الموارنة

بقلم جورج كرم

 - نشأة الموارنة 

 - مجمع خلقيدونية

 - اجتياح العرب سوريا ولبنان

  - الصليبيون

  - ذهاب الصليبيين

  - عهد المماليك أو استبداد العبيد الذين أصبحوا ملوكاً

  - الباب العالي

  - المدرسة المارونية في روما

  - مجتمع تعددي أو خبرة التعايش

  - الكنيسة المارونية خارج الأسوار أو في المهاجر

  - لائحة بطاركة الموارنة

  - البطاركة  من 1823 إلى يومنا

 

  « ردّ يا رب بشفاعة أمك، عن الأرض وسكانها ويلات الغضب، لاشِ الأخطار والفتن، امنع الحرب والمجاعة والوباء، تحنن على ضعفنا، داوِ سقمنا، قوِّ وهننا، فكّ أسرنا. وأرح الموتى المؤمنين الذين انتقلوا من بيننا وامنحنا آخرة صالحة فنرفع لك المجد إلى الأبد».

صلاة مارونية ترقي إلى القرن السابع هذه الصلاة هي فعل إيمان بيسوع ابن مريم، هي توسل لإبعاد الشدائد التي عرفها الموارنة جيداً وتعبير عن إيمانهم الخالد بالسيد المسيح. ردّد الموارنة هذه الصلاة مراراً عبر تاريخهم الطويل.

 

نشأة الموارنة

كانت دعوة الامبراطور قسطنطين لعقد مجمع مسكوني في مدينة نيقية سنة 325 ميلادية اعترافاً بأهمية دور المسيحية في إدارة الإمبراطورية الرومانية. وكان قد سبق وهيأ لهذا القرار التاريخي الملائم جداً لوحدة الأمبراطورية وضبط الوجه السياسي والديني للدولة، إعلان مرسوم مدينة ميلان الذي أعطى الحرية للديانة المسيحية سنة 313 واضعاً حداً لاضطهاد المسيحيين وهضم حقوقهم. وكان قسطنطين قد أسس على شاطئ مضيق البوسفور الفاصل بين بحر إيجه والبحر الأسود، مدينة سمّاها القسطنطينية. سوف تلعب هذه المدينة دوراً ذات أهمية كبرى في مصير مسيحي الشرق ولكن لم يصبح الدين الرسمي للأمبراطورية إلا بعد شجب الوثنية وبعد صدور مرسوم مدينة تسالونيك في سنة 392 في عهد ولاية الإمبراطور تيودوس الأول.

 

قسّمت الأمبراطورية الرومانية إلى قسمين إثر موت تيودوس: إلى إمبراطورية غربية عاصمتها روما وإمبراطورية شرقية عاصمتها القسطنطينية. فالإمبراطورية الأولى حافظت على اللغة الرسمية اللاتينية أما الإمبراطورية الثانية التي دعيت بيزنطية فاختارت اليونانية كلغتها الرسمية.

 

إن قرار تيودوس الذي جعل من الدين المسيحي الدين الرسمي للإمبراطورية لم يكن له نتيجة سريعة بالسنبة لأكثرية شعوب المنطقة. لكن بقيت عدة جيوب مقاومة لهذا القرار خاصة في المناطق المنعزلة عن المدن الكبرى وعن سبل المواصلات. هذا كان حال جبال لبنان التي ظلّ سكانها متعلقين بدياناتهم القديمة والتي بقي فيها كثرة لا يستهان بها من الهياكل المكرسة للآلهة الفينيقية.

 

أما مدن الشاطئ اللبناني فكانت قد أشادت منذ زمن طويل كنائسها. لأن تلامذة المسيح الأولين الشعوبيين (الغير يهود) كانوا يرافقون أمه في رحلاتها إلى القرى والمدن المتاخمة للجليل كمدينة صور وصيدا أيام كان يسوع يبشر في شمال الجليل المتاخم لجنوب الشاطئ الفينيقي.

 

بدأ الرسل رسالتهم بعد موت المسيح وقيامته عملاً بإرادته بتلمذة كل الأمم متجهين شمالاً نحو شاطئ البحر المتوسط الشرقي حيث أسسوا كنائس في صور وصيدا وبيريت وبيبلوس وطرابلس وإنطاكية.

 

لكن مدينة إنطاكية أصبحت مركزاً روحياً ذات أهمية كبرى بفضل بشارة بولس وبرنابا. وكان بطرس قبل ذهابه إلى روما قد زار إنطاكية ومن المقدر أنه كان أول أسقف عليها. وتميزت إنطاكية مع القسطنطينية والأسكندرية وروما بأنها أصبحت مع هذه المدن الكبرى كرسياً بطريركياً. ولعبت في ما بعد دوراً أساسياً في نشر الإيمان المسيحي في سوريا الأولى ومدن حلب وبراد وقورش ومنبج والرها ثم في سوريا الثانية ومدينتي أفامية وشيزر. ومن المعروف أن تسمية تلاميذ يسوع مسيحيين بدأت في إنطاكية.

 

لكن مع الأسف لم تنجو هذه المدينة من المجادلات اللاهوتية حول طبيعة المسيح التي خضت الكنيسة في تلك الحقبة من الزمان حيث انقسم المؤمنون إلى قسم يقول أن في المسيح طبيعتين واحدة إلهية وأخرى بشرية والفئة الثانية دُعيت مونوفيزية وقالت أن في المسيح طبيعة واحدة إلهية. وهذا الجدل لم يقتصر على مناقشات سلمية بل تحول غالب الأحيان إلى صراع عنيف جداً.

 

عاش الراهب مارون خلال هذه الحقبة ولدينا شهادتان خطيتان على حياته ورسالته: الأولى هي رسالة كتبها في 407 الذهبي الفم من منفاه في CUCUSE (شرقي تركيا) إلى الكاهن مارون يطلب صلاته والثانية دونها أسقف قورش في مؤلفه (Historia Religiosa) الذي كتبه ثلاثين سنة بعد موت مارون في سنة 410. (في تلك السنة دمّر ونهب الملك الفوطي الأريك روما). سجّل تيودوريت في كتابه بعض التفاصيل عن حياة ورسالة القديس مارون.

 

تنسك مارون بغية الاتحاد مع الله مكرساً كل أوقاته للصلاة والتأمل. وهرب من المشاحنات اللاهوتية حول طبيعة المسيح. هذه الحياة النسكية كانت قد ظهرت في الشرق قبل مرسوم ميلان الذي أعطى الحرية للدين المسيحي وجعله فيما بعد الدين الرسمي للإمبراطورية. غير أنه ازداد عدد المتنسكين بعد أن أصبحت الأمبراطورية دولة تيوقراطية اعتمد على أثرها عدد كبير من الناس لا عن اعتقاد وطيد بالإيمان الجديد ولكن حباً بموالات الدولة وطلباً للمنفعة الشخصية. حينئذ انتشرت حركة التنسك والابتعاد عن العالم. طلباً لتحقيق الكمال المسيحي بالصوم والصلاة وقهر الشهوات.

 

سلك مارون هذا الطريق مثل كثيرين من معاصريه فعاش في العراء على قمة جبل نابو. وما أن انتشر سيط قداسته حتى لحق به تلامذة عشقوا طريقته في طلب القداسة فعاشوا في شقوق الأرض والمغاور بالقرب من صومعة معلمهم مقتفين خطاه في قهر الذات والصلاة. وكثر عدد هؤلاء التلامذة خاصة لما خرج مارون من عزلته ليبشر في القرى المجاورة بالكلمة داعياً الناس إلى التوبة والرجوع إلى الله. وما لبث أن دُعي هؤلاء التلامذة موارنة نسبة لمعلهم مارون.

 

ذهب أحدهم المدعو ابراهيم القورشي (350-422) والذي لُقب فيما بعد برسول لبنان، بصحبة بعض رفاقه ليهدي إلى المسيحية سكان جبال لبنان حيث لاقى صعوبات كثيرة قبل بلوغ هدفه. ويقال أنه أسس جماعة نساك في جبال منطقة بيبلوس بالقرب من مغارة أفقا حيث ينبع نهر أدون. وتخليداً لذكر الراهب المذكور أطلق اسم ابراهيم على نهر أدون ولا يزال يعرف بهذا الاسم ومن ذلك الوقت ابتدأ نشر الدين المسيحي في جبال لبنان وبعد مايتي سنة تقريباً أصبحت تلك الجبال ملجأً لتلامذة الراهب ابراهيم.

 

مجمع خلقيدونية

لما رأى الإمبراطور مقيانس أن المجادلات اللاهوتية أصبحت خطراً على وحدة الكنيسة دعى إلى عقد مجمع مسكوني في خلقيدونية في سنة 451 أربعين سنة تقريباً بعد موت مارون. هذا المجمع حرّم الآباء المونوفيزية بصراحة: «نعلّم كلنا بصوت واحد أن سيدنا يسوع المسيح هو ذات الابن الكامل في ألوهيته وبشريته، هو ذات الإله، إنسان حقيقي وإله حقيقي مركّب من نفس عاقلة وجسد، مساوٍ للآب في طبيعته الإلهية ولنا في الطبيعة البشرية. هو مثلنا في كل شيء ما عدا الخطيئة

 

ولكن مع كل أسف لم يتمكن من وضع حد للمجادلات والانشقاقات. فانقسم المجتمعون وأتباعهم إلى خلقيدونيين ومونوفيزيين ودام الانقسام إلى يومنا: فتمسك الخلقيدونيون برأي البابا والكنيسة الغربية وبطريرك القسطنطينية مع اليونان والبيزنطيين والملكيين الذين انقسموا فيما بعد إلى ملكيين أورثوذك وملكيين كاثوليك وموارنة. أما فئة المونوفيزيين فكانت مؤلفة من الكنيسة القبطية في الاسكندرية والكنيسة الأثيبوبية والأرمنية الغريغورية والسريانية الأرثوذكسية. على أثر انعقاد المجمع المذكور أمر الامبراطور مرقيانونس ببناء ديرٍ بالقرب من مدينة أفامية للدفاع عن العقيدة الخلقيدونية. وعُرف هذا الدير باسم دير مار مارون وأصبح من أهم أديرة سورية وأعظمها دفاعاً عن تعاليم المجمع الخلقيدوني. لكن غيرة رهبانه الموارنة في نشر تعاليم المجمع أثارت عداوة المونوفيزيين. وفي مستهل القرن السادس بعد أن غيرت السلطة البيزنطية موقفها من العقيدة الخلقيدونية وأصبح الامبراطور يدافع عن المونوفيزية. بدأ البطريرك الانطاكي ساويرس يضطهد الخلقيدونيين بمساعدة الامبراطور Anastase وعلى رأسهم رهبان مار مارون وفي سنة 517 بينما ثلاث ماية وخمسين راهباً كانوا في طريقهم للاشتراك في اجتماع مصالحة مع المونوفيزيين، وقعوا في كمين وقتلوا كلّهم. ولكن بالرغم من هذه المجزرة ومن تقلبات بيزنطية العقائدية حافظت الكنيسة المارونية على إيمانها الخلقيدوني وبقيت متعلقة بتعاليم الكنيسة الجامعة مظهرة أمانة لا يشوبها عيب لخلفاء بطرس. فمن هذه الثوابت صُهرت الروح المارونية.

 

 اجتياح العرب سوريا ولبنان

بدأ العرب هذا الاجتياح بفتحهم دمشق سنة 635 وبعد سنتين، أي سنة 637 احتلوا بعلبك وعكا ومدن الساحل الفينيقي حتى بيبلوس لكن لم يحاولوا فتح الجبل لأنه لم يكن لهم مصلحة بذلك. تمكن الموارنة من الصمود بفضل لجوئهم إلى الأماكن المنيعة والصعب الدخول إليها في جبال لبنان وقاموا بمعاونة جيوش المردة الآتين من جبال طورس والذين كانوا أخوة لهم في الإيمان الخلقيدوني واللغة الآرامية، بحملات ضد جيوش الامويين ومُكبّدينهم خسائر كبيرة وكان الامبراطور البيزنطي قد جنّد هؤلاء المردة لمناوشة الجيوش العربية ووضع حد لتوسع السلطة الأموية. فتمكن هؤلاء الحلفاء بفضل شجاعتهم وبطولاتهم أن يقوموا بانتصارات ذات أهمية على أعدائهم. ولكن ما لبث أن انقلب الوضع على الموارنة المقيمين بين امبراطوريتين واسعتين ومصالح تتجاوزهم وذلك بسبب تقلب السياسة البيزنطية. وهكذا الامبراطور «الحاكم بأمره» (هذا اللقب أعطي للأمبراطور منذ سنة 630) وقّع معاهدة مع الخليفة – بعد الحصول على بعض المنافع المادية. تقضي بوقف كل التحركات العسكرية لجيش المردة والموارنة. كان لهذا القرار نتائج وخيمة بالنسبة لمستقبل المسيحيين في الشرق. زامن هذا الحدث (على التقريب سنة 638) المجادلة اللاهوتية بين الخلقيدونيين الذين قالوا أن للمسيح إرادة واحدة بالرغم من أن له طبيعتان: واحدة إلهية والثانية بشرية. والذين قالوا أن للمسيح طبيعتان ولكل طبيعة منهما إرادة.

 

 حرّم المجمع المنعقد في القسطنطينية سنة 680 المونوتليتية أي القول أن للمسيح إرادة واحدة. بعض المصادر التاريخية تتهم الموارنة بأنهم اعتنقوا هذا الرأي فترة من الزمن. هذه التهمة لا ترتكز على براهين تاريخية ثابتة. لأن المجمع المنعقد في القسطنطينية والذي حرّم هذه النظرية لم يذكر الموارنة بالرغم من أنه ذكر كل الذين كانوا يؤيدون هذا الرأي اللاهوتي.

 

يوحنا مارون أول بطريرك ماروني على إنطاكية (685)

 

بعد أن تبرم الخلقيدونيون في بطريركية إنطاكية بالتقلبات البيزنطية السياسية وخوفاً منهم من أن يظل الكرسي البطريركي فارغاً، انتخبوا في سنة 685 يوحنا مارون الراهب الماروني الذي كان أسقفاً على مدينة البترون وكافة جبل لبنان بطريركاً على إنطاكية دون مراجعة القسطنطينية. كان لهذا القرار وقع ذات أهمية كبرى بالنسبة لتاريخ لبنان إذ كان بمثابة تكريس رسمي للكنيسة المارونية. فاعتبر الأمبراطور أن هذا الانتخاب هو تمرد على سلطة الأمبراطورية وتعدٍ على حقوقه فأرسل جيشاً للقبض على البطريرك الذي كان جعل كرسيه في دير مار مارون على ضفاف نهر العاصي. ولكن يوحنا مارون تمكن من الفرار من وجه جيش الامبراطور واللجوء إلى كفرجي في مقاطعة البترون. فدمّر الجيش الدير وخمسماية راهب لاقوا حتفهم في هذا الهجوم. تمكن الموارنة من اللجوء إلى جبال لبنان مع بطريركهم من مقاومة الجيش البيزنطي وتكبيده انكسارات باهظة في سنة 694، حيث قائدان من الجيش البيزنطي لاقا حتفهما في تلك المعركة. وهكذا مثلما كرس انتخاب يوحنا مارون وجود الكنيسة المارونية على الصعيد الرسمي هذا الانتصار الذي حققه الموارنة كان بمثابة ولادة للأمة المارونية.

 

قال إدوار كبن المؤرخ الانكليزي في القرن الثامن عشر: «انتقلت المارونية من شخص ناسك إلى دير فإلى أمة. وبقيت بعد أن زالت إمبراطورية القسطنطينية التي اضطهدتها».

 

بعد هذه الحقبة من الزمن كان بطاركة الموارنة يقضون أوقاتهم بين دير كفرحتي في لبنان ودير مار مارون على ضفاف العاصي بعد أن رمّموه. ولكن بعد أن هدم العرب هذا الدير سنة 938 انتقل الكرسي البطريركي نهائياً إلى لبنان لينجو من الفوضى التي ألمّت ببلدان الشرق والحروب التي قامت بين البيزنطيين والسلجوقيين والفاطميين حتى مجيء الصليبيين سنة 1098. بالرغم من اضطهاد البيزنطيين الذين هم أخوتهم بالدين وفقرهم المادي برهن الموارنة عن مقدرة فائقة في الدفاع عن هويتهم وإيمانهم.

 

 الصليبيون

خلال المجمع المنعقد في كليرمون سنة 1095 قام البابا أوربانوس الثاني بفكرة إرجاع قبر المسيح وتخليص مدينة القدس من احتلال الإسلام. فقام الغرب خلال قرنين تقريبا (1098-1292) بعدة حملات عسكرية لإرجاع الأراضي المقدسة وللدفاع عن الممالك والمقاطعات والناحيات التي أسسها الصليبيون على طول شاطئ البحر المتوسط ومنها مملكة القدس وناحية طرابلس ومقاطعة إنطاكية ومملكة قبرص وكل هذه الدويلات كان لها صلة مباشرة بالموارنة. كانت علاقات الموارنة باللاتين جيدة جيداً بالرغم من بعض الحوادث المشؤومة التي عكرت وقتياً هذه العلاقات.

 

حصل الصليبيون عند بلوغهم الشرق على مساعدة سريعة وتلقائية من الموارنة وهؤلاء حصلوا بدورهم على امتيازات خاصة من ملك فرنسا لويس التاسع (القديس لويس) الذي أعلن أن الأمة المارونية هي جزء من الأمة الفرنسية. وحرّض الموارنة على أن يحافظوا على تعلقهم بخلفاء القديس بطرس.

 

بفضل هذا التفاهم الذي حصل بين الصليبين والموارنة تمكن هؤلاء من مَدِّ جسور مع الغرب ومن الخروج من العزلة التي عاشوا فيها منذ عدة قرون. وكم كانت دهشة الكرسي الرسولي عظيمة لما علم أن الموارنة لا يزالون في الوجود. لأنه كان في اعتقاده أنهم انقرضوا. فأعيدت العلاقات بينهما بسرعة وتثبّتت هذه العلاقات لما أعلن الموارنة بدون تردد ولاءهم للأب الأقدس إثر قدوم الصليبيين. وأثناء وجود الصليبيين في الشرق. زار البطريرك إرميا العمشيتي البابا أنو ثنثيوس الثالث واشترك في المجمع اللتراني المنعقد في سنة 1215.

 

كان القرن الثالث عشر قرن ازدهار بالنسبة للموارنة إذ تمكنوا بفضل حماية الصليبيين من إعلان إيمانهم بدون خوف ومن تحسين أحوالهم المادية. فاستفادوا من هذا الظرف لبناء عدة كنائس وأديرة.

 

 ذهاب الصليبيين

انتزع المماليك مدينة طرابلس من الصليبيين سنة 1291 ووضعوا حداً لوجود الصليبيين على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط. وغادر كثيرون من الموارنة مع الصليبيين إلى قبرص حيث أسسوا جماعات مارونية هناك لا تزال قائمة حتى يومنا هذا. وهذه الهجرة كانت الرعيل الأول من الموارنة الذين غادروا لبنان.

 

يقدر بخمسين ألف عدد الموارنة الذين ماتوا دفاعاً عن الصليب. وبالرغم من انكساراتهم العسكرية كان الفضل للصليبيين في إعادة العلاقات بين الغرب والشرق. وبدء التبادل التجاري الذي سوف يبلغ ذروته خلال عصري النهضة الطليانية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر. وكان لهذا الوضع انعكاسات إيجابية على الموارنة لأن علاقاتهم مع روما لم تنقطع بعد ذلك.

 

عهد المماليك أو استبداد العبيد الذين أصبحوا ملوكاً

 

بعد ذهاب الصليبيين أصبح الموارنة ضحية عنف المماليك الذين أصبحوا قوة عسكرية مرتكزة على نظام أولفرشي بعد أن كانوا عبيداً. ابتداءً من مصر حيث استلموا الحكم في سنة 1250 اجتاحوا لبنان وسوريا واحتفظوا بالحكم لغاية سنة 1517 حيث انكسروا وحلّ محلّهم العثمانيون.

 

بعكس العرب الذين لم يروا أية منفعة عسكرية من احتلال جبال لبنان. فهم المماليك في صراعهم ضد الصليبيين أهمية جبال لبنان الستراتيجية وكيف يجب كسر شوكة حلفائهم الموارنة المتمركزين وراء جبالهم الصعبة المنال والتي كانوا يطلقون منها هجماتهم المفاجأة.

 

قام المماليك بعدة غارات فتاكة ضدهم قبل وبعد ذهاب الصليبين وعدة بطاركة أهينوا أو قُتلوا خلال هذه الغارات مثال خبرائيل حجولا الذي حرق حياً أمام جامع طيلان في طرابلس سنة 1367. من المعروف أن ما من أحد أقسى من عبد أصبح ملكاً. لهذا السبب كان المماليك عنيفين جداً في حروبهم ضد الموارنة وقتلوا عدداً كبيراً منهم.

 

لكن بالرغم من كل المصائب والآلام التي احتملوها تمكن الذين نجوا من الموت من إعادة حياتهم الجماعية حول بطريركهم. ومن إنشاء استقلالية نسبية وحتى من امتداد ديموغرافي بفضل النسبة العالية للولادات عندهم.

 

 ولكن لم يكن الموارنة وحدهم ضحية قساوة المماليك فطوائف أخرى إسلامية اضطهدت من قبل إخوانهم في الدين ولجأت إلى جبال لبنان. هذا كان حال النصيريين والشيعيين والدروز الذين سكنوا منطقة كسروان. ثارت هذه الطوائف ضد المماليك وظلمهم إبّان الحرب القائمة بينهم وبين الصليبيين والمغول. ولكن ما فتأ المماليك بعد انتصارهم أن ارتدوا ضدهم وقمعوا ثورتهم بسرعة. فكان قمعهم والانتقام منهم فظيعين جداً. والذين نجوا من القتل نُفوا: فالنصيريون أبعدوا إلى عكار والدروز إلى الشوف والشيعيون إلى الجنوب. وهكذا اصبح من الممكن أن يملأ الموارنة الفراغ الذي حصل في كسروان دون أن يزعجوا المماليك.

 

وهكذا امتدت رقعة التوسع الديموغرافي الماروني تدريجياً حتى بلغت كل أجزاء لبنان وخلقت وضعاً جديداً وهو التعايش بين الطوائف وترتيب العلاقات بينها وهذا الوضع كان في آنٍ واحد غنى لبنان إذ كوّن خبرة وحيدة من نوعها في التعايش والحوار بين الحضارات ومن ناحية ثانية كان وسيلة بيد المحتل أو بيد الذين أرادوا أن يخلفوه للتفرقة بين الطوائف ليسودوها بطريقة أسهل.

 

الباب العالي

 

بدأت سيطرة العثمانيين على لبنان سنة 1516 مع السلطان سليم الأول الملقب بالسلطان القاسي. فإنه خلال سنتين فتح سوريا ولبنان وفلسطين. لكنه لم يغيّر شيئاً في الهيكلية الإقطاعية والنظام الاجتماعي في جبل لبنان. وخليفته سليمان «العظيم» ثبت حق الموارنة في إدارة شؤونهم وكان بطريركهم الوحيد الذي أعفى من واجب طلب التثبيت في وظيفته من قبل السلطان.

 

تجب الإشارة هنا إلى أنه من المحتمل أن هذه المعاملة السمحاء لم تكن مجانية لأن فرنسيس الأول املك فرنسا كان قد تقرب من السلطان سليمان وحصل منه على معاهدة سنة 1535 لُقبت Capitulations وتخوله حماية الأجانب والمسيحيين المتواجدين في الشرق. وهذا التقارب بين ملك فرنسا والسلطان العثماني كان منسجماً مع سياسته ضد الأمبراطور من آل هبسبورغ الذي كان يحمل لقب أمبراطور أمبراطورية الرومان الجرمنية المقدسة. والتي كان يطمع الملك فرنسيس بأراضيها., وهذه السياسة كانت تخدم مصالح الملك الفرنسي في أوروبا وفي الشرق حيث فتحت لخلفائه باباً للتدخل في شؤون السلطنة العثمانية.

 

أما الموارنة فقد استفادوا من هذه المعاهدة كل الإفادة ولكن بالرغم من ذلك لم يحالفهم الحظ دائماً خلال الحكم العثماني. لأنهم مرّوا في أطوار سوداء. ففي سنة 1860 مثلاً نزع الأتراك السلاح من أيدي المسيحيين وشجعوا الدورز على قتلهم. على الأقل عشرة آلاف ماروني لاقوا حتفهم في تلك المذابح. وأثناء الحرب العالمية الأولى حاصرت تركيا جبال لبنان بصفتها حليفة لألمانيا مانعةً دخول المواد الغزائية إلى أهاليه فماات مئات الآلاف من السكان جوعاً وزد على ذلك تصرفات المحتل المتعجرف الاعتباطية والإجراءات الانتقامية والإدارة الفاسدة والتدابير الظالمة في حجز الأموال والأرزاق.

 

 المدرسة المارونية في روما

 

إن المبادرة التي أخذها البابا غريغوريوس الثالث عشر بإنشاء معهد ماروني في روما سنة 1584 عاد بنفع كبير على الموارنة. قام الحبر الأعظم بهذا العمل بدافع اهتمامه بسد حاجة الكنيسة المارونية الماسة لمدارس تُعنى بتثقيف إكليروسها ورغبة منه في تثبيت علاقات الكنيسة المارونية بالكرسي الرسولي فكان لهذا الحل الذي اختاره الأب الأقدس نتائج إيجابية جمة.

 

فهذه المدرسة خرّجت عدة تلامذة لعبوا دوراً ذات أهمية كبرى في تطوير المجتمع اللبناني فكانوا الرواد في إنشاء شبكة مدارس في جبل لبنان. وفي سنة 1610 أسسوا أول مطبعة في الشرق في دير مار أنطونيوس قزحيا. واحتل تلامذة آخرون من خرّيجي هذه المدرسة مراكز ذات أهمية كبرى في المؤسسات العالمية الكبرى في أوروبا أمثال: جبرائيل الصهيوني الذي كان استاذ اللغات الشرقية في المعهد الملكي في فرنسا College Royal de France