أخرى جاءت
الريح من
فلسطين مع
الثورة الكبرى
في 1936 وزاد
القلق وتخوف
الناس، ولكن
الحرب الكبرى والصراع
بين القوى
العالمية
أوقف المشاكل
الصغيرة ليضعه
على خط التماس
بين فرنسا –
فيشي والإنكليز
ودخل هؤلاء في
1942 وخال
الناس بعدها
أن كل شيء
سيستقر، لكن
الحقد زاد على فلول العائدين
من أفران هتلر
المفتشين على
مكان يستقرون
فيه، فعادت من
جديد حركات
العنف لتزرع
الخوف في سهول
فلسطين
وينتقل هذا مع
الهاربين إلى
روابي الجنوب
ليسكن الجنوب ويبني
له مقرا فيه،
وتصبح أيام الجنوب
أيام الشح
والقلة،
ويستند ظهره
إلى ذلك الحائط
المغلق الذي
كان في يوم من
الأيام مصدر
رزق وعمل
وتجارة،
وتغلق في وجهه أبواب
لبنان فلا
يزوره زائر
إلا بتصريح،
فيقبع في
النسيان إلا
يوم يقرر
أحدهم أن يناوش
الجيران
فيتصدر
واجهات
الإعلام، ولكن
ليبقى أهله
يعانون من
الضيق والحرمان...
ثم
يقرر العرب أن
يحاربوا
ويبدأ
التحضير لمأساة
جديدة، فيسقط الجولان
والضفة
والقطاع
وسيناء كلها،
وينقلب
القرار ضد
لبنان الذي لم
يحارب ولم يخسر،
ليصبح أرض حرب
دائمة وخسارة
مستمرة، فيطرد
كل الخوارج
والمتحمسون
وكل حامل سلاح
ومعتنق لمبدأ
أو شعار وكل
من تهابه
أنظمة الجوار
إلى لبنان، ليصير
مركز الثورة العالمية
ومقر عصابات
العنف
والإرهاب.
فيلتقي
الشمال
والوسط
وبيروت وكل
مكان فيه، بالجنوب،
في المعاناة
والحرمان،
ويتساوى اللبنانيون
مع مخيمات
الفلسطينيين،
بالعنف والحقد
والثورة،
وتضيع الدولة
وأجهزتها
بضياع القرار
وقصر النظر،
ويتخيل بعض
رجال الدين
أنها حرب على
الإسلام
فيتبنون
الثورة لتحرقهم
مع هشيم البلد
كله، ويخال
زعيم الجبل
الدرزي الذي
لم ينس مقتل
بشير جنبلاط أن
الأوان قد آن
لينتقم ويحكم
البلد، لكن نار
الغدر عينها
تأكله وتخلخل
الجبل كله،
وتدور الدوائر
على الكل ولا
يعود زعيم يرى حلا
فالحقد وكثرة
السلاح
وانهيار
مؤسسات
الدولة أعاد
جميع الفئات
إلى حلقات صغرى
لتنطوي على
نفسها وتتمسك
بغريزة البقاء.
ولم
يختلف الوضع
في الجنوب عن كل
لبنان. وعندما
قسم الجيش
وانسحبت فلول
الدولة،
أصبحت
المنظمات هي
الحكم، وأزلامها
يعيثون
بالأرض خرابا.
وصارت حياة
الناس هي
الأهم،
فالرزق سائب
والبلاد من دون
رأس
والعصابات
تدخل البيوت
وتقطع الطرق وتقتل
الناس. وصار
الكل يفتش عن
حماية نفسه؛
الأفراد
والمجموعات،
ومن استطاع
الهرب قد فعل.
ولكن أين يهرب
من حشر بين
حائط "العدو"
ونار"أهل
البيت"؟ فما
كان من هؤلاء،
وعندما ضاقت
عليهم الآفاق،
إلا القتال حتى
الموت، وهكذا
كان...
ولكن
الجدار لان،
وفتح "العدو"
بابا دخلت منه
المساعدات الطبية
أولا، ثم دخل
الماء
والرغيف قبل
أن يدخل أي
شكل من أشكال
السلاح أو الذخائر...
وصمد
الجنوب...
وقد يكون
صموده هذا ما
ساهم في تخفيف
موجة الحقد
على لبنان فبدأت
أشكال من
الحلول أو
الهدن تعرض
هنا وهناك.
وسارت
المشاريع
السياسية؛
من الردع إلى
التفاوض، ومن
وقف النار إلى
الدويلات، ومن
القبول
بالأمر
الواقع إلى كل
أشكال الرفض
التي تتلون من
الخارج لكن
داخلها واحد. وفي
هذه وتلك بقي
الجنوب وبقي
أبناؤه رافعي
الرأس غير
متنازلين عن
الكرامة ولا
متناسين
الوطن
وهمومه،
ولكنهم،
ومن قلعتهم العنيدة،
انتظروا
طويلا ذلك
الليل الذي
يلفه متأملين بالفجر
الجديد
وبرحمة
السماء. وقد
حاولوا تنظيم
أمورهم لما
طال الانتظار
لتستمر
الحياة،
لكنهم لم
يتركوا مجالا يرتبطون
فيه بالأهل
هناك ألا
وطرقوه، ولا
طريقا إلا
وسلكوه، وقد
ربطتهم كل
المناطق في يوم من
الأيام
بالعاصمة،
فقد سلكوا
الساحل تحت
رحمة
الفلسطينيين،
وسلكوا
البقاع تحت رحمة
السوريين،
وسلكوا الجبل
تحت رحمة الدروز،
وسلكوا البحر
وأهواله، وها
هم اليوم
يعيشون قهرا
تحت رحمة حزب
الله
الأيراني،
الذي لم يهوى
لبنان مرة،
ولا قتل له شاب في
سبيله، بل في
سبيل أئمة
طهران
وثورتهم العالمية،
في سبيل أن
يكون تشيعهم أقوى
من سنية
العرب، ولا
دخل للبنان
وأهله المستضعفين
إلا في دفع
فاتورة الغي
التي يقبض
ثمنها
متاجرون
بحياة الناس
في ظل تفاهم
مصالح سوريا
والإمبراطورية
الشيعية الجديدة
التي تحاول
فرض نفسها
بأرواح هؤلاء.
ويفرح
العلويون
النصريون
بأنهم
يتحكمون بسنة
الشام
ويلهونهم
بالحقد الذي
زرعوه في قلوبهم
ضد لبنان وكأن
الزمن لا يفنى والأيام
لا تدور...
للجنوب
قصة طويلة سوف
نرويها لكم
على حلقات لكي
يعرف من لا يعرف من
هم هؤلاء
الأبطال
الذين لم يكن
لهم شرف
الافتخار،
بالرغم من كل المعاناة،
والذين لم
يتهرّبوا
مرة من فاتورة
الدم في سبيل
الكرامة وحفظ حق
الوطن وشعبه،
والذين لم
يتاجروا
بالناس ولا
تاجروا
بالطائفية
ولا قسموا
وصنفوا أو
فرضوا مفاهيم
أقلية على
أقلية أخرى أو
حاولوا أن
يفلسفوا
الأمور ويدّعوا
بما ليس لهم.
ولكن الوطن كله
كان دوما
جرحهم وشفاهم
كما قال في ذلك
شاعرهم:
إيـه
لبـنـان جرحـنا
وشفـانـا هل
لجـرح على
الزمــان شفـاء
هبة
الريـح
في مغانيـك رصـد وانسـياب
النسـيم
فـيـك حـداء
نحـن
صـغـنـاك
مـن نسيـج موشـى
طـرزتـه
أنامـل
عذراء
وحملـنـاك
فـوق كـل
حـدود حيث
رحنـا
وضـاقـت الأرجـاء
الحلقة
الأولى
حرب
1967 وبدايات
المتاعب
كان
الجنوب بدأ
يعرف لذة
الكهرباء
التي وصلت إلى
كل قرية
ومزرعة بين
سنوات 1964 و1967 وأضاء
نورها ليله
الحالك، ولم
يعد الأهالي
ينظرون إلى
بعض القرى عبر
الشريط، حيث كانت
تشع الأنوار،
بحسد،
فقد تساوى
الوضع هنا
وهناك، وصار
لنا ارتباط بخدمات الدولة،
خاصة الماء
والكهرباء،
ولو كانت المياه
لا تزال
"مشروعا"
يكاد لا يروي لأنها
تأتي
بالمناسبات،
أما الكهرباء
فقد وصلت بكل
ثقلها وبكل
التنظيم الذي
رافقها؛ بالأعمدة
الحديدية
ومصابيح
الإنارة،
حتى أن عين
إبل ومرجعيون
أنيرتا
بالفلوريسان وأصبح
ليلهما صباحا،
وتباهتا حتى
على قرى
الإسرائيليين.
في هذه الفترة
وصل
التلفزيون، وصرنا
نرى بيروت
وبرامجها،
ثم تلفزيون
إسرائيل الذي
كان يبث فترة
وجيزة، وفي
أيام الصيف كنا
نرى تلفزيون
مصر وأفلامه
وخطابات الرئيس
عبد الناصر.
وفي صيف 1966 بدأت الاستعراضات
العسكرية،
وصار جيش مصر
وطيرانه
وصواريخ
"القاهر"
و"الماهر" و"الظافر"...
وأغنية
"بلادي...
بلادي... بلادي ...
مصر يا أم
البلاد" تملأ
مخيلة الصغار.
ومع قدوم
الشتاء غابت
مصر وأغلب
القنوات،
لأن أنتين
القناة 7
ينكسر كلما عصفت
الرياح على
جبال الباروك
بينما لا تصلنا
القناة 11 ولم
يكن هناك بعد
من تلفزيون
في سوريا
والأردن...
ولكن الصحف
كانت لا تزال
تأتينا
بأخبار القمم
العربية، ومشاريع
قطع المياه عن
إسرائيل،
والقيادة
العربية
المشتركة،
ووصول الجيوش
العربية لدعم
الجبهات؛ وها
هي فرق من
الجيش
المغربي تتمركز
في الجولان
السوري،
ويحشد الملك حسين
دباباته،
ويزور قائد
القيادة
الموحدة
للجيوش
العربية
اللواء علي
علي عامر الجبهة
الشمالية في
سوريا ولبنان.
ومع قدوم
الربيع وعودة
تلفزيون مصر
إلى الظهور كانت
القضية قد
"استوت"،
وخلنا أن عبد
الناصر
وجيوشه لابد
ستقهر إسرائيل
وتعيد "شرف" العرب،
وها هو يطرد
المراقبين
الدوليين،
ويغلق مضائق
تيران في
البحر الأحمر
ليقطع الطرق على
إسرائيل،
ويحشد جيوشه في
سيناء ويوزع
الدبابات
والطائرات،
فيخال من يرى
كل هذا على
شاشات
التلفزيون أن
إسرائيل لا بد
إلى زوال.
بينما لم يكن
تلفزيون
إسرائيل يعرض أي
شيء عن
استعدادات
لحرب أو
مواجهة كبرى.
وفي
السادس من
حزيران قيل أن
الحرب قد بدأت.
أما صباح
الجنوب فقد كان
عاديا، وذهب
الفلاحون إلى
الحقول
والتلاميذ
إلى المدارس،
ولكن أخبار
الإذاعات العربية
كانت تتكلم عن
تساقط طائرات
العدو وتقدم
الجيوش على
الجهة
المصرية،
ولم يسمع أحد لصوت
إذاعة
إسرائيل الذي
كان يقول بأن
سلاح الجو
عندها قد قام
بقصف كل
المطارات المصرية
وأن جيوشها
تقطع سيناء باتجاه
قناة السويس.
ولكن عند
الظهر تقريبا
مرت فوق مدرستنا
طائرتا ميغ
سوريتان على
علو منخفض متجهتان
صوب حيفا، على
ما يبدو،
فقامت القيامة،
وصار الكل
يتحدث عن
الحرب وقدرة
العرب وجيوشهم.
ولكن بعد
الظهر بدأت الإذاعات
العربية
تتكلم عن
"العدوان"،
ولم نعد نسمع
صوتا لطائرات
سوريا ولا
لقصف المدافع
البعيد.
وبعد يومين
صار طيران
إسرائيل
السوبر ميستير
هو من يحلق
على علو منخفض جدا
حتى نرى
الطيار داخل
طائرته،
وصرنا نسمع
قصفا بعيدا
حول الجولان.
و توضحت حقيقة
الأمر بعد
أيام معدودة
إذ انجلت
غبائر المعارك
عن سقوط كامل
سيناء، واعتراف عبد
الناصر
بالهزيمة
وتقديمه
استقالته،
واعتراف
الملك حسين
بخسارة القدس
الشريف وكامل
الضفة
الغربية
للأردن،
واعتراف
سوريا بخسارة
الجولان
بكامله وعاصمته
القنيطرة وإشراف
الإسرائيليين
على الشام.
وكان جيش سوريا
الذي تحصن
بالجولان
ومدافعه
التي، كمدافع
"نفارون"، لا
تقهر، قد هرب
كجيوش مصر
أمام الإسرائيليين،
بعد أن تلاشى الضباط
قبل المعركة
لعلمهم
المسبق بأن
شيئا يحضر.
ووصل إلى جنوب
لبنان لواء
سوري بكامله
يقدر عديده
بثلاثة آلاف
رجل،
وصلوا دون
قيادة وبدون
سلاح وبدون
تنظيم،
تماما كالعسكر
المكسور ولكن
الذي لم يحارب.
وجمع الجيش
اللبناني
هؤلاء
وأطعمهم
وأوصلهم إلى
الحدود بعد أن
نسّق نقلهم
بشاحناته مع
قيادتهم في
دمشق. وقامت قيامة
العرب حول تحميل
المسؤولية؛
ففي مصر قيل
أن قائد الجيش
عبد الحكيم
عامر انتحر،
ولم يقبل
الشعب استقالة
عبد الناصر
حتى في شوارع
بيروت، وفي دمشق
شنق حاطوم
وقيل بأنه
مسؤول عن الهزيمة،
وكان لواء
عراقي قادم
لنجدة سوريا قد
قصفته طائرات
إسرائيل بناء
على معلومات
إذاعة صوت
العرب. كل ذلك
قد قبلته الجماهير
العربية،
ولكن موقف
لبنان لم يقبل لأنه
لم يشارك في
الحرب ولم
يخسر قطعة أرض
ليتساوى مع كل
العرب في
الخسارة. وقامت
القيامة في
شوارع بيروت،
وصار لبنان
مجرما،
ودار اليسار
وجماعة بعث
سوريا والعراق
والناصريين
وكل المعزوفة،
تغمز من قناة
لبنان الدولة.
وتم وضع الخطط
لتحميل أحدهم حقد
الجماهير
ووزر النكسة،
فكان القرار
السوري
بالعمل
الفدائي
وتبنته كامل الدول،
وبدأ التمويل
والتدريب
وشراء
السلاح،
فالخطة
الجديدة هي
محاربة
إسرائيل بأعمال
التخريب،
ويجب أن ينطلق
التخريب من لبنان...
منذ
أوائل سنة 1968
نشأت منظمة في
سوريا دعيت
الصاعقة
قوامها عناصر
من
الفلسطينيين
من مخيمات
سورية يقودهم ضباط
سوريون
ويتبعون
مباشرة إلى
قيادة الجيش السوري.
هذه المنظمة
وفور انتهاء تدريباتها
بدأت بالتوجه
نحو مخيمات
اللاجئين
الفلسطينيين
في لبنان لكسب
أكبر عدد من المتطوعين
في صفوفها،
وبدأ التدريب
وتهريب
السلاح. وكان
ياسر عرفات،
الذي نشأ
وتعلم في مصر قبل
أن يهاجر إلى
الكويت
ويحاول منذ 1965 أن
يقيم منظمة مسلحة
تعتمد
التخريب كسلاح
للعمل ضد
إسرائيل، قد
تركز في
الأردن بعد
النكسة وباشر
بالعمل
العلني
لتجميع أكبر عدد
من
الفلسطينيين
لمنظمته، وقد
قامت هذه
المنظمة بعدة
عمليات على
الحدود الجديدة
للأردن مع
إسرائيل، أي
على خط نهر الأردن،
ما أعطى
الشارع
العربي، الذي كانت
نكسة حزيران
قد زادت فيه
الحقد دون أن
يعرف كيف
يوجهه، أعطته
هذه
العمليات، مع عدم
قيمتها
الفعلية،
نوعا من الأمل
في طريقة جديدة
أو قل جيل
جديد من
المناضلين في سبيل
"القضية".
فذاع صيت "أبو
عمار"
وجاءت منظمة
الصاعقة
لتضيف إلى
"العمل الفدائي" دفعا
جديدا تدعمه سوريا.
وهكذا تكون
سوريا قد خرجت
من خسارة الجولان
بطرح جديد
أنسى الشارع
مسؤولية تلك
الخسارة. وصار
كل من يحاول
أن يقف ضد هذه
الموضة
الجديدة
يهاجم من قبل
الشارع
العربي الذي
رأى فيها
الأمل الوحيد.
وقامت الدول
العربية
مجتمعة في قممها
اللاحقة تؤيد،
لا بل تساند
ماديا
ومعنويا
وبالأسلحة
والتدريب،
منظمات
مشابهة لتلك التي
أنشأها عرفات
وتلك التي
أنشأتها سوريا.
أما
في سوريا فقد
تقلص دور
عرفات بسبب وجود
منظمة تابعة
للدولة أخذت
هذا المكان،
ولكن في
الأردن صار
عرفات ورجاله
هم قادة
الموقف.
وكان الملك
حسين يعرف أن
هذه الثورة ستأكل
الأردن إذا ما
كبرت،
ولكنه كان يريد
امتصاص
النقمة بعد
خسارة القدس
والضفة
الغربية. أما
في مصر حيث لا
رأي إلا
للدولة
والجيش فلم
يجد عرفات
خبزا،
وقد كانت
المخابرات
وما سمي
"بمراكز القوى"
تسيطر على كل
شيء. أما توأم
سوريا، العراق
فقد أيد هذه
الحركات
والمنظمات ودعم
إنشاء غيرها
لكي يكون له
كلمة في
الشارع العربي،
سيما وأن ساحة
الصراع بعيدة
عن أراضيه
ولكن
مفاعيلها
تؤثر على
الجميع. وقامت
دول الخليج
بدفع "الخوة"
لهذه المنظمات
التي كانت
بأكثريتها
يسارية،
لتبعد خطرها
عنها وعن
الثروة التي
تتنعم بها. ولم يبق
في الميدان
الفعلي إلا
لبنان،
فهو لا يستطيع
أن يحارب
إسرائيل وقد
خسر العرب مجتمعين
ضدها،
وكل قوته هي
في علاقاته
الدولية
ومراعاته لشروط
الهدنة،
بالرغم من أن الجيش
اللبناني قام
بما طلب منه
في حرب حزيران
من تصحيح
أهداف
المدفعية
السورية، ولكن
السوريين لم
يكونوا
متحمسين
للحرب،
على ما يبدو،
وهو الذي قد
بني مجتمعه
ونظامه على حرية
الرأي فلا
يستطيع أن
يتبنى الثورة
ثم يقمعها،
ولا يستطيع أن
يجاهر بشيء ويفعل
آخر، لذا فقد
تحسّب
منذ البدء
لمشروع تسليح
الفلسطينيين،
وخاف من
عواقبه،
ولكنه لم يستطع
الوقوف ضد كل
العرب
مجتمعين وهو
عضو في جامعة
الدول
العربية.
كان البعثيون
في سوريا،
ومنذ سيطرتهم
على الحكم،
يحاولون
ممارسة
الطريقة
النازية زمن
هتلر في
استيعاب
النمسا
والسوديت(أي
توظيف عملائهم
وأزلامهم تحت
شعارات حزبية
وقومية)، يسعون
إلى إضعاف
استقلال
لبنان
والمطالبة بالوحدة
مع سوريا
والعراق.
فنشروا حزب
البعث
الذي لاقى
أرضا خصبة في
الجنوب،
وخاصة بين
الشيعة
الفقراء والمتعلمين
منهم لأنهم
يحملون في
تراثهم الشيعي
بذرة الثورة
منذ الحسين
وكربلاء من جهة،
وينقمون على
زعمائهم
الإقطاعيين
من جهة أخرى،
وبينما يأخذ
الشيوعيون
طابعا امبرياليا (أي عالميا
توسعيا) فقد
رأوا في البعث
حلا محليا
يبقيهم داخل
الطروحات
العربية
ويترك لهم هامش
المعارضة.
وكان
العلويون في
سوريا قد تبنوا
طروحات حزب
ميشال عفلق
(البعث) ورأوا
فيها وبالجيش
الطريق إلى
الحكم،
فكان طرحهم
قوميا وعملهم
طائفيا، وقد
استطاع حافظ
الأسد حفيد
زعيمهم الأكبر،
وبعد سلسلة من
الانقلابات
في سوريا، أن
يصل إلى مركز وزير
الدفاع، وكان
تحميل حاطوم
(الدرزي) مسؤولية
الهزيمة في
الجولان،
التي من المفترض
أن يتحملها هو،
وإرساله
طائرتين لقصف
حيفا
(وهو قائد
الطيران
السابق)، قد
أبعدا عنه تلك
الكأس مؤقتا، ولذا
كان عليه أن
يلهي الشارع
في سوريا بطرح
أكبر،
ويلهي
السوريين عنه
بقضية حساسة جدا
لهم،
فيها من "حسد
الجيران"
قدرا كبيرا،
ومن الطمع
بلبنان جانبا
مهما،
وهم لا ينسون
أبدا أن ذلك
المسيطر على
جبال لبنان كان
دوما عدوا
طبيعيا لحاكم
الشام كون هذا الجبل
هو موئل
الأحرار وسوف
يبقى الملجأ
لكل متمرد
عليه، فكان
طرحه لحرب العصابات
يشنها
فلسطينيون
يتبعون للجيش
السوري تحت
شكل
"الصاعقة"
ويعملون في
لبنان، لوجود
كثير من
الفلسطينيين
الغاضبين
هناك،
ويهاجمون
إسرائيل من
جنوبه،
لخلق القلاقل وزعزعة
الحكم الذي
يتأثر بالرأي
العام كونه الحكم
الديمقراطي الوحيد
في المنطقة العربية.
وهكذا كان فقد
وصل السلاح
ومعه المدربين
التابعين
للصاعقة،
وبدأت عمليات مناوشة
صغيرة على
الحدود
يتبعها تصعيد
إعلامي كبير
ومظاهرات
تأييد لمن
سيعيد "شرف" العرب.
وكان الإعلام
في لبنان
الأهم في
المنطقة وبما
أن طبيعة هذه
الحرب
الجديدة هي أكثر
ما تكون حرب
إعلام،
لأنها لا تقدم
ولا تؤخر،
فقد جذب لبنان
كل المنظمات،
وجذب معها
أجهزة
المخابرات
العربية منها
والدولية،
وصارت ساحة
لبنان هي ساحة
حرب العرب في نهاية
1968 .
كانت
الدولة
اللبنانية
التي لم تنسَ
حرب 1958 بعد،
والشعب اللبناني،
وخاصة المسيحيين
منهم،
لم يكونوا قد
نسوا تدخل عبد
الناصر من
سوريا وتدفق الأسلحة
للثوار،
ما قلب
الموازين
وجعل الحكم
يلجأ إلى طلب
مساعدة
أميركا لوقف النزاع، كانوا
يخشون
إذن هذا
النوع الجديد
من التدخل
الذي سيعرّض
البلاد
لمشاكل هي
بغنى عنها. وكانت
الدولة تحاول
أن تتجنب نزاعا
مباشرا مع
هؤلاء
المسلحين
يدخلها في صراع
مع سوريا
التي لم تترك
فرصة إلا
واستغلتها
للظهور بمظهر
الداعم
لهؤلاء،
وعند كل مشكلة كانت
تسارع إلى
إغلاق الحدود،
التي كانت،
بعد إغلاق
قناة السويس،
أصبحت مهمة
جدا،
كون ميناء
بيروت صار
ميناء العرب
كلهم من
العراق إلى
السعودية
والأردن ودول
الخليج الأخرى في
تجارتهم مع
أوروبا. ولم
تمر السنة الأولى
إلا وقد انطلق
الصراع بين
الجيش اللبناني
والمسلحين
الفلسطينيين.
ذهب
المسلحون في
حربهم ضد
إسرائيل،
ليس فقط للقيام
بعمليات على
الحدود،
بل افتتحوا
نوعا جديدا من
العمليات
الإرهابية التي
جعلت العالم
كله مسرحها،
وهي عمليات
خطف الطائرات.
وهذا النوع من
العمليات جذب
إلى هؤلاء أنظار
العالم،
وجذب أيضا
ردات الفعل
التي تحملها
لبنان. وها هو
الجنوب
الساحة الأساسية
لهذه الحرب
والسبب
الرئيسي لحرب
لبنان التي
أحرقت كل شيء
وكل مكان وهي
لم تزل حتى اليوم
الكأس التي
يتجرعها كل
لبناني...
الحلقة
الثانية
هاجس
الجنوب عشية 1975
تتالت
الأحداث على
الساحة
اللبنانية
وكثرت المشاكل،
من قيام
المنظمات
الفلسطينية
بعمليات
مناوشة
الإسرائيليين،
إلى رد هؤلاء
بعمليات
مماثلة، ما
يؤدي إلى نزوح
الجنوبيين مع
كل الفلكلور
المرافق، من
صور السيارات
المحملة
بالفرش واللحف،
إلى النساء
الباكيات على
فقد منزل أو
عزيز، إلى
ردود فعل
الجماهير
والصحف
والأحزاب، وكلها
تصب في خانة
واحدة تغمز من
طرف الحكم في
لبنان وتقلل
من رغبة، إذا
لم تكن قدرة،
الجيش على
حماية الوطن.
وبعد
العمليات على
الحدود
والعمليات
المضادة،
بدأت عمليات
الانتقام من
المواطنين في
الجنوب
بتخوينهم
واتهامهم بالعمل
مع
الإسرائيليين
ونقل معلومات
عن تحركاتهم
والاقتصاص
منهم، ثم ما
لبث هذا التخوين
أن طال
المتهمين
بالعمل مع
الدولة ضد
المنظمات،
ودرج الخطف
والقتل دون أن
يكون للدولة وأجهزتها
القدرة
الكافية على
حفظ
المواطنين،
إن من خطر
المنظمات
الفلسطينية
ومن خلفها، أو
من ردود فعل
الإسرائيليين
بعد كل عملية.
في
هذه الفترة
كبرت
العمليات
وتوسعت، وإذ
تقوم إحدى هذه
المنظمات
بخطف طائرة أو
بعملية كبيرة
في مطار اللد،
يرد
الإسرائيليون
بعملية في مطار
بيروت فيقضون
على أسطول
الطيران
المدني اللبناني
وهو جاثم على
الأرض، وبعد
عملية كبرى في
أوروبا تدخل
فرقة
كوموندوس
إسرائيلية إلى
قلب فيردان
لتقتل ثلاثة
قياديين من
المنظمة،
فتقوم قيامة
الفلسطينيين
وكل المعزوفة
اليسارية،
وينتشر
المسلحون في
الشوارع، ويصبح
التخريب في
شوارع بيروت
هدف
المتظاهرين.
في هذا الجو
من إثارة
الأحقاد
وتهييج الناس
ضد الدولة،
بدأ
المسيحيون في
كل لبنان
يخافون بجد
على الدولة
ومصيرها،
وهكذا صار
ولاؤهم للجيش
أكبر، وما لبث
هذا الولاء أن
تجسد في
اشتباكات مع
عناصر
المنظمات
شملت مناطق في
قلب لبنان...
وكانت
أحداث
الكحالة
والدكوانة
التي برز فيها
الشيخ بشير
الجميل قائدا
شابا يسعى
لحفظ كرامة
اللبنانيين
وحقهم بالسلم
والنظام والحياة
الحرة
الكريمة في
بلدهم دون
تدخل هذه المنظمات
والأحزاب
المأجورة
والتي تستمد
أفكارها
وأوامرها من
الخارج ولا
تسعى إلا إلى
تخريب البلد.
كانت هذه
التطورات باب
الأحداث التي
تدخل فيها
الجيش السوري
في معركة مع
الجيش اللبناني
في منطقة
راشيا، حيث
استطاع الجيش
اللبناني
إثبات قدرته
على التصدي
لأي اعتداء، وكانت
الضغوط من
سائر الدول
العربية ومن
الداخل، حيث
عاد البعض إلى
التشكيك في
الوطن والدستور
والميثاق،
ومن بين هؤلاء
رسالة واضحة من
مفتي
الجمهورية
الذي قال "إن
المقاتلين الفلسطينيين
هم جيش
المسلمين"،
ما أدى لا إلى
وقف السيطرة
الفلسطينية،
بل إلى
تشريعها عبر اتفاق
القاهرة، حيث
تنازل لبنان
عن سيادته على
المخيمات
ومنطقة
العرقوب في
الجنوب لتصبح
جرحا مستمر
النزف، وبابا
لعدم
الاستقرار،
وصارت الطرق
المؤدية من
وإلى هذه
المنطقة
المفتوحة،
والتي سميت
"فتح لاند"،
ممرات يسيطر
عليها
الفلسطينيون،
وزاد التدخل
بشؤون الناس
وتوقيف
الأشخاص تحت
شعار حماية
المقاومة.
في
هذا الجو
المتوتر
والذي يسوده
القلق على المصير
والمستقبل
صار هاجس
الجنوبيين
التهجير، وخوفهم
الوحيد هو أن
تتكرر أحداث
فلسطين بتهجير
الجنوب
وسيطرة
إسرائيل عليه.
وهكذا صار الكلام
عن الصمود في
الأرض
والبقاء فيها
وعدم السماح
بإشعال فتيل
الحرب التي
سوف يدفع
ثمنها الجنوبيون
الفقراء
وحدهم إذا ما
أجبروا على التهجير.
ولذا قام
الأهالي
بمطالبة
الجيش بحماية
القرى
ومحيطها من
مرور
الفلسطينيين
المسلحين، ما
أدى إلى مزيد
من التجاوزات
والصدامات. من
جهة أخرى،
ولطمأنة
الجنوبيين
حول المستقبل،
دعا الشيخ
موريس
الجميل، الذي
كان وزير
التصميم
يومها، إلى
إنشاء مجلس
الجنوب وإلحاقه
بوزارته
ليكون إدارة
خاصة لتطوير
الجنوب وإنمائه
فيصبح مركز
استقرار
وإنتاج ويمنع
التهجير بسبب
أو بغير سبب
ويوقف تردي
الوضع هناك.
ويعتبر الشيخ
موريس الجميل
من أهم
الشخصيات اللبنانية
التي عملت
بشكل علمي على
التخطيط للبنان
المستقبل وقد
كان أحد
مشاريعه يقوم
على استغلال
المياه
لتوليد
الطاقة من جهة
ثم جرها
بالانسياب
إلى دول
الخليج
المحتاجة
للماء ما يضيف
واردات كبرى
إلى خزينة
الدولة كانت كافية
بنظره لكي
يكون سعر
الوقود في
لبنان أرخص
منه في دول
البترول
نفسها ويوزع
من عائدات الكهرباء
والماء على
الشعب
اللبناني ما
يوازي مئة
دولار شهريا
للعائلة. من
هذا النوع من
الرجال
الوطنيين
والمخلصين
لشعبهم
والمخططين
لمستقبله كان
الشيخ موريس،
وعندما طرح مشروع
مجلس الجنوب
كانت فكرته أن
يقيم المصانع الإنتاجية
في الجنوب
بتخفيض
الضرائب
وتأمين
الخدمات من
مواصلات
واتصالات
لتشجيع المستثمرين
على إنشاء مثل
هذه المصانع
في الجنوب.
ولكن
ما جرى أنه
عندما أنشئ
مجلس الجنوب
توفي الشيخ
موريس فصار
هذا مكتب
"شحادة"
واستزلام
ومركز توزيع
حصص وتعويضات
عن أضرار تلحق
بالناس من
جراء عمليات
إسرائيل،
وصار الجنوبي،
بدل أن يرفض
وجود
الفلسطينيين،
لخوفه على منزله
أن يهدم مثلا،
مطمئنا بأن
مجلس الجنوب
سوف يدفع
التعويض، ومن
هنا صارت
المتاجرة
بقصة التهجير
والهروب كلما
سمع صوت قذيفة
أو دخلت دورية
الحدود، وصار
الجنوب عبئا
على الوطن
ثقيلا، فهو
مدخل الصراع
وعدم
الاستقرار من
جهة، وهو باب
الإهدار
"المشروع" من
جهة ثانية.
وقد شجعت هذه
الخطوة
الجماعات
اليسارية على
التعنت
وزيادة
المطالبة
بالفوضى
والتخريب...
بعد
الاشتباكات
الفعلية بين
الجيش
والفلسطينيين
والتي أدت إلى
اتفاق
القاهرة
المشؤوم، صار
واضحا بأن
البلد ذاهب
نحو الفوضى،
ولذا كان
العمل على
وحدة
المسيحيين من
أجل الدفاع عن
الوطن، وكان
الحلف
الثلاثي أول
بوادره إذ
أتي، بواسطة
الديمقراطية
الانتخابية
وبأغلبية صوت واحد
برئيس جديد
للبلاد هو
سليمان
فرنجية ابن
زغرتا
المعروف
بوطنيته، وهو
صاحب شعار "وطني
دائما على
حق"، ليضع
الحد لتصرفات
الفلسطينيين
ويمسك الدولة
بيد حديدية،
ولكن وبسبب رفض
الشريك
المسلم في
الحكم، لم
يقدر فرنجية
في أحداث 1973،
بالرغم من أن
الجيش كاد أن
يقضي على المنظمات
وقد طوق
المخيمات بعد
حرب فعلية،
خاصة في
المدينة
الرياضية،
وبعد التهديد
السوري والضغوط
السعودية، أن
ينهي التمرد
الفلسطيني،
بل أوقفت
المعارك
لتعطي
للمسلحين
الفلسطينيين
دفعا جديدا
وتجعل الشارع
المسيحي هذه
المرة يبدأ
بالتحرك،
فتقوم
المظاهرات
لدعم الجيش.
ولكن ليفهم
المسيحيون في
داخلهم بأن الدولة
التي حلموا
بأنها سوف
تحميهم غير
قادرة على
ذلك، وبينما
كان السلاح
يوزع من قبل
المنظمات على
كل محازبيها
ليشكل جبهة ضد
الجيش، بدأت
الأحزاب
اللبنانية
بالتدريب
الجدي لحماية
النفس.
في
هذه الأجواء
كان قد لاح في
الجنوب نجم
الإمام موسى
الصدر، فهو
الذي سكن صور
وعرف عنه تسامحه
الديني
وانفتاحه على
المسيحيين في
وقت غالت فيه
الأحزاب
اليسارية
برفضها
للدولة واتهام
المسيحيين
بأنهم عملاء
الغرب من جهة،
ودافعت عن
الثورة
الفلسطينية
بكل عنف من
جهة أخرى. ظهر
الإمام الصدر
بأنه الرجل المعتدل
والمنفتح،
بعكس بقية
رجال الدين
المسلمين
والسنة خاصة،
فحلم
المسيحيون
بشريك جديد
بوزن رياض
الصلح، لا بل
قد يكون أقدر،
فصار الإمام
سيد الكلام في
المجالس،
ودعي إلى المحاضرة
في الجامعات
المدارس، في
الكنائس والنوادي،
وكتبت عنه
الصحف
والمجلات،
فهو الذي يدعو
إلى إنصاف
اللبنانيين
في هذا الوضع
الحرج، وقد
تحدث عن
العدالة
وتنفيذ
الشراكة الحقيقية
من داخل
المؤسسات
وليس بالعنف
والثورة. وبدأ
بمحاولة مسك
الشارع
الشيعي الذي
كانت تسيطر
عليه الأحزاب
اليسارية
والمنظمات
الفلسطينية،
وأنشأ
المدارس
والمؤسسات
وخاصة المجلس
الشيعي
الأعلى،
واستطاع أن
ينتزع محافظة للشيعة
هي محافظة
النبطية
لتصبح
المحافظة السادسة،
وصار الناس
يرون فيه أملا
لبناء دولة
حقيقية يؤمن
كل أبنائها
بأنهم جزء
أساسي منها
وتقوم على
نظام
ديمقراطي
يعترف بحقوق
وواجبات الكل
تجاه الدولة...
ولكن الإمام،
وكما
المسيحيين،
بعد أحداث 1973،
صار يفتش عن
طريقة للدفاع
عن النفس
فتغير خطابه
السياسي وصار
عنده "السلاح زينة
الرجال" ونقل
عنه ذلك القول
المشهور "بيعوا
الرغيف
واقتنوا
السلاح"
وظهرت أفواج
"أمل"[1]
لتكون درع
الشيعة في
أحداث الوطن.
وهكذا صارت
البلاد عشية
الأحداث ثلاث
فئات كبرى هي:
اليسار الذي
يشمل السنة
ودروز جنبلاط
الاشتراكيين
من جهة،
والمسيحيون
بكافة
أحزابهم من
جهة أخرى،
بينما وقف
شيعة الإمام
بين الاثنين...
وفي
الجنوب وبعد
أحداث 1973 قرر
الجيش، الذي
لم يستطع
حماية
الأهالي
بواسطة
الدولة
والقانون
وبدأ يخاف على
مؤخرته من أن
تضربها
عصابات المسلحين،
بتدريب فرق
الأنصار داخل
قرى المنطقة
الحدودية
وتسليحهم
ليكونوا عونا
له من جهة،
ويتمكنوا من
الدفاع عن
قراهم ضد تدخل
المسلحين الفلسطينيين
وأعوانهم من
جهة
أخرى...
الحلقة
الرابعة
تدمير
الدامور
عشية
الأحداث التي
عصفت بلبنان
في 1975 كان البلد
الذي تعود
الناس أن
يجدوا فيه
الراحة والنظام
قد بدأت
تفوح منه
روائح التمرد
والعنف، وها
هي المخيمات
تصبح بؤرا
للعصابات
المسلحة حيث
لا سلطة
للدولة عليها
وهي تبدو
كالمعسكرات
المحاطة
بالحراسة
وأكياس الرمل
والحفر التي
تمتلئ
بالأسلحة
والصواريخ.
وأصبح اللبناني
يهاب المرور
أمامها خشية
التعرض للخطف
والتوقيف
والسؤال. وبعد
أحداث صيدا
التي قتل فيها
النائب
اللبناني
معروف سعد
وبعض
العسكريين بينهم
أحد الضباط من
الجيش
اللبناني
صارت طرق إمداد
الجيش تتجنب
المرور في
مناطق سيطرة
الفلسطينيين
وصارت هذه
المناطق تكبر
شيئا فشيئا.
وكما
هي الحال في
العاصمة كانت
حال أهالي الجنوب
فقد صارت
مناطق سيطرة
الفلسطينيين
تتوسع ليس في
العرقوب وحده
بل حول كل
المخيمات بدءا
من عين الحلوة
إلى النبطية
فالرشيدية
والبص وبرج
الشمالي وبرج
رحال ثم مناطق
حول قانا ومحرونا
حيث أصبح
للمنظمات
مخيمات
ومراكز تدريب.
وصارت تحركات
الجيش هي التي
تأخذ بالحسبان
المنظمات
ومراكز
تواجدها وليس
العكس وقد
سيطر هؤلاء
على بعض القرى
بواسطة
الأسلحة التي
وزعوها لمن
دار في فلكهم،
وحيث كثر
المشاغبون
أصبحت القرى
بكاملها
محسوبة على
الفلسطينيين
وهذا ما دفع
القرى التي لا
تريد الاعتراف
بسلطة هؤلاء
إلى التحسب
أكثر فأكثر
ومطالبة
الجيش بتسليح
شبابها
لتأمين
الحماية ضد الانتشار
الفلسطيني
الذي كان يكبر
بشكل خطر بواسطة
الأحزاب
اليسارية من
جهة والأموال
والسلاح الذي
دفع به
الفلسطينيون
من جهة أخرى.
كان كل
حادث يمكن أن
يتحول إلى
معركة
فالتعبئة
التي قامت بها
المنظمات
والنزعة
الهجومية التي
تحلى بها كل
من سار بخطها
كانت كافية
لجعل أقل مشكل
يبدو كمعركة
مصيرية، من
هنا أخذت الدولة
طريق الدفاع
والمسايرة
بدل قرار
المواجهة
ورسم حدود
التصرفات.
وكان كل مشكل
مهما كان سببه
يؤدي إلى مزيد
من التنازل من
قبل الدولة.
وكانت
الصحافة التي
اشتراها
عرفات ورجاله بأموال
النفط
العربية تفسر
دوما تصرفات
الفلسطينيين
وتشرح
خلفياتها
وضرورتها
وتذنّب
الدولة أو
الجيش. وكانت
سوريا تدفع
الأمور نحو
الصدام وتهرّب
السلاح
والعتاد
والمقاتلين
بكل الوسائل الممكنة.
في هذه
الفترة أصبح
عرفات هو
الرجل الأقوى
في لبنان
وصارت مكاتب
المنظمات في
بنت جبيل مثلا
أو مرجعيون أو
غيرها هي التي
تتدخل بشؤون
المواطنين
فتخلق المشاكل
أو تحلها،
وأصبحت قرى
بكاملها
كعيناتا أو حولة
ممنوعة على
الجيش يسرح
فيها
المسلحون ويصدرون
الأوامر
بتوقيف الناس
أو سوقهم إلى
مراكز
المنظمة
وأحيانا
إصدار أحكام
بحقهم ولا من
حسيب.
في هذا
الظرف زاد
الجيش من
تنظيم
فرق الأنصار
وأضطر إلى
تسليحها بال
أم 16 وجعلها تتبع
لضباط فعليين
يقومون على تحسين
عملها
والتفتيش على
الأسلحة
والذخيرة
ومنع أي تصرف
فردي من
عناصرها وهذا
لكي ينافس
المنظمات
التي كانت
توزع
الكلاشينكوف
الروسي بدون
حساب والتي
كانت تسلب
ولاء
المواطنين من
الدولة وتجعل
من هذه الدولة
غريبة عن
أبنائها ولا
مونة لها
عليهم، وكان
الجيش يريد من
هؤلاء أن
يحموا طرقه في
منطقة يضطر
فيها إلى
التنقل
والقيام بالدوريات
والحفاظ على
مراكزه.
بعد
مواجهات 1973
التي جرت بين
الجيش وهؤلاء
الفلسطينيين
وعدم الحسم من
قبل الجيش
تبدل موقف السيد
موسى الصدر
بعض الشيء ولم
يعد يجرؤ على
مواجهة هؤلاء
فسارع إلى
إنشاء
ميليشياه
الخاصة التي
كانت تتدرب في البقاع.
لم يكن هناك
ممولا طبيعيا
لهذه الميليشيا
الشيعية لأن
إيران الشاه
لم تكن شيعية
المذهب ولا
أحب نظامها
بالأصل
الأئمة
والمشايخ
وتدخلهم
بالسياسة ولم
يظهر أطماعا
خارجية تصل
إلى لبنان كما
هي حال إيران
اليوم. وكان
كل العرب
الأغنياء
الذين يخافون
اليسار
المتعاظم
يدفعون
لعرفات ولا
يمكن أن
يدفعوا لإمام
شيعي لينشئ
ميليشيا في
لبنان تقف
بمواجهة
الفلسطينيين.
ويقال بأن
الرئيس الأسد
حاول التقرب
من السيد
الصدر لكي
ينال فتوة
شيعية بأن
العلويين هم
جزء من الشيعة
فيوفر على
جماعته
اضطهاد السنة
المذل الذي
ذاقوه طيلة
قرون وأجيال
ويسهم
بالمقابل في
تسليح
المليشيا
الشيعية ولكن
الإمام الصدر
لم يصدر تلك
الفتوى. ويقول
البعض بأنه
عشية الحرب اللبنانية
دفعت ليبيا،
التي كان
زعيمها القذافي
يريد من
مسيحيي لبنان
وعلى رأسهم
الموارنة إذا
ما أرادوا
العيش بسلام
أن يعلنوا
إسلامهم،
مبالغ من
المال
والسلاح لكل
الفئات اللبنانية
الغير مسيحية
للتأكد من عدم
وقوفها في الصف
المواجه
للفلسطينيين
في حربهم ضد
الدولة، وأن
جزء من هذه
الأموال
والعتاد قد
دفع بالفعل
إلى السيد
موسى الصدر
لكي يضمن عدم
وقوف الشيعة
ضد
الفلسطينيين،
كما دفع جزء
آخر لجنبلاط
والحزب
الاشتراكي
لكي يضمن أيضا
عدم وقوف
الدروز إلى
جانب الدولة.
وقد
كان قيام
لبنان على
دعامة من
ثلاثة أرجل تختلف
عن المحيط
السني العارم
والذي يذكر
بسلطة
الأتراك والمماليك،
حيث كانت
فتاوى ابن
تيمية التي
حللت قتل
الدروز
والشيعة
والإسماعيلية
والعلويين
وجعلت من
هؤلاء الدروز
والشيعة
يتمسكون مع
المسيحيين
بهذا الجبل
اللبناني
كموئل حر يحميهم
من الأكثرية
المحيطة
ويساهمون على
مدى قرون
بتشكيل الوطن
الذي قام على
الحرية الدينية
والتمايز عن
المحيط،
لا تزال في
البال. ولكي
يسقط لبنان
الوطن يجب أن
يحيّد
الدروز
والشيعة لضرب
المسيحيين
أولا،
لأن
المسيحيين هم
الحلقة
الأقوى في
الكيان اللبناني،
ثم عند
الانتهاء
منهم تسهل
عملية فرز
الدروز وضربهم،
وفي نهاية
المطاف يضرب
الشيعة بعد أن
يستهلكوا في
قتال الآخرين.
من هنا تعقيد
المواقف في
الحرب
اللبنانية
ومن هنا لم
يكن المراقب الأجنبي
يفهم ماذا
يدور،
فقد نادى
المسيحيون
بأن الحرب هي
على الفلسطينيين
المسلحين
الذين يريدون
خلق دولة ضمن
الدولة ما لا
يمكن أن يقبل
به
اللبنانيون.
وقال البعض
بأن اليسار قد
وقف مع
الفلسطينيين
لأن لبنان
قاعدة غربية
ويجب قلب
نظامها. ولكن
لماذا لم يكن
بالإمكان
إنشاء تحالف
وطني يميني
يمكنه مواجهة
الفلسطينيين
واليسار
ويتألف من
شيعة وسنة
ودروز إلى جانب
المسيحيين
اليمينيين؟
من هنا لم
يفهم البعض
تصرف
المسيحيين
المنفرد في
هذه الأحداث وقد
تعجب
الصحافيون
الغربيون
أحيانا من
دوافع هؤلاء
في القتال
الشرس ولم
يستطيعوا
تفهم خلفيات
بقاء كل
الفئات الغير
مسيحية مع
جانب من اليسار
المسيحي في صف
الفلسطينيين،
فقبلوا تفسير
هؤلاء بأن
المسيحيين
يحاربون من
أجل بعض
الامتيازات
السياسية
التي لا يريد
زعماؤهم التخلي
عنها.
ولكن ما
هو الدور
السوري
وخلفياته؟
وما هو دور
الوهابية
السعودية
وأحلامها في
الدين الحنيف؟
وما هو دور
القذافي
ودعواته
لأسلمة اللبنانيين؟
وما الذي يجعل
الشيعة
والدروز والسنة
اليمينيين
يقفون في صف
عرفات
ورجاله؟ كل
هذه أسئلة لم
تطرح بسبب
المال الذي أغدق
من قبل عرفات
من جهة،
وسيطرة
اليسار العالمي
بالعادة على
الإعلام من
جهة أخرى، ما
جعل كل
الصحافيين
الذين يشكلون
في الغرب
المصدر الحر
للمعلومات
اليومية
ينحازون إلى
عرفات
ومعسكره
ويكررون
لازمته؛
بأن
المسيحيين
اللبنانيين
مجموعة "انعزالية"
رجعية
ومتخلفة تحارب
حربا طائفية
ضيقة في زمن
الإلحاد
العالمي. وقد
شكل هذا الخط
الإعلامي
حاجزا أمام حق
اللبنانيين
في الدفاع عن
دولتهم
ومؤسساتهم
ومساندة
الرأي العام
العالمي لهم،
كما كان ضغط
الدول
العربية وعلى
رأسها
السعودية،
والمجموعة
اليسارية
وعلى رأسها
الاتحاد السوفياتي،
يومها، الذي
كان الممول
الأساسي
للمنظمات، قد
منع أي تدويل
للأزمة أو
تدخل يوقف
التجاوزات السورية
عند حد،
ويحسم وضع
الفلسطينيين،
ويعيد للدولة
اللبنانية
هيبتها، وقد
كان لبنان من
مؤسسي الأمم
المتحدة
وواضعي شرعة
حقوق الإنسان،
وهو دائما ما
عوّل على
المساندة
الدولية لحقه
وليس على قواه
الذاتية، في
منطقة يعلم كل
العلم أن فيها
من الرافضين
لكيانه
والعاملين
على زعزعته،
خاصة بعد
سلسلة
الانقلابات
العسكرية
التي تتالت في
مصر أولا ثم
في سوريا
والعراق،
وحيث أصبحت
الأنظمة في
هذه الدول،
عسكرية
ديكتاتورية،
تختلف عن
النظام الحر
والمنفتح،
والذي يحمي
الحقوق
المدنية،
ويتميز
بديمقراطية
لم تسمح مرة
بتجديد الولاية
لرئيس في
لبنان منذ
استقلاله.
لم تكن
البوسطة التي
أقلت مجموعة
من الفلسطينيين
المدججين
بالسلاح
لتجتاز
الشارع الرئيسي
في عين
الرمانة في
ذلك الأحد من
نيسان 1975 بالصدفة،
لأن طرقا أسهل
وأكبر وأقل
ازدحاما كانت
متوفرة
للوصول إلى
مخيم تل
الزعتر، والكل
قد علم
بالحادثة
التي كانت
وقعت صباحا في
الحي المذكور
وذهب ضحيتها
أربعة
كتائبيين
بينهم جوزيف
أبو عاصي حيث
مرت سيارة
مسرعة أطلق من
فيها النار
على
الكتائبيين
المحتفلين
بتدشين
الكنيسة
بحضور الشيخ
بيار الجميل
رئيس حزب
الكتائب، ولكن
الهدف
الرئيسي من
مرورها كان
تحدي الكتائبيين
وفرض وهرة
المنظمات من
خلال حادث معزول
على الشارع
المسيحي ككل،
فمن هم هؤلاء
الكتائبيون
ليتجرأ
زعماؤهم على
الوقوف بوجه
"الثورة"
التي ترهب
العالم؟..
وما حدث يومها
كان الشرارة
التي بدأت
الحرب وليس
أبدا السبب في
اشتعالها.
كانت
المنظمات
الفلسطينية
قد أعدت خططها
للسيطرة على
الشارع وقد
انتشر
عناصرها فورا
وتوزعت
الآليات
والأسلحة في
الأحياء
ونصبت الحواجز
وبدأ الخطف
والتوقيف.
وبالرغم من
محاولات
الدولة
للتحقيق
بالحادث
واتخاذ
الإجراءات إلا
أن المطالب
الفلسطينية
كانت تكبر ما
يؤدي إلى مزيد
من التنازلات
تحت التهديد.
ثم تدخل عناصر
جديدة وأسلحة
من سوريا،
ويستمر التوتر
وتبدأ عملية
الخوف من ردود
الفعل الفلسطينية
في الأحياء
المسيحية وسط
عدم الثقة والقدرة
التي تظهرها
الدولة
لحماية
المواطنين،
ويصبح الأمن
الذاتي هو
الحل الوحيد
المتوفر.
وفي
الجنوب يزيد
القلق والخوف
من ردات الفعل
الفلسطينية
على القرى
المنعزلة
البعيدة والتي
جاهرت
بتأييدها
للجيش،
فيهرب
المنظورون من
أبنائها إلى
الجانب المسيحي
من بيروت
تجنبا للخطف
والقتل أو
التوقيف
والتنكيل،
ولكن القرى الحدودية
حيث أنشأ
الجيش فرق
الأنصار بقيت
صامدة كون
الجيش بقي
محافظا على
تواجده في
المنطقة ولو
أن سيطرة
المنظمات
زادت أكثر
فأكثر.
ويمر صيف 1975
والناس بحالة
قلق شديد
والأجواء مكهربة،
وبينما يستمر
دخول
المسلحين
الفلسطينيين
عبر الحدود،
تتحضر
الأحزاب
المسيحية في
العاصمة
لجولة جديدة.
وما أن يبدأ
الشتاء حتى
تتفاقم
المشاكل من
جديد وتأخذ
هذه المرة شكل
الحرب
الفعلية،
فتهاجم
المجموعات
الفلسطينية
وعلى رأسها منظمة
الصاعقة
السورية
مدينة
الدامور
ويصمد الأهالي
فيها
ويدافعون عن
بيوتهم
ويدفعون التضحيات
ولا تنفع
توسلات أبنائها
وخاصة أعضاء
الحزب
الاشتراكي
عند الزعيم الدرزي
جنبلاط، الذي
كان يشارك
المنظمات، بوقف
القتال.
ويرسل الجيش
إحدى طائراته
لقصف
المهاجمين،
فيهدد
السوريون
بإرسال
طائراتهم
لحماية "الثورة"،
وتسقط
الدامور
ويتهجّر
من بقي من
أهلها،
الذين احتموا
بقصر الرئيس
شمعون في
السعديات،
بواسطة زوارق
الصيد في بحر
هائج وبشكل
مريع. ويدخل
ثوار عرفات
وأفواج
الصاعقة
السورية وجماعة
جنبلاط وكل من
لف لفهم إلى
المدينة،
فيكملون
القتل
والتنكيل
بالناس
والمقدسات،
ويدنسون كل
شيء حتى
القبور،
وتمتلئ
الشوارع
والبيوت
المحروقة
بالجثث لتشهد
على جرائم
هؤلاء ولتفهم
المسيحيين أن
زمن التعايش قد
ولى وأن لا
دولة يمكنها
أن تأخذ قرارا
حتى لمنع
احتلال مدينة،
وأن السلاح
وحده قادر على
حمايتهم.
ويستمر المسلسل
في عكار فيدخل
المسلحون
وعلى رأسهم،
كالعادة،
جماعة
الصاعقة،
إلى بيت ملات
ويحرقونها،
وإلى دير عشاش
فيحرقوا
الرهبان
العجز أحياء،
وإلى الناعمة
والقاع
وغيرها من
القرى ليفهموا
اللبنانيين
أن لا مجال
للصلح ولا
مكان للضعفاء...

الدامور...
المدمرة
بقدرة فتح...
الحلقة
الخامسة
أهم
نتائج
التذبذب
السياسي في
مواقف غير المسيحيين
بشكل عام كان
حركة تمرد
الضابط أحمد الخطيب.
وكانت نتائج
هذه الحركة
مدمرة على صعيد
الوطن ككل وهي
التي شكلت
المفصل
الأساسي في تدمير
الدولة كدولة
وتفسّخ
الكيان
اللبناني
وانتشار
الحرب ولغة
السلاح فوق كل
الأراضي
اللبنانية.
ولكن لماذا
هذا الحجم لحركة
يقوم بها
ملازم أول، يقول
بعض رؤسائه
بأنه ضابط
فاشل وأن من
لحق به لم يزد
على الحضيرة،
في البدء؟
إن
ما أشرنا إليه
من المواجهة
بين الجيش
السوري
والفلسطينيين
في منطقة راشيا
لم يدع أي شك
لدى القيادة
السورية
بقدرة الجيش
اللبناني،
بالرغم من قلة
وسائله، على القيام
بالتصدي لأي
اعتداء خارجي، وهو
قد كان أوقف
دخول
الإسرائيليين
أيضا في مرتين
متتاليتين، كان
آخرها في صيف 1972
حيث لم يتجاوز
الإسرائيليون
بلدة قانا على
محور حداثا
صديقين عين
بعال،
ولا بير
السلاسل على
محور الطيبة
الغندورية خربة
سلم. ومن جهة
ثانية أظهر
الجيش تماسكا
وقدرة في
مواجهات
الفلسطينيين
في بيروت في
أحداث 1973 وخاصة
في معركة
المدينة
الرياضية، التي
كاد فيها أن
يقضي على ثورة
عرفات بكاملها
لولا التهديد
السوري
والضغوط العربية
الأخرى وعلى
رأسها
السعودية. من
هنا كان يجب
أن يقضى على
هذه المؤسسة
التي تستطيع حماية
البلد والتي
لم تكن سهلة
الاختراق،
فالضباط
المسلمون لم
يكونوا أقل
تحمسا للدفاع
عن الوطن
وتميزه من
رفاقهم
المسيحيين، ولو
أن الشارع
المسلم ورجال
الدين
والصحافة المأجورة
وجماعة عرفات
قد شكلت ضغطا
ميدانيا على
هؤلاء لكي
يشعروا بأنهم
لا يماشون
الخط الطبيعي ولا
يمثلون
تطلعات
جماعاتهم. لذا
كان التفتيش
عن ضابط، مهما
كانت رتبته،
يمكن
استعماله لوضع
إسفين
في داخل
المؤسسة يمكن
استغلاله
فيما بعد.
وكان
أحمد الخطيب
يتبع عمليا
لثكنة مرجعيون
وقد استطاع أن
يقنع أحد
الرتباء ليقوم
بالاستيلاء
على ملالة
للجيش،
بعد إطلاق
النار على
رفاقه
المسيحيين،
والتوجه بها
إلى منطقة
سيطرة
الفلسطينيين
في العرقوب.
ثم يقوم أحمد
الخطيب نفسه
بالتعاون مع
قوات
فلسطينية
بالسيطرة على
كل المواقع الصغيرة
المنتشرة على
طول الطريق
بين مرجعيون
وراشيا. كان
الجيش اللبناني
قادرا على ضرب
الخطيب
وحركته في
مهدها وقد
صدرت الأوامر
لسلاح
الطيران بضرب
هذه المجموعة،
ولو فعل لكان
أوقف أي حركة
تمرد وأعاد
السيطرة بشكل
فعلي،
ولكن تدخل
السوريين هذه
المرة أيضا،
وبالشكل
المباشر، منع استعمال
القوة وجعل
القيادة تحجم
عن فتح معركة
ولكن هذه
الخطوة كانت
"القشة التي
قصمت ظهر
البعير" ففهم
الكل أن
الدولة غير
قادرة على
الحسم وأن
أعداءها
مسنودين وأن
عرفات
وجماعته أقوى وأقدر
على اتخاذ
القرارات.
فما
الذي جعل
الدولة تتردد
إلى هذا الحد
في اتخاذ
القرار بالدفاع
عن مؤسساتها؟
وما الذي
جعلها ترضخ
لكل هذا
الابتزاز
فتتخلى شيئا
فشيئا عن
سلطتها ثم تسمح
بتفتيت
قدراتها على
البقاء
وسلبها وسائل
الدفاع عن
النفس؟
هنا
لا بد من
العودة إلى
السياسات
الإقليمية والدولية
التي ساندت
بقاء لبنان
مثلا في أوج تحالف
مصر وسوريا في
1958 فسمحت
باستمرار
الدولة
وتجاوزها
عقبات التفسخ
والتدخل
الخارجي
المباشر وليس
فقط عبر تدفق
السلاح
والأموال، لأن
سوريا، كما
يقول المغفور
له صائب سلام
في المقابلة
التي أجراها
مع تلفزيون
"ال بي سي"،
كانت تدفع
بكميات كبيرة
من السلاح
والأموال
تقاسمها
يومها،
مع المغفور
لهما كمال
جنبلاط ورشيد
كرامي.
ولكن عندما
حسمت
الولايات
المتحدة
موقفها تغير
الوضع وعادت
الأمور
لتستقر،
ولكننا نتذكر
العميد ريمون
اده يوم كان
وزيرا للدفاع
في نهاية 1958 حيث
أمر بقصف
الثوار
بالطيران في
البقاع
الشرقي عندما
تعرضوا للجيش.
فهل أن ريمون إده
وزير الدفاع
في 1958 كان أكثر
صلابة من
سليمان فرنجية
رئيس
الجمهورية في
1976 أم أن الظروف
الدولية
والإقليمية
لم تكن مؤاتية
زمن فرنجية؟
لن
نخوض هنا في
كل الظروف
والتحركات
على الساحة
الدولية حيث
كانت
الولايات
المتحدة قد توصلت
إلى اتفاق
لسحب قواتها
من فيتنام بعد
حرب ضروس دامت
سنوات طويلة
تكبد بها
الجيش الأميركي
خسائر كبرى، وقد
كان الاتحاد
السوفياتي
والكتلة
الشرقية في
أوج نصرهم على
أكبر قوة تمثل
العالم الحر، وقد
أخرجها
الشيوعيون
الحفاة من كل
جنوب شرق آسيا
بدون أن يخسر
السوفيات
جنديا واحدا،
وكانت رواسب
حرب تشرين بين
مصر وإسرائيل
من جهة،
وسوريا
وإسرائيل من
جهة ثانية،
والتوصل إلى
عملية فصل
القوات في
سيناء والجولان، وما
رافقهما من
مفاوضات عبر
الأميركيين،
وانفتاح
هؤلاء، كما
يقول البعض،
على السوريين،
وبراغماتية
كيسنجر وزير
خارجية
أميركا وصاحب
الرحلات
المكوكية، و"إعجابه" بالأسد.
كل ذلك كان
يؤثر في
المناخ
السياسي العام، في
وقت وقف لبنان، بشخص
الرئيس
فرنجية ذاته
في الأمم
المتحدة، ليدافع عن
القضية
الفلسطينية،
بالرغم من عدم
رضى
الأميركيين
على هذا
التصرف،
وبدون ثمن مقابل
من العرب.
فكان أن خسر
لبنان الدعم
الأميركي دون
أن يربح الولاء
العربي له
ولقضاياه، أو
أقله اعتراف
الفلسطينيين
بسلطة الدولة
اللبنانية
واعتراف
السوريين
باستقلال
وسيادة لبنان
ومساندة
العرب للدولة
بدل تقويتهم للخارجين
عليها.
وفي
الجنوب ساحة
الصراع
المستمر يصبح
الخطيب،
بواسطة
السوريين
والفلسطينيين
وأموال القذافي
التي تغدق
بدون حساب،
واجهة الموقف.
وتسقط الثكنات
الواحدة تلو
الأخرى بأيدي
قوات عرفات
وجماعة
الصاعقة
السورية. وفي
مرجعيون يقتل
بعض العسكريين
الذين لم
يقبلوا
بالاستسلام
لقوات الخطيب
الذي أطلق
عليها اسم
"جيش لبنان
العربي"
ويهرب البقية
مع بعض القطع
الحربية إلى قرية
القليعة
المجاورة
فيحتمون فيها
ويساندهم الأهالي
فيخرجون عن
طاعة الخطيب
وجماعاته،
ولكنهم
ينقطعون عن
الدولة
والوطن
وينحشرون في
قرى القليعة
وبرج الملوك
وموقع تل
النحاس العسكري.
وبسقوط
الثكنات
الواحدة تلو
الأخرى في
الجنوب يحاول
بعض الضباط
القيام بحركة
عسكرية لقلب
الأمور
والقبض
بصلابة على
الوضع،
فيعلن العميد
الركن عزيز
الأحدب
المعروف بوطنيته
وولائه للجيش؛
البيان رقم
واحد ويطلب من
كل الوحدات
الالتفاف حول
المجلس
العسكري الذي
يشكله، ولكنه
يطالب
باستقالة
رئيس
الجمهورية
فيرفض المسيحيون
تلك الخطوة
على أنها
ستصبح سابقة
لسلسلة من
الحركات
العسكرية
الغير معروفة
المصير والتي
قد تسير
بالبلاد نحو
أوضاع أشد خطورة
لتصبح كما حال
سوريا
والعراق في
الستينات؛ تنام
على انقلاب
وتصحو على
آخر. وهنا
يساند قائد
ثكنة
الفياضية
العقيد
انطوان بركات
رئيس
الجمهورية،
فتتعطل حركة
الأحدب الذي
لم يكن يهدف
إلى زيادة
التقسيم بل
إلى اللحمة
بشخص ضابط
مسلم يؤكد على
وحدة الجيش
والبلاد، ويضرب
الخارجين على
الصف،
ويعيد
السيطرة على
الفلسطينيين
كونه يأمل بتفهم
المسلمين
ومساندتهم له
مع وقوف
المسيحيين
الطبيعي مع
الجيش. ولكن
المسلمين لم
يعلنوا تأييد
الحركة، بينما رفض
المسيحيون
المس بمركز
رئيس
الجمهورية، ما
جعل الضباط
الذين وقفوا
بجانب الأحدب
يحجمون عن
المضي
بالحركة
فتموت في
مهدها.
وبعد
محاولة
الأحدب يزيد
انضمام
الوحدات المعزولة
عن القيادة
إلى صف الخطيب
بينما تنشأ حركة
الضباط
الأحرار
بقيادة بول
فارس ولكنها
لا تستقطب
ولاء الثكنات
ولا الشارع
المسيحي لأن
الأحزاب
المسيحية
كانت قد نزلت
إلى الشارع
بكثافة لتحمي
الأحياء. ولما
لم تستطع هذه
أن تحصل على
مصدر خارجي
للسلاح رأت
بالجيش الذي
بدأ بالتشرزم،
المصدر
الوحيد
للسلاح فسقطت
بعض الثكنات في
المناطق
الشرقية بيد
ميليشيات
الأحزاب
المسيحية كما
كانت تسقط
ثكنات
المناطق الغربية
بيد
الفلسطينيين
وجماعة
الخطيب والأحزاب
اليسارية.
في
هذا الجو من
الفوضى حيث لم
يعد هناك مرجع
يثق به
العسكريون، بدأ
كل واحد يلتحق
بجماعته حيث
يسكن،
وكان عسكريي
القرى
الحدودية كما
جماعة قرى عكار
قد التحقوا
بقراهم
بوسائلهم
الخاصة وبدون
سلاح،
فهناك تسكن
عائلاتهم
وأولادهم
المحتاجين للحماية
ولقمة العيش
وقد قطعت
رواتبهم ولا
من دولة تحمي
العائلات
فكيف يستطيع
هؤلاء العسكريين
أن يبقوا في
ثكنات تسقط
الواحدة تلو
الأخرى في
أيدي
الفلسطينيين
وأحزابهم من
جهة أو
الأحزاب
المسيحية من
جهة أخرى وهم
لا من معيل أو
حام لأولادهم وعيالهم
ولا ما
يأكلون.
وهكذا
وصل إلى
المنطقة
الحدودية
عشرات العسكريين
من أبناء
القرى وقد
التحق بعض من
لم يستطع
الوصول إلى
قريته من
أبناء عكار
مثلا في قرى
جنوبية ومن
أبناء الجنوب
في قرى مسيحية
في مناطق
أخرى.
بعد
سيطرة الخطيب
وجماعته على
ثكنات مناطق
الجنوب
وتعيين
الرائد
البوتاري
قائدا لمنطقة
الجنوب في جيش
الخطيب وسقوط
ثكنات طرابلس
وعكار وتعيين
الرائد
المعماري
قائدا لهذه
القوات في
الشمال، انسحبت
مجموعة من
القوات
التابعة
لقيادة البقاع
بقيادة
الرائد طحان
إلى زحلة بينما
توجه الرائد
شاهين الذي
كان انسحب مع
عناصره
وآلياته من
معتصم البياضة
على الطريق
الحدودي إلى
راشيا
دون أن يلتحق
فعليا
بمجموعة
الخطيب، توجه
إلى أبلح
للسيطرة على
مركز قيادة
البقاع التي
كان يقودها
العميد
أنطوان لحد
ويساعده العقيد
ابراهيم طنوس. وكان
لحد قد خيّر من قبل
القيادة
لتقدير
الموقف
والعمل بما يراه
مناسبا،
وكانت ألوية
جيش التحرير الفلسطيني (القادسية،
عين جالوت،
اليرموك، حطين...)
المتواجدة في
كل بلاد العرب
من الأردن إلى
العراق إلى
مصر وسوريا، قد
دفع بها عبر
الحدود
السورية نحو
البقاع لتدخل
لبنان
لمساندة قوات
عرفات،
ثم لحقت بها
وحدات من
الجيش السوري
النظامي، وليس فقط من
الصاعقة، وتمركزت في
بعض أنحاء
البقاع، فما
كان للعميد
لحد من خيار
إلا أن يتفاهم
مع شاهين على
حماية أرواح
عناصر الجيش
غير المسلمين
وحماية القرى
المسيحية في
المنطقة
ويسلمه
قيادتها ويلتحق
بالقيادة في
اليرزة. وبنفس
الطريقة تم
تسليم ثكنة المغاوير
في حمانا لأحد
الضباط
الدروز على أن
تتأمن حياة
العسكريين
المسيحيين
ويسمح لهم بالوصول
بدون سلاح إلى
مناطق مسيحية.
كل
هذه الأحداث
التي أدت إلى
تسلم
الفلسطينيين
الفعلي لما
يحيط بما سمي
فيما بعد
بالمناطق
الشرقية، تم خلال
آذار 1976 وهكذا
حشر
المسيحيون
الأحرار في
منطقة مغلقة
لا اتصال لهم
بالخارج إلا
عبر البحر
الذي لم يكن
أحد يعتمده
للسفر ذهابا
أو إيابا، وقد نصبت
المدافع
وراجمات
الصواريخ
وتوزع "الأخوة"
المدججون
بالأسلحة
الثقيلة
واللحى
والكوفيات
وكل الأعلام
ما عدا العلم
اللبناني
الذي بقى
مرتفعا ولو
بخجل فوق أحياء
من بيروت
الشرقية وبعض
الجبل وقسما
من الشمال.
وقد بدأ
المتطوعون
والمرتزقة
بالوصول إلى
كل المناطق
حيث سيطر
الفلسطينيون،
من ليبيين
وصوماليين
وسودانيين
وغيرهم، وقد استقدم
عرفات بعض
المرتزقة من
دول أوروبية
منهم قناصة
فرنسيين، ولا
تزال
المقابلة
التي أجرتها
مجلة باري
ماتش مع أحدهم
شاهدا
حيا حيث
تكلم
هذا عن
مهمته في قتل
كل من يستطيع
في الناحية
الشرقية وأن
ما كان يدفع
له ليس مبلغا
مقطوعا بل على
الرأس أي كلما
قتل واحدا
يحسب له مبلغا
معينا من
المال،
وذلك لزيادة
عدد القتلى
ومنع التواصل
بين بيروت
الشرقية
والغربية. ولم
تفد صداقة بيت
الأسد
التاريخية
للرئيس فرنجية
في وقف سوريا
لهذه الهجمات
ولا لمنع تدفق
السلاح
والقوات عبر
الحدود ولا
لاحترام سيادة
البلد أو حقه
في الحياة،
فقد كانت دمشق
تنفذ حلما
قديما ساور
والي الشام
أيام فخر الدين
الذي كان
أوقفه في
معركة عنجر
الشهيرة، وقد
يكون
اختيارهم
لعنجر مكان
إقامة "رئيس
جهاز الأمن
والوقاية
السوري" الذي يتحكم
بالبلد حتى
اليوم يرمز
إلى الانتقام
من
اللبنانيين
لتلك
الواقعة، أو
أنها كانت ترد
"الرجل" ربما
لبشير الثاني
الذي كان دخل
الشام على رأس
قواته زمن
ابراهيم باشا
المصري.
وقد
صمت العرب
أجمعين
على هذه
الأحداث لا بل
أيدوها
ودفعوا بالسلاح
والعتاد إلى
لبنان ليسقط
هذا البلد
المميز، وقد
يكون قرار
مؤتمر لاهور
في 1973، الذي
أوصى بضرورة
العمل لحكم
المسلمين فقط
لبلاد الإسلام
قبل نهاية
القرن، أحد
الدوافع
الأساسية
للتغاضي
عن هذا الهجوم
وجعل عرفات
ورجاله
يسيطرون عليه.
أما من جهة
الغرب فقد
تكون
الولايات
المتحدة أيدت
تنامي
الأصولية
الإسلامية
لتشكل الحاجز
في وجه
الشيوعية
فترد الكيل
للسوفيات وتذيقهم
طعم المرارة
التي ذاقتها
في فيتنام، ويكون
هذا التطرف
الإسلامي الذي
سنراه يعظم في
قتال
السوفيات في
أفغانستان،
المقدمة
لسقوط
الشيوعية
الدولية. ولكن
هل يكون عدم
الاستقرار
الذي تغاضى
الجميع عنه في
الشرق الأوسط
وبالذات في
لبنان،
هو الحل
لمشاكل الغرب
والعالم
الحر؟ أم مفتاحا
جديدا للحرب
العالمية
الثالثة التي
يقودها
الحفاة المتعصبين
يدفعهم تطرف
أعمى يجعلهم
قنابل موقوتة
في قلب
المجتمعات
المتطورة لا
يمكن إيقافها
بالسهولة
التي اعتقدها
منظرو واشنطن
مما سوف
يضطرهم إلى
خوض حروب أشد
ضراوة لا تنفع
فيها الأسلحة
المتطورة
وقوة الصدم
والصواريخ،
وتصبح
المجتمعات
التي تعيش
بهدوء
وطمأنينة مدعوة
إلى تذوق
الطعم نفسه
الذي يتذوقه
اللبنانيون؟...

الحلقة
السادسة
بعد
سيطرة
الفلسطينيين
وما سمي
بالأحزاب والقوى
اليسارية
التي كان جيش
الخطيب أحد
أجنحتها بدأت
عملية
الانقضاض على
المناطق
المسيحية
التي خرجت عن
السيطرة
وتحصن شبابها
بالأبنية
وأكياس الرمل
يدافعون
بأسلحة الصيد
وما تيسر من
العتاد
العسكري الذي
كان البعض قد
اشتراه قبل
نشوب الحرب أو
استعير من مخازن
الجيش في
المناطق
الشرقية
المحاصرة. وقد
بدأ الهجوم
على كل
الجبهات فمن
الشمال انطلق
هجوم باتجاه
شكا التي صمدت
وأوقفت
المهاجمين على
مداخلها. وفي
منطقة عاليه
بدأ الهجوم
باتجاه
الكحالة
فأوقف أيضا
على ارتفاع
غاليري خيرالله.
أما في المتن
الشمالي فقد
وصل المهاجمون
حتى مرتفعات
الزعرور
وأغلقت طريق
ترشيش- زحلة.
وفي بيروت،
وبينما سيطر
الفلسطينيون وأعوانهم
على كل
الأحياء
الغربية،
بقيت مناطق
وسط بيروت حتى
الفنادق
بأيدي
المليشيات المسيحية
بينما صمدت
عين الرمانة
وسن الفيل والدكوانة
والأشرفية
والحدث
وكفرشيما،
وكانت مخيمات
تل الزعتر
والبوشرية
ومناطق
الكرنتينا
والنبعة تشكل
حواجز تمنع
التواصل بين
الجبل
والمناطق
المسيحية في
العاصمة.
وفي الجنوب
قرر
الفلسطينيون
الذين كانوا
يرون منذ
البدء أن طريق
القدس تمر من
جونيه،
بأن السيطرة
على لبنان أهم
بكثير من
الحرب مع
إسرائيل، فتعهد
الخطيب
للإسرائيليين
بالتزام
الهدنة وعدم
المس بالحدود.
ويبدأ
الفلسطينيون
وأعوانهم
بمحاولة السيطرة
على القرى
التي لم تكن
قد خضعت لهم
بعد وخاصة تلك
التي تسلح بعض
أبنائها
كأنصار للجيش.
وتبدأ عملية
الضغط بقطع
المياه والبنزين
والتموين عن
هذه القرى،
فيصبح الطحين بضاعة
نادرة،
والبنزين
وسيلة
ابتزاز، وحيث لم
تنفع هذه
الضغوط يرسل
الفلسطينيون
من يختطف
مواطنين
ويقتلهم
كإشارة
لأبناء هذه
القرى بأن هذا
هو المصير إذا
لم يعترفوا
بسلطتهم وينضموا
إلى مؤيديهم.
فيختطف
فلاحان من عين
إبل ويقتلان
في خراج
البلدة،
ويختطف معلم
مدرسة وسائق
من دبل
ويقتلان
أيضا، كما
يختطف أحد أبناء
علما وأحد
أبناء رميش، ويقتل
سائق مستشرس
أربعة شباب
كانوا يتمشون
بجانب الطريق
في مرجعيون
ويقال بأنهم
كتائبيين
بينما ينتسب
القاتل إلى
أحد الأحزاب
اليسارية
ولذا فهو لا
يلقى إي عقاب.
ثم يعرض
الفلسطينيون
خدماتهم، فهم
"يقتلون القتيل
ويمشون
بجنازته" كما
يقول المثل،
ويدعون أن هذه
الاعتداءات
هي صنيعة
"العدو الصهيوني"
وعملائه، و
يطلبون من
القرى إنشاء
لجان تنسيق
يشرف عليها
عزمي وبلال
وصخر. وبغياب الجيش
اللبناني
الذي كان دوما
رمزا للسلطة
والاستقرار
يخضع الأهالي
لمطالب الفلسطينيين
وينشئون لجان
التنسيق.
ويطالب جيش الخطيب
بجمع أسلحة
الأنصار.
ويزيد عدد
العسكريين
الذين وصلوا
إلى قرى رميش
ودبل وعين إبل
وعلما الشعب
في هذه الفترة
على المئتين
بينهم بعض
الضباط،
ولكنهم يصلون
كلهم بدون
سلاح. ولم يكن
في القرى سوى
سلاح الأنصار
وبعض القطع الفردية
وأسلحة الصيد.
في هذه
المرحلة تعرف
القرى
الحدودية
القهر شيئا
فشيئا ويبدأ
مسلسل التعديات
الفردية
كسرقة
السيارات من
أمام البيوت، وإذا
ما طالب
المالك بحقه
فهو الذي
يتعرض للسؤال
والتوقيف،
فجماعات
الثورة
والأحزاب
معصومة ولها
الحق في كل
شيء. ويخال
الفلسطينيون
وأعوانهم
أنهم قد طوعوا
هؤلاء السكان
وسيطروا على
الموقف. ويبدأ
التململ داخل
القرى فلم
يعتد هؤلاء
اللبنانيون
على الذل ولكن
أين العون ومن
أين يأتي
الفرج؟ وعن
هذه المرحلة المظلمة
من تاريخ
المنطقة يقول
الشاعر الجنوبي:
صدق القوم
أننا قـد
فقـدنـا عـزة
النفـس
وانتهى
الخـيلاء
وتركنـا
قطيعنـا ودخلـنـا فـي
قطـيـع
ذئـابه شمطـاء
وغفلنا عن
أنـنا رهـن أسـر
قد
نضحى كما تضحـى الشـاء
ونسينا كم
قرية لـم
تحـارب
أحرقوهـا
ففـاح منهـا
الشـواء
إن قتلتم
جماعتـي
فاقتلونـي فغنائي
في غـير سـربي
بكـاء
أما
في القليعة
حيث حشر
العسكريون
الهاربون من
ثكنة مرجعيون
فقد أقيمت
التحصينات
لمنع أي
اعتداء على
البلدة دون
قطع الطريق
التي تمر عند
مدخلها لتصل
مرجعيون
بمنطقة
النبطية. وفي
كفركلا حيث
تتواجد
مجموعة من
الأنصار
التابعين
للجيش حسم
هؤلاء الموقف
وتعاونوا مع
المجموعة
العسكرية
التي تتمركز
في مرتفع تل
النحاس وما
لبثت دير
ميماس أن
تعاونت مع
هؤلاء أيضا
لتصبح القرى
الواقعة بين
القليعة
وكفركلا تشكل
منطقة واحدة
مقطوع
الاتصال
بينها وبين سائر
المناطق
اللبنانية.
ويقوم
الفلسطينيون وجماعة
الخطيب بقطع
الماء عن هذه
المنطقة أيضا
ويتوقف وصول
التموين،
وعندما تضطر
إحدى النساء
من بلدة
كفركلا
للولادة، لم
يكن هناك إلا
شريط الحدود
الذي يمر
بمحازاة
الطريق اللبناني،
فيساعدها
طبيب من الجيش
الإسرائيلي لتلد
طفلة تدعوها
"فاطمة"
ويشكر
الأهالي
هؤلاء "الجيران"
الجدد الذين
يفتحون بوابة
عبر هذا الجدار
المغلق منذ 1948
ويطلقون
عليها
إسم
"بوابة
فاطمة"
وينصبون خيمة
يتواجد فيها
طبيب ويسمحون
لكل جريح أو
مريض
بالاستفادة
من خدماتها.
كانت
هذه العملية
الإنسانية
البسيطة مدخلا
لأفق جديد فتح
أمام
المسؤولين
العسكريين في
المجموعة
التي كانت
تتمركز في هذه
المنطقة المعزولة.
وقد جرى بعدها
الحديث عن
تطبيب الجنود
إذا ما جرحوا
في القتال، ثم
عن إمكانية التزود
بالمياه، فأبناء
القليعة
كانوا يضطرون
للذهاب ليلا لتعبئة
المياه من
الينابيع
الواقعة شرق
البلدة في
السهل لأن
الخيام كانت
تتبع لوحدات
الخطيب وتمنع
أي من أبناء
البلدة من التوجه
إلى السهل أو
الينابيع
هناك.
وفي بيروت
تقوم القيادة
بإنشاء
تجمعات عسكرية
حيث يتواجد
عسكريون لم
يلتحقوا
بالخطيب ولا
تمكنوا من
الاتصال
المباشر
بالقيادة فيجري
إنشاء تجمع
لعسكريي عكار
في القبيات
كما ينشأ تجمع
لعسكريي زحلة
وآخر لعسكريي
جزين ثم تجمع
لعسكريي
القليعة في
الجنوب وينشأ
في بيروت الشرقية
"جيش لبنان"
بقيادة
الرائد مالك
ويشارك عسكريو
هذا الجيش
المليشيات
المسيحية في
الدفاع عن
الشرقية.
وفي بيروت
الشرقية تشح
مصادر الذخيرة
ويحاول بعض
التجار
المسيحيين
شراء أسلحة
وذخائر من
السوق
العالمية
ولكنهم يفاجأون
بنوع من الحظر
على السلاح
إلى لبنان، فقد
منعت الدول
الغربية بيع
السلاح إلى
لبنان كما
كانت كل
مجموعة الدول
الشرقية تمنع
بيع السلاح
الشرقي إلا
لجماعتها، أي
الأحزاب اليسارية
والفلسطينيين.
وهكذا يجد
المسيحيون أن
الاستمرار في
المعركة أصبح
صعبا جدا.
ويحاول الأمريكيون
إفهام
المسيحيين أن
لا مجال
للمساعدة إلا
على الرحيل،
وأن بعض قطع
الأسطول
جاهزة لهذه
الغاية. ويكون
جواب الجبهة
اللبنانية كلام
الرئيس شمعون
الشهير
للسفير دين
براون أننا
"سنبقى هنا
كما بقي
أجدادنا وإن
اضطررنا سنطحن
الصخر لنأكل
ولكننا لن
نستسلم ولن
نرحل". وهذا ما
أشار إليه
الشاعر
الجنوبي فيما
بعد بالأبيات
التالية:
هذه
الأرض أرضنا
فالروابــي بدمـانـا
تعمـدت
والتـلال
كانت
الصخر يابس
اللب صلبـا فاذابـتـه
هـمـة
واحتمـال
كـم
ذبحنـا
لأجلهـا
وبقيـنـا داخل
القبر عظمنـا شـيـال
وفي
عكار يهاجم
الفلسطينيون
بالاشتراك مع
كل الأحزاب
اليسارية
وجيش الخطيب
القوى المتمركزة
في القبيات
وعندقت ويصمد
العسكريون والأهالي
في الدفاع عن
هذه المنطقة
التي تعزل
أيضا عن كل
لبنان.
في
هذه الأثناء
يزيد الضغط
على
المسيحيين في الجنوب
وتقوم قوات
الخطيب
والفلسطينيين
بمهاجمة
القليعة
فيصمد
العسكريون
والأهالي ويتوقف
الهجوم بعد أن
يتكبد
المهاجمون
خسائر كبيرة.
وينقل بعض
جرحى القليعة
إلى الشريط للمعالجة،
كما ينقل
بعضهم إلى
مستشفى صفد
داخل إسرائيل.
وعندما يحاول
جماعة الخطيب
الضغط مجددا
في رميش
لتسليم أسلحة
الأنصار،
يسارع
الأهالي، الذين
رأوا ما جرى
في القليعة،
إلى الجدار الحدودي
علهم يجدون
مساندة ما.
وهكذا يفتح
الجيش
الإسرائيلي
بوابة ثانية
في وادي كفر
برعم حيث تنصب
خيمة للطبابة
ويمد قسطل
لمياه الشرب يسمح
للأهالي
باستعماله
ونقل الماء
إلى البلدة
بوسائلهم
الخاصة. وتملأ
سماء رميش
ليلا القنابل
المضيئة
فتعطي معنوية
للرجال الرابضين
حول القرية
لحمايتها
ويكبر الأمل
فيحجم جماعة
الخطيب عن
مهاجمة
القرية أو حتى
التجرؤ على
زيارتها.
وتصل
أخبار ما يجري
في الجنوب إلى
بيروت ويرى القادة
المسيحيون أن
إسرائيل قد
تكون مصدرا مهما
للسلاح، وينطلق أحد
الزوارق ليلا
باتجاه
الجنوب وتقبض
البحرية
الإسرائيلية
على ركابه
ويوقفون مدة
قبل أن يتفاوض
معهم بعض
الضباط حول
موضوع السلاح.
وفي النهاية يتم
الاتفاق على
بيع بعض
الذخائر
والأسلحة.
ويبدأ
الفلسطينيون
وأعوانهم
هجوما جديدا على
كل الجبهات
فتسقط منطقة
الفنادق في
بيروت ويصل
المهاجمون
إلى ارتفاع
الميناء. وفي
المتن تسقط
بولونيا
والمروج
وتهدد بكفيا.
وينظم عدد من
الهجومات على
الكحالة
وعاريا من جهة، وعلى
بسابا
والشويفات من
جهة أخرى، ولكنها
تبوء بالفشل.
ويقوم هجوم من
حمانا باتجاه
بيت مري
للوصول إلى تل
الزعتر ويوقف
المهاجمون
عند المونتي
فاردي. وتسقط
شكا في هجوم
للقوات
المشتركة (وهو
الاسم الذي
سيطلق على
مجموعة
اليساريين والفلسطينيين
وجماعة
الخطيب وكل
المرتزقة
الذين
يحاربون في
صفوفهم)
وتدخلها هذه
القوات
وترتكب
الفظائع
بالمدافعين
ومن بقي من السكان.
ويعتقد
السوريون
والفلسطينيون
وكل المعزوفة
المعادية بأن
المسيحيين قد
خسروا الحرب
وسوف تتم
قريبا السيطرة على
كل لبنان.
ولكن
بعد وصول
السلاح
الإسرائيلي
تتغير المعنويات
وتصمد
الجبهات أكثر
فأكثر. وها هي
القوى المسيحية
من كل
المجموعات
تتعاون سوية
للمرة الأولى
للمشاركة
بهجوم مضاد
لاستعادة شكا.
ويتجمع
المسيحيون من
الجبل وبيروت
وينزل أهالي القرى
الشمالية من
منطقة زغرتا
وبشري وجرود البترون
وجبيل فتكون
إحدى المواقع
التي دبت الرعب
في صفوف الطرف
الآخر. وعن
هذه المرحلة
يقول شاعر
الجنوب:
جمعـتـم
الشـر من شتـى
منابـتـه لدحر
لبنان أو تقطيـع ما
وصـل
فكان للحرب
أغبـرة
ومـا
انقشـعـت حتى
رأينا لـواء
الشـر منخـذل
فـكـم
شـهـيـد
لـنـا للحق
رايتـه
وكم
قتيـل لكـم
للباطـل
اعتمـل
لا تجمـع الحـق
والبطـلان منـزلـة شتان
ما بين من أحيـا ومن
قتـل
عندما
يرى الرئيس
الأسد هذه
الضراوة في
القتال وهذا
التصميم على
البقاء
مسنودا بمصدر
إقليمي
للسلاح
والذخيرة،
يعرف بأن ذلك
سوف يغير
المعادلات
ويقلب
الموازين، فيرتعب.
وتصبح كل
ألاعيبه
وسياسة الضغط
التي فرضها
على
المسيحيين
غير مجدية،
لأنه، وحتى
بغياب الجيش
والمساندة
الدولية وتحييد
الغرب الذي
كان دوما
الداعم
للبنان المستقل،
ها هم هؤلاء
المسيحيون
يجدون منفذا يدخلون
منه إلى لعبة
إقليمية كان
يريد وحده أن
يديرها،
فبقاءهم
أحرار
وتمكنهم من
الصمود سيغير
طبعا كل المعادلات.
وتكون
النتيجة أن
ينقلب الأسد
على حلفائه
ويلقي ذلك
الخطاب
الشهير في
جامعة دمشق حيث
يعترف بالدور
السوري
المباشر في
الأحداث
اللبنانية،
وبدخول قواته
إلى الأراضي
اللبنانية
بدون "إذن من
أحد" وذلك،
كما يقول، "لحماية
الثورة
الفلسطينية"،
ثم يتابع بأنه
اكتشف "أن
عرفات يريد
حكم لبنان"،
وأن جنبلاط "يريد
الأنتقام من
المسيحيين"
ما لا ترضاه
سوريا. ولكنه،
وفي نفس
الخطاب، يضع
الإصبع على ما
يخيفه بالفعل
إذ يقول
"دخلنا لنمنع
قيام دولة
المقهورين"
وهذه هي
النقطة
الأساسية
بسياسة الأسد
خاصة وحزب
البعث بشكل
عام،
وهي الخوف من
أن يقيم
المسيحيون
دولة لهم تكون
إسرائيل
ثانية،
قوية وقادرة
ولا يؤثر على
قرارها أحد
وتتعاون مع
الدولة
العبرية،
وهي، كما قبرص
اليونانية
ستكون قادرة
على
الاستمرار،
لا بل ستصبح مركزا
مهما ينال
شيئا فشيئا
دعم مسيحيي
الانتشار، ثم
دول الغرب،
وفي النهاية
سيتمكن من
العودة للعب
دور أقوى في
سياسة
المنطقة المتداعية
والتي تتحكم
فيها
الخلافات
والتخلف،
ويسقط إلى
الأبد حلم
البعث القديم
باحتلال
لبنان،
فطالما بقي
جزء حر منه
يعني أن سياسة
الابتلاع
والهضم لن
تنجح.
ويلهث الأسد
صوب الرئيس
فرنجية
ويذكره
بالعلاقات
العائلية ويمنع
مهاجمة
زغرتا، ويوقف
الهجوم على
القبيات
وعندقت شرط
التنسيق
معهم، ويوجه
كل من يستطيع
نحو قادة
المسيحيين،
فيصبح
بقرادوني حلقة
الوصل مع
الشيخ بيار،
ويرسل الرسل
إلى الرئيس
شمعون،
ويفرض، حيث
استطاع، وقفا
للقتال، ويبدأ
جماعة
الصاعقة
بتوزيع
السلاح على
المناهضين
للفلسطينيين،
ويبرز
مجموعة شاهين
في البقاع المختلفة
عن الخطيب
ويسميها
"طلائع جيش
لبنان العربي"،
ويشيّع
بأن الخطيب
لعبة
القذافي، ثم
يلهث صوب السعودية
التي تكلف
السفير
الشاعر بلعب
الدور الرئيسي
في تلافي
زيادة الاتصال
بين
المسيحيين
وإسرائيل،
فكل شيء يصبح
مقبولا ما عدا
أن يعلن نوع
من التعاون مع
إسرائيل.
ويذهب الرئيس
الأسد أكثر من
ذلك فيطلب من
الولايات
المتحدة،
وخاصة وزير
خارجيتها،
المعجب به،
كيسينجر،
التوسط مع
إسرائيل
والتفاهم حول
ما تريد وحول
الخطوط الحمر.
ويطلب من
الملك حسين أن
يقوم بمفاوضة
سرية بينه
وبين إسرائيل
يطلق فيها
يدها في
الجولان
مقابل إطلاق
يده في لبنان
(من كتاب
الجنرال لحد
"في قلب العاصفة").
وتلعب
السعودية
الدور الأكبر
في طمأنة
المسيحيين
ومنع الكلام
على تفاهم مع
إسرائيل،
وتدفع
باللوبي الذي
يخدمها في
الولايات
المتحدة
للضغط على
الإدارة
الأميركية كي
تمنع "تقسيم
لبنان"،
ويصبح
التشديد الجديد
في السياسة
العربية هو
منع التقسيم
والمطالبة
بدولة موحدة.
وتقوم
الجامعة
العربية بالدعوة
إلى مؤتمر
قمة.
في هذا الوقت
يقوم
المسيحيون
بتصفية
مقاومة الفلسطينيين
في تل الزعتر
ووصل بيروت
بالجبل،
بمباركة
سوريا، وذلك
لإعطائهم
مزيدا من
الثقة في أن
الأمور سوف
تكون أكثر
استقرارا إذا
ما تم التنسيق
معهم والقبول
بدورهم في ضبط
الفلسطينيين
والشارع
المسلم. ويقر
مؤتمر القمة
العربية
تكليف القوات
السورية
بالعمل على
إعادة الهدوء
إلى لبنان وإنشاء
قوة ردع عربية
يشكل
السوريون
ثلثي عديدها بينما
تشارك بها
وحدات من
السعودية
والإمارات
وبعض الدول
العربية
الأخرى.
وفي الجنوب
ينشأ تجمع آخر
لعسكريي
المنطقة الغربية
يدعى تجمع
رميش العسكري
تشكله القيادة
ويوقعه
العقيد أميل
لحود رئيس
شعبة العمليات
في الجيش، يومها،
ويعين الرائد
سعد حداد
قائدا
لتجمعات الجنوب
وهو ابن
مرجعيون الذي
كان قد نال
وساما لقتاله
العنيد ضد
الإسرائيليين
في سوق الخان. ويشترط
حداد احتلال
ثكنة مرجعيون
لتكون مقر قيادته.
فتأمر قيادة
الجيش تجمع
القليعة باحتلال
ثكنة
مرجعيون،
وتقوم فرقة من
المشاة بالتسلل
إلى الثكنة
واحتلالها
ويهرب
المدافعون
عنها بعد سقوط
بعض القتلى.
وفي عين إبل
يحاول
الفلسطينيون
احتلال
البلدة
بعملية صاعقة لشل
مقاومة
السكان
البدائية
وقطع الطريق
على توسع
عملية
التنسيق مع
إسرائيل،
ولكنها تفشل
بعد سقوط قائد
العملية
وأربعة من
مرافقيه داخل البلدة
وذلك قبل وصول
المجموعات
المساندة له،
وتصبح البلدة
كلها في حالة
تأهب، وينتشر
شبابها على
المداخل لمنع
أي اعتداء،
بينما تبدأ
عملية
التنسيق بين
القرى
وعسكريي
التجمع لحماية
المنطقة من أي
اعتداء جديد.
وهكذا يصبح في
الجنوب
مركزين
خارجين عن
سلطة
الفلسطينيين
وأعوانهم
واحد في الشرق
ويضم مرجعيون
والقليعة
وبرج الملوك
حتى كفركلا
ودير ميماس،
وآخر في الغرب
ويضم عين إبل
ودبل ورميش
وعلما الشعب.
ويصل
السوريون إلى
منطقة جزين
ويدخلون بعدها
مدينة صيدا
بالرغم من
معارضة
الفلسطينيين فيقاومهم
هؤلاء
بمساندة
جماعة مصطفى
سعد ويوقعون
خسائر
بقواتهم
ولكنهم
يسيطرون على
الوضع في
نهاية الأمر
ويتم التفاهم
معهم حول حدود
السيطرة وطرق
التعاون.
ويقوم جيش
الخطيب
بالاشتراك مع
كل المجموعة الفلسطينية
في الجنوب
بهجوم على
قرية العيشية
الجنوبية
المعزولة في
جبل الريحان
والتي صمدت
حتى حينه بدون
معارك تذكر
كونها لم تقع
على محور
رئيسي لتحركات
هؤلاء وقد
بعدت
المسافات
بينها وبين
القرى المحيطة
الأخرى، وكان
سكانها
المهتمين بأرضهم
والعاملين
بجهد وكد
للاستمرار في
العيش الكريم
ككل سكان
القرى
اللبنانية، قد
حافظوا على
الجيرة
الحسنة وعدم
التدخل بشؤون
الغير،
ولكن بنفس
الوقت كانت
لهم الشجاعة
الكافية وبعد
النظر لمنع
تدخل الآخرين، لا
سيما الأحزاب
والمنظمات
بشؤونهم. ومن
هنا،
وبالرغم من
تغيير الأمور
حولهم إلا
أنهم حافظوا
على وجودهم
حتى ذلك اليوم
الذي قرر فيه
جماعة الخطيب
وزمر عرفات أن
يقتلعوهم من
بيوتهم
فدخلوا عليهم كالجراد
من كل صوب، ولكن شباب
البلدة
ورجالها
صمدوا ومنعوا
دخول
المهاجمين
طيلة النهار
علهم يحظون
بمساندة ما أو
عل المهاجمين
يعودون عن
غيهم، ولكن دون
جدوى،
فقد دخلت قوى
الشر القرية
وقتلت من بقي
فيها من العزل
داخل
الكنيسة، وقد
قتل في هذا
الهجوم أكثر
من أربعين شهيدا
مدنيا بين شاب
وكهل وشيخ
وطفل وفتاة.
الحلقة
السابعة
السلم
المؤقت
والحرب في
الجنوب
تسلم
الرئيس الياس
سركيس مقاليد
الحكم خلفا للرئيس
فرنجية في أيلول 1976، وقد كان
سركيس انتخب
من قبل مجلس
النواب في حزيران.
ومع تسلمه
بدأت تتبلور
سياسة عربية
(جديدة ؟) تجاه
لبنان، وكأن
مقولة الطرف
الآخر بضرورة
"إقصاء
الرئيس
فرنجية من
الحكم هي
الشرط الأساسي
لكل تغيير على
الأرض" قد جرى
العمل بها وتبنيها
من قبل الدول
العربية[2]،
التي اجتمعت
في مؤتمر قمة
تبعه أجواء من
التهدئة
سيطرت على
الساحة في
بيروت. وسرعان
ما توقف
القتال بعد أن
قررت الجامعة
نشر قوات
الردع
العربية. وقد
بدأت هذه
القوات التي
تألفت من
السوريين بشكل
رئيسي
بالتمركز في
أحياء
العاصمة،
بالرغم من
معارضة بعض
القوى
المسيحية
التي رأت بأن
دخول هؤلاء
إلى المناطق
الشرقية غير
مقبول على
الإطلاق،
وسوف يؤدي إلى
سيطرتهم
الدائمة على
البلد
وتحويله شيئا
فشيئا إلى
مقاطعة سورية.
وقد كان
انسحاب أبو
أرز من
الأشرفية
واعتصامه مع
عدد من أعوانه
ومقاتليه في
جرود العاقورة
موقفا بارزا
لمعارضة هذا
الوجود وهو
الذي كان أطلق
شعار معارضة
وجود كل
المسلحين الغرباء
على كافة
الأراضي
اللبنانية.
وصمت المدفع
حول بيروت،
فقد قبلت
الجبهة
اللبنانية
بالأمر
الواقع،
طالما أصبح
الغطاء عربيا
وليس سوريا
فقط، وقد طعمت
قوات الردع
العربية
بقوات من
الأردن
والسعودية
ودولة
الإمارات
وغيرها
وأصبحت
تأتمر، بحسب
الاتفاق،
بالدولة
اللبنانية.
وقد عين سامي
الخطيب، الذي
كان أحد ضباط
المكتب
الثاني الذين
تمت محاكمتهم
في بدء عهد
الرئيس
فرنجية،
قائدا لقوات
الردع العربية
بعد أن رقي
إلى رتبة عميد
ودون أن يتبع
لقيادة الجيش
بل إلى
الحكومة
مباشرة
(وتعيين الخطيب
الذي كان قد
التجأ إلى
سوريا بعد
محاكمته، لم
يجعل منه إلا
قائدا صوريا
تحت إمرة القائد
الفعلي
للقوات
السورية في
لبنان).
في هذه
الفترة فتحت
المعابر بين
شطري العاصمة
وعاد الناس
شيئا فشيئا
إلى أعمالهم
المدنية. ولكن
القوى
الفلسطينية
لم تحل، ولا
جمع سلاح
المخيمات،
ولم يفرض على
هؤلاء أي
تغيير، وقد
حاول
السوريون أن
يظهروا أن
المشكل بين
اللبنانيين،
وأنه لا يجب
أن يزج موضوع
"الثورة" في حل
المشكل
اللبناني،
ولا يجوز
تسليم سلاح هذه
الثورة التي
وجدت لمقاتلة
إسرائيل،
طالما لم تحل
المشكلة
الفلسطينية.
هنا بدأت تظهر
النوايا
السورية؛
فإذا كانت
سوريا وقوات
الردع لن تمس
بما يسمى
الثورة
الفلسطينية
وقواتها وهي
بالأساس سبب
الحرب
المباشر،
فهذا السلم ناقص
لا بل سوف لن
يكون أكثر من
هدنة مؤقتة، ومن
هنا كان لا بد
من زيادة
الاحتراز في
الجانب
المسيحي.
أما في
الجنوب فقد
تمكن الأهالي
وعناصر التجمعات
من تأمين
حماية القرى
التي تمركزوا
فيها وتحصنوا
للدفاع عنها خاصة
بعد ما شاهدوا
بأم العين ما
حدث في العيشية
التي لم تكن
تجهزت لهجوم
كالذي تعرضت
له لا بل كان
الأهالي
ينتظرون وصول
قوات الردع،
فقد كان
السوريون
يتمركزون في
جزين والتي لا
تبعد أكثر من
عشرين
كيلومترا
عنهم، وقد
حلموا بأن
الحرب قد
انتهت، ولم
يكن هناك مجال
لمساعدتهم من
منطقة
القليعة التي
يفصلها عنهم
وادي
الليطاني
وعدد من
المزارع.
وهكذا فقد
هجرت القرية
ليدخلها
السوريون
فيما بعد
ولكنهم لم يسعوا
أبدا لإعادة
أهاليها بل
جعلوها قاعدتهم
الأقرب
للحدود
الإسرائيلية
والأمثولة لأهل
الجنوب عن أن
الحرب لم تنته
وأنها لن
تنتهي قبل أن
يطأطئوا
رؤوسهم
ويرضخوا
لشروط السوريين.
وتتحمل القرى الحدودية في هذه المرحلة وحدها وزر حرب ضروس، لتصبح خارجة، ظاهريا، عن كل لبنان، وكأن من خطط للحرب لا يريد إنهاءها. وكما كان الجنوب منذ البدء شرارة الحرب التي أطاحت باستقرار لبنان، فالمطلوب أن يصبح، هذا الجنوب مرة أخرى، الجرح النازف الذي سيمنع استعادته العافية، ومن ثم الشعار الذي يختبئ خلفه كل عدو للبنان لا يريد له أن يستعيد صحته، والأهم استقلاله والسيادة. وهكذا يبدأ مسلسل جديد في الجنوب حيث لا يفاوض أبناءه، ولا ينتشر الجيش ليسهم في استتباب الأمن أو يمنع التعدي عليهم ليشعروا بأن الحرب انتهت وأن البلد سيعود إلى أهله وأنه لا داعي لمواصلة الاحتراز. بل تقصف القرى وتهاجم وكأنها من بلاد أخرى وشعب غريب. ويطبّل العرب كلهم ويزمرون لمن يفتحون جبهات في الجنوب، لا بل يساهمون في دفع مزيد من المقاتلين الغرباء إلى أرض الجنوب لمقاتلة أهله. وقصة ذلك الجندي العراقي مع أحد أبناء عين إبل القادم برا من الكويت في صيف 1978