مقالات في التاريخ السرياني

أعداد المرحوم : الدكتور سامي نوح كرومي- فرنسا

السريان و السريانية

 

طرح العلماء و الباحثين آراءً كثيرة حول تأصيل معنى السريان و السريانية :

 

_ ذهب البعض بتأويلات معقدة مرتبكة كالذين قالوا بأنها مشتق من كورش ملك الفرس .

 

/ والكنيسة السريانية تربأ أن تنتسب إلى العنصر الفارسي /.

 

_ وسعى آخرون و قالوا أنهامتأتية من آثور و هذا أيضاً وارد .

 

_ ويقول مؤرخوا السريان و علمائهم و منهم مار ديونيسيوس بعقوب ابن الصليبي و المؤرخ الكبيرمار ميخائيل بأنها متأتية من سورس الملك كنسبة إليه الذي ظهر قبيل النبي موسى و هو من الجنس الآرامي و قد أستولى على بلاد سوريا و ما بين النهرين و بأسمه سميت هذه البلاد سوريا و أهلها سورسيين ثم حذفت السين فصارت سوريين و كذلك سميت قيليقية نسبة إلى قيليقوس أخي سورس .

 

كان السريان قديماً قبل المسيح يسمون آراميين نسبةً إلى آرام الأبن الخامس لسام بن نوح الجد الأعلى لجميع الشعوب السامية .

 

وقد دخل أسم سورية و سوريين و سريان الآرامية قبل المسيح بشكل واضح في عهد السلوقيين الأغريق و على وجه التدقيق بعد ظهور الترجمة السبعينية للعهد القديم التي أستخرجت من العبرانية إلى اليونانية عام 280 ق. م حيث أن المترجمين ترجموا لفظة آرام بسورية كبديل لها أو مرادف و أخذ يغلب الأسم السوري على الآرامي شيأً فشيأً .

 

كما أن الترجمتين اليونانية و اللاتينية جعلتا بدلاً منه أسم يوناني .

 

وإن الكتاب المقدس أثبت لفظ سوريا بالألف و نقله العرب عن السريان لا عن اليونان فقالوا سوريا و لم يكتبوا سيريا أو آثوريا أو آشوريا أو صوريا كأنه منسوب إلى سيري أو آثور.

 

كان هذا كله من حيث تأصيل اللفظة و إشتقاقها أما من حيث الشمولية فيراد بالكنيسة السريانية الكنائس السريانية الطقس و اللغة .

 

كل السريان الذين تقبلوا دعوة الإنجيل في ولاية الكرسي الأنطاكي و كانت الكنيسة السريانية هذه تشمل على قسمين شرقية و غربية و هي تقسيمات جغرافية فالشرقية كانت تحت حكم الفرس و كانت مشتملة على بلاد الجزيرة أو بلاد ما بين النهرين و العراق و يسمى أهلها بالسريان المشارقة و كان مركزها الديني أولاً المدائن حتى أواخر القرن الخامس و في هذا القرن لما أعلن نسطور بطريرك القسطنطينية 428 م تعليمه المخالف لعقيدة الكنيسة الجامعة أنفصل عنها و أتباعه و أستقلوا بذاتهم و أستحدثوا لهم مركز رئاسة خاصة في المدائن ثم نقل إلى بغداد عام 762 م و منهم تفرع الكلدان الكاثوليك سنة 1553 و سميت بطريركيتهم ببطركية بابل عام 1713 م .

 

أما الغربية : فكانت تحت حكم الروم و مشتملة على البلاد الواقعة غربي الفرات و هي سوريا و فلسطين و لآسيا الصغرى و بلاد الشام و أهلها يعرفون بالسريان المغاربة و يرأسها بطريرك أنطاكية مباشرة و هذه أيضاً بحكم الزمان و الأحداث السياسية و المكانية و المذهبية تفرعت عن 415 م و على أثر إنعقاد المجمع الخلقيدوني إلى القائلين بالطبيعتين إلى السريان الأرثوذكس الباقين على عقيدتهم بالطبيعة الواحد و إلى المنضمين إلى الروم الخلقدونيين فأطلق عليهم في النصف الثاني من القرن الخامس أخوانهم السريان الأرثوذكس بلغتهم السريانية أسم الملكيون أو الملكانيون أو الملكانيون جمع ملكي و ذلك لأنهم تركوا إيمانهم و إيمان الآباء الأجداد السريان و قالوا بمقالة مرقيان ملك الروم كما سموهم أيضاً روماً نسبةً إلى الدولة الرومانية التي كانت تأخذ بالعقيدة الخلقيدونية و سموهم أيضاً يونان نسبة إلى سكان القسطنطينية عاصمة الدولة التي كان أهلها يتكلمون باليونانية و هكذا أيضاً تفرع عن السريان الروم الأرثوذكس و عنهم تفرع الموارنة في القرن السابع و الروم الكاثوليك عام 1724 م .

 

وتفرع عن السريان الأرثوذكس في أواسط القرن السابع عشر السريان الكاثوليك و بهذه تصبح الكنيسة السريانية اليوم تشمل على سبع كنائس و حسب الترتيب هي:

 

1- السريانية الأرثوذكسية الأم .

 

2- النسطورية .

 

3- الكلدانية .

 

4- الروم الأرثوذكس .

 

5- الموارنة .

 

6- الروم الكاثوليك .

 

7- السريان الكاثوليك .

 

السير التاريخي لشعبنا من قبل الميلاد حتى قدوم الاسلام

الآن بعد ذكر هذه النظريات نتابع السير التاريخي لشعبنا من قبل الميلاد و حتى الآن .

 

لن أتكلم عن الشعب أثناء الإمبراطورية الآشورية و نزاعاتها مع الممالك الآرامية و هزيمة الممالك الآرامية و إندماجها مع الأمبراطورية لأن الحديث عنها يطول كثيراً لكن سنتكلم بعد سقوط بابل عام / 539 / ق.م حيث سقطت السلطة في عهد نابونيد على يد كهنة بابل و الحاخام اليهودي في السبي البابلي بعد تعاون هؤلاء مع كورش الفارسي .

 

ولم ينتهي التأثير الحضاري للآشوريين و البابليين بسقوط آخر سلطة لهم بل أستمر دورهم و تأثيرهم الحضاري فكرياً و لغوياً و ادارياً و عسكرياً في السلطة الفارسية و الفرثية و الساسانية و اليونانية و الرومانية و العربية .

 

ويعتبر التراث الحضاري والفكري و الإنساني الذي خلفه سكان الرافدين عبر عصر سلطتهم من أروع ما خلفته الإنسانية و حتى أن التوراة قد أخذت قسماً كبيراًمن تراث الرافدين , فقصة الخليفة آدم و حواء و طوفان نوح و أيوب الصديق كلها ملاحم أخذت من الأدب السومري البابلي .

 

وقد حوت مكتبة آشور بانيبال و حدها ما يقارب من / 120 / ألف رقيم تشمل كافة صنوف التراث الفكري و الأدبي و التاريخي .

 

كما تعتبر شريعة حمورابي ركيزة الشراثع الأساسية في العالم و نرى حمورابي يقول في مقدمة شريعته :

 

( ناداني ان وانليل من أجل الشعب و رخائه باسم حمورابي " الأمير الذي يخاف الله" و أمرني أن أقيم العدل في الأرض و أن اقتلع جذور الشروالأشرار حتىلا يضطهد القوي الضعيف) .

 

وتتكون شريعة حمورابي من / 282 / مادة ( شريعة حمورابي- مجموعة من المؤلفين- ترجمة أسامة- سراس طبعة 1988 ) , و تشمل جميع مناحي الحياة الإجتماعية في ذلك العصر , و يعتبر سقوط بابل عام /539 / ق. م آخر سلطة سياسية حكمت من سكان بلاد الرافدين بشكل مستقل تماماً , و قد قامت عدة ثورات في بابل لاستعادة السلطة و التخلص من الإستعمار الفارسي منها ثورة / 522-521 / ق. م بقيادة نبوخذ نصر الثالث إلا أن دارا الأول قمعها بعنف و قسوة , كما قامت ثورة أخرى عام / 482 / ق.م بزعامة بيل شماني و استقلت لفترة شهرين تقريباً ثم تلا ذلك الحكم اليوناني عام / 332 / ق. م عندما هزم الأسكندر المكدوني دارافي موقعة كوكميل قرب اربيل , و قد اطلق اليونان تسمية على سكان بلاد الرافدين اقتداء بالتسمية الحضارية الآشورية التي كانت أخبارها معروفة لدى اليونان حيث أصبحت تسميتهم الرسمية في عهد الساسانيين خلفاء الأسكندر أيضاً , و ذلك لكون حرف الشين لم يكن موجوداً لدى اليونان و حرف الشين في اللغات الأوروبية الحديثة مكون من حرفين, و قد سمى سكان الرافدين أنفسهم سريايا باللهجة الشرقية و سريويه اللهجة الغربية, كما عرفت اللغة أيضاً بهذه التسمية , فعرفت بالسريانية بدلاً من الآرامية نسبة إلى تسمية السكان , حيث أصبح سكان بلاد الرافدين بكاملهم يعرفون بالسريان ( سكان بابل و آشور و طورعبدين و انطاكية و الرها و ماردين و برية نصيبين ) نسبة إلى تسمية اسيريانالتي أطلقت في العهد اليوناني و استمرت فيما بعد , ثم تلا الحكم الفرثي حيث قامت أيضاًثورة في بابل عام / 127 / ق .م و بقيت مدينة بابل عامرة بعدئذ حيث زارها تاراجان ملك الروم عام / 115 / م و قد هجرت نهائياً عام /199/ م , ثم تلاه الحكم الفارسي حتى مجئ الرومان .

 

عندها أنقسمت بلاد الرافدين إلى قسمين : قسم تحت سلطة الأمبراطورية الفارسية و هم السريان في شرق نصيبين , و قسم آخر تحت سلطة الأمبراطورية الرومانية وهم السريان في غرب نصيبين حيث كانت نصيبين دوماً حداً فاصلاً تقريباً بين الأستعمارين الفارسي و الروماني , كما ظهرت خلال هذه الفترة من عام /132/ق . م عدة سلالات حاكمة في الرها أستمرت لغاية /243/م وذلك عندما أخضعها الرومان نهائياً ( الرها المدينة المباركة _ ج . ب سيغال ص 21) .

 

وقد عانى السريان الأمرين تحت حكم الفرس و الروم وبما أنهم عجزوا عن إعادة سلتطهم السياسية الموحدة ,لذا عندما جاءت المسيحية كدعوة دينية انسانية تنادي برفع الظلم عن الفقراء , آمن بها جميع السريان ورأوا فيها أسلوباً للاحتجاج ضد الظلام ووسيلة لتحقيق وحدتهم حتى وإن كانت بقيادة دينية , وهكذا توحد أبناء الأمة من جديد تحت قيادة واحدة /سلطة الكنيسة السريانية / وقد حاولت الكنيسة الغربية ممارسة الظلم والأضطهاد ضد اتباع الكنيسة السريانية بحجج وتحت تسميات دينية مختلفة , إلا أن مخاوف الرومان ازدادت بعد أن وصل نسطوريوس إلى سدة الكرسي البطريركي في القسطنطينية , وهو سرياني من سكان مرجانيقي (مرعش ) .

 

وبالأخص فإن المسيحية كانت قد أصبحت دين الدولة الرومانية , والأمبراطور الروماني حامي الدين المسيحي فتخوف الرومان من تكتل السريان , رجال دين وعلمانيةً , وتعصبهم وتشكيل قوة في المستقبل قد تتحول الى قوة عسكرية تؤدي الى أنشاء سلطة قوية تحرر بلاد الرافدين من سلطة الرومان , لذا لجأت السلطة الرومانية إلى أستغلال الأفكار التي طرحها نسطور والمتعلقة بالعذراء مريم بأنها ليست والدة الاله , وبعض التفسيرات الأخرى لنصوص الانجيل واستغلال ذلك في تحقيق واقع ومكاسب سياسية معينة من خلال تغيير الواقع الاجتماعي وخاق شرخ عميق بين الشعب السرياني وبالأخص فإنها أدركت أن القيادة الدينية هي التي أعادت الوحدة الى السريان ولا يمكن تمزيق شملها إلا من خلال السلطة الدينية نفسها , فأصُر الأمبراطور الروماني في المجمع الذي انعقد عام 431م ليس فقط على طرد نسطور بل على أضطهاد وملاحقة وتعذيب اتباعه في الرها وأنطاكية ونصيبين وطور عبدين حتى اضطر أغلبهم للهروب إلى فارس , الدولة المعادية للرومان , فقبلهم فيروز الفارسي ووجد فيهم خير وسيلة كأعوان ضد السلطة الرومانية , فاستغلت كل من السلطتين الفارسية والرومانية هذه الناحية لاضطهاد قسم من الشعب السرياني ولزيادة الحقد فيما بينهم فكانت السلطة الرومانية تستغل بعض رجال الدين من أتباعها لكشف السريان النساطرة (الشرقيين )

 

لديها لاضطهادهم وتعذيبهم وكذلك كانت تفعل السلطة الفارسية بالسريان في الجانب الفارسي فقد كان رجال الدين النساطرة يكشفون المؤمنين من اتباع المذهب الغربي للسلطة الفارسية لتعذيبهم ( تاريخ الكنيسة السريانية الأنطاكية _ الجزء الثاني _ اغناطيوس يعقوب الثالث _ص 237 ) .

 

وهكذا عانى السريان من نارين : نار الاضطهاد الروماني ونار الاضطهاد الفارسي. وانقسموا إلى مذهبين دينيين رئيسيين , ( مذهب السريان الشرقيين ومذهب السريان الغربيين)إلىنساطرة أشوريين وسريان أرثوذكس. فبالاضافة إلى الاضطهاد تلهى السريان بمذهبهم وبصراعات مذهبية دينية فكرية فانتجوا أدباً لاهوتياً فلسفياًرائعاً يعتبر من أروع ما أنتجته مفكرة إنسان في ذلك العصر ، وقد ظل السريان على هذه الحال حتى قدوم الإسلام في بداية القرن السابع الميلادي .

 

السريان بعد قدوم الإسلام

وقد ظل السريان على هذه الحال حتى قدوم الإسلام في بداية القرن السابع الميلادي فاستبشر السريان خيراً في البداية وبالأخص النساطرة ،فقد عقدوا اتفاقات سلام وتفاهم مع الخلفاء الراشدين وبالأخص عمر بن الخطاب فإيشوعيهيب الثاني الجذلاني بطريرك النساطرة في بابل كان قد زار الأمير عمر في الجزيرة وأخذوا منه عهوداً بالأمان إذا ما فتح العرب المسلمون بلاد السريان (بابل وما يتبعها ) ويقال حتى أنه جرت مراسلات ما بينه وبين الرسول العربي (الجامعة السريانية ـ السنة الثانية العدد الثالث ) وقد لعب إيشو عيهيب الثاني دوراً هاماً في المباحثات بين العرب وسكان بابل وقد فتحت بابل صلحاً بدون حرب وكذلك رأس العين وطور عبدين فقد فتحت صلحاً في عهد القائد العربي عياض بن غنم (تاريخ دير مار كبرئيل المطران يوحنا دولباني ص58) وحرروا عقوداً بينهم وبين السلطات الدينية للكنيسة السريانية الأرثوذكسية والنسطورية يتعهد العرب المسلمون بموجبها بحماية ديار السريانية الأرثوذكسية والنسطورية يتعهد العرب المسلمون بموجبها بحماية ديار السريان و السماح لهم بممارسة حقوقهم الدينية و الثقافية وبناء دور العبادة وإعطائهم حريتهم الاجتماعية لقاء دفع جذية سنوية معينة .

وقد أستمر الحال على هذا الوضع فترة من الزمن ، وكان السريان خلالها الشعلةالوضاءة التى انارت الشرق فبنوا وحافظوا على التراث العالمي عبر الزمن بعلومهم وثقافتهم وتراثهم حتى في العصر الإسلامي (حتى أواسط العصر العباسي ) وبداية دخول التتر والمغول بلاد الرافدين فكانت مدارسهم في انطاكية والرها و قنثرين وجنديسابور ونصيبين تعتبر من أهم المعاهد الثقافية والعلمية والفكرية في العالم ومن خلالها تم ترجمة ونقل الثقافة العالمية اليونانية والفارسية والسريانية إلى العربية واستمرت في عطائها حتى نهاية القرن الثالث عشر تقريباً حيث بدأ يخفت نورها ، وبعد أن دمرت معظمها .

 

إلا أن الأمور تغيرت فيما بعد فقد مارس بعض الخلفاء الأمويين والعباسيين اضطهاداً دينياً وأجتماعياً وأقتصادياً على السريان بمذهبيهم (شرقيين وغربيين )، وبالأخص في عهد أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي ، ونتيجة لهذه المضايقات أسلم قسم كبير من السريان هروباً من الظلم الاجتماعي والاقتصادي كما عانى السريان من مذابح رهيبة في عهد الاستعمار المغولي وما بعد (تاريخ الزمان ـ غريغوريوس ـ ابن العبري ص282).

 

فقد دمرت الدساكر والقرى وابيد عشرات الألاف من السريان إبان الغزو الصليبي أيضاً،كما عانى السريان من أكثر من سبعة مذابح كبرى منذ بداية الحكم العثماني وحتى بداية الحرب العالمية الأولى(تاريخ طور عبدين ـ اغناطيو أفرام برصوم الأول ص 358ـ 370). وكان أعنفها وأقساها مذابح 1914ـ 1919ميلادية حيث ذهب خلالها أكثر من (300) ألف شهيد (الوثيقة التي وجهتها اللجنة الوطنية الآشورية لعصبة الأمم المتحدة عام 1919 ميلادية ) .

 

ولن ننسى الدور الكبير للأستعمار الأوروبي في أضطهاد السريان منذ بداية ارسالياته التبشيرية عام 1550 ميلادية . فقد استغلت الحكومات الأوربية ضعف السلطة العثمانية فيما بعد لتحقيق مكاسب أقتصادية وسياسية في الشرق بحجة حماية رعاياها المسيحيين وذلك بعد أن حصلت من الحكومة العثمانية على فرمانات تعطيها الحق في نشر مذاهبها الدينية بين المسيحيين من رعايا الدولة العثمانية , وهكذا حدثت انقسامات مذهبية جديدة بين السريان .

 

فقد اعتنق قسم من السريان النساطرة المذهب الكاثوليكي في القرن الثامن عشر الميلادي وبالأخص في سهول بابل ولقبوا أنفسهم بالكلدان , تمييزاً لهم عن النساطرة , كما استطاعت الارساليات الانجيلية التبشيرية البريطانية والأمريكية تحقق مكاسب مذهبية لها من اتباع الكنيسة البروتستانية والكاثوليكية بين السريان , فنشأ السريان الكاثوليك و السريان الأنجيليين وكانت الحكومات الأوروبية تستخدم حق حماية اتباع مذهبها حجةً للتدخل في الشؤون الداخلية للسلطة العثمانية المسلمة الضعيفة وهكذا , وبكل سهولة تخلت الحكومة العثمانية المسلمة عن واجبها الأنساني في حماية رعاياها المسيحيين وأوكلت هذه المهمة (بل تنازلت عن هذه الواجب) لفئات أجنبية لقاء أمتيازات ومكاسب خاصة حصلت عليها من هذه الفئات دون استشارة رعاياها المسيحيين وأخذ رأيهم بهذه الوصاية المفروضة عنوة متناسبة أن هؤلاء الرعايا هم جزء من مجتمع الوطن عانوا وذاقوا كل أشكال الهيمنة الخارجية , وكانوا دوماً مع مصلحة وطنهم وابناء مجتمعهم ضد أي غزو أجنبي مهما كان نوعه , وتاريخها العريق خير شاهد على ذلك . وهكذا سمحت الحكومات المحلية المسلمة باهانة كرامة هؤلاء , من قبل الأجنبي بحجة حق نشر مذاهبها الدينية بين المسيحيين , معتبرةً نفسها غير مسؤولة عن الجانب المسيحي من رعاياها , وهكذا سلبت ارادة السريان وفرضت عليهم حق الحماية الخارجية ,كما فرض عليهم الشعور بالغربة ضمن وطنهم , بينما كان هدف الفئات الأجنبية هو أستخدام ذلك وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية وأقتصادية على حساب الشعب بحجة هذه المذاهب , بينما كانت الحكومات المحلية تتحين الفرص بين فترة وأخرى للأنتقام من رعاياها المسيحيين بحجة التخلص من التدخل الأجنبي الخارجي , متناسية أنها قد خانت واجبها الوطني وخانت رعاياها وباعتهم لقاء مكاسب اقتصادية وان ضعفها وانحلالها كان سبباً رئيسياً

 

في هذا التدخل وهي التي أعطت هذه الحجة للأستعمار وبالتالي فهي التي تستحق العقاب بينما كانت الحكومات الأوروبية تدعم الأرساليات التبشيرية بالضغط على السريان الشرقيين والغربيين لقبول مذاهبها وكانت تلجأ في كثير من الأحيان إلى أستخدام بعض زعماء السكان المحليين من بيكاوات الأتراك والأكراد والأيرانيين للضغط على السريان واضطهادهم باسم الدين حتى ياجأوا إلى هذه الارساليات هروباًمن الأضطهاد و الموت فتتلفقهم هذه الارساليات

 

وتفرض عليهم الحماية بشرط الانتماء إلى مذهبها الديني (تاريخ الاشوريين - ل . ما تفيف

 

الجزء الأول ). وأن الحكومة العثمانية كانت تستغل دوماً وحدة الدين فيما بينها وبين رعاياها المسلمين الأتراك والأكراد لاضطهاد وقتل السريان بحجة محاربة الكفر والألحاد والحصول على الثواب في الجنة وكان طرح مثل هذه الأفكار يلقى آذاناً صاغية من بعض الجماهير المسلمة الفقيرة وذلك بسب التخلف والجهل والفقر الذي كان مطبقاً بحق على هذه الجماهير أيضاً وهي في الأغلب كانت مغلوبة على أمرها وتسير وفق أرادة البيكوات والزعماء الأكراد والأتراك , وقد كانت أغلب هذه الزعامات تسير في فلك الحكومات العثمانية وكانت ضد شعوبها أيضاً وإن أبشع أساليب وطرق الاستغلال هي التي اتبعتها الحكومة العثمانية مع بعض الزعامات الكردية في الحرب العالمية الأولى وهذه بدورها استغلت جهل شعوبها في محاولة ابادة السريان والأرمن فكان من نتيجة ذلك استشهاد 300ألف سرياني ومليون أرمني ما بين عامي 1914-1919 ميلادية ,فكانت تباد قوافل بعشرات الألاف من الأطفال والشيوخ والنساء دون رحمة (القصارى في نكبنات النصارى . بقلم شاهد عيان _ طبعة 1919ص 182).

 

اللغة السريانية

اللغة السريانية : هي إحدى اللغات السامية القديمة وتسمى بالأرامية أيضاً وقد أحرزت من الأنتشار الهائل ما لم تفز به أي لغة في العالم من فجر التاريخ وحتى اليوم إلا اللغة الانكليزية في هذا العهد . وقد كانت لغة أهالي سورية وما بين النهرين وامتدت إلى الجزيرة العربية ومصر . وأضحت يوماً ما اللغة الرسمية في دولتي أشور وبابل بعد اضمحلال لغتها الأكادية القديمة وذلك في نهاية القرن السابع قبل الميلاد / سقوط المملكة الأشورية / كما أضحت لغة الدولة الفارسية منذ عهد ارطحششت ولغة اليهود الدارجة في فلسطين بعد الجلاء البابلي أعني منذ القرن السادس قبل الميلاد ولذلك دعيت أيضاً بالكلدانية والعبرية وامتدت أيضاً إلى ايران والى المناطق المجاورة لها إلى أن كان رجال الدين اليهودي يستخدمونها في مواعظهم الدينية في مناطق الحدود الايرانية الهندية وبلغت بلاد الصين بعد الميلاد بواسطةالرهبان والنساطرة .وكانت في هذا كله لغة الأدب والعلم والسياسة والتجارة .

 

وتميزت بكونها لغة مقدسة حيث تكلم بها السيد المسيح وأمه ورسله وبها نزل جانب من الكتاب المقدس .

 

منذ القرن السادس قبل الميلاد وتشعبت إلى لهجات عديدة وأهمها اطلاقاً وأفصحها لهجتان:

 

1- اللهجة الرهوية المسيحية التي بها كتب علماء الكنيسة السريانية الارثوذكسية ادبهم وعلمهم وهي اليوم لهجة السريان الارثوذكس والسريان الكاثوليك والموارنة .

 

2- واللهجة الثانية هي اللهجة الشرقية وهي لهجة الكلدان والنساطرة / آشورية وكلدان /

 

النتيجة:

 

- امتداد اللغة المحكية إلى مصر وشبه الجزيرة العربية وأيران وبلاد ما بين النهرين وبلغت الصين والهند .

 

- اللهجات السريانية :1- غربية / سريان أرثوذكس /

 

2- شرقية / آشورية وكلدان /.

 

الأدب السرياني

الأدب السرياني من أغنى آداب اللغات السامية وأشهرها . نشأ في ما بين النهرين مهد الحضارة قبل المسيح بأحقاب متطاولة وعاش الى أوائل القرن الرابع عشر الميلادي . إلا أن حياته بعد الفتح الأسلامي كانت ضعيفة وهو يقسم الى عصرين مهمين :

 

1- العصر الوثني

 

2- العصر المسيحي .

 

فالعصر الوثني لم يخلق لنا آثاراً تذكر لأن السريان الأقدمين أبادوا مؤلفات أجدادهم لما أعتنقوا المسيحية ولهذا لايعرف عن أدب هذا العصر إلا القليل .*

 

وكل ما اتصل بنا من الأدب السرياني هو من المدرسة المسيحية لا الوثنية , أما العصر المسيحي فقد خلف آثاراً قيمة في سائر أنواع العلوم ويمتاز أدب هذا العصر بكونه أدباً مسيحياً

 

نشأ وارتقى متأثراً بالمسيحية مديناً لها بالصبغة الدينية . لأن مجموعة الكتابات التي بقيت لنا منه يكاد مؤلفوها يكونون بلا استثناء من الكهنة أو الرهبان . أو من علماء اللاهوت الذين تخرجوا من مدارس الديورة .

 

ومع تنمي الأدب السرياني وشهرته لم يجتهد السريان على دراسة هذا الأد ب ومفاتنه ولم يصنعوا كتباً في هذا المجال إلا النذير منه .

 

هذا بينما نرى الغربيين قد قدروا ما لهذه الأدبية من الأهمية فاقبلوا على دراسة اللغة السريانية وعمدوا إلى نشر كنوزها الأدبية بعد نقلها إلى لغاتهم المختلفة وتفرغ جماعة من كبراء علمائهم المستشرقين الأعلام لتمحيص هذا الأدب ودرسه درساً وافياً وأشهرهم:

 

المرحوم وليم رين المستشرق الانكليزي و روباتس دوفال المستشرق الفرنسي و الدكتور أنطون باومشترك المستشرق الألماني . وقد وضع كل من هؤلاء مؤلفاً ثميناً بلغته في تاريخ الأدب السرياني على نسق عصري حديث مبوب أحسن تبويب .

 

وهناك عدد كبير من المستشرقين عدا من ذكرنا ممن كتبوا حول هذا الأدب أو نشروا شيئاًمن آثاره أو نقلوا إلى لغاتهم بعض مؤلفاته كما تقدم معنا القول في أعلاه . ويضيف بنا المقام إن حاولنا سرد اسمائهم فقد ذكر البطريرك مار افرام برصوم في كتاب اللؤلؤ المنثور

 

اسماء أكثر من مئة مستشرق عني بالسريان .

-----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

*تأليف الأب العلامة شابو:وتعريب الأستاذ أنطون شكري لورانس . نشرت في مجلة الحكمة عام 1930

 

*إن السريان كانوا معروفين بالتعصب لمسيحيتهم : نذكر كنيسة(جماعة) مرقيوس.الذين أبيدوا عن بكرت أبيهم أثناء محاولة قسطنتين فرض تعاليم جديدة عليهم لأنهم رفضوا بشدة.وكذلك فقد أحرقت العديد من كتب مارأفرام السرياني لأنهم وجدوا قسماً منها مخالفاً لتعاليم المسيحية مثل كتاب التكامل المسيحي في الأنجيل و تفسير الأنجيل الجامع .

 

وهذه الدراسة التي أخذناها مأخوذة من مؤلفات المستشرق الفرنسي العلامة يوحنا شاتري . *ومما يجب الاشارة إليه اننا مع اعترافنا الصريح بفضل طبقة المستشرقين على آداب لغتنا السريانية بما نشروه من الأبحاث المستوفية عنها لابد من التصريح أن المدققين لا يطمئنون كثيراً إلى ما يكتبه هؤلاء المستشرقون لأن تعمقهم في الأبحاث كثيراً ما يستدرجهم إلى أراء ضعيفة ومذاهب غربية زد على هذا أن ضعف بعضهم في اللغة السريانية وبعدها عن مواطنهم وجهلهم لكثير من مخطوطاتها واعتمادهم في بعض الأحيان على مصادر مشوشة لايوثق بها وتعصب فريق منهم إلى المذهب الذي ينتمي إليه .

 

كل هذه الأسباب توقعهم أحياناً في أغلاط لايصح السكوت عنها، فمن الأخطاء الشائعة التي قد تصادف أيا" منكم نعت كنيستنا السريانية الأرثوذكسية في أغلب كتاباتهم باليعقوبية لاستقائهم من مصادر تعمدت تلقيبنا بهذا القب زوراً .

 

(يقول مؤسس الحركة البروتستانتية الإصلاحية جان وسلي : لكي نفهم روحانية المسيحية الأولى علينا أن ندرس مؤلفات غوغورث النيسي _ أوغوسطينوس _ وطبعا" مار أفرام السرياني) .

 

العصر الذهبي للسريان

العصر الذهبي للسريان : من القرن السابع حتى التاسع .ومن القرن 12حتى13 ويعتبر ابن

 

العبري /86 12/ آخر مشاهير السريان الذي يعتبر / دائرة معارف الشرق / .

 

1/_ مدارس السريان ومشاهيرجهابذتهم في العصر الذهبي :

ا_ مدرسة قطسون أو المدائن . ب_ مدرسة الرها . ج_ مدرسة نصيبين .

 

د_ مدارس إنطاكية . ه_ مدرسة قنسرين . و_ مدرسة رأس العين .

 

ز_ مدرسة قرتمين . ح_مدرسة دير برصوما بملطية . ط_مدرسة دير البارد .

 

2/_ انتشار عقيدة السريان في شتى الشعوب والأقطار :

 

1_ السريان والأقباط .

 

2_ السريان والأحباش .

 

3_ السريان والأرمن .

 

4_ السريان والعرب

 

5_ السريان والفرس .

 

6_ السريان والخلفاء المسلمون والنهضة العلمية العربية .

7_ السريان وقياصرة الروم .

 

8_ السريان وملوك الصليبيين .

 

9_ السريان وملوك السلجوقيين والتتر.

 

10_السريان والملوك الأرتقيون وملوك الكرج .

 

3/- بعض ذخائر السريان وكنوزهم الثمينة في العصر الذهبي .

 

أ_ أقدم أثر نصراني كتب بالسريانية : رسالة ابجر الخامس ملك الرها وجواب المسيح له .

 

ب_ منديل السيد المسيح .

 

ج_ ذخائر كنيسة مار يوحنا الكبرى بالرها .

 

د_ مائدة مذبح من الفضة في كنيسة الرها العتيقة .

 

ه_ كنوز ايونيس الرصا في الرها .

 

و_ ذخائر كنيسة ميا فرقين .

 

ز_ تبعثر ذخائر السريان وكنوزهم القديمة .

 

 

حضارة السريان / الترجمة للعربية وأثر السريان في الحضارة العالمية/

 

((أمسك المسيحيون السوريون بشعلة الحضارة اليونانية وأسلموها للعرب , وأخترق بها هؤلاء أفريقيا إلى اسبانية )) ديورانت .

 

(( للسريان الفضل في يقظة العرب عامة ونهضتهم الفكرية في بغداد زمن العباسيين ما لم يكن مثله لأمة واحدة سواهم تلك النهضة التي تحدت ولا تزال مفخرة العصر الأسلامي القديم)) فيليب حتي .

 

(( حمل الكتاب السريان بأيديهم مصابيح الفكر الأغريقي إلى العرب فنقل بعد ذلك الى أوربا في القرون الوسطى )) وليم رايت .

 

(( إن تاريخ الفلسفة ليذكر هؤلاء المترجمين بالتجلة والتبجيل لما كان منهم من دقة في الترجمة وأمانة في النقل وما استفادته اللغة العربية من هذه الكتب المترجمة فقد وثبت بفضل هذه الحركة الوثبية الثانية بعض النهضة الأولى التي نهضها نزول القرآن )) وأيضا ( كان لتلك الحركة اجر عظيم في إعداد العرب لأن يمثلو دورا هاما جداً في تاريخ العالم ) محمد عطية الأبرشي .

 

وقد اخبر ابن خلدون من شأن هذه النهضة وعزا إليها اليقظة الإسلامية الكبرى .

 

واعتبرها ديورانت بمثابة النهضة الأوربية التي اعفيت القرون الوسطى .( لم يدع السريان كتابا في الحكمة إلا عربوه ولا سيما مؤلفات من اللغة اليونانية لأنهم كانوا قد تعلموها وانقنوها غاية الإتقان من القرن الرابع للميلاد و ادخلوا تدريسها في مدارسهم فلخصوا وهذبوا وزادوا وبوبوا واصلحوا والقوا ) كتاب ظهر الإسلام . ص88_89 .

 

يقول الكندي ( فقد كان السريان لنا سبلا مؤدية إلى علم كثير فأنهم لو لم يكونوا لم يجتمع لنا هذه الأوائل الحقية ) رسائل الكندي الفلسفية .ص 102.

 

ويقول الفارابي (بهذا يمكننا أن نقول أن السريان هم الذين علموا المسلمين الفلسفة أولا .

 

وهم الذين ترجموها لهم ثانيا لهذا تأثر المسلمون بالفلسفة التي كان يعرفها هؤلاء السريان ) تاريخ الفرق الإسلامية ونشأة علوم الكلام عند المسلمين ص 139 .

 

اثر السريانية في العربية أكتمل بجوانب أهمها :

 

1_تعلمها : حيث يردي السيرة النبوية كيف كان يطلب الرسول من الصحابة تعلم السريانية (فجر الإسلام ص 142 ) .

 

2_ الألفاظ : استعارت العربية من الألفاظ السريانية التعبير عن بعض الأفكار و المواد .(لغة العرب كيف تنهض بها حول

 

3_ الأرقام : أقتبسها العرب الأرقام الهندية والسريانية . ( مجلة المشرق البيروتية .ص14. نقلاً عن المستشرقون.

 

4_ الكتابة والخط : اقتبس العرب في القرن الأول قبل الإسلام من الخط السرياني الأسطر نجيلي ابجدية وخطها الذي عرف بالكوفي فاستعمل في كتابة القرآن . عن الأداب السامية ص 197

 

وقال المطران بولس بهنام ( لا شك أن العرب أخذوا خطهم الذي نراه اليوم من الخط النبطي الآرامي وأن الخط العربي الكوفي ليس إلا نمطا" من أنماط فن كتابة الخط السرياني ).

 

\\ ابحث في نافذة تراث \\

 

5_ النحو : تأثر نحو اللغة العربية بالنحو السرياني وذلك أن أبا الأسود الدؤلي الذي يعتبر منشئ النحو العربي كان قد ذهب إلى الكوفة وتعلم الفصاحة السريانية . كما يخبرنا المؤرخ التركي أحمد (استعان بالسريان في أول نحو نظمه في اللغة العربية . كتاب التاريخ العام .ج5 ص 164

 

فنسج في نبويبه على المنوال السرياني . تاريخ أدب اللغة العربية ج1 ص241

 

وضع قواعده على نمط القواعد السريانية . فجر الإسلام ص183

 

ويقول أحمد امين /كان طبيعيا أن ينشأ علم النحو في العراق .... لأن الآداب السريانية كانت في العراق قبل الإسلام /.

 

في مجال الترجمة : تم نقل الإنجيل للسريانية لنسخ عديدة ، ففي أواخر القرن الأول أنجز جماعة من اليهود المتنصرين ترجمة إلى السريانية عرفت بالبسيطة ثم ترجمة أخرى عرفت بالسيطة ثم ترجمة أخرة عرفت بالسبعينية.

 

وقد أحظى الأب بولات مرتان خمسا وخمسين نسخة سريانية من الكتاب المقدس مكتوبة في القرن الخامس والسادس و السابع يقابلها 22 نسخة لاتينية و10 نسخ يونانية

 

وقد قام الملفان دانيال السرياني والأستاذ سيروب الأرمني على إبداع الكتابة الأرمنية وقاموا بنقل الإنجيل للغة الأرمنية عام 404 م.

 

جهود العلماء السريان الأوائل

كثيراً ما غالى المؤلفون فنسبوا كل فكر و علم الى الحضارة اليونانية نحن لا ننكر فضل الأغريق على الحضارة العالمية , لكننا نود تعميم حقيقة جلية مفادها لولا حضارة وادي الرافدين العريقة والسباقة لما كانت الحضارة العالمية .

 

إن للسريانية وأدبها فضلاً كبيراً ليس في أيصال الفكر اليوناني ونقل تراث الأغريق إلى الشرق والعرب وحسب فهذه حقيقة قائمة لا يختلف فيها أثنان إنما الفضل كل الفضل في صيرورة السريان حلقة وصل بين الحضارات النهرينية القديمة والتراث اليوناني .

 

أن السريان قاموا بنقل حضارتهم القديمة إلى الأغريق ليطوروها ثم يتعرف السريان الحضاريين على هذه الحضارة المتطورة وينقلوها للعرب في العهدين الأموي والعباسي .

 

وعند أحتلال اليونان لهذه الأراضي حتى في أيام حكم السلوقيين والبيزنطيين فرضت اليونانية

 

نفسها كلغة رسمية لاغير على الرقعة التي كانت واقعة تحت حكمها .

 

لكن بقيت اللغة السريانية هي المسيطرة ولاسيما في القرى والأرياف والجبال .

 

واستمر الشعب ينطق بلهجاته المشرقية القديمة ومنها الورث.

 

حتى أن أنشقاق الكنيسة المشرقية لفئتين فئة تقول بالطبيعة الواحدة وفئة بالطبيعتيين هي التأثرالشديد بالفلسفة اليونانية .

 

فالنساطرة تأثوا بفلسفة أرسطو.والأرثوذكس تأثروا بالفلسفة الأفلاطونية المحدثة وذلك بسبب التأثر المباشر لمصنفات ديودور الطرسوسي ونيودورس اسقف مصيصة.

 

إحدى أشكال نشر الثقافة كانت الرهبنة :

 

أولاً: الأديرة :الدير مركز ديني يبنى بين الضيع(القرى)،يجمع بين هذه الضيع ويقف بوجه المدينة كقوة أخرى.لأن أهل الضيع فقراء لاعمل لهم . الأديرة تجمعهم . كانت هناك بعثات تبشيرية يقوم بها الرهبان مع مجموعة من أهالي هذه الضيع إلى مناطق أخرى يسكنون (200-300 )شخص فيها وينشرون ثقافتهم وتقاليدهم فيها أولاً: الدينية وبشكل ثانوي الثقافة والتراث السرياني المحمول معها حتى وصلت إلى الصين والهند .

 

ولهذا كانت الأديرة مراكز ثقافية علمية قوية لأنها تعتبر مركز ومجمع للناس والشعب وملجأ لهم . وقد أشاد المستشرقون بالحياة الرهبانية ورفعوا كثيراً من شأنها :

 

قال المستشرق قوبوس الأمريكي (( إن مجالاًمهماً وواسعاً للبحث قد أهمل وهو تاريخ الحياة الرهبانية السريانية التي تتجسد في حياة الأديرة السريانية إن هذه الظاهرة لاتعتبر فصلاً مهماً من تاريخ المسيحية السريانية فحسب بل أن أهميتها أبعد من أن تستقصى وهي باعث روحي تعمل ليس فقط ضمن نطاق السريان الشرقيين بل أنه أثر كذلك في نواحي عديدة من تاريخ الحضارة وفي ميدان الثقافة السامية واللاسامية في الشرق الأوسط وفي أسيا الوسطى والشرقية وحتى في أفريقيا)) .

 

*حادثة صغيرة : ملك فارسي مورش في القرن السادس خلع من الحكم وهرب إلى فيانل الروز التركية. ويقول وجدت هناك بين القبائل جماعات سريانية لاخلقدونيين يعلمون الروز كيف ينبتون القمح ويزرعون الأرز

 

 

في مجال الطب

 

ففي مجال الطب نذكر بعض الأمور :

 

وصف المظاهر المرضية التشخيصية عند الأطباء السريان في مخطوطات :

 

_ السل في الرئة _ اليرقان _ الآلام المرارة ._ السل المعوي _ القرحة _ الباسور .

 

_ التهاب الجنسي _ انسداد الأمعاء _ السكتة القلبية _التهاب الرئة والقصبات

 

_ التهاب الأذن الوسطى _ السيلان البني _ألام الكلى والمثانة

 

الحية رمز للشفاء :

 

راجع ملحمة جلجامش .

 

دفع الأطباء السريان لجعل الحية رمزاً للشفاء حتى يومنا هذا حيث أصبحت الحية رمزاً للطب .

 

علم الأدوية والنباتات .

 

العالم الأنكليزي (( كامبل تومبسون , استاذ مساعد في المتحف البريطاني أهدر عشرين سنة من حياته لدراسة الألواح الطبية المسمارية التي وجدت في نينوى وأظهر خلال ذلك إلى الوجود كتاباً سماه ( نصوص سريانية طبية اصلية في المتحف البريطاني ) .

 

ثم كتاب يتضمن اسماء الأدوية سماه ( الهربال السرياني ) لقد نجح هذا الكتاب بحل رموز لا يقل عن / 250 / اسم نبات ومادة كانت تستعمل في بلاد الرافدين لامراض طبية .

 

مثال : أهم مادة دوائية طبية عرفها الأطباء السريان هي مادة البلادونا (نبات السدة الحسناء ) لأول مرة في تاريخ الطب التي مالبثت أن غزت العالم كله وكانت تسمى باسماء مختلفة .( مسببة الإنفعال ) و ( مسببة الموت ) و( مسببة النوم ) . وعرفت من تأثيراتها ما يلي :

 

1- انهاء التشنجات في المرارة والكلية والأمعاء والأعضاء الأخرى .

 

2- بالكميات الكبيرة تسبب الأنفعالات ثم أغماء وبالكميات الصغيرة تحسن ويزيل السم .

 

3- ضد السعال , وازدياد اللعاب . تزال الحصى من المثانة والكلى .

 

أن تأثيرات نبات السيدة الحسناء عرفت حديثاً عام / 1951 / على يد طبيب . / ألطونيان /

 

مخطوطة سريانية تحت رقم 25 مكتوبة عليها كتاب طبي محفوظ في مكتبة كنيسة السريان الأرثوذكس _ حي السريان القديم بحلب _ المسأول عنها سيادة المطران مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم متروبوليت حلب وتوابعها .

 

المخطوطة باللغة العربية والحرف السرياني / الكرشوني / لا تاريخ للمخطوطة ولا اسم لناسخها لكن بحسب تقديرات المختصين تعود الى القرن السادس عشر ويظهر من خلال المقدمة إن جامع المعلومات وصاحب المؤلف هو صالح الموصللي وواضح ان الكتابجمع في العهد العثماني وهذا واضح من المقدمة .وهذه المخطوطة تضع فصول فيها امراض معينة مع اعراضها وكيفية علاجها نذكر الأن أهم فصول هذه المخطوطة :

 

- فصل في تدبير الأطفال . - فصل في الأسنان.

 

- فصل في أمراض الأطفال . - فصل في النزلة و السعال وضيق النفس.

 

- فصل في الورم الحاد في الرأس . - فصل في القيء العارض للأطفال .

 

- فصل في الصرع وام الصبيان . - فصل في الأسهال العارض للأطفال .

 

- فصل في تشنج الأطفال الرعي . - فصل في الديدان .

 

- فصل في حصاة المثانة . - فصل في خروج المعدة .

 

- فصل في البول الفراشي. - فصل في خروج السرة .

 

ومن الجدير بالذكر أن شريعة حمورابي . تضمنت نصوصاً تشريعية تتعلق بممارسة الطب قانونياً . وهذه النصوص تحمل المواد رقم ( مادة رقم 215- 216 - 217 - 218

 

221- 222 -224 ) .

 

بعد اكتشاف هذه القوانين 1902 لم يعد أي شك أنه وجد عند السريان طبقة أطباء يجب أن تكون من الأهمية بمكان حتى حمل حمورابي ليدخلها في شريعته .

 

والى جانب سن العقوبات للأستحقاق والأخطاء التي يقع فيها الأطباء فقد سن تنظيم دفع اجور كبيرة للأطباء وهو أول تنظيم أجور للأطباء عرفه التاريخ .

 

استعمال الموسيقى في الطب عند السريان .

 

صرح الأستاذ وليد غلمية / موسيقار وفنان لبناني له عدة مؤلفات موسيقية / .

 

في محاضرته عن الموسيقى والفلكلور إن المادة التي يجب أن تعتمد عليها الموسيقى في مجتمعنا وحتى تكون قريبة من نفسية هذا الشعب وحتى نعطي للعالم صورة رائعة وجميلة وأنيقة عن موسيقانا هذه المادة التي يجب أن تعتمد على الفلكلور الشعبي لبلا د ما بين النهرين فهذا الفلكلور هو وحده الذي يمكن له إعطاء صورة حقيقية ورقية عن موسيقانا وثقافتنا الحضارية وثبت أن بلاد ما بين النهرين كانت بالقديم منبع الموسيقى ومصدرها الوحيد فقد ثبت من الحفريات وغيرها ما يلي :

 

1_ هناك أسطورة فرعونية تقول بأن أحد الفراعنة مصر أرسل وفداً موسيقياً برئاسة وزير ليأتي له بقصب يغني من بلاد الرافدين .

 

2_ وأسطورة يابانية تذكر الشيء نفسه .

 

3_ وقصة صينية بإرسال أحد أباطرة الصين وأحداً من وزرائه مع وفد ليأتي له بقصب يغني.

 

4_ لوحة رائعة من الغضار عليها فرقة موسيقية شباباً وفتيات مع آلاتهم يعزفون القطع الموسيقية .

 

وفي عصرنا المتقدم وبعد الميلاد كان الملفان مار افرام السرياني أول من أدخل اللحن للكنيسة وأول من ألف فرقة كورال تضم شباباً وفتيات .

 

مشاهير السريان

 

القديس مار أفرام السرياني

 

(373 _ ? 303 م)

 

المعروف بأفرام السرياني أو ( نبي السريان ) الأب الأكثر إصغاءً في الكنيسة السريانية وواحد من أغزر كتابها والمقروءة كتاباته على نطاق واسع .

 

ولد كما يعتقد غالباً من أبوين مسيحيين في مدينة نصيبين حيث قضى معظم سنين حياته خادماً كشماس تحت أيدي أساقفتها ابتداءً بيعقوب النصيبيني (+833م) .

 

في عام (363م) عندما أخضعت نصيبين للإمبراطورية الفارسية كان على سكانها المسيحيين أن يغادروها وهكذا أمضى سنين حياته العشرة الأخيرة في الرها حيث توفى سنة (373م) .

 

ألف أفرام في كل من الشعر والنثر ، وفي كلا هاتين الوسيلتين أستخدم أسلوبين مختلفين حيث أنه في بعض مؤلفاته النثرية أستخدم الكتابة النثرية السوية ( العادية ) في البعض الأخر منها لجأ إلى الصيغة النثرية المتقنة فنياً .

 

أما في شعره فقد أستخدم كلاً من الميامر (--) والداريش (--) .

 

الميامر التي وظفها مار أفرام للشعر القصصي بيت (صدر وبحجز) بسبعة أوزانتطل منها (7+7) ( وقد عرف هذا الوزن في ما بعد ببحر مار أفرام ) ، في حين أنه أستخدم الداريش ذات المقاطع الشعرية في الشعر الغنائي العاطفي .

 

تأتي شهرة مار أفرام الفائقة أصلاً من كونه شاعراً فخماً لا شك فيه أنه أعظم وأرق الشعراء السريان على مر التاريخ هذا دون إغفال كون مار أفرام لاهوتياً من الطراز النادر وواحد من الذين عمدوا إلى شرح اللاهوت عن طريق الشعر أكثر من النثر .

 

ما سنشير إليه في الأسفل يعتبر جزأً من مؤلفاته غير المشكوك فيها والتي ترجمت إلى اللغات الإغريقية والنبطية والعربية والآثورية .

 

النثر : (1)_ النثر العادي (السوي) :

 

_ شروحات لسفر التكوين .

 

_ عرض وتعليقات على سفر الخروج .

 

لقد نسبت مجموعة كبيرة من شروحات أسفار العهد القديم لمار أفرام إلا أنه من المؤكد فقط أن شروحاته لسفري التكوين والخروج عائدة له .

 

وبدأ عظى مار أفرام في شرحه لسفر التكوين أهتماماً خاصاً للأصححات الأولى (خاصةً من 1_6) .

 

_ تعليقاته على الدياطيرون :

 

يركز مار أفرام التعليق في مؤلفه هذا على بعض النجم للأناجيل المعروف بدياطيرون أكثر من تركيزه على أنجيل واحد بعينه .

 

ويتمتع تعليقه هذا بأهمية فائقة كونه عائداً إلى القرن الرابع كمصدر واسع النطاق للتفسيرات السريانية لنص الأنجيل .

 

_ مؤلفات نثرية واحضة ( مناهضة ) :

 

يتضمن هذا العنوان الحديث العهد على المؤلفات التالية لمار أفرام :

 

خمس خطب موجهة لهيباتيسوس ضد العقائد والأفكار المضللة ، وخطبة ضد برديصان بعنوان ( دومنوس ) وخطبة ضد مرقيون وخطبة ضد ماني .

 

النثر : (2) _ النثر الفني ( المتقن فنياً ) :

 

_خطبة في الرب .

 

_ رسالة إلى موبليوس .

 

ثمة مقطعان مازالا موجودين حتى الأن من رسالته هذه التي تتحدث عن الواسطة في يوم الدين .

 

_ خطبة في المعجزات التي قام بها موسى في مصر .

 

تنتمي هذه الخطبة إلى مجموعة من الخطب المكتوبة إلى مار أفرام ، غير أنه تم التأكد فقط من أن هذه من تأليف مار أفرام حقاً .

 

الشعر : (1)_ الشعر القصصي ( الميامر ---) :

 

_ ستة ميامر عن الإيمان ( وهي من مؤلفاته الأولى ) .

 

_ ميامر ضد برديصان .

 

_ ميامر عاى نيقوميديا .

 

تتحدث هذه المجموعة من الميامر كما يدل عنوانها عن التدمير الهائل الذي أحدثه الزلزال الذي ضرب مدينة نيقوميديا سنة (358م) .

 

مازالت بضعة مقاطع من هذه الميامر موجودة حتى الأن في لغتها الأصلية ( السريانية ) لكنها متوفرة بكاملها في ترجمتها الأرمنية المبكرة .

 

_ فيما يلي الميامر التي يظن بأنها عائدة لمار أفرام :

 

1_ ميمر عن التهذيب .

 

2_ ميمر عن يونان وتوبة نينوى .

 

تمت ترجمة هذه القصيدة القصصية الطويلة إلى اللغات الأغريقية والأرمنية والجورجية والأثيوبية .

 

3_ عن المرأة الخاطئة .

 

بالعودة إلى أصل هذه القصيدة المؤثرة فإنها تعتبر حقيقية .

 

_ فيما يلي نذكر كتابات أخرى هامة عنونت بأسم مار أفرام إلا أنه من غير المؤكد فيما إذغ كانت هذه المؤلفات تعود إلى مار أفرام نفسه أم إلى ناشر أعماله .

 

على أية حال أثبت وجود هذه الأعمال في سنة ( 485م) حيث أن مار فيلطسينوس يشير إلى عدداً منها وهي كالتالي :

 

_ مداريش عن الإيمان :

 

هذه هي المجموعة الأضخم (87 قصيدة ) كما انها تضم مجموعة شهيرة من خمس قصائد ( 81_ 85 ) عن اللؤلؤة ومغزاها .

 

_ مداريش عن نصيبين :

 

في النصف التالي من هذه المجموعة ( أعداد 52_54) يوظف مار أفرام أسلوباً أدبياً قديماً معروفاً في ما بين النهرين وهو عبارة عن جدال تم التعرض إليه مسبقاً ( بين الشيطان والموت في هذه الحالة ) وهما يتبادلان الحديث الحامي مظهراً كل منهما أنه يفوق قوة على الإنسان .

 

_ مداريش ضد الهرطقات :

 

قصائد هذه المجموعة المؤلفة من ( 56 ) مدريش موجها بمعظمها ضد تعاليم مرقيون وبرديصان وماني ، كما تعطى مواضيع أخرى مثل ( الزيت _ والزيتون _ وأمثال الرب وغيرها ) .

 

_ مداريش عن الكنيسة :

 

تعطى هذه المجموعة المؤلفة من ( 52 ) مدريش عدداًمن المواضيع هي كالتالي :

 

_ مداريش عن ميلاد الرب .

 

_ مداريش عن الصليب والقيامة .

 

_ مدارش عن الفردوس .

 

_ مداريش عن الصوم .

 

_ مداريش ضد يوليان .

 

أن نذكر في هذه العجالة ما ألفه مار أفرام -----مستحيل .

 

نستطيع القول إن هذا المقلم الفذ لم يدع موضوعاً دينياً دون أن يطرق بابه شعراً أو نثراً ، فبلا ادنى شك يستحق مار أفرام أن يدعى ملفان النبطية الأعظم ---- وملفان اللاهوت ولكن قد يكون نسب ما يدعى به هذا الملفان هو أن شمس السريان .

 

هذه بعض أبيات مختارة من قصائد مار أفرام

_ من ميمره عن وجود الله وتشبيهه إياه بالبحر :

 

1_ فقبل الظل هو وبعد الظل هو ووسط الظل

 

هو شبيه البحر هو وفيه الكائنات كلها تحيا

 

2_ وكالسمك المطمور بمياه البحر هكذا هو الله

 

مطمور بالعلو والعمق والقرب وما يكمن فيها

 

3_ وكما السمك ترافق المياه أينما ذهب

 

كذلك الله يرافق ويرى كل انسان دائماً

 

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

_ من ميمره عن ميلاد الرب :

 

1_ حينما رأى الله أنه للعبيد سجدنا

 

لبس تعالى جسد العبد ليصطادنا بما نحن عليه

 

2_ وبهذا المجهول ---شفانا

 

وبهذا المخلوق خالقنا أحيانا

 

 

_ منة نصائح و حكم مار أفرام :

 

1_ إن الحكمة لأفضل من السلاح والعلم لأكرم من المال .

 

2_ إن طفلاً فهيماً لأفضل من شيخ كهل سخيف .

 

3_ إن الفم الذي خلق لمجد الله لا يمكن أن يكون مخرجاً للسباب .

 

4_ واللسان الذي صنع لمجد الله لا يصبح منفذاًُ للتجديف على الله .

 

5_ بجعلك مقام رفيقك كبيراً ، ها قد جعلت مكانة الله عظيمة .

 

6_ كل من يحقد على رفيقه قد جعل نفسه بعيداً عن عفو الله .

 

7_ كل من تخلى عن والغضب جعله الله مرضياً عنده ومحسناً .

 

8_ القلب الحقود والغضوب منبت للشيطان ومسكن .

 

9_ السباب الذي يدخل فيه الملك لا يجوز أن يكون منفذاً للأثم .

 

_ إن شاء الله تعالى سنفرد صفحات خاصة لنشر ما تيسر لنا من كتابات هذا الملفان العظيم باللغات السريانية والعربية والإنكليزية .

 

مشاهير السريان

أحيقار الحكيم

_ عن النص الذي نشره نيافة مار فيلكسينوس حنا دولباني مطران ماردين عن مخطوطة كيمبردج (رقم2020) في مطبعة الحكمة سنة 1962.

 

_ توكلاً على القوة الإلهية اكتب أمثال ، أي قصة احيقار الحكيم كاتب سنحاريب ملك آثور ونينوى .

 

_ في السنة العشرين لملك سنحاريب بن سرحدون ملك آثور ونينوى (1) ، أنا احيقار كنت كاتب الملك ، وقيل لي لما كنت صبياً انك لن ترزق ولداً ، والثروة التي كنت أملكها كانت أعظم من أن توصف .

 

تزوجت ستين امرأة وبنيت لهن ستين قصراً (2) ولم ارزق ولداً ، فبنيت أنا احيقار مذبحاً عظيماً كله من الخشب واوقدت فوقه النار وقدمت ضحية رجاء صالح وقلت : آه يا إلهي وربي ، إذا مت ولم انجب ولداً ماذا سيقول الناس عني ؟ ( سيقولون ) ان احيقار البار الصالح تقي الله مات ولم ينجب ولداً ابناً لدفنه لا ابنة ، وثروته

 

___________________________________________________________ ( 1)_ المعروف أن سنحاريب هو أبن سرجون الثاني (704_681 ق. م.) لا أبن اسرحدون .إن اسرحدون هو أبن سنحاريب ملك في غضون (681_669 ق. م.) وفي القصة خطاء تاريخي واضح بينما النص الأرامي القديم يسجل هذه الناحية التاريخية صحيحة ، وفي النصوص الأشوربية يرد أسم اسرحدون كما سجله النص الأرامي لا سرحدون كما يرد في هذا النص .

 

(2)_ العدد رمزي فقط يدل على الكثرة في الكتابات القديمة .

 

ليس لها من يرثها ، كرجل ملعون ، فاطلب أليك اللهم أن ترزقني ولداً ليرمي التراب على عيني يوم أموت ، وسمعت هاتفاً يقول : يا أحيقار الكاتب الحكيم ، لقد منحتك كل ما طلبت الي ، ولكني تركتك بدون بنين ، يكفيك ذلك فلا تقلق ، فإنا نادن ابن أختك سيصبح ابناً لك ، يمكنك مع تربيته وتنشأته ان تعلمه كل شيْ ، ولما سمعت ذلك حزنت وقلت : آه اللهم ربي ، اتعطيني نادن ابن اختي ابناً ؟ يرمي التراب على عيني يوم اموت ؟ فلم ألق جواباً ، فصدعت للأمر ، واتخذت نادن ابن اختي ابناًلي ، وكان طفلاً فسلمته لثماني مرضعات ، واطعمته العسل واجلسته على الطنافس الفاخرة والبسته الخر والأرجوان ، فنما ابني وتعالى كالارز ، ولما ترعرع ابني علمته الكتابة والحكمة . ولما عاد من رحلته دعاني وقال لي : يا أحيقار الكاتب الحكيم ، يا كاتم أسراري ، إذغ شخت ومت من بعدك يخدمني مثلك ؟ قلت : عش إلى الأبد يا سيدي الملك ، لدي ابن مثلي حكيم قد حذق الكتابة والأدب . قال الملك : علي به فأراه ، إذا كان بأمكانه الوقوف امامي ، اصرفك بأمان فتقضي شيخوختك بكرامة حتى نهاية حياتك.

 

فأخذت نادن ابني وأوقفته بحضرة الملك فلما رآه سيدي الملك قال : لين هذا اليوم مباركاً أمام الله ، فكما سار أحيقار أمام أبي سرحدون فكوفيْ ، أقام وهو حي ابنه في بابي ،فليخلد هو إلى الراحة . فسجدت ، أنا أحيقار ، للملك وقلت : عش إلى الأبد يا سيدي الملك ، كما سرت أمام ابيك وامامك إلى الأن ، ارجو عطفك على حداثة سن ابني هذا ، كي يتضاعف فضلك علي ، ولما سمع الملك ذلك أعطاني يمن العهد ، فسجدت _ أنا أحيقار _ للملك ولم أكن انقطع عن تعليم ابني فأشبعته العلم كما أشبعته اخبز والماء ،وكنت أقول له :

 

1_ اسمع يا بني نادن ، وتفهم تعليمي ،واذكر كلامي ذكرك كلام الله (1).

 

2_ يا بني نادن ، إذغ سمعت كلمة دعها تموت في قلبك ولا تبح بها لإنسان ، لئلا تصير جمرة في فمك ، فتكويك ، وتترك وصمة في نفسك ، فتكون مكروها في الأرض وتجدفه على الله .

 

3_ يا بني لا تبح بكل ما تسمع ، ولا تشهر كل ما ترى .

 

4_ يا بني لا تحل عقدة ربطت وتربط عقدة حلت .

 

5_ يا بني لا ترفع نظرك إلى امرأة متبرجة متكحلة ولا تشتهها في قلبك ، لأنك إن اعطيتها كل ما ملكت يداك لن تجد فيها خيراً وترتكب أثماً امام الله .

 

6_ يابني لا تفسق بامرأة صاحبك لئلا يفسق أخرون بامرأتك .

 

7_ يا بني لا تكن عجولاً كشجرة اللوز فإنها تزهر قبل جميع الأشجار وتطعم بعدها جميعاً ، بل كن كشجرة التوت هادئاً متأنيا فإنها تورق أخر الأشجار وتطعم قبلها جميعاً .

 

8_ يا بني طأطيْ عينيك واخفض صوتك وانظر بأحتشام لأنه لو أمكن بناء البيوت بالصوت العالي لبني الحمار بياين في يوم واحد ، ولو أمكن جر المحراث بالقوة لما فارق النير منكب الجمل .

 

9_ نقل الحجارة مع رجل حكيم أفضل من شرب الخمرة مع رجل جاهل .

 

(1)_ اثبتنا الأرقام هنا طبقاً للنص السرياني الأنف الذي أخذنا الترجمة عنه .

 

10_ يابني أسكب خمرتك على قبور الصالحين ولا تشربها مع الأثمة .

 

11_ يابني ، مع الحكيم لن تفسد ، ومع الفاسد لن تكون حكيماً .

 

12_ يابني عاشر الحكيم تصبح حكيماً مثله ، ولا تعاشر الوقح المهذار لئلا تحسب نظيره .

 

13_ يا بني طالما أنت منتعل درس الأشواك ومهد الطريق لأبنائك وأحفادك .

 

14_ يابني يأكل ابن الغني حية فيقول الناس للشفاء أكلها ، ويأكلها ابن الفقير فيقولون لجوعه يأكلها .

 

15_ى يابني كل نصيبك ولا تقتحم نصيب أقرانك .

 

16_ يابني ، مع عديم الحياء حتى الخبز لا تأكل .

 

17_ يابني لا تغتم لخير يناله مبغضك ولا تفرح لشر يصيبه .

 

18_ يابني لا تقرب امرأة مهذارة ولا صخابة .

 

19_ يابني لا يغرينك جمال المرأة ولا تشتهها في قلبك لأن جمال المرأة ذوقها وبهائها نطقها.20_ يابني إذا جابهك مبغض بالشر فجابه أنت بالحكمة .

 

21_ يابني إن الأثيم يسقط ولا ينهض والبار لا يتزعزع لأن الله معه .

 

22_ يابني لا تحرم ابنك من الضرب ( التأديب ) لأن الضرب للصبي كالسماد للبستان ، وكالجام للبهائم ، وكالقيد في رجل الحمار .

 

23_ يابني أخضع ابنك مادام صغيراً قبل أن يفوقك قوة ويتمرد عليك فتجل في مساوئه .

 

24_ يا بني اقتن ثوراً يربض وحماراً ذا حوافر ولا تقتن عبداً آبقا ولا أمة لصة لئلا يفقداك ثروتك .

 

25_ يا بني إن كلام الكذوب كالعصافير السمينة ، وعديم الحكمة يأكلها .

 

26_ يابني لا تجلب عليك لعنة أبيك وامك لئلا تحرم الفرح بنعم ابيك .

 

27_ لا تسر في طريق بدون سلاح لأنك لا تعلم متى يقابلك عدوك .

 

28_ يا بني كما أن الشجرة مزدانة بأغصانها وثمرها ، والجبل بأحتباك اشجاره هكذا يزدان الرجل بأمرأته وبنيه ، والرجل الذي ليس له أخوة وزوجة وبنون محتقر ومهان بين أعدائه ، يشبه شجرة على قارعة الطريق يستبيحها كل عابر ، وكل حيوان البر يقضم أوراقها .

 

29_ يابني لا تقل أأن سيدس غبي وانا حكيم ، بل امسكه متلبساً بمساوئه فتتسامى .

 

30_ يابني لاتحسب نفسك حكيماً والناس لا يسبونك كذلك .

 

31_ يابني لا تكذب أمام سيدك بكلامك ، لئلا تحتقر ويقول لك اغرب عن وجهي .

 

32_ يابني ليكن كلامك صادقاً ، ليقول لك سيدك اقترب مني فتحيا .

 

33_ يابني لا تجدف على الله يوم محنتك لئلا يغضب عليك حين يسمعك .

 

34_ يابني لا تفضل عبداً من عبيدك على صاحبه لأنك لا تعلم أيهم ستحتاج اليه آخر الأمر .

 

35_ 0يابني ، الكلب الذي ترك صاحبه وتبعك ارمه بالحجارة .

 

36_ يابني إن القطيع المبدد في الفلوات يكون من نصيب الذئاب .

 

37_ يابني كن عادلاً باحكامك في شبابك تنل كرامة في شيخوختك .

 

38_ يابني اجعل لسانك حلواً وكلامك عذباً فإن ذنب الكلب يطعمه خبزاً وفمه يكسبه ضرباً .

 

39_ يابني لاتدع صاحبك يدوس رجلك لئلا يدوس عنقك .

 

40_ يابني اضرب العاقل كلمة حكيمة فتكون في قلبه كالحمى في الصيف ، لأنك إذا ضربت الجاهل عصياً كثيرة فلن يشعر .

 

41_ يابني أرسل الحكيم ولاتكرر عليه التوصية ، وإذا كان لا بد من ارسال جاهل فالأفضل أن تذهب انت من ان ترسله .

 

42_ يابني جرب ابنك الخبز والماء ومن ثم يمكنك أتمانه على ثروتك وأموالك.

 

43_ يابني كن أول من يغادر الوليمة ولا تنتظر الدهائن اللذيذة لئلا تصاب بفدوغ برأسك .

 

44_ يابني من كانملآن اليد يدعى حكيماً ومحترماً ، ومن كان فارغها يدعى مسيئاً ووضيعاً .

 

45_ يابني إني حملت الملح ونقلت الرصاص فلم اجد أثقل من الدين ، فليف الإنسان ولا يقترض .

 

46_ يابني حملت الحديد ونقلت الحجارة فلم اجد أثقل من رجل يسكن بيت حميه .

 

47_ يابني علم ابنك الجوع والعطش ليدبر بيته بروية .

 

48_ أعمى العينين أفضل من أعمى القلب لأن اعمى العينين يتعلم طريقه سريعاً ، واما أعمى القلب فإنه يحيد عن الطريق السوي ويتيه في الظلال .

 

49_ يابني صديق قريب خير من أخ بعيد والأسم الجيد خير من الجمال الباهر ، لأن الأسم الجيد يدوم إلى الأبد والجمال يذوي ويزول .

 

50_ يابني الموت خير لرجل لا راحة له وصوت النحيب في اذني الجاهل أفضل من الغناء والفرح .

 

51_ يابني الزبد الذي في يدك خير من الدهن الذي في قدر الآخرين (1) ، ونعجة قريبة خير من بقرة بعيدة ، وعصفور في اليد خير من ألف عصفور طائر ، والفقر الذي يجمع خير من الغني الذي يبدد ، ورداء صوف ترتديه خير من خز وأرجوان يرتديه الآخرون .

 

(1)_ فضلنا ترجمة هذا النص على النحو الذي اثبتناه ، لأن كلمة ---- أو ---- تعني ( الزبدة ) أيضاً ، ولأن كلمة ---- اختلف المترجمون فبها فتبعاً لما يرد في القواميس فقالوا فيها ( شعرة ) كما ترجمها غيرهم ( جناح ) وغيرهم ( فخذ ) بينما لا ترد بهذين المعنيين في القواميس مطلقاً بل ترد بمعنى ( الزفت القير أو القار ) وما إلى ذلك ، وبناء على ذلك عولنا اعتماد كلمة ---- عوضاً عن ---- طبقاً لبعض النسخ من النص السرياني ، ولا شك أن كلمة ---- تعني الزيت او الدهن فلا يستقيم المعنى إلا كما ترجمناه هنا تخلصاً من مشكلة كلمة ---- مع العلم ان هذا النص ورد في نسخة كرشونية على شكل أخر بعيد عن هذا التعبير فقيل فيه ( كسر خبزة في يدك خير من وزنة معجن الآخرين ) مجلة لسان المشرق السنة ] 4 _ 1951 ص 136 [ .

 

52_ يابني احصر الكلمة في قلبك تسعد ، لأنك إذا بدلت كلامك فقدت صديقك .

 

53_ يابني لا تطلق الكلمة من فمك حتى تروزها في قلبك لأنه خير للرجل أن ان يعثر في قلبه من أن يعثر في لسانه .

 

54_ يابني إذا سمعت كلمة سوء فأدفنها في الأرض عمق سبعة أذرع .

 

55_ يابني لا تقف حيث الخصومة لأن من الخصام ينتج القتل .

 

56_ يابني كل من لا يقضي قضاء عادلاً يغضب الله .

 

57_ يابني لا تبتعد عن صديق ابيك فربما لا يصلك صديقك (2) .

 

58_ يابني لا تقتحم بستان العظماء ولا تقرب بنات الكبراء .

 

59_ يابني حام صديقك أمام السلطان لكي يمكنك أن تحاميه امام الأسد ( ربما الملك ) .

 

60_ يابني لا تفرح إذا مات عدوك .

 

61_ يابني إذا رأيت رجلاً أسن منك فقف له إجلالاً .

 

(2)_ فضلنا النص الوارد في حاشية ( ص 14 ) من طبعة نيافة المطران مار فيلكسينوس يوحنا وهو ---- لا تبتعد عوضاً عن ---- أبعد ، لأن الأول أصوب كما ترى .

 

62_ يابني إذا وقف الماء بدون أرض او طار العصفور بدون جناح أو ابيض الغراب كالثلج ، اوحلي المر كالعسل ، فحينئذ يصير الجاهل حكيماً .

 

63_ يابني إذا كنت كاهن الله فأتقه واظهر بحضرته طاهراً ولا تبرح من أمامه .

 

64_ يابني من أنعم الله عليه فأحترمه انت ايضاً .

 

65_ يابني لا تقاوم من كان في أوج قوته ( في يومه _ حرفياً ) ولا تناحر النهر في طغيانه .

 

66_ يابني إن عين الإنسان هي كينبوع ماء ولا تشبع من الأموال حتى تمتلئ بالتراب .

 

67_ يابني إذا اردت أن تكون حكيماً فأمنع فمك عن الكذب ، ويدك عن السرقة تكن حكيماً .

 

68_ يابني لا تتدخل في زواج إمرأة لأنها إذا شقت لعنتك وإذا سعدت فلن تذكرك .

 

69_ يابني بهي الثياب مقبول الكلام وحقيرها مرفوض .

 

70_ يابني إذا لقيت لقية أمام صنم فقدم له منها حصته .

 

71_ اعضد يداً كانت ميسورة فجاعت واكففها ليد كانت جائعة فشبعت .

 

72_ يابني لا تنظر عيناك جمال امرأة ولا ترن إلى جمال ليس لك لأن كثيرين هلكوا بجمال امرأة وحبها كالنار اللاهبة .

 

73_ يابني خير لك أن يضربك الحكيم عصياً كثيرة من أن يدهنك الجاهل بطيب معطر .

 

74_ يابني لا تكثر من زيارة صديقك لئلا يملك فيشنأك .

 

75_ يابني لا تضع خاتم ذهب في أصبعك وانت خالي الوفاض لئلا يزدريك الجهال .

 

هذا هو التعليم الذي علمه أحيقار لأبن أخته نادن

 

_ اما انا احيقار فقد ظننت ان كل ما علمت نادن سيعلق بقلبه ، فيخلفني في في باب الملك ، ولم أكن أدري ان نادن ابني لن يطيع كلامي بل سيذريه ادراج الرياح ، ويعود فيقول : إن احيقار ابي قد شاخ وهو على شفا قبره ، قد اختلت معرفته وضئلت حكمته . وراح نادن ابني يسيْ إلى عبيدي فيضربهم ويعبث في كل شييْ لي تبديداً وأتلافاً ولم يكن يشفق على عبيدي وأمائي النشيطين المحبوبين جداً ، وكان يقتل خيلي ويعقر بغالي القوية ولما رأين أن نادن تمادى في عبثه هذا ، قلت له : يابني نادن ، لا تقرب أموالي فقد قيل في الأمثال ، حيث لم تجني اليد لا ترحم العين ونقلت كل هذا الكلام لسيدي سنحاريب فأصدر سيدي أمراً يقول : مادام أحيقار حياً فلا سلطان لأحد على ثروته .

 

حينئذ لما رآى ، نادن بني اخاه نبوزردان في بيتي ، اغتاض جداً ، وقال ان احيقار ابي قد شاخ فضحلت حكمته ، وتفهت كلماته الحكيمة ، واخشى أن يعطي ثروته لأخي نبوزردان ، ويطردني من بيته .

 

ولما سمعت أنا احيقار ، هذا الكلام ، قلت في نفسي . ويحك يا حكمتي !! فقد ظنك نادن ابني تفاهة !! واعتبر كلماتي الحكيمة فارغة .

 

ولما سمع نادن ذلك غضب . وذهب إلى باب الملك . مضمراً الشر في قلبه ، فجلس وكتب رسالتين إلى ملكين من أعداء سيدي سنحاريب ، الأولى : إلى أخي ( اغيش ) ابن حمسليم ملك فارس وعيلام ، وقال : (من احيقار الكاتب وحامل أختام سنحاريب ملك آثور ونينوى ، سلام . إذا وصلت إليك هذه الرسالة ، بادر ولاقني في آثور ، وأنا أدخلك آثور فتستولي عليها بدون حرب ) .

 

وكتب رسالة ثانية : ( إلى فرعون ملك مصر ، من احيقار الكاتب ، وحالم أختام ملك آثور ونينوى ، سلام : إذا وصلت إليك هذه الرسالة ، بادر وأزحف إلى بقعة النسور ( ربما قنسرين على الفرات ) في الجنوب ، في اليوم الخامس والعشرين من شهر آب ، وأنا ادخلك آثور فتستولي عليها بدون حرب ) .

 

وقلد بذلك خط يدي ، وختمها بختم الملك . وكتب رسالة آخرى ، كأنها موجهة إلى من سيدي سنحاريب وقال : ( من سنحاريب الملك إلى أحيقار الكاتب وحامل أختامي ، سلام : إذا وصلت إليك هذه الرسالة ، عبئ الجيش كله إلى الجبل المسمى ( صيص ) ومن هناك أهبط وهيأ للقائي في بقعة النسور في الجنوب ، في اليوم الخامس والعشرين من شهر آب . وإذا رآيتني اتقدم إليك شن الحرب علي كأنك رجل يريد قتالي ، لأن سفراء وردوا إلي من فرعون ملك مصر ، ليتجسسوا قوتي )

 

وأرسل نادن ابني هذه الرسالة إلي بيد جنديين من جنود الملك . وأخذ نادن الرسائل التي كتبها كأنه أكتشفها إكتشافاً ، وقرأها امام الملك . ولما سمع سيدي الملك ذلك ولول وقال : يا إلهي ماذا جنيت على احيقار ، ليكيل لي هذا الجزاء ؟ فأجاب نادن وقال : لا تغتم ولا تغضب يا سيدي الملك . هيا بنا لنذهب إلى بقعة النسور في اليوم المعين في الرسالة ، وإذا صح الأمر فليكن ما تأمر به .

 

واصطحب نادن ابني الملك سيدي ، ووافياني إلى بقعة النسور ، فوجداني ومعي جيش عظيم محتشد هناك ولما رأيت الملك هيأت جنودي للحرب طبقاً لما ورد في الرسالة . وإذ رآى الملك ذلك ارتاع جداً ، فأجاب نادن ابني وقال له : لا ترتع يا سيدي الملك ، عد إلى بلاطك بسلام وسآتي بأحيقار أمامك .

 

حينئذ عاد سيدي الملك إلى بيته ، فجاء إلي نادن ابني وقال : كل ما فعلت كان حسناً ، وقد مدحك الملك كثيراً ، وقد أمر أن تصرف الجنود كلاً إلى بلده وبيته ، وتأتي وحدك . ثم مثلت أمام الملك ، ولما رآني الملك قادماً قال : يا أحيقار كاتبي ، يا ربيب آثور ونينوى . يا من رفعت إلى مقام الكرامة، فأنقلبت واصبحت من أعدائي ، ودفع إلى الرسائل المكتوبة بأسمي ، والمختومة بختمي . ولما قرأتها تعلثم لساني ، وارتخت مفاصلي ، وحاولت أن اجد كلمة واحدة من كلمات الحكمة فلم أوفق . فقال لي نادن ابني ، اغرب من امام الملك أيها الشيخ الأخرق ، وهات يدك للقيود ، ورجليك لأصفاد الحديد . فأشاح الملك وجهه عني ، وخاطب نبوسمخ مسكين زميلي وقال : قم اذهب واقتل أحيقار ، وافصل رأسه عن جسمه مئة ذراع . وعندئذ أرتميت على وجهي إلى الأرض وسجدت للملك وقلت : عش إلى الأبد يا سيدي الملك ، وطالما شئت قتلي ، فليكن كأمرك وكأرادتك ، وأنا متأكد اني لم اسيْ أليك . فمر أن اقتل في باب بيتي ، وليعط جثماني ليدفن . فقال الملك لنبوسمخ مسكين زميلي : أذهب واقتل احيقار امام باب داره وارفع جثته لتدفن .

 

حينئذ ، انا احيقار ارسلت إلى اشغفني زوجتي ، وطلبت إليها ان تهيْ ألف فتاة من صبايا عشيرتي فيلبسن الحداد وينحن ويولولن ويبكين علي ، ويزحفن إلى بابي ، ويقمن مناحة قبل موتي . وطلبت إليها أن تعد وليمة للطعاو والشراب لزميلي نبوسمخ وللجنود الذين معه ، وقلت لها : اخرجي للقائهم واستقبليهم وادخليهم إلى داري ، واخل انا ايضاً كضيف . وكانت اشغفني زوجتي حكيمة جداً ، ففهمت كل رغبتي ، واعدت كل ما طلبت إليها إعداده ، وخرجت تستقبلهم فأدخلتهم إلى داري ، فتناولوا الطعام وكانت تخدمهم بذاتها ، حتى استلقوا في اماكنهم نائمين من شدة سكرهم ، ثم انا احيقار دخلت وقلت لنبوسمخ مسكين ، انظر إلى الله ايها الأخ ، واذكر الصداقة التي بيننا ، ولا تسبب موتي وأذكر ان الملك اسرحدون ابا سنحاريب اسلمك يوماً إلى لكي اقتلك فلم اقتلك لأني عرفتك بريئاً واستحييتك حتى طلبك الملك ، ولما جئت بك أمامه اعطاني عطايا ثمينة ، ونلت منه هدايا سنية ، وانت الأن ابقني حياً ورد إلى ذلك الجميل لئلا ينتشر ذلك الخبر بأني لم أقتل ، فيعاقبك الملك . هوذا في السجن عندي عبد اسمه منزيفر محكوم عليه بالموت ، البس العبد ثيابي ، وايقظ عليه الجنود فيقتلونه ، واما انا فلا أموت لأني لم أسئ . ولما قلت هذا ، ونبوسمخ مسكين زميلي ايضاً حزن علي كثيراً واخذ ثيابي والبسها العبد الذي في السجن ، وايقظ الجنود ، فنهضوا ، ولم تزل الخمرة تلعب برؤسهم وقتلوه ، وفصلوا رأسه عن جثته مئة ذراع ، ورفعوا جثته فدفنت . فذاع في آثور ونينوى ان احيقار الكاتب قتل . ونهض نبوسمخ مسكين وزوجتي اشفغني لي مخبأ في الأرض عرضه ثلاثة أذرع وارتفاعه خمسة اذرع ، تحت عتبة باب بيتي ، وزوداني بالخبز والماء ، وذهبوا فأكدوا لسنحاريب الملك ، ان احيقار الكاتب مات . ولما سمع الرجال ناحوا علي ، والنساء مزقن علي وجوههن وولولن قائلات : وأفاه عليك يا أحيقار الكاتب الحكيم ، يامقيل عثرات بلادنا ، لن يكون لنا مثلك إلى الأبد .

 

حينئذ ، دعا سنحاريب الملك ابني نادن وقال له : اذهب واقم مناحة لأحيقارأبيك ، وعد إلي ، ولما جاء نادن ابني ، لم يعمل مناحة ولم يذكرني ، بل جمع الرعاة والخلفاء وأجلسهم على مائدتي على صوت الغناء والفرح العظيم ، وعرى عبيدي وامائي المحبوبين وجلدهم بدون رحمة . ولم يخجل ايضاً من اشفغني زوجتي ، بل راودها عن نفسها . وانا احيقار كنت ملقى في الظلام في اعماق الجب اسمع اصوات خبازي وطهاتي وسقاتي يبكون وينوحون في بيتي.

 

وبعد بضعة أيام جاء نبوسمخ مسكين ، وفتح مكمني وشجعني ، وقد لي خبزاً وماءً ، فقلت له إذا خرجت من عندي فأذكرني امام الله وقل : اللهم البار العادل ، ياصانع الخير في الأرض ، اسمع صوت احيقار عبدك واذكر أنه ضحى لك الثيران المسمنة ، كحملان الحليب ، والأن هو ملقى في جب مظلم حيث لا يرى النور ، فلم تنقذه وقد صرخ إليك ، اسمع يارب دعاء زميلي .

 

ولما سمع فرعون ملك مصر أني انا احيقار قتلت ، فرح فرحاً شديداً ، وكتب رسالة إلى سنحاريب قال فيها : من فرعون ملك مصر إلى سنحاريب ملك آثور ونينوى ، وسلام ، لقد وددت أن ابني قصراً بين الأرض والسماء ، ففتش وارسل لي من مملكتك معماراً حكيماً يجيد عمل كل ما اسأله . وإذا ارسلت لي رجلاً مثل هذا ، أقد لك جزية مصر لمدة ثلاثة سنوات ، وإن لم ترسل إلي رجلاً يجيب عن كل ما اسأله ، قدم لي جزية آثور ونينوى لمدة ثلاثة سنوات بأيدي أعضاء الوفد الذي أرسلته إليك .

 

وعندما قرأت هذه الرسالة في حضرة الملك ، دعا جميع نبلاء مملكته واشرافها وقال لهم : من منكم يذهب إلى مصر ليجيب الملك عما يسأله ؟ ويبني له القصر الذي طلبه ويجلب جزية مصر لثلاث سنوات ؟ ويعود ؟ ولما سمع النبلاء ، قالوا : تعلم يا سيدنا الملك ان المشكلات مثل هذه ليس في عهدك فحسب بل في عهد ابيك اسرحدون كان احيقار الكاتب يحلها ، والان ايضاً هوذا ابنه وهو متعلم ادبه وحكمته . ولما سمع نادن ابني ذلك صرخ بحضرة الملك وقال : إن الألهة ذاتها لا يمكنها عمل ذلك ، ناهيك عن البشر . ولما سمع الملك ذلك اغتم كثيراً ، ونزل عن عرشه وجلس على الأرض وقال : وأسفاه عليك يا احيقارل الحكيم اني فقدتكبسعاية صبي ، فمن يعيدك إلي الأن ، فأعطيه ثقلك ذهباً ؟

 

ولما سمع سمخ مسكين زميلي ذلك ، جثا امام الملك وقال : ياسيدي ، إن الذي يهين امر سيده يستحق الموت ، وإني يا سيدي قد أهنت جللاتك فمر ان اشنق لأن احيقار لذي امرت بقتله مازال حياً ، ولما سمع الملك ذلك قال : تكلم تكلم نبوسمخ مسكين تكلم ايها الرجل الهمام الصالح ، يا من لا تعرف الشر ، إذا كان الأمر كما تقول وتحضر إلي احيقار حياً أغدق عليك العطايا فضة زنة مئة وزنة ، وارجواناً زنة خمسين ، قال له نبوسمخ مسكين . اقسم لي يا سيدي الملك انه إذا لم تكن لي ذنوب اخرى اقترفتها ضدك أنك تغفر لي هذه الجريرة ، واقسم له الملك على ذلك . وحالا استقل الملك مركبته ووصل إلي سريعاً وفتح مخبأي ( فتح بوجهي ) فخرجت وجثوت امام الملك وشعر رأسي ملقى على كتفي ولحيتي انحدرت إلى صدري ، وجسمي كله معفر بالتراب ، وأظافري طويلة مثل مخلب النسر . ولما رآني الملك بكى وخجل أن يكلمني ، وبغم عظيم قال لي : يا احيقار أني لم اجني عليك انا ، بل الذي جنى عليك هو ابنك الذي ربيت . حينئذ قلت له : الآن يا سيدي ، وقد رأيت وجهك كأني لم أصب بسوء . وقال لي الملك : امض إلى بيتك يا احيقار ، واحلق شعرك واغسل جسمك ، واستعد قوتك مدة اربعين يوماً . وبعد ذلك عد إلي .

 

ثم دخلت بيتي ، ومكثت زهاء ثلاثين يوماً . ولما عادت إلي قوتي ، مثلت امام الملك . فقال لي الملك : أرأيت يا احيقار ماذا كتب إلي فرعون ملك مصر ؟ فأجبت وقلت له : لا تهتم بذلك يا سيدي الملك سأذهب إلى مصر ، وابني للمك قصراً وأجيبه عن كل ما يسألني . واجلب معي جزية مصر لمدة ثلاث سنوات .

 

ولما سمع الملك ذلك شمله فرح عظيم ، وأقام احتفالاً عظيماً ، وأقام ( يوماً عظيماً ) وقدم ضحايا عظيمة ، ونفحني بالعطايا السخية ، كما نفح واجلس نبوسمخ مسكين زميلي في مقدمة القوم . فكتبت إلى زوجتي اشفغني اقول : إذا وصلت إليك هذه الرسالة ، أوصي صيادي أن يعدوي لي فرخي نسور ، وأوصي غزال الكتان أن يعملوا لي حبال كتان يكون طول كل منها ألف ذراع وغلظه غلظ الخنصر ، وأوصي النجارين أن يعملوا قفصين لفرخي النسرل ، وسلمي إلى عوبائيل وطبيلم طفلين لا يتكلمان بعد وعلميهما أن يقولا : أعطوا البنائين الطين والملاط والقرميد فإنهم بطالون . فأعدت اشفغني امرأتي كل ما طلبت إليها .

 

حينئذ قلت للملك : الآن مر واسمح لي بالسفر إلى مصر . ولما أمر ، اصطحب معي جيشاً وسافرت . ولما بلغنا نهاية الشوط الأول للمبيت ، أطلقت فرخي النسر وربط الحبال بأرجلهما واركبت عليهما الصبيين فحملاهما وحلقا في الأجواء العالية . فأخذ الصبيان يصرخان كما تعلما : أعطوا الطين والملاط والقرميد للبنائين فأنهم بطالون .ثم اجتذبتهما .

 

ولما بلغنا مصر ذهبت إلى باب الملك ، فأخبر الملك نبلاؤه ان قد وصل الرجل الذي أرسله ملك آثور .

 

وأمر الملك فأعطى لي بيت للمقام . وفي الغد مثلت امامه . وسجدت له وسلمت عليه ، فسألني الملك ما اسمك ؟ قلت : اسمي ( ابقيم ) إحدى النملات الوضيعة في المملكة . فأجاب وقال : إلى هذا الحد يحتقرني سيدك ، فيرسل إلي نملة وضيعة من مملكته ؟ فعد يا ابقيم إلى مقامك ( محل سكناك ) وغداً صباحاً هيا فقابلني . فأمر نبلائه أن يرتدوا في الغد ثياباً حمراء وارتدى الملك خزا واستوى على العرش ، وأمر فمثلت امامه ، وقال لي : من أشبه يا ابيقام ، وعظمائي من يشبهون ؟ فأجبت وقلت له : انك تشبه بيل ياسيدي الملك ، ونبلاؤك يشبهون أحباره ، وقال لي أيضاً إذهب إلى مقرك ، وعد إلي غداً . وأ/ر الملك نبلاؤه في الغد ، فارتدوا الكتان الأبيض ، والملك ارتدى ثوباً ابيض واستوى على عرشه ، وأمر فمثلت أمامه . وقال لي : من أشبه يا ابيقام ، وعظمائي من يشبهون ؟ فقلت له : أ،ك يا سيدي الملك تشبه الشمس وعظمائك يشبهون أشعتها . وقال لي إذهب ايضاً إلأى مقرك وعد إلي غداً . وأمر الملك عظمائه في الغد فأرتدوا ثياباً سوداء . والملك ارتدى ثوباً قرمزياً ، وأمر فمثلت أمامه ، فقال لي : من أشبه يا أبيقام ، وعظمائي من يشبهون ؟ فقلت له : أنك يا سي الملك تشبه القمر ، وعظمائك يشبهون النجوم ، وقال لي أيضاً إذهب إلى مقرك ، وعد إلي غداً . وأمر الملك عظمائه في الغد فأرتدوا ثياباً مزركشة ملونة ، وأضفى على أبواب البلط اللون الأحمر .

 

والملك ارتدى ثوباً بلون التفاح ، وأمر فمثلت أمامه ، وقال لي : من أشبه ياأبيقام ، وعظمائي من يشبهون ؟ فقلت ،أنك ياسيدي الملك تشبه شهر نيسان ، وعظمائك يشبهون ازهاره . فقال لي الملك ، انك شبهتني تارة بالإله بيل وشبهت عظمائي بأحباره ، وشبهتني ثانية بالشمس ، وعظمائي بأشعتها ، وشبهتني ثالثة بالقمر ، وعظمائي بالنجوم ، وشبهتني المرة الرابعة بشهر نيسان ، وعظمائي بأزهاره ، فقل لي ياأبيقام ، سيدك من يشبه ؟ فأجبته وقلت له : حاشاك ياسيدي الملك أن تذكر سيدي سنحاريب وأنت جالس ، إن سيدي سنحاريب يشبه ( ربما الإله ايلو ) وعظمائه يشبهون البرق التي تتألق في السحب ، وكلما شاء يبلور من المطر والندى بردا ، وإذا أرعد يمنع الشمس عن الشروق وأشعتها عن الظهور . كما يمنع بيل عن التجول في الشوارع وعظمائه من الظهور ويمنع القمر من الإضاءة والنجوم من أن ترى (1) .

 

ولما سمع الملك ذلك شق عليه وقال لي : أستحلفك بحياة سيدك قل لي ما أسمك ؟ فأجبت وقلت له : أنا احيقار الكاتب ، حامل ختم سنحاريب ملك آثور ونينوى ، فقال الملك ، ألم أسمع أن سيدك قتلك ؟ فقلت له : اني لم ازل حياً يا سيدي الملك . أن الله انقذني مما لم تجنه يداي ، فقال لي رح ياأحيقار إلى منزلك وعد إلي غداً . وقل كلمة لم أسمع بها بعد ، ولا سمع بها عظمائي ، كما لم تسمع قط في عاصمتي . فجلت مفكراً وفي قلبي رسالة ورد فيها : من فرعون ملك مصر إلى سنحاريب ملك آثور ونينوى ، سلام ، إن الملوك يحتاجون

 

(1)_ ويضاف إلأى ذلك في بعض النسخ ما يأتي :[ وإذا أراد يأمر الريح الشمالية فتهب وتلبد الغيوم وتهطل الأمطار والبرد فيضرب نيسان فتتساقط أوراق ] .

 

الملوك ، والأخوة يحتاجون الأخوة ، وفي هذا الزمان قل رفدى ، وشح المال في خزائني ، فمر وأرسل من خزائنك فضة مقدار تسعمائة وزنة ، فأعيدها إليك بعد زمن قصير ، فطويت الرسالة وقبضتها بيدي وأمر الملك فمثلت أمامه ، فقلت لعل في هذه الرسالة كلمة لم تسمعها .

 

ولما قرأتها أمامه وأمام عظمائه ، صرخ عظمائه كما كان الملك قد أمرهم وقالوا : قد سمعنا بهذه الكلمة ، فقلت لهم أن مصر مدينة لآثور بمبلغ تسعمائة وزنة . ولما سمع الملك تعجب ، فقال لي : اريد أن تبني لي قصراً بين الأرض والسماء . ويكون أرتفاعه عن الأرض ألف باع ( قدر من اليدين ) فأخرجت فرخي النسر وربطت الحبال بأرجلهما واركبت عليهما الصبيين وأطلقتهما وكان الصبيان يصرخان ( أعطوا الطين والملاط والقرميد للبنائين فأنهم بطالون ) (2) ولما رآى الملك دهش .

 

حينئذ ، أخذت أنا أحيقار عصا وشرعت اضرب عظماء الملك حتى هرب جميعهم ، فأنتهرني الملك وقال : لقد جننت يا أحيقار ، من يستطيع أن يرفع شيئاً إلى هذين الصبيين ؟ أما أنا فقلت له : دعك من ذكر سنحاريب سيدي ، لا تقولو فيه سوءاً . لو كان حاضراً لبنى قصرين أثنين في يوم واحد . فقال لي الملك : دعك من أمر القصر يا أحيقار ، وامض إلى منزلك ، وعد إلي صباح الغد . وفي الصباح مثلت أمام الملك ، فقال لي : ما هذا الأمر ؟ إن حصان سيدك يصهل في آثور فسمعته خيولنا هنا فأجهضت ؟ حينئذ خرجت من حضرة الملك وأمرت عبيدي أن يصطادوا لي هرة ، فكنت أضربها بالسوط في شوارع المدينة . وعندما رآى المصريون ذلك ، ذهبوا فقالوا للملك ، أن أحيقار يستعلي على شعبنا ويهزأ بنا ، فقد أمسك هرة وهو يضربها بالسوط في شوارع مدينتنا ,

 

(2)_ في بعض النسخ جملة آخرى بمعنى ( أيها العامل أجبل ) .

 

فأرسل الملك يدعوني ،فمثلت أمامه ، فقال لي لماذا تهزأ بنا ؟ فأجبت وقلت للملك ، عش إلى الأبد يا سيدي ، إن هذه الهرة أضرت بي كثيراً ، فقد كان سيدي قد أطاني ديكاً وكان صوته جميلاً ، وكلما صاح الديك كنت أعلم أن سيدي يطلبني وكنت أذهب إلى باب سيدي ، وفي الليلة الماضية ذهبت هذه الهرة إلى آثور وقطعت رأس ذلك الديك وأتت . فأجاب الملك وقال لي : يبدو لي يا أحيقار أنك هرمت فجننت ، هناك ثلاثة مئة وستون فرسخاً من هنا إلى آثور ، فكيف تقول أن هذه الهرة ذهبت في ليلة واحدة ، وقطعت رأس الديك وعادت ؟ فقلت له : إذن ، كيف على بعد ثلاث مئة فرسخ سمعت خيولكم من هنا صهيل حصان سيدي فأجهضت؟ولما سمع الملك ذلك أغتم كثيراً ، وقال : فسر لي ياأحيقار هذه الأحجية : هناك عمود على رأسه أثنتا عشر أرزة ، وفي كل ارزة ثلاثون عجلة ، وفي كل عجلة حبلان أحدهما أبيض والآخر أسود ، فأجبت وقلت له : ياسيدي الملك إن رعاة الثيران في بلادنا يعرفون هذه الأحجية ، فالعمود الذي ذكرته هو السنة ، والأثنتا عشر ارزة ، هي أشهر السنة الأثنا عشر ، والحبلان الأبيض والأسود هما النهار والليل .

 

ثم قال لي أيضاً ، يا أحيقار أفتل لي خمسة حبال من رمل النهر ، فقلت له : مر ياسيدي أن يخرجوا لي حبلاً من الرمل من خزائنك لكي أعمل مثله ، حينئذ قال : إن لم تعمل هذا ، فلن أعطيك جزية مصر . فجلست عندئذ مفكراً ( في قلبي ) كيف أصنع ذلك ؟ وخرجت من بلاط الملك ، وثقبت في جدار البلط الشرقي خمسة ثقوب ، ولما دخلت أشعة الشمس في الثقوب أثرت الرمل ،فظهرت أشعة الشمس وكأنها حبال من الثقوب . قلت للملك : مر يا سيدي أن يزيلوا هذه الحبال ، فأفتل لكم عوضها ، ولما رآى الملك وعظمائه ذلك دهشوا .

 

ثم أمر الملك أن يؤتى بحجر رحى مكسور وقال لي : ياأحيقار خيط لنا هذه الرحى المكسورة فذهبت وأحضرت حجر رحى وطرحتها أمام الملكوقلت له : ياسيدي الملك ، أنا غريب هنا ، وليست معي آلة هذه الحرفة . فمر الأسكافيين أن يقطعوا لي قدا من هذه الرحى وهي رفيقة الرحى الأولى ، وحالاً أخيطها ولما سمع الملك ذلك ضحك وقال : ليكن اليوم الذي ولد فيه أحيقار يوماً مباركاً أمام آلهة مصر ولأني رأيتك حياً ، فإني أعتبر ذلك يوماً عظيماً وأقيم فيه مأدبة . ودفع إلي جزية مصر لثلاث سنوات . وعدت إلى سيدي الملك سنحاريب فوصلت ، فخرج للقائي وأستقبلني وعمل يوماً عظيماً ( احتفالاً عظيماً ) وأجلسني في مقدمة أخصائه ، وقال لي : أطلب ما بدا لك ياأحيقار . فسجدت للملك وقلت : ياسيدي الملك كل ماأريد أن تنفحني به ، اعطه لزميلي نبوسمخ مسكين ، لأنه هو أستبقاني حياً . وأما أنا فمر أن يدفع إلى يدي نادن ابني لكي أعلمه تعليماً جديداً لأنه نسي التعليم الأول . فقال الملك ، أذهب ياأحيقار وكل ماتريد أن تفعل بنادن ابنك فأفعله ، ولا من ينقذ جسده من يدك .

 

حينئذ اخذت نادن ابني ، وجئت به إلى بيتي ، وربطته بسلسلة حديدية زنة عشرين وزنة ، وربطتها بحلقات ، وطوقت عنقه بطوق ، وضربته على كتفيه ألف عصا ، وعلى متنيه ألف ضربة وضربة ، وربطته في عتبة باب داري ، واعطيته الخبز موزوناً وأسلمته إلأى غلامي نبوايل لكي يحرسه ، وقلت لغلامي أكتب على لوحة ما أقوله لأبني نادن .

 

يابني ، من لا يسمع من أذنيه فإنهم يسمعونه من قذاله .

 

أجاب نادن ابني وقال : لماذا حنقت على أبنك ؟ أجبت وقلت له : يابني ، أجلستك على كرسي الوقار وأما انت فقد طرحتني من كرسيي . فأنقذني بري ، فصرت لي ياابني كالعقرب الذي لسع صخرة : فقالت الصخرة . أنك لسعت قلباً جامداً ، ثم لسع أبرة ، فقيل له : أنك لسعت حمة شرا من حمتك .

 

كنت لي ياابني ، كالعنزة التي وقفت على شجرة السماق تأكل منها ، فقالت لها شجرة السماق لماذا تأكليني ؟ إن جلدك يدبغ في جذوري . قالت العنزة ، إني أكلك وأنا حية ، وبعد موتي يستئصلونك من جذورك .

 

كنت لي يابني ، كمن رشق حجرة إلى السماء ، فلم تبلغ السماء ، وأقترف إثماً أمام الله .

 

كنت لي يابني ، مثل رجل رآى رفيقه يرتجف من البرد ، فأخذ قربة ماء بارد وصبها عليه ، ليتك ياابني ، استطعت القيام مقامي بعد مقتلي ، فأعلم يابني ، أن الخنزير لوطال ذنبه سبعة أذرع ، لا يقوم مقام الحصان . ولو لأن شعره وابرق ، لما أمكن أن يلبسه الكريم ..

 

ياابني ، أردتك أن تخلفني ، فترث بيتي وثروتي ولكن لم يرق ذلك الله ولم يسمع صوتك .

 

كنت لي ياابني ، كالأسد الذي صادف حماراً في الصباح وقال له : السلم عليك ياسيدي قوريس ( كيريوس ) فقال له الحمار ، ليت سلامك هذا يعطى لمن ربطني مساء فلم يحكم ربطي فلم أكن أرى وجهك .

 

يابني ، كان الفخ منصوباً في دمنة ، فجاء عصفور فرآه وقال له : ماذا تعمل هنا ؟ قال له الفخ ، إني أصلي إلى الله . قال له العصفور : وما ذلك الذي في فمك ؟ قال الفخ : خبز للضيوف .

 

فدنى العصفور منه وأخذه ، فأطبق ( الفخ ) على عنقه وقال العصفور وهو يئن ألماً : إذاً كان هذا خبزاً للضيوف ، ليت الإله الذي تصلي إليه لا يستجيب إليك .

 

وكنت لي يابني ، كأسد ربط إلى جانب الثور . فالتفت الأسد وأفترسه .

 

وكنت لي يابني ، كسوسة الحنطة التي أفسدت أهراء الملوك ، وهي حقيرة الشأن .

 

كنت لي يابني ، كقد ركب له قبضتان ( أذنان ) من ذهب ولكن أسفله لم ينظف من السواد .

 

كنت لي يابني ، كفلاح بذر في حقله عشؤين مدا من الشعير ، وعندما حصده انتج عشرين مدا ، فقال للحقل : لقد حصدت ما زرعت فيك . وأما انت فيجب أن تخجل بصيتك السيء ، لأنك أعطيت المد مدا ، وأما أنا فكيف أستطيع العيش ؟

 

كنت لي يابني ، كعصفور لم ينج نفسه من الموت ، وصوته غرر بأصحابه .

 

كنت لي يابني ، كتيس أدخل رفاقه إلى المسلخ ، وهو لا ينجي نفسه .

 

كنت لي يابني ، كالكلب الذي دخل إلى فرن الخزافي ليتدفأ ، وبعد أن دفئ نهض لينبح على الخزافين .

 

كنت لي يابني ، كالخنزير الذي كان ذاهباً إلى الحمام ولما رآى حمأة وحل نزل فتمرغ بها ودعا اصحابه أن يتمرغوا .

 

إن اصبعي يابني ، على فمك ، واصبعك على عيني ، فهل ربيتك أيها الثعلب لتكون عيناك ناظرتين إلى التفاح ؟

 

يابني ، إن الكلب الذي يأكل من صيده ، يصبح من فصيلة الذئاب . واليد التي لا تجتهد تقطع من أصلها . والعين التي لا تبصر تقتلعها فراخ الغربان . فأي عمل صالح عملت معي يابني ، لكي أذكرك فترتاح فيك نفسي ؟

 

يابني ، إذا الألهة سرقت فبماذا يستحلفونها ؟ والأسد الذي يسرق قطعة أرض كيف يجلس فيأكلها ؟ أنا ، يابني ، اريتك وجه الملك ورفعتك إلى كرامة باذجة . وانت رغبت في الإساءة إلي .

 

كنت لي ، يابني ، كالشجرة التي قالت لقاطعيها ، لو لم يكن بأيديكم مني لهاجمتموني .

 

كنت لي ياابني ، كفراخ السنونو التي سقطت من عشها فتلقفتهم هرة وقالت لها لو لم أكن انا لأصبكم شر عظيم . فقالت لها ( الفراخ للهرة ) ولهذا وضعتنا في فيك ..

 

كنت لي يابني ، كتلك الهرة التي قيل لها اتركي سرقاتك ، فتدخلين دار الملك وتخرجين كما تشائين ، فأجابت وقالت : لوخلقت لي عينا فضة ، وأذنا فضة لما تركت سرقاتي .

 

كنت لي يابني ، كالحية التي ركبت عوسجاً وطرحت في النهر . فرآهما ذئب وقال لهما : شر ركب شراً ، وشر من كليكما يقودهما قالت له الحية : لو جئت إلى هنا لحسبت حساب

 

المعزى وبنيها .

 

إني يابني ، رأيت عنزة قيدت إلى المسلخ ، ولما لم يأت أجلها عادت إلى حضيرتها ورأت بنيها وبني بنيها .

 

يابني ، رأيت إعفاء ( جمع عفو ) اضحت قاتلة لأمهاتها .

 

يابني ، لقد أطعمتك كل ما لذ ، وانت أطعمتني خبزاًُ معفراً ولم أشبع .

 

انا يابني ، دهنتك بالطيوب المعطرة ، وأما انت فعفرت بالتراب جسمي .

 

أنا يابني ، ربيت قامتك كالأرز ، وأنت احنيت حياتي ، وافقدتني رشدي بشرك .

 

يابني ، أنا رفعتك كالبرج وكنت اقول ، إذا هاجمني عدوي أصعد إلى الحصن وأتحصن فيك ، وانت إذ رأيت عدوي انحنيت له .

 

كنت لي يابني ، كالخلد الخارج من الأرض لأستقبال الشمس ، لأنه لا عينان له ، فرآه النسر وهاجمه واختطفه . ( ويتابع في نسخة آخرى قوله ) والأن اسمل عينيك واقطع رأسك ولسانك.

 

أجاب نادن ابني وقال لي : حاشاك من هذا كله يا ابت احيقار ، فأعطف علي برحمتك ، فإن الله أيضاً يغفر للناس إذا أخطأوا . وانت اغفر لي هذه الجريرة ، وأكون خادماً لخيلك ، وراعياً لخنازير بيتك ، ولادعى شريرا . وأنت لا تحسب لي الشر .

 

أجبت وقلت له : كنت لي يا ابني كتلك النخلة المغروسة على النهر ، كانت تطرح كل اثمارها في النهر ، ولما جاء صاحبها ليقطعها ، قالت له : أمهلني هذه السنة فأثمر خرنوباً . فقال لها، انك لم تنجحي بأعطاء ثمرك ، فكيف بأعطاء ما هو ليس لك ؟

 

يابني ، قيل للذئب ، لم تسير وراء الغنم ؟ قال : إن غبارها مفيد ودواء لعيني ، وادخلوه ( الذئب ) المدرسة ، فقال له المعلم : الف باء . قال الذئب : الجدي الحمل .

 

ياابني ، أنا علمتك انه يوجد إله . وانت هاجمت العبيد الصالحين فجلدتهم بدون ذنب . كما نجاني الله لأجل بري . فأنه يهلكك لأجل اعمالك .

 

يابني ، قد وضعوا رأس الحمار في طبق على المائدة ، فتدحرج وسقطت على التراب . فقالوا انه غضب على نفسه لأنه لا يستحق الكرامة .

 

انك يابني ، أيدت المثل القائل إن الذي ولدته ادعه ابنك .

 

والذي أشتريته سمهعبدك .

 

يابني ، لقد صدق المثل القائل : تأبط ابن اختك فأضرب به الصخرة ، ولكن الله الذي أبقاني حياً سيقضي بيننا . وفي تلك الساعة انتفخ نادن كالزق ومات .

 

فمن يصنع خيراً يلقى خيراً . ومن حفرحفرة لأخيه يملأوها بقامته . ولله الحمد ، وعلينا رحمته امين .

 

انتهت امثال احيقار الحكيم ، كاتب سنحاريب ملك آثور ونينوى .

 

مشاهير السريان

الملفان نعوم فائق

 

تلك صرخة من صرخات كثيرة كان قد أطلقها الملفان نعوم فائق عله يستنهض الهمم النائمة ويستثير العزائم المتراخية بين أبناء الشعب الآشوري ويحثهم على بلوغ المعالي واقتناص الفرص السانحة . لأن قطار الزمن يمضي مسرعاً ولا يتوقف سوى في محطات قليلة.

 

هذه القضية كانت شغله الشاغل وهاجسه اليومي . لكي تتوضح معالم الشخصية الفذة لهذا المعلم الكبير وملامح فكره . لابد من سرد أقوال بعض معاصريه من الأدباء و المفكرين وممن امتلكو ناصية العلم , هذا الفكر الذي أغنى حياتنا الثقافية و القومية . وأضاف اضافات كثيرة الى تراثنا الآشوري . فمن الأقوال التي قيلت فيه:

 

_ ( كان نعوم فائق من أولئك الرجال الذين عناهم ديوجينيوس الفيلسوف اليوناني وقد شوهد في رائعة النهار و بيده مصباح وهو يتطوف في شوارع أثينا الغاصة بالناس تطوف من يطلب شيئاً لا يكاد يرى , فسئل عما يطلب فقال أريد رجلا).

 

د. برصوم بيرللي

 

_ ( لقد نبغ عندنا قبل نعوم فائق كثيرون ولكن كلهم نقلو من السريانية الى بقية اللغات غير انه امتاز على هؤلاء جميعاً بنقله من بقية اللغات الى السريانية فرجالنا الأقدمون تصرفوا بميراث أجدادنا وأنفقوه , وأما هو فقد جمع ثروة أدبية من الخارج وأضافها الى ميراث الأجداد).

 

سنحاريب بالي

 

_( نعوم فائق علم غيور ضحى النفس و النفيس في سبيل أمته ووطنه ).

 

المطران يوحنا دولباني

 

_(قد يعجب البعض من نعتنا نعوم فائق بالعالم, وربما عد البعض هذا النعت مبالغة منا في غير محلها لأنه لم ينل قسطه مما يؤهله لهذا اللقب , ولكننا نعود فنقول ونعزز قولنا بالبراهين الجليلة . إن الفقيد كان عالماً. عالماً بما تحتاج إليه أمته فهو من هذه الوجهة يعد من أكبر العلماء العاملين ).

 

فريد نزها

 

_( اجتمعت بالسيد نعوم بضع مرات كانت كلها في الدائرة الشرقية من مكتبة نيويورك العمومية حيث كنت أجده عاكفاً على التنقيب والبحث والدرس لتحرير جريدته, ولخدمة أبناء وطنه في هذه الديار فهو بذلك وضع أمامنا مثالاً شريفاً يجدر بنا جميعاً أن نتخذه.

 

فلا غرو فالسيد نعوم ومواطنوه هم سلالة شعب تاريخي عرف بالنبل و الصحافة وأتحف العالم بالكثير من الهبات العلمية والروحية والمادية ).

 

د. فليب حتى

 

_( علينا أن نخاطب البلاد الأميركية التي نعيش فيها اليوم قائلين:

 

أيتها البلاد المنبعثة منها أنوار الفضل و المعرفة لقد أزدانت تربتك اليوم بجثمان نعوم فائق صاحب كوكب الشرق. الحفيد الحقيقي لمملكة آشور كما أزدانت متاحفك العظيمة التي تبهر المرء بفخامتها وروعتها بآثار وبقايا ملوكها العظام . غير أن الفرق بين هذه الودائع هو أن آثار ملوك بابل وآشور ستبقى أبداً تزين متاحفك العظيمة , ولكن رفات نعوم فائق لابد أن تغادر تربتك وتنقل الى مسقط رأسه حتى يتم قوله :

 

_ فيك ولدت وفيك أريد أن أموت يا وطني , وتحت ثراك أتمنى أن يدفن بعد الممات جسدي).

 

لطفي بوياجي

 

وللتعرف على فكر نعوم فائق لا بد من العودة الى الفترة الزمنية التي عاش فيها , ومعرفة المؤثرات التي أثرت فيه وكذلك البيئة التي عاش في كنفها وساهمت الى حد كبير في بلورة فكره القومي الوحدوي. وهذا يفرض علينا تتبع مراحل حياته المتنوعة والحافلة بأصناف النضال و الجهاد و المثابرة.

 

_ حياته:

 

هو نعوم بن الياس بن يعقوب بالاخ والدته سيدة بنت سفر . ولد بمدينة آمد (ديار بكر) في شباط عام 1868, واضيف له لقب فائق بعد نزوله الى ميدان العمل مقتدياً بعادة الآتراك باضافة القاب الى أسمائهم, وعند بلوغه السابعة من عمره أرسله والده للمدرسةالأبتدائية الخاصة بالسريان , وبعدها أنتقل للمدرسة الثانوية التي أسستها في ذلك العهد ( جمعية الشركة الاخوية للسريان القدماء ) حيث قضى فيها ثماني سنوات درس خلالها اللغات السريانية والعربية والتركية والفارسية مع الألحان الكنسية والعلوم الطبيعية والرياضيات ومبادئ اللغة الفرنسية. ولما أغلقت المدرسة لأسباب مادية.داوم على المطالعة والدرس لنفسه والأخذ عن فضلاء عصره.فجع بوفاة والده ووالدته فأخذ يعيش في كنف أخيه الأكبر توماس ,وبدأ عمله بالتدريس ابتداء من عام 1888وحتى عام 1912في آمد بشكل رئيسي, ولفترات قصيرة ومتفرقة في الرها وحمص كما قام بزيارات الى لبنان والقدس وخلال تلك الزيارات كان ينكب على دراسة ما تيسر اه من الكتب والتراث في خزائن الأديرة والكنائس وبخاصة في دير الشرفة في لبنان ودير مار مرقس في القدس .

 

في عام 1908أعلن الدستور العثماني وسمح ببعض الحريات فبادر الى تأسيس جمعية الأنتباه وسن لها القوانين ونظم شؤونها وتولى كتابة رسائلها. وبعد عام أصدر جريدة كوكب الشرق لتكون لسان حال جمعية الأنتباه, وجعلها منبراً لنشر أفكاره القومية اضافة لاستمراره بالتدريس , وكان في الوقت ذاته يعظ ويخطب في الندوات والتجمعات ويحث على فتح المدارس وتأسيس المطابع و الجمعيات موكلاً لنفسه القيام بمهمة الاصلاح والتوعية للنهوض والتقدم .وخلال الحرب الطرابلسية التي شنتها أيطاليا على الدولة العثمانية عام1911اشتدت وطأة القمع والأضطهاد على الأقليات المسيحية مما سبب خوفاً وذعراً شديدين وبالتالي ادى هذا الى تهجير قسم كبير من أبناء شعبنا عن أرضه . ونتيجة لتلك الحرب فقد علق الدستور والغيت الحريات التي أعلنها هذا الدستور, فلوحق الأدباء والصحافيون من قبل السلطة فاضطر للهجرة عام1912الى الولايات المتحدة وصيته كان ذائعاً هناك من خلال مقالاته التي كانت تنشرها جريدة الأنتباه لصاحبها الأديب جبرائيل بوياجي لذلك أستقبل بحفاوة بالغة من قبل شعبنا في المهجر وهناك أسس جريدة ما بين النهرين عام1916واستمرت بالصدور حتى عام1921حيث أوقفها وتولى تحرير جريدة الأتحاد التي أصدرتها الجمعية الوطنية الكلدانية الآشورية, واستمرة عاماً واحداً, فعاد عام1922لاصدار جريدته ما بين النهرين لغاية عام 1930حيث وافته المنية . وقبل ذلك كان قد فجع بوفاة زوجته السيدة لوسيا خضر شاه في عام1927,وكان لوفاتها أثر عميق في نفسه . ولفرط انهماكه وانكبابه على المطالعة والبحث والكتابة اعترى جسمه الضعيف والنحول وزاد الأمر سوءا اصابته بذات الرئة, ولم يقوى جسده الهزيل على مقاومة المرض ففاضت روحه في فجر الأربعاء 5شباط عام1930.

 

ودفن باحتفال مهيب شاركت به كل الطوائف ومؤسسات شعبنا , وكل الفعاليات الادبية في المهجر . وبموته طويت صفحة مشرقة من الجهاد والتضحية والنشاط. لكن أثره ظل خالداً من خلال أدبه وفكره القومي الذي ملأ صفحات جرائده ومؤلفاته الكثيرة كما يضاف الى سيرة حياته الكفاحية الجديرة بأن يستنير بهديها كل مناضل اذ لم تخمد همته أو تفتر عزيمته ازاء جميع المصاعب والشدائد التي واجهته بل استمر بثبات منقطع النظير في خدمة شعبه وامته وزداد اصرارا على الكشف عن مواطن الداء واجتثاث جميع الامراض التي تنخر في جسم هذه الأمة.

 

_ فكره وأدبه:

 

على الرغم من أهمية جميع نتاجاته الأدبية والفكرية الا أن طروحاته القومية التي بشر بها في مطلع هذا القرن حظيت بأكبر الاهتمام لدى المثقفين والمتنورين من أبناء شعبنا والذين سارعوا الى تلقفها وتبنيها وعملوا على تجسيدها الى واقع عملي وهذا بدوره هيأ الأجواء لبروز فكر قومي اتسم بالنضج في السنوات التي أعقبت وفاته .

 

وللتعرف على هذا الفكر وتحديد سماته وملامحه لابد من التطرق الى آرائه التي بشر بها فبالرغم من أن الفكر القومي الذي نادى به نعوم فائق وناضل من أجله يعتبر الآن فكرا رائجا ويؤمن به الكثير من أبناء شعبنا , الا أنه في تلك المرحلة كان بمثابة ثورة حقيقية على المفاهيم والأعراف السائدة , حيث كانت العشائرية هي السائدة , والتشتت الطائفي والمذهبي ينخران في جسم هذا الشعب بسبب الجهل والتخلف وبالأضافة الى ذلك سيف الأرهاب المسلط على الرقاب من قبل الدولة العثمانية التي عملت على تغذية وتنمية النعرات والأحقاد القومية والدينية بين شعوب السلطنة ترسيخها لسلطاتها وتحقيقا لمصالحها وأطماعها وفي ظل هذه الظروف دوى عالياً صوت المعلم نعوم فائق منبهاً لخطورة هذا الوضع المتردي الذي يتخبط به شعبنا واضعاً العلاج الشافي لجميع أمراضنا , راسما طريق الخلاص من خلال دعوته الى الوحدة القومية بين جميع طوائف شعبنا المنقم على ذاته فكانت الصرخة التي تردد صداها في جميع مناطق تواجد شعبنا, وتداعى لقبول دعوته أدباء شعبنا ومثقفيه والشبيبة الطامحة والذين هبوا جميعاً لنفض غبار الجهل والتفرقة لاعلاء لواء الوحدة القومية الآشورية اقتداء به وبأفكاره التي دارت حول نبذ الانقسام والتخاذل وتوحيد المساعي والجهود للعمل على النهوض والتقدم اقتداء بالأجداد وأمجادهم, ففي أحدى قصائده يقول ما ترجمته: (أيها السريان لقد أنضوى ليل الخمول, بانبلاج الفجر الأغمر المنير, فامتلاء الكون نورا بشروق شمس الحرية . فلندع الذل والهوان ولنطلب المعالي والعمران فنحن أمة جديرة بالحياة لا تقبل الخنوع والأستعباد . ولنوحد القلوب بروابط الحب والأخاء قبل أن يداهمنا الأنقراض والفناء , فنحن أحفاد أمة كانت قديماً عظمتها تناطح القبة الزرقاء . ذات حضارة بهرت الأمم جمعاء . فهل يليق بنا ونحن أحفاد أولئك الأبطال الميامين أن تفتر عزيمتها وتخمد همتها ؟يا ويحنا لقد أنهار ذلك المجد الباذخ والشرف الأثيل فالى من نشكو والى من نلجأ ؟ أيها السريان: الأمة تبكي وتنتحب طالبة نجدتكم فهل أنتم الى ندائها ملبون ...؟ ألا هبوا وانهضوا للعمل وسيروا للأمام على الدوام ).

 

ان فكر نعوم فائق كان يتسم في جوانب كثيرة منه بالنضوج كما تميزبالدقة والشمولية , لذلك نراه يحرص وبشكل دائم على ذكرشعبنا بمجمل طوائفه تحت اسم واحد فتارة يذكره بالتسمية الآشورية وتارة بالسريانية والكلدانية والآرامية, وفي كل مرة كان يعني وبوضوح انتماء كافة الطوائف الى التسمية نفسها كونها تشكل شعباً واحداً أرضه مابين النهرين , تاريخه وعاداته ولغته مشتركة ومصيره واحد وقضيته واحدة. ولم يكن يتعرض للاعتقادات المذهبية معتبراً أن الوحدة القومية يمكن أن تتم مع الأبقاء على هذه المذاهب طالما أن الأنتماء لهذا المذهب أو ذاك لا يمس ولا يضر بالوحدة القومية للشعب الواحد . ففي احدى مقالاته يقول: ( أن فكرة الاتحاد قد تبدو غريبة لأول وهلة ولكنها ليست صعبة التحقيق اذا عمل ادباء كل طائفة من الطوائف السريانية على تحقيقها . بالوسائل المنظمة وذلك بالتفاف جميعها حول مثل أعلى وهو القومية الجامعة , فتصبح هذه الطوائف كلها عندئذ قوما واحدا من ناحية امتداد أصل جميعها الى منبت واحد . وتعمل معاً متضامنة على ايجاد روابط قوميه متينة تقوم على الأشتراك في القوميه والتاريخ واللغة والعادات , وتبقى منفصلة حرة في أمر عقائدها ودينها...)

 

وفي مقدمة أحد أعداد مجلة بين النهرين بِِيّن سبب وغاية قيامه باصدار المجلة :( ليس مقصدنا اظهار ذاتنا من الحكماء العارفين بل جل غايتنا هي الخدمة الوطنية وحث أخوتنا السريان على الاحتفاظ بالقومية والجنسية والتوحيد بين قلوب كل اخواننا المدعوين بالاسم السرياني ونعني بهم النساطرة والكلدان والموارنة والسريان الكاثوليك والسريان الارثوذكس والبروتستانت . ودعوتهم الى ايجاد اتحاد فيما بينهم بصرف النظر عن الاختلافات المذهبية والمنازعات الاعتقادية . مذكرين كلا من هذه الفرق انهم سريان جنسا ًو لغة وعرقا ودما ووطنا. لكي تتحد لاعلاء شأن الأمة الآشورية التي كانت في غابر الأزمان أمة زاهرة في كل أنواع المعارف والفنون والصنائع , وتنهض بعزم ثابت للمطالبة بحقوقها . هذا هو الغرض الحقيقي لانشاء هذه الجريدة....).

 

وبالرجوع الى عناوين المقالات التي حررها في جريدة كوكب الشرق وتأملها بامعان نلمس تفهمه العميق لحاجات شعبنا , وتفهمه لأمراضه الأجتماعية والقومية ومن هذه العناوين (اقرأوا الصحف _ شدة أحتياجنا للمطابع _ ما في الادوية الناجعة لأمراضنا الاجتماعية _ الرقي الفكري _ من يفكر بأمر هذا الشعب _ الفوضى عند السريان وغيرها ...). كما لم يغفل نعوم فائق من فكره المسألة الوطنية وارتباطها بالمسألة القومية , فكان يعتبر أن حب الوطن يكمن في العمل المتواصل لدى كافة المواطنين لاصلاح شؤونه , ومحاربة الفساد والتفرقة والظلم والأضطهاد القومي والأجتماعي لتحقيق العدالة والمساواة لكافة المواطنين ,

 

مطالبا بثورة حقيقية تطيح بالسلطات العثمانية المستبدة والجائرة , وهذا يدل على أن فكره القومي كان يلازمه فكرا وطنيا متطور ايمانا منه بأن القضية القومية والاجتماعية لأي شعب من الشعوب لا يمكن فصلها عن القضية الوطنية . فالعدالة الاجتماعية والقومية يجب أن تعم الجميع من خلال نظام وطني عادل ونرى في إحدى مقالاته بجريدة الاتحاد في العدد الرابع السنة الأولى عام 1921 بعنوان الشرق قديما ً وحديثا ً, حيث كان في القديم منارة للفكر والحضارة , وفي الحاضر غارقاً في في متنقع الجهل والتخلف.محملا سبب البلاء للحكومات المتعاقبة فيقول :( لا شك أن حكومات الشرق كما قال أحد الفضلاء هي التي ساعدت على فساد الأخلاق إلى هذا الحد , وقوّت في تابعيها كل الصفات الدنيئة الهادمة لصروح الاجتماع. أما الآن فنرجو أن يكون قد حان الزمان لنا نحن الشرقيون , أبناء الشرق أن نتفيد من سبات جهلنا وخمولنا وننهض نهوض الرجال ونقاوم كل سلطة مستبدة وحكومة جائرة , ناسين الأحقاد والضغائن . متحدين اتحادا متينا نستطيع أن نخفف به نكبات شرقنا العزيز ).

 

ولم يكن نعوم فائق نظريا في طروحاته , بل كان يسعى لترجمتة أفكاره إلى واقع عملي .

 

ففي الحرب العالمية الأولى حيث تعرض شعبنا في الوطن (بيث نهرين)لأقسى النكبات من قتل وتشريد وإبادة . كان يعى في تلك المرحلة عن طريق اللقاء مع المؤسسات الخاصة بشعبنا في المهجر , والخطب الحماسية في المنتديات , والمقالات النارية في جريدته ما بين النهرين مطالبا التبرع بسخاء لاغاثة المنكوبين والمهجّرين . وعند انتهاء الحرب كان في طليعة المبادرين لتشكيل وفد يمثل طوائف شعبنا كافة , وايفاده إلى مؤتمر اللام الذي عقد في باريس للمطالبة بحقوقه القومية في أرض آبائه وأجداده كونها أبسط الحقوق الطبيعية لشعب تعرض للاضطهاد القومي والديني والاجتماعي في أرض رغم دوره السلمي والبناء في تقدم الحضارة الانسانية . وإن كانت نتائج زيارة الوفد لم تثمر إلا على وعود لم تتحقق, الا أنها كانت مساهمة اعلامية دولية لكشف وتوضيح حقيقة القضية الآشورية للرأي العام العالمي .

 

كما أدرك نعوم فائق الأهمية الكبرى لللغة في بعث الشعور القومي وتحقيق الوحدة القومية للشعب الآشوري كونها عامل أساسي اشترك ولا يزال يشترك بها كافة أبناء شعبنا على مختلف طوائفهم , وقد فهم منزلتها القومية هذه القادرة على ازالة الحواجز , وأدرك بعدها الديني في حياة شعبنا لذلك كرس حياته لخدمتها وتعليمها والدفاع عنها , واثرائها بنقل بعض الآداب الاجنبية اليها من خلال ترجمتها الى اللغة السريانية فكان يكتب العربية بالحرف السرياني وكذلك التركية ودرج على عادته هذه كثير من الأدباء من بعده ولا غرو في ذلك وهو القائل (من لا يقرأ بلغته لا يعرف لماذا خلق , والأمة التي تفقد لغتها تفقد مجدها وتضيع كيانها ) ولم يخف عليه ما للكنيسة كمؤسسة من دور وأهمية في خدمة القضية القومية . لذلك واظب على المطالبة بكل جرأة وثبات باصلاح مؤسساتها , وترتب على مواقفه هذه معارضه كثير من رجال الدين وزعماء العشائر عليه كونهم لم يفهموا حقيقة أفكاره , أو لم تناسبهم مثل هذه الأفكار لتعارضها مع مصالحهم . ان هذا لم يثنه عن عزمه بل زاده أصرارا على المضي في درب المطالبة بالأصلاح بما يتلأم مع واقع العصر وخدمة الشعب وتراثه ولغته . لذلك نادى بانشاء المدارس والكليات اللاهوتية لتخريج رجال دين أكفاء . كما طالب بضرورة اشراك العلمانيين في ادارة مؤسسات الكنيسة من خلال المجالس الملية وتخصيص رواتب للكهنة وسواها من الأمور . كان يقوم بهذا انطلاقا من ايمان حقيقي بمصالح الأمة والكنيسة فرض عليه المبادرة لاصلاحها والمطالبة بعصرنتها لتقوم بدورها الديني الناجح , ودورها القومي المتمثل بالحفاظ على اللغة وصيانة التراث وتحقيق التقارب بين الطوائف المختلفة لشعبنا لتسهيل الوحدة القومية وذلك بنبذ الأحقاد المذهبية القديمة , والتعاون فيما بينها لاحياء اللغة والتراث والأقتداء بروح المحبة التي هي روح الرسالة المسيحية وركنها الأساسي .

 

_ أعماله الصحفية :

 

أدرك المرحوم ما للأعلام من دور بالغ في تكوين الرأي العام , وفي بلورة الشعور القومي للشعب من خلال تعريفه بواقعه وحثه على النهوض وتعريف قضيته لغيره من الشعوب . لذلك كرس لهذه المسألة حيزاً كبيراً من وقته وحياته وتجلى ذلك من خلال الصحف التي أصدرها والتي كان يحررها ويكتبها في أحيان كثيرة بيده لامساعد له في ذلك . لنستطلع رأيه للصحف من خلال مقالة كتبها في جريدة ((ما بين النهرين , العدد التاسع السنة الرابعة عام 1920)) : ( الكل يعلم أن الجرائد في الشعب هي لسان حاله , أن الشعب يعرف بجرائده , ولولا الجرائد لظلت الأمم خاملة الذكر , فاقدة الشرف القومي وعادمة كل فضيلة علمية أو أدبية أو تاريخية , والأمة التي ليس لها جرائد , هي أمة خرساء وصماء وخاملة ,ان الأمة التي لاتحترم نفسها ولاتغار على لسانها ولاتسعى لاثبات وجودها , ولا تنشر تواريخها ولاتطبع كتبها ولاتحافظ على آدابها ولاتناصر صحافتها من يعرفها ؟ من يسمعها ؟).

 

وعندما نعلم أنه بنفسه كان يقوم بالكتابة والتحرير والتجليد والنشر كما تقم به دور نشر كاملة نلمس صعوبة العمل ومقدار التفاني والأخلاص والتضحية. فقد كتب في أحدى رسائله الى زميله الصحفي فريد نزها الذي تابع خطه فيما بعد :( لوقلت لك يا أخي أني كل شيء في مواد هذه الجريدة ربما لاتصدقني , فلا معين لي سوى ابنتي التي تشتغل في أحد المعامل لتحصيل ما يقوم بقوتنا الضرورى , وأحياناً نأخذ مما تربحه البنت وندفعه أجر طبع الجريدة).

 

ومع ذلك استمر بعمله الصحفي وناضل من أجل الصحافة القومية غير آبه للصعوبات والخسائر ليتعلم شباب أمته من بعده درس المثابرة والنضال والتفاؤل . أما صحفه فهي :

 

1- جريدة كوكب الشرق :

 

أنشأها في آمد (دياربكر ) وجعلها لسان حال جمعية الأنتباه الذي كان من أوائل مؤسسيها في عام 1908واستمرت حتى عام 1914, وفد أصدر العدد الأول من الجريدة عام 1910في27 نيسان واستمرت بالصدور حتى عام1912وكان يكتبها بيده ثم يطبعها بحروف سريانية على مطبعة حجرية باللغة السريانية والعربية والتركية .كانت ميدانا لنشر أفكاره وملتقى لأفكار الأدباء القوميين . موضوعاتها قومية , تاريخية , لغوية , اجتماعية واخبارية .

 

2- صحيفة ما بين النهرين:

 

أنشأها في أميركا وصدر العدد الأول منها عام 1916باللغة السريانية والعربية والتركية , مطبوعة بخط يده على آلة ميموغراف. وكانت موضوعاتها قومية , تاريخيا , لغوية وأخبارية, وكانت لسان حال شعبنا في المهجر والوطن . غطت أخبار الجمعيات والمؤسسات والمدارس بالأضافة لاخبار المجازر التي تعرض لها شعبنا أثناء الحرب العالمية الأولى , ونشرت البيانات المنددة بهذه المجازر , وقادت حملة تبرعات لاغاثة المنكوبين من أبناء شعبنا استمرت بالصدور حتى نهاية عام1929ما عدا فترة أنقطاعها عندما اسند اليه تحرير جريدة الأتحاد .

 

3- جريدة الأتحاد :

 

أنشأتها الجمعية الوطنية الآشورية الكلدانية وأسندت رئاسة تحريرها اليه . صدر العدد الأول منها في 28أيار عام 1921باللغة السريانية والعربية والتركية والأنكليزية بحروف مطبعية , وكانت اسبوعية احتجبت بعد صدور 93عددا آخرها في 25آذار عام 1922.

 

_ مؤلفاته:

 

لقد عكف طيلة حياته على الدر والمطالعة والكتابة وخلّف لنا نتاجا غزيرا من الكتب والمحفوظات التي لم يسعفه الحظ بطباعتها , ومن هذه الأنتاجات :

 

1- كتاب مجموع الألفاظ السريانية في اللغة العربية المحكية في ما بين النهرين .

 

2- كتاب مجموع الألفاظ السريانية باللغات ( التركية , الفارسية , الكردية , الأرمنية والأنكليزبة ).

 

3- قاموس عربي سرياني ( بقي مخطوطا ).

 

4- قاموس الكلمات اليونانية المستعملة بالسريانية .

 

5- قاموس الكتاب المقدس بالسريانية ( مخطوط ).

 

6- قاموس الأعلام السريانية , توفي قبل الشروع بطبعه.

 

7- المعميات والأحاجي (مخطوط ).

 

8- كنز الألحان السريانية ( بيث كاز ).

 

9- مبادئ القراءة بالسريانية.

 

10- مختصر في علم الحساب بالسريانية ( كتاب مدرسي لتعليم الحساب , بقي مخطوطا ).

 

11- مختصر في علم الجغرافية بالسريانية (كتاب مدرسي في صيغة سؤال وجواب , بقي مخطوطا).

 

12- مجمل في تاريخ وجغرافية ما بين النهرين .

 

13- الزهور العطرية في حديقة الأمثال الآرامية .

 

14- ترجمة مقدمة اللمعة الشهية الى التركية ( تأليف المطران اقليمس داؤود, ونشرها تباعا في مجلة مرشد الآشوريين التي كان يصدرها الصحفي آشور يوسف ).

 

15- مجموعة خطب وعظات.

 

16- ترجمة قصيدة الورد لإبن العبري الى التركية .

 

17- التمارين الوطنية بالسريانية ( حكم وأقوال لمشاهير المفكرين والأدباء العالمين , بقيت محفوظة ).

 

18- تاريخ مدرستي الرها ونصيبين , نشرت في جريدة الأنتباه التي كان يصدرها في أميركا الأديب جبرائيل بوياجي .

 

19- ترجمة ماثورات بنيامين فرانكلين الى السريانية .

 

20- ترجمة رباعيات الخيام الى السريانية .

 

21- سيرة مار يعقوب السروجي (الملفان ).

 

22- مجموعة الأناشيد القومية بالسريانية والعربية والتركية .

 

23- ترجمة كتاب أحيقار الفيلسوف الآشوري الى التركية .

 

لذلك هو نعوم فائق المربي والمعلم والملفان والشاعر الذي قضى حياته في البذل و العطاء بسخاء لا محدود في سبيل أمته وشعبه , وأحرق نفسه لينيرلنا الدرب الحالكة والشائكة ,

 

ومقابل ذلك لم يكن ينتظر تكريما ومكافأة بل كان الى الواجب ملبيا. ولكن حرى بنا أبناء هذا الشعب أن نكرم أدبائنا ومفكرينا في حياتهم قبل مماتهم لنطبق مقولة الأديب مراد فؤاد جقي:(أن زهرة واحدة تقدم الى الأديب في حياته لخير من الوف الأكاليل التي على قبره بعد مماته).