العماد ميشال سليمان، وبراءة الحكم السوري!!

بقلم/الياس بجاني

 

تحت عنوان: قائد الجيش: "فتح الإسلام جزء من القاعدة ولا علاقة له بالاستخبارات السورية أو حكومة لبنان"، نشرت جريدة الحياة الثلاثاء 14 آب 2007 الخبر التالي: "توقفت الأوساط السياسية أمام موقف لافت لقائد الجيش اللبناني العماد ميشال سليمان أكد فيه انه سيبقى في القيادة إلى حين انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة والاطمئنان على الاستقرار الأمني في البلد. كما أعلن، أن تنظيم فتح الإسلام ليس تابعاً للاستخبارات السورية وليس مدعوماً من جهات حكومية لبنانية، بل هو جزء من تنظيم القاعدة. ويأتي موقف سليمان توضيحاً لما كان نسب إليه سابقاً بأنه سيغادر إلى منزله في حال تعذر إجراء الانتخابات الرئاسية وتشكلت حكومة ثانية".

 

وفي نفس السياق ذكرت وكالة الأنباء المركزية أن كلام العماد سليمان المثير هذا جاء خلال لقائه رفاق دورته في المدرسة الحربية، الأربعاء الفائت، وهو لا يختلف عن الكلام الذي يقوله إجمالاً أمام زواره وقاصديه والمستفسرين منه مجمل الأوضاع والتطورات ولا سيما منها ما يحصل في نهر البارد. وأشارت الوكالة إلى أن احد "رفاق" سليمان المتقاعدين الذي حضر اللقاء تبرع ووزع الكلام بهدف إيصاله إلى الرأي العام للإطلاع عليه، وأوضحت الوكالة أن سليمان لم يكن في وارد إعلان موقف ما أو توزيع الحديث مع رفاقه، إلا أن رغبة الرفيق بتوزيع الكلام هو ما جعل الأمر يظهر على هذا النحو اللافت والمثير للتساؤلات. وأفادت الوكالةً أن سليمان لم يتعود نفي ما يقوله في مجالسه الخاصة.

وفي سياق ذي صلة اعتبرت صحيفة "ذي اندبندنت" البريطانية إن "الأزمة الدستورية في لبنان لا تقل خطورة عن الوضع في مخيم نهر البارد". واثنت على حكمة قائد الجيش العماد ميشال سليمان وبراعته، لافتة إلى أن له اتصالات وعلاقات مع أطراف عدة في دمشق، وهو في الوقت نفسه مدعوم من الولايات المتحدة

مما لا شك فيه أن كلام سليمان "المخيف" و "المُجفل" والصادم، هذا لن يمر قطعاً مرور الكرام، وسوف يتناوله بالتحليل والتدقيق والتشريح والتأييد والثناء، كما بالانتقاد والهجوم العديد من السياسيين والمراجع، وهو باختصار كلام من أول مفاعيله السلبية أنه يشوه صورة الرجل الوطنية، ويدمغه دمغاً فاقعاً باللون السوري، ويربطه ربطاً التصاقياً وتبعياً بجماعة 8 آذار، وبمرجعيتهم الأسدية الإيرانية.

 

إنه أمر خطير، وخطير جداً أن يصبح قائد الجيش سياسياً ويتعاطى السياسة بقذاراتها كافة، وتحديداً في هذا الوقت بالذات حيث جنود وضباط الجيش يتساقطون بالعشرات في معارك نهر البارد. إنها فعلا مشكلة وطنية، بل كارثة ومصيبة أن يصبح كل قائد جيش مرشحاً لموقع رئاسة الجمهورية.

 

غبطة البطريرك صفير الذي زاره العماد سليمان يوم الأحد الماضي في الديمان بشكل استعراضي وإعلامي لافت، كان أكد مراراً أن بكركي هي ضد تعديل الدستور لمصلحة أفراد. ترى هل كلام سليمان السوري النكهة والرائحة والتوليفة والإخراج جاء رداً على تأكيد غبطة البطريرك صفير لسليمان يوم الأحد مجدداً أنه ضد تعديل الدستور، وبالتالي ضد ترشيحه؟

 

اللافت هنا أن سليمان برأ سوريا وبكل بساطة من دم عصابة فتح الإسلام وساواها بالحكومة اللبنانية الشرعية، وكأنها كانت هي المتهمة. علماً أن رئيسها فؤاد السنيورة أكد مراراً وتكراراً أن فتح الإسلام مرتبطة بالحكم السوري. ونفس الموقف هذا اتخذه بقوة جميع قادة 14 آذار وفي مقدمهم النائب جنبلاط والدكتور جعجع.

مقاربة العماد سليمان غير عادلة، وغير موفقة وهي سيطرب لها الأسد بالتأكيد.

 

إنها مقاربة خبيثة لا يمكن أن تؤخذ ببراءة أبداً كونها بالواقع إهانة مشينة للحكومة اللبنانية ولأفرادها ولكل أعضاء 14 آذار. إن تبرئة سوريا عمل غير مسؤول وغير منطقي ولا هو عقلاني لا من قريب ولا من بعيد، لأن كل الوقائع والقرائن أثبتت وتثبت كل يوم عكس ما جاء في كلام العماد سليمان بدءاً من تفجيرات عين علق، وانتهاءً باعترافات أبوهريرة وغيره العديد من أفراد فتح الإسلام الذين اعتقلهم الجيش وقوى الأمن.

 

كلام سليمان "المستغرب" هذا يطرح مئات الأسئلة عن خلفياته وأهدافه، مقرونة بأسئلة جدية تتناول كيفية سيطرة فتح الإسلام على مخيم نهر البارد، وعن طرق وصول السلاح له، وعن دخول مئات المقاتلين الأجانب إلى لبنان ووصولهم إلى المخيم، وتطول قامة الأسئلة، كما تطول قائمة الوقائع والإثباتات، وكلها ليست في مصلحة موقف سليمان المستنكر وطنياً.

 

وفي حال كانت سوريا فعلاً بريئة من جماعة فتح الإسلام، فلماذا لا تكون أيضاً بريئة من جريمة اغتيال الرئيس الحريري ومن دم باقي الشهداء من النواب والسياسيين اللبنانيين؟ لا، لا، لم يوفق العماد سليمان في إطلالته الرئاسية هذه التي تخدم فقط وفقط الموقف السوري الساعي دون كلل للتفلت من المحكمة الدولية.

 

نتمنى من القلب أن يكون الكلام الذي نُسب لسليمان عن براءة سوريا ومساواتها جرمياً بالحكومة اللبنانية هو غير صحيح وملفق، ونتمنى أيضاً أن يصدر عن سليمان بيان توضيحي يضع من خلاله الأمور في إطارها وسياقها الصحيحين, وفي حال كان الكلام الذي نشر صحيحاً، وهذا ما لا نتمناه بأي شكل من الأشكال، فإن وصول هذا الجنرال إلى موقع الرئاسة الأولى على خلفية مواقفه السورية سيكون كارثة كبرى على البلد وعلى النظام الديموقراطي فيه، وبالتأكيد بظل رئاسته لن تُسهل إجراءات المحكمة الدولية، بل على العكس سيعمل حكمه على عرقلتها، وهنا تكمن الخطورة، بل الكارثة.

 

بانتظار توضيح ما من العماد سليمان، نحذر من ترك كلامه يمر مرور الكرام ونطلب من قياديي ثورة الأرز في لبنان وبلاد الانتشار أن يأخذوا ما نسب للعماد من مواقف سورية الطعم والرائحة على محمل من الجد والتعامل مع ترشيحه للرئاسة (في حال ترشح) على هذا الأساس.

 

ترى هل من غرام ما أو قطب مخفية بين جنرالات لبنان الثلاثة، لحود وعون وسليمان والحكم السوري؟

فالقابع في قصر بعبدا لا هم عنده إلا التسويق الممل والمفضوح والصبياني للنظام الأسدي ليلا ونهاراً، وذاك المُعسكِّر في قصر "أوهام" الرابية اختصر الخلاف اللبناني المزمن مع سوريا وسخفَّه إلى مجرد "خلاف إعلامي" ويرى الحل، بل الحلول ممكنة على فجنان قهوة بالشام.

وها هو العماد سليمان ينضم لرفيقيه في السلاح ويبرئ الشقيقة الشقية من كل الذنوب والخطايا!! نسأل: هل هناك سحراً أو سراً ما يربط سوريا البعث ببعض جنرالات لبنان، ومنهم أيضاً الجنرالات القابعون في السجن على خلفية جريمة اغتيال الرئيس الحريري؟

 

أن الفراغ الدستوري في موقع الرئاسة الأولى الذي تسعى سوريا جاهدة وبقوة السلاح وكل وسائل الإرهاب والإجرام لإحداثه عن طريق قوى 8 آذار بكل تلاوينها، هو عمل إجرامي يستهدف الوجود المسيحي في لبنان، ووجود الدولة الديموقراطية والحرة والسيدة والمستقلة، ومبدأ التعايش والتوافق بين اللبنانيين.

 

من هنا فكل من يشارك في إنجاح المؤامرة السورية أو يتجابن عن إعلان موقف صريح وواضح بشأنها من القيادات المسيحية تحديداً، يرتكب جرم الخيانة مرتين مرة بحق دينه وقرابين كل الشهداء الأبرار، ومرة بحق الوطن اللبناني المميز، وطن الأرز والرسالة.

ومن بقي عنده من القيادات المسيحية "الشاردة" "والموهومة" ذرة وجدان وضمير فليتعظ ويرجع إلى ربوع لبنان وظلال أرزه مقتدياً بتوبة وكفارة الولد الشاطر.

 

كندا/تورنتو في 16 آب 2007

عنوان الكاتب البريدي

Phoenicia@hotmail.com