هل أصبح لبنان دولة جهادية؟

بقلم/الياس بجاني*

 

منذ أن أُجبر الجيش السوري المحتل على الانسحاب من لبنان سنة 2005 بدأ حزب الله طقوس تشييع "مجاهدين" تابعين له في قرى وبلدات تقع ضمن مربعاته الأمنية في ضاحية بيروت الجنوبية والبقاع والجنوب بمشاركة رسمية على أعلى المستويات دون أن يُعلن ولو مرة واحدة أين قتل هؤلاء "المجاهدون"، ومن قتلهم، وما هي المهمات التي كانوا مكلفين بتنفيذها ومن كلفهم بها.

 

في هذا السياق نشرت وكالة الأنباء الوطنية في 02 كانون الثاني 2009 تحت عنوان: "حزب الله وأهالي السلطانية شيعوا مجاهدا"، الخبر التالي: "شيع "حزب الله" وأهالي بلدة السلطانية الفقيد المجاهد حسين كامل ياسين بموكب جماهيري حاشد تقدمه وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية محمد فنيش وعضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب الدكتور حسن فضل الله. وانطلق موكب التشييع الذي جاب شوارع البلدة، من أمام منزل الفقيد حيث حمل النعش على أكتاف ثلة من رفاقه، وتقدمته الفرق الكشفية وحملة رايات المقاومة وصور القادة، وشارك فيه حشد من رجال الدين والفعاليات السياسية والاجتماعية ورؤساء بلديات ومخاتير وأهالي المنطقة وصولاً إلى جبانة البلدة حيث ووري الفقيد الثرى بعد أن أم الشيخ علي ياسين الصلاة على الجثمان الطاهر".

 

ترى هل أصبحت الدولة اللبنانية فعلاً دولة جهادية تابعة كلياً ومباشرة لمرجعية ولاية الفقيه الإيرانية، ولكن دون أن يعلن هذا الأمر رسمياً؟

إن الواقع الأمني والسياسي والحياتي المعاش يبين بما لا يقبل الشك أن دويلة حزب الله هي التي تتحكم بكل مفاصل الدولة اللبنانية وعلى كافة المستويات، وهي التي تهيمن بالقوة والإرهاب على مؤسساتها كافة وتفرض املاءاتها وأوامرها وعقيدتها المذهبية على كل المسؤولين دون استثناء.

 

حتى الآن لم يُكلف أي مسؤول لبناني رسمي أو سياسي أو ديني نفسه عناء التطرق لهذه الظاهرة الخطيرة التي تناقض الدستور اللبناني وتنتهك كل قوانين القضاء وتضرب مصداقية كل الاتفاقات الدولية والعربية الملزم لبنان التقيد بها. هذا الصمت المطبق الذي يشبه صمت القبور يشمل للأسف رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش ومجلسي النواب والحكومة وكل المرجعيات الدينية والسياسية.

 

يقال ودون أن يعلن هذا الأمر رسمياً من قِبل الحكومة اللبنانية إن كل الذين يصنفهم حزب الله، وأيضاً حركة أمل، شهداء "مجاهدين" تعاملهم الدولة بما يخص التعويضات والتقديمات تماماً كما تعامل شهداء الجيش وقوى الأمن اللبنانيين.

 

أليس من حق الشعب اللبناني أن يحصل على توضيح كامل حول هذا الأمر بشكل رسمي وقانوني؟

وأليس من العدل والشفافية والمصداقية بمكان أن تعامل الدولة كل "الشهداء" اللبنانيين طبقاً لمعيار واحد؟

نسأل ما هي المعايير القانونية التي طبقاً لبنودها تعتبر الدولة اللبنانية موت أي مواطن من خارج كوادر قواها العسكرية والأمنية الرسمية "استشهاداً"؟

 

قانونياً يعتبر الخبر المشار إليه في بداية هذا المقال عن تشييع "المجاهد" "إخباراً" من واجب المراجع القضائية أن تتعامل معه بما يتوافق والإجراءات المرعية الشأن، ولكن لا حياة لمن تنادي في دولة تتحكم بها الدويلة بالدولة، والخبر بالتأكيد سيمر بصمت وتعامٍ كما مرت أخبار عشرات الوقائع المماثلة.

 

نسأل، أين هي مسؤولية الدولة اللبنانية ووزير من وزراء حكومتها يشارك في تشييع "المجاهد" دون أن تكلف هي نفسها عناء إصدار بيان يوضح خلفيات هذا "الحدث الجهادي".

ترى هل تعي هذه الدولة أنها حصرياً هي المسؤولة ممثلة بمرجعياتها العسكرية التي يحق لها قانونياً تكليف مواطنين لبنانيين تنفيذ مهمات أمنية أكان داخل أراضي الوطن أو في بلدان أخرى؟

 

أية مصداقية تبقى للتحقيق القضائي العسكري الذي تقول الدولة اللبنانية أنها تقوم به في قضية الانفجار الذي حصل في الضاحية الجنوبية مؤخراً في حال كان "المجاهد" هذا هو عنصر حزب الله الذي قضى فيه كما جاء في تقرير نشره موقع "لبنان الآن" بتاريخ 2 كانون الثاني 2009: "فيما تستمر التحقيقات بالانفجار الذي حصل في منطقة حارة حريك في الضاحية الجنوبية، تقول مصادر معنية إن "الانفجار قد أدى إلى سقوط شهيد من "حزب الله" إضافة إلى الشهيدين الآخرين من حركة "حماس" اللذين أعلن عنهما وتم دفنهما في اليوم التالي لوقوع الانفجار"، مشيرة إلى أن "وجود عناصر من "حزب الله" في مثل هذه المواقع هو أمر طبيعي في ظل المسؤولية التي يضطلع بها الحزب تجاه كل مناطق وجوده وحركته في إطار عمله".

 

معيب هذا الصمت الرسمي ومخيف في آن لأنه يبين بوضوح أن المسؤولين في الدولة اللبنانية وعلى كافة المستويات لا يمارسون مهماتهم كما تقتضي الأصول ولا يلتزمون القوانين لا فرق إذا كان السبب هو الخوف أو التبعية لأن المحصلة واحدة.

 

من المؤسف جداً أن لبنان الدولة قد تحول رغماً عن إرادة أكثرية مواطنيه وخلافاً لدستوره وقوانينه إلى نظام حُكم لا يشبه هؤلاء المواطنين بشيء. نظام بغالبية مسؤوليه يدور في فلك المخطط الإيراني السوري التوسعي والعنفي ويلتزم بمعاييره كافة بمن فيها الجهادية.

 

يبقى أن جميع الرعاة هؤلاء ومنهم المسؤولون الرسميون والسياسيون والمرجعيات الدينية هم شركاء في تحويل لبنان إلى "دولة جهادية" تلتزم فرمانات حزب الله وتطبق معايير مرجعيتيه الإيرانية والسورية. منهم من هو شريك بالتبعية والتزلم، ومنهم من هو شريك بالصمت وبالتعامي عن الشهادة للحق، فالساكت عن الحق هو شيطان أخرس.

على ممارسات هؤلاء جميعاً ينطبق قول الإمام علي: "أشقى الرعاة مَن شقيتْ به رعيّتُه".

 

الكاتب معلق سياسي وناشط لبناني اغترابي

*عنوان الكاتب الألكتروني phoenicia@hotmail.com

*تورنتو/كندا في 5 كانون الثاني/2010