أوراق مطوية من سيرة المفتي حسن خالد بعد 16 عاماً على استشهاده

عدم امتثاله للأوامر السورية وضعه في مواجهة مع دمشق:

"الغربية تقصف من الغربية وإذا كان اغتيالي مطلوباً فليخففوا من عدد الضحايا"

مارلين خليفة - النهار 21 أيار 2005

"اطفائي" عـمل كثيراً لوأد نار الفتنة الطائفـية ... وأخطأ في التقدير مرتين مع سوريا !

التمنّع السوري عن معالجة التجاوزات الميدانية ضدّ اللبنانيين جعل العلاقات بين سوريا والمفتي خالد تتأرجح بين مدّ وجزر، وبين جفاء وتواصل ونوع من القطيعة حيناً، وقد استمر الوضع على هذه الحال وسط مساع حثيثة بذلها المفتي بغية إيجاد الحلول الناجعة.

واجه المفتي هذه الحالة بسلسلة بيانات صدرت عن "اللقاء الإسلامي" الذي كان يجتمع كل أربعاء، وصفت هذه البيانات الواقع اللبناني والعلاقة مع سوريا والتجاوزات التي كانت تطول الكثير من اللبنانيين. هكذا أضحت دار الفتوى محجّة، وباتت منشغلة ليل نهار بتفاصيل تتصل بتسهيل حياة المواطنين من إصلاح جدار مهدّم أو زجاج مكسور الى مواجهة الشاذين عن القانون. ولم يتوان المفتي خالد عن التواصل مع القيادات السورية وعلى رأسها الرئيس الراحل حافظ الأسد، لكنه صدم كثيرا في الأعوام الأخيرة بالواقع المرير في ظل التجاذبات والمصالح الضيقة لبعض السوريين واللبنانيين الذين بدأت تتوطد مصالحهم المتبادلة في المجالات المختلفة.

كان المفتي خالد جريئاً وحراً في سلوكه، لا يتردد عن الجهر بالحق مهما يكن الثمن، ولم يتوان عن إبداء رأيه أمام من بيده زمام الأمور، لأنه كان يؤمن بأن هذه هي رسالته في الحياة: هي التعبير عن معاناة الناس ونقل مشاعرهم وهمومهم بدقّة وصدق.

رجل التلاقي

كان المفتي خالد يتشاور دائماً أثناء الأزمات التي عصفت بلبنان مع المراجع الروحية: من الإمام موسى الصدر، إلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين، إلى البطريرك مار أنطونيوس بطرس خريش والبطريرك مار نصر الله بطرس صفير وسواهم من المرجعيات من العائلات الروحية المختلفة.

"بذل المفتي خالد خلال القمم الروحية وخلال الاتصالات واللقاءات التي قام بها جهوداً من أجل المصلحة الوطنية وقضايا الوطن" يشدد سعد الدين خالد.

ويروي نجله عمار أنه في حفل تنصيب البطريرك مار نصر الله بطرس صفير عام 1986 أعرب المفتي عن رغبته في المشاركة بالتهنئة في الحفل، لكنه تلقى "نصائح" بعدم الذهاب إلى ما كان يعرف بالمنطقة الشرقية من بيروت. ولما لاحظ "الناصحون" إصراره طلبوا اليه الذهاب عبر مروحيّة (هليكوبتر) لأنهم لم يكونوا يريدون التلاقي على الأرض مع الناس، لكنّ المفتي أبى الذهاب الى الحفل إلا في سيارته التي قادها الى المنطقة الشرقية حيث استقبل في المناطق التي مرّ فيها بالحفاوة حتى من المسلّحين الذين أدوا له التحية في كلّ منطقة مرّ بها. يومها تخطّى المفتي خطّا أحمر: التلاقي بين اللبنانيين.

لقد كان اللبنانيون توّاقين دائماً لملاقاة بعضهم البعض، لكن المؤسف أنه كان هناك دائماً من يحاول العرقلة والمنع ولو تحت الضغط والتهديد، وكان بعض هؤلاء من الداخل ومن الخارج على السواء.

ومن الأخبار التي تروى عن عمق تشبث المفتي خالد بالعيش المشترك وبروح التواصل والتلاقي بين اللبنانيين ورفضه فكرة الانقسام بينهم، أنه وإثر اغتيال الرئيس رشيد كرامي عام 1987 كان في زيارة خارج لبنان، وما ان علم بالخبر حتى قطع زيارته عائداً إلى بيروت متوجّها إلى طرابلس مروراً بالمنطقة الشرقية من بيروت، رغم "نصائح" و"تحذيرات" وجّهت إليه لعدم سلوك طريق هذه المنطقة. لكنه أصرّ وركب سيارته وانتقل الى طرابلس حيث توجه الى منزل الرئيس الشهيد رشيد كرامي، حيث كان أعضاء "اللقاء الإسلامي" أيضاً بالإضافة إلى عبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية السورية، وكان الجو واجماً نتيجة حادثة الاغتيال ونتيجة إسراع "اللقاء الإسلامي" في ذلك الوقت في تسمية الرئيس سليم الحص رئيساً للحكومة مكان الرئيس الشهيد رشيد كرامي. يومها دافع المفتي الشهيد بجرأة وحدّة عن موقف اللقاء واضعا النقاط على الحروف مواجها بغضب تأنيبات عبد الحليم خدّام لـ"لقاء الإسلامي" للتفرّد في قرار تسمية الرئيس الحص.

كان المفتي خالد يرى في الأمر قراراً صائباً وظل متمسكاً به مع "اللقاء الإسلامي". وكان لافتاً جو الجفاء بين سوريا والمفتي الذي أعقب تلك المرحلة من عمر الأزمة اللبنانية والذي وصل إلى حدود القطيعة بينهما، لتزداد بعد هذه المرحلة الأوضاع الداخلية سوءاً وانتقل لبنان إلى وضع بالغ الخطورة.

خرج الرئيس أمين الجميل من الحكم بعد تسميته قائد الجيش حينها العماد ميشال عون رئيساً للحكومة الانتقالية. وقع الخلاف هنا أيضاً بين المفتي خالد والرئيس أمين الجميل، لأن الأوّل كان يرفض فكرة الإنقسام بين اللبنانيين، فكيف وقد وصل الأمر إلى حدود وجود حكومتين متواجهتين في البلد؟ هذا بالإضافة إلى عدم توصّل الرئيس الجميل الى اجراء انتخابات رئاسية جديدة، وقد ألقى المفتي خالد اللوم في ذلك على الرئيس الجميل وعلى سواه وعلى الأوضاع المعقدة الداخلية والخارجية التي ربما ساهمت كلها في الوصول إلى هذا الوضع الشاذ والخطر.

كان المفتي خالد ينظر إلى الجنرال ميشال عون كرجل عسكري له وجهة نظره في الأوضاع ولديه أفكاره الخاصة وربما طموحاته، والتي يحتاج أمر المناقشة فيها الى جو مريح لم يكن متوافراً في ذلك الوقت في لبنان، اضافة الى أن الجنرال ميشال عون، ونتيجة الأوضاع المستجدة حينها وما حصل بينه وبين السوريين، تحول بإرادته أو بغير إرادته طرفاً في الصراع الداخلي في لبنان.

مرحلة التهديدات

في الأعوام الأخيرة من حياته حصل جفاء تام وانقطعت العلاقة نهائيا قبل عامين مع السوريين. يروي نجله عمّار: "كان حين يدعى للذهاب الى سوريا يذهب متذمرا، ويبدو عليه الانزعاج لأنه لم يكن يلقى آذانا صاغية لدعوته الى ان تمارس سوريا دورا إيجابيا في إيجاد حلّ للأزمة اللبنانية، وأن تكون حكما وليس طرفا". لكنه لم يتوقف يوما عن مخاطبة الرئيس الراحل حافظ الأسد بجرأة متناهية. أما سبب القطيعة مع القيادات السورية فيعود الى عدم إمتثال الشهيد لتبليغها بكلّ تحركاته السياسية وأفكاره.

في تلك المرحلة بدأت تصل الى المفتي خالد رسائل تحمل في بواطنها تهديدات بالإغتيال أو أخطار تحوطه، حيث نصحه بعض النافذين بالسفر إلى فرنسا للإقامة فيها وإدارة الشؤون الوطنية من هناك، لكنه رفض الأمر قائلاً: "لا أستطيع أن أدير شؤون أهلي في لبنان إلا إذا شعرت بآلامهم وعشت معهم يوماً بيوم جميع معاناتهم".

وسط جو الجفاء مع سوريا في ذلك الوقت، وفي ظلّ وجود حكومتين في لبنان، تعاون المفتي خالد مع حكومة الرئيس سليم الحص لكنه لم يكن على عداء مع الجنرال ميشال عون. إنحصر همّه بإخراج لبنان من المأزق الخطر الذي يواجهه.

لاحظ المفتي خالد في تلك المرحلة أنّ القصف يلاحقه من منزله حتى وصوله الى دار الفتوى التي زرعت بالصواريخ. ووقع جدال كبير حينها حول مصدر القصف وهوية الجهة التي تقوم به على مدار الساعة.

واكتشف في صباح أحد الأيام أنها صواريخ محلية، وتأكد بعدما استشار عددا من الخبراء العسكريين أنها غير موجّهة من الشرقية الى الغربية، بل إن مصدرها هو المنطقة الغربية.

عندها استدعى المفتي خالد سفير دولة الكويت في لبنان، واعلمه بانزعاجه من الأوضاع ومن استهداف منطقة دار الفتوى بالقصف. ويروى أنه كان هناك من سمع المفتي يقول للسفير في اللقاء: "إنّ الغربيّة تقصف من الغربيّة، وإذا كان المطلوب اغتيالي فليخففوا من عدد الضحايا".

سبب استدعاء المفتي خالد السفير الكويتي هو أن اللجنة العربية السداسية كانت بدأت مهماتها، وكانت الكويت إحدى الدول الرئيسية بينها والتي كانت تسعى إلى حل النزاع في لبنان.

حديث المفتي خالد مع السفير الكويتي في ذلك اللقاء لم يبق بينهما بل خرج إلى العلن مما جعل الوضع يزداد توتراً.

في تلك الأثناء كان المفتي يناشد الأمة العربية حكاماً وملوكاً الإسراع في حل الأزمة اللبنانية ووضعها على السكة الصحيحة التي تكفل حلاً عادلاً ينهي الأوضاع الشاذة.

تجاوب ملك المغرب الحسن الثاني مع نداء المفتي، وأعلن عن عقد مؤتمر قمة عربية للنظر في القضية اللبنانية.

و الإغتيال

إغتيل المفتي خالد قبل أن تصله رسالة ملك المغرب الحسن الثاني. فبينما كان يغادر مكتبه في دار الفتوى عند قرابة الساعة الأولى ظهراً من يوم 16 أيار عام 1989 في طريقه إلى منزله في منطقة الرملة البيضاء، كانت سيارة مفخخة بمواد متفجرة زنتها نحو 150 كيلوغراما من مادّة الـ"تي أن تي"، تنتظره في أحد جوانب الطريق، فانفجرت بموكبه فاستشهد على الفور مع عدد من مرافقيه وعدد من المواطنين بالإضافة إلى وقوع عدد من الإصابات الأخرى.

ويروي نجله سعد الدين قائلا: "زارني المحقق العسكري في المنزل وأبلغني أن القضية هي وطنية من الدرجة الأولى، بأن الإغتيال مخطط له ومدبّر بإحكام عبر كل الطرق التي يسلكها، وان ثمة قراراً محكماً بالإغتيال لأنه وجدت عدة سيارات مفخخة على طرق يسلكها. ونصحني بألا أبادر الى أي محاولة للبحث في هذه القضية لأنّ الجوّ الموجود في البلد لن يساعد، وأن أكتفي بقبول إحالة القضية على المجلس العدلي".

ويتابع سعد الدين خالد كلامه: "منذ ذلك الحين نحن نعاني كعائلة الشهيد وكمحبيه ومؤمنين بنهجه أشد المعاناة. في البدء لم نكن ننوي الدخول في معترك العمل السياسي، لكن ونتيجة لرغبة المحبين والأصدقاء والأوفياء للمفتي الشهيد الذين ألحوا على ضرورة إكمال المسيرة الوطنية التي سلكها المفتي، رضخنا لمحبة الناس ودخلنا معركتنا الإنتخابية الأولى عام 1992 وفزنا في النتائج الأولية بادىء الأمر، ليتم إسقاطنا لاحقاً الأمر الذي الحق الأذى المعنوي بنا وبجميع محبينا في ذلك الوقت.

أنشأنا مؤسسة حملت اسم الراحل الكبير المفتي الشهيد للإهتمام بالشأن الإجتماعي والإنساني في بيروت من أجل المساهمة قدر الإمكان في التخفيف من معاناة الناس".

لكنّ الإضطهاد المعنوي إستمرّ. "عام 1996 بدأنا في التحضير للإنتخابات النيابية للمشاركة، وقد تم التنسيق حينها مع الرئيس رفيق الحريري رحمه الله، لكن "اقتلعنا" من لائحته قبل ايام قليلة من إعلانها وتم ذلك لمصلحة ما اصبح يعرف لاحقاً بالوديعة السورية. بالطبع لم يكن الرئيس الحريري راضياً عن الأمر لكن الظروف والأوضاع كان لها أحكامها.

عام 2000 كان للوديعة السورية نصيبها في اللائحة الرئيسية، الأمر الذي جعلنا نخوض الانتخابات النيابية في ظروف صعبة ومشتتة نتيجة التجاذبات المؤسفة الحاصلة في البلد حينها".

المفتي الشهيد حسن خالد متأهل من السيدة سلوى بهلوان من بيروت، ولديه ستة شباب وثلاث بنات، الابن الأكبر هو المهندس سعد الدين، يليه عمار يعمل في مجال المقاولات، محمد مهندس، هاني إدارة أعمال، هشام مهندس، مازن يعمل في المجال الإعلاني، والبنات الثلاث متزوجات وهنّ: بهيّة، هالة وليلى.

إغتيل مفتي الحوار قبل يوم واحد على ذكرى 17 ايار، التي واجهها بصلاة جماعيّة دعا اليها المسلمين بمذاهبهم كلّها في الملعب البلدي، حيث أطلق الثوابت الإسلامية ومما جاء فيها: "إن في الوطن على صغر مساحته متّسع لجميع أبنائه على أساس من العدالة وصون الحريات، وإن أي فئة من الفئات لا يمكنها أن تبني لبنان على صورتها، سواء كانت حزبية أم طائفية او عنصرية، ومهما تمادت هذه الفئة او تلك في مثل هذه المحاولات، فإنها ستعود في الخاتمة الى منطق المواطن الحكيم المدرك مسؤوليته الوطنية، لأنّ لبنان لا يمكن أن يكون إلا على صورة من التجانس البديع بين جميع طوائفه، تظلّله الكرامة وتحفظه العدالة والمساواة".

بعد مرور 16 عاما على اغتياله هل من يسمع هذا النّداء؟