نعم، البطريرك الماروني منحاز، ولكن للبنان التعايش والرسالة

بقلم/الياس بجاني*

 

في مقابلة له مع تلفزيون "او تي في" التابع للعماد ميشال عون عُرّضت بتاريخ 4 تشرين الأول/2008 اتّهم منسق الشؤون السياسية في "تيار المردة" السيد يوسف سعادة غبطة البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير بأنه منحاز لفريق، وقال: "هذا واضح في عظاته"، معتبراً أن لا مانع للمردة أن يكون لبكركي دور في المصالحات المسيحية المسيحية، ولكن على البطريرك أن يكون على المسافة نفسها من كل الأطراف.

 

ونفس "الاتهام" الوسام كان وجهه إلى غبطة البطريرك الماروني العماد ميشال عون وربعه مراراً وتكراراً بعد أن انتقل عماد "الإخوان" هذا إلى القاطع السوري الإيراني وأعلن عداءه للغرب عموماً، وللشيطان الأميركي وللاستكبار العالمي" تحديداً.

 

أما مسلسلات الكلام النابي والعدائي الحاقد، ومنظومات الافتراءات التي يتفوه بها بين الحين والآخر كل من العماد عون والسيد فرنجية مستهدفة شخص غبطة البطريرك ومواقفه الوطنية والقيمية، فنرد عليها بتذكيرهما وبمحبة بما جاء في رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل تسالونيقي: "نسألكم أيها الإخوة أن تكرموا الذين يجهدون بينكم ويرعونكم في الرب وينصحونكم، وان تعظموا شانهم بمنتهى المحبة من اجل عملهم".

 

وعن مطالبة البطريرك بمواقف "عدم الانحياز" نشير إلى أنه من المفترض وطبقاً لتصنيفات الأحزاب والتجمعات اللبنانية السياسية إن تيار المردة هو تجمع مسيحي ماروني، كما هو المفترض أيضاً أن يكون حال التيار العوني، إذ يعتبر العماد عون نفسه الممثل الحصري للمسيحيين، والمدافع الأوحد عن حقوقهم.

 

نسأل قادة "المردة" ومعهم العونيين"، ونخص بالسؤال كل من العماد عون والسيد سليمان فرنجية ما إذا كان في العقيدة والتعاليم المسيحية "على حد علمهما" ما هو حياد وعدم انحياز وسكوت عن الحق ومحاباة؟

 

الجواب "الإنجيلي" هو بالطبع لا وألف لا، لأن الحياد في المفهوم اللاهوتي المسيحي هو جبن وهروب وتخل عن واجبات والتزامات، ولأن الحياد هو تقهقر وانتحار ذاتي، وهو ليس له أي قبول أو أساس في صلب المفاهيم والممارسات المسيحية، وقد جاء في رؤيا القديس يوحنا (3/15 و16):  "لأني عليم بأعمالك وأعلم أنك لست بارداً ولا حاراً، وليتك كنت بارداً أو حاراً. سأتقيأك من فمي لأنك فاتر ولا حار ولا بارد".

 

وعن ضرورة أن يكون الإنسان المسيحي مع أو ضد كل عمل وتصرف وممارسة وطرح وقضية وصاحب موقف، وموقف معلن وصريح وصارخ قال السيد المسيح: من لم يكن معي كان عليّ، ومن لم يجمع معي كان مبدداً".  (متى 12-30)

 

إن الشهادة للحق التي حمل راياتها المعلم والمخلص لا يمكن أن تتماهى مع الحياد أو تتوافق مع ما يسمى عدم انحياز. فمن يشهد للحق ويجاهر به ويحمل رسالة الفادي لا تسمح له شرائع السماء أن يكون حيادياً وغير منحاز طبقاً لمفاهيم "المردة والعونيين" الموروبة.

 

لا يا كرام، واجب سيد بكركي تسمية الأشياء بأسمائها بشجاعة وشفافية ووضوح وبصوت عال، ومن على فوق السطوح.

إن سراج الحق لا يوضع تحت المكيال بل على المنارة ليضيء نوره على الجميع.

 

من هنا نسأل قادة "تيار المردة" و"جنرال الرابية" وكل أفراد الربع المغرد خارج سربه الماروني واللبناني، كيف يمكن لسيد بكركي أن يكون حيادياً، وغير منحاز للبنان الكيان والرسالة عندما يتعلق الأمر بمصير هذا الوطن الغالي وبحريته وسيادته واستقلاله وهويته وثقافته وكرامة إنسانه، هذا اللبنان المقدس الذي أعطي لصرح بكركي مجده؟

 

هل يُعقل أن يقف غبطة البطريرك الذي أعطي نعمة الجلوس على الكرسي البطرسي، ويحمل على كتفيه مسؤولية المحافظة على ديمومة وكيان لبنان أن يكون حيادياً بين فريقين من أولاده الموارنة، الأول يريد صون وطن الأباء والأجداد والتاريخ والقرابين ويضحي من أجل ذلك بالغالي والنفيس، وبين فريق ثان "شارد وشاطر" امتهن اليوداصية والحربائية والنرجسية تماماً كالفريسيين والعشارين وجامعي الضرائب؟

 

لا يا سادة يا كرام، غبطة البطريرك الماروني، وكائنا من كان، لا يمكن إلا أن يكون منحازاً لدماء وعرق الآلاف من أبناء كنيسته الشهداء البررة والأتقياء الذين وبفضل تضحياتهم، وثبات إيمانهم، وقوة رجائهم، بقي لبنان وطناً حراً وسيداً، وملاذاً أمناً لكل المضطهدين والمقهورين في الشرق، وبقيت الكنيسة المارونية راعية مخلصة لرعيتها، وبقيت بكركي صرحاً مسيحياً ووطنياً، وبقيت الحريات في لبنان مصانة، والرايات فيه خفاقة، والجباه عاليه.

 

مَنْ يتوهم مِنْ القادة الموارنة تحديداً أن بإمكانه إسكات صوت بكركي الصارخ باستعمال وسائل بالإرهاب والمال "النظيف" والاتهامات والسلاح الميليشياوي والتجني والافتراءات الكاذبة، وتحييدها بهدف تمرير مشروع دولة "ولاية الفقيه" في لبنان، عليه أن يقرأ التاريخ جيداً ويأخذ منه العبر فلعله يتعظ. والأهم لعله يفيق قبل فوات الأوان من غيبوبة "أحلام اليقظة" التي سجن نفسه داخل أسوارها الوهمية، وأن يعود إلى بيت أبيه، إلى بكركي، تائباً مستغفراً كعودة الولد الشاطر.

 

البطريرك الماروني لا يتوخى رضا الناس ولا يحابي أحداً منهم على حساب مصلحة وطن الأرز أو الشهادة للحق.

 

نتوقع أن يكون رد غبطة البطريرك الماروني على هؤلاء الذين يطالبونه بعدم الانحياز تذكيرهم بما جاء في رسالة القديس بولس الرسول إلى أهل غلاطية: "أتراني استعطف الناس أم استعطف الله؟ العلِّي أتوخى رضا الناس؟ فلو كنت إلى اليوم أتوخى رضا الناس لما كنت عبداً للمسيح".(غلاطية 1-10)

 

يا سادة يا كرام، يا أيها الشاطرين، إن الإنسان موقف ومن لا موقف له انتفت عنه صفاته الإنسانية.

 

يبقى، "أنه لا يمكن إلا أن تأتي العثرات، ولكن الويل للذي تأتي بواسطته، فخير له لو طوق عنقه بحجر الرّحى وطرح في عرض البحر". (متى 18-6)

 

*الأمين العام للمنسقية العامة للمؤسسات اللبنانية الكندية

 

كندا/تورنتو في 6 تشرين الأول 2008