دخول السلاح من سوريا بين الصدق والكذب!!!

بقلم/الياس بجاني

 

صبيحة زيارة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون للبنان نظمت مديرية التوجيه في الجيش اللبناني (29/3/2007)، جولة لمراسلي الصحف والاذاعات ومحطات التلفزة الأرضية والفضائية على جزء من الحدود اللبنانية السورية في منطقة البقاع الشمالي وتحديدا في قطاع الهرمل أحاطتها بالكثير من الضجيج الإعلامي المبرمج والمنظم وذلك، "ليشاهدوا بأم العين" نموذجاً عن التدابير الميدانية التي اتخذتها وحدات الجيش لمراقبة الحدود ومنع كل أعمال التهريب عبرها"، كما أفاد مدير العمليات في الجيش العميد الركن فرنسوا الحاج خلال المؤتمر الصحافي الذي عقد في قيادة فوج التدخل الأول في رأس بعلبك.

 

الحاج أعلن أن كل المعابر بين سوريا ولبنان "ممسوكة"، وأكد بنبرة الواثق أن لا تهريب عبرها للأسلحة، "وأن الجيش لا يسهل لأي فريق، ولا يدعم أي فريق إلا بما ترعاه القوانين".

 

أحد الصحافيين استفسر الحاج سائلاً: "إذا كانت الحدود مضبوطة، فهل فهذا يعني في حال دخول أسلحة إلى لبنان أنها تدخل عبر المعابر الشرعية؟

فرد الحاج جازماً: "لا، أؤكد أن ليس هناك أسلحة تدخل لبنان".

 

صحافي أخر قال للحاج: "عندما تتحدثون عن السلاح هل تميزون بين السلاح الذي يغطيه البيان الوزاري؟

أجاب الحاج: "نتحدث عن السلاح في شكل عام".

 

وحول ما ينشر ويقال عن تهريب أسلحة. أعلن الحاج: "لا احد لديه إثبات أو دليل حسي من أي جهة، رسمية أو غير رسمية، على تهريب أسلحة، ومع تكثيف الحضور العسكري والأمني على الحدود البرية والبحرية لم تضبط أسلحة، وحتى القوة الدولية تؤكد عدم حصول أي عملية تهريب إلى الداخل".

 

وفي رد آخر وجهه الحاج إلى السياسيين الذين يتكلمون عن عمليات منظمة لتسهيل دخول الأسلحة من سوريا من قبل بعض ضباط الجيش، قال الحاج: "وقبل كل شيء علهم يفكرون مرتين قبل أن يطلقوا العنان لتصريحاتهم عن تفلت الحدود اللبنانية السورية وتوظيف الموضوع الحدودي في الصراع السياسي بما يقزم الجهود الكبيرة التي يبذلها الجيش لضبطها ويسيء إليه".

 

وهل يرتبط توقيت الجولة والمؤتمر الصحافي بالتقويم الدولي لتنفيذ القرار 1701 وزيارة الأمين العام للأمم المتحدة للبنان وبالرد على الاتهامات الداخلية؟

أجاب الحاج: "اللقاء يرتبط بالظروف المحيطة، هناك لغط كبير في الإعلام عن حالات مرور أسلحة، وتحديداً خلال زيارة الأمين العام للأمم المتحدة للبنان. نحن طلبنا أن تجولوا على الحدود لتشاهدوا بأم العين ما يحصل من تدابير. أنتم خير رسول لتقولوا للناس ما هي التدابير المتخذة".

 

نشير هنا إلى أن وزير الدفاع الياس المر كان أدلى بتصاريح علنية مشابهة لكلام الحاج خلال زيارته الرسمية مؤخراً للولايات المتحدة الأميركية، في حين أكدت مصادر اللوبي اللبناني الناشطة في بلاد العم سام والتي تابعت زيارة ومحادثات المر عن قرب، أنه قال خلال الجلسات المغلقة مع المسؤولين الأميركيين كلاماً مغايراً كلياً لما ورد في تصريحاته العلنية. علماً أن العديد من المنظمات اللبنانية الاغترابية، والمنسقية العامة للمؤسسات اللبنانية الكندية من ضمنها كانت انتقدت الازدواجية في مواقف المر وتعميتها الحقائق عبر بيانات نشرتها معظم الصحف اللبنانية.

 

مما لا شك فيه أن العديد من الرسميين في لبنان، مدنيين وعسكريين، يجهدون في أداء إدوار مريبة في مسرحية التعمية على الحقائق والوقائع والإثباتات والاعترافات المتعلقة بحقيقة دخول الأسلحة من سوريا إلى لبنان، وذلك إما عن سابق تصور وتصميم تنفيذاً لفرمانات مرجعيات بمعظمها هي خارج الحدود، أو بنتيجة خوف ومحافظة على مركز ووظيفة، وفي كل الأحول استهتار مكشوف ومهين لذكاء الناس استنساخاً لنمط تعاطي الحكم السوري مع شعبه المكبوت.

 

نشير هنا إلى أن أكثر من بيان كان صدر عن قيادة الجيش بعد حرب تموز ردت فيه على انتقادات سياسيين من الأكثرية النيابية حول سماح الجيش دخول أسلحة من سوريا إلى حزب الله على المكشوف وعبر المعابر الرسمية. ردود الجيش أكدت أن المؤسسة العسكرية ملتزمة بالبيان الوزاري وبالقرار السياسي، أي أن قيادة هذا الجيش اعترفت وأقرت رسمياً بأمر دخول الأسلحة، علماً أن القرار 1701 قانونياً ألغى الفقرة التي كانت وردت في بيان حكومة الرئيس السنيورة حول ما سمي في حينه مقاومة وتحرير.

 

اللافت هنا أن ما تحاول قيادة الجيش التعمية عليه وهو مكشوف ومعروف ومعلن، يفضحه ويعريه كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله العلني، وتحديداً في الخطاب الذي ألقاه في احتفال النصر الإلهي حيث وبلجهة التحدي أكد أن مخزون ترسانة حزبه من الصواريخ وباقي الأسلحة قد تضاعف عقب حرب تموز. بالطبع هذا السلاح لم يهبط على السيد مناً وسلوى من السماء، ولا مار ميخائيل رئيس الملائكة قام بتسليمه لحزب السيد الإلهي، بل هو سلاح أُدخل إلى لبنان من سوريا الشقيقة الشقية عبر الحدود البرية تحديداً، وهذا أمر لا يشكك بصحته أو يناقش أمره حتى الأطفال والسذج.

 

إن المؤسسة العسكرية الممثلة بالجيش هي الهيكلية الرسمية الوحيدة المتماسكة حتى الآن حيث يرى فيها معظم اللبنانيين خشبة خلاص ويعولون على دور فاعل وإنقاذي لها يوقف تفكك وانهيار الدولة وضرب بناها ومؤسساتها وخصوصاً الدستورية منها. من هنا، وللمحافظة على مصداقية الجيش لا بد لقيادته من مصارحة الناس وإبلاغهم الحقائق كاملة دون أية مواربة أو ازدواجية في المواقف.

 

يجب أن يعرف الشعب اللبناني ومعه المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي مَن هو الذي يُدخل السلاح إلى لبنان من سوريا، ومَن هو الذي يسهل دخوله ويحمي هذا الدخول ويمنع تنفيذ القرارات الدولية. فإذا كانت قيادة الجيش لا تعترف بالقرارين الدوليين 1559 و 1701 اللذين منعا دخول السلاح إلى الأراضي اللبنانية لغير قوى الدولة الشرعية، فعلى هذه القيادة أن تجاهر بهذا الموقف، كما أنها ملزمة في الوقت عينه إبلاغ اللبنانيين إن كانت مغلوبة على أمرها، وهي بالتالي غير قادرة على ضبط الحدود ومنع التسلل ودخول الأسلحة حتى تتولى القوات الدولية هذه المهمة.

 

يبقى أن نشر ثمانية آلاف جندي لبناني على طول الحدود مع سوريا، ورغم الجهد وتكاليفه الباهظة سيبقى بلا فاعلية أو فائدة تذكر دون نضوج قرار سياسي واضح وعلني بشأن السماح بدخول أو عدم دخول الأسلحة لغير قوى الشرعية من سوريا، والآمل كل الأمل أن يتم التعاطي مع هذا الأمر الخطير بجدية ومسؤولية وشفافية.

 

كندا في 2 تموز 2007

عنوان الكاتب الألكتروني

Phoenicia@hotmail.com