زيارة الراعي لأميركا أسقطت الأقنعة وكشفت العورات

بقلم/الياس بجاني*

 

"الرَّاضِي بِفِعْلِ قَوْمٍ كَالدَّاخِلِ فِيهِ مَعَهُمْ، وَعَلَى كُلِّ دَاخِلٍ فِي بَاطِلٍ إِثْمَانِ: إِثْمُ الْعَمَلِ بِهِ، وَإِثْمُ الرِّضَى بِهِ" (الإمام علي)

 

محزن جداً أن حضور بعض قيادات لبنان ورجال أديانه هو غياب وموت، والأخطر هذا الدور الذي يلعبه البطريرك الماروني الجديد بشارة الراعي الذي انحاز كلياً لمخططات محور الشر السوري الإيراني الموجود في لبنان من خلال ميليشياته المسلحة والدويلات التي بالواقع المعاش تحتل البلد وتهيمن بالقوة والبلطجة والإرهاب على حكمه ومؤسساته وتصادر قراره على كل المستويات والصعد. انقلب الراعي بإصرار لافت على كل ثوابت بكركي وعلى تعاليم الإنجيل وعلى كل ما هو دولة وقانون وهوية وحريات وشهادة للحق وتضحيات شهداء ومجتمع دولي وقرارات، وها هو يجول دول العالم مسوقاً لنهجه هذا. واحد من تلاميذ المسيح خاطبه قائلاً: "يا سيد، دعني أذهب أولا وأدفن أبي فقال له المسيح: "إتبعني واترك الموتى يدفنون موتاهم" (متى08/22)

 

من يتابع عن قرب مواقف وكلام الراعي يلاحظ دون جهد كبير أن أفخاخ المؤامرة والإسقاط والتبرير والشعوبية والديماغوجية والنرجسية والعصبية ومفردات قواميس جماعات كذبة التحرير والمقاومة والممانعة ومنطق الاستعلاء هي التي تغلب بفظاظة فاقعة على كل خطبه والمواعظ والمقابلات والتصاريح، وخصوصاً تلك التي ألقاها خلال زيارته الأميركية وقبلها الفرنسية. ويلاحظ أيضاً أنه في كل كلمة نطق وينطق بها يكشف أكثر وأكثر عن نواياه وتوجهاته المخيفة التي هي غير لبنانية وغير مارونية فكراً وقيماً ونهجاً وتاريخاً وإيماناً.

 

هذا، وكما هو واقع كل المحطات الإنسانية والوطنية والإيمانية الصعبة والمكلفة والخطيرة والمفصلية التي تتطلب مواقف عزة وكرامة وتضحيات وترّفُع عن المصالح الذاتية فقد أسقطت محطة زيارة الراعي لأميركا أقنعة واهية وكاذبة كان يتخفى خلفها عدد من اللبنانيين الأميركيين العاملين في الشأنين العام والحزبي تحت مسميات لمجموعات ومنظمات كثيرة تدعي الدفاع عن الوطن الأم والمارونية والحريات والقرارات الدولية وحقوق الإنسان والكرامات.

 

تخلى هؤلاء عن جوهر كل الشعارات والبيانات التي رفعوا راياتها لسنين طويلة وتلحفوا بها وأسرعوا على عجل لاهثين لاستقبال الراعي ووضع الطائرات الخاصة بتصرفه مقابل أن يتصدروا المقاعد الأمامية في الاحتفالات التي أقيمت له وذلك بدلاً من مقاطعة الزيارة واتخاذ مواقف واضحة وشجاعة وعلنية من خياراته ومواقفه السورية والإيرانية.

 

من يراجع مذكراتهم وبياناتهم وتصاريحهم الأخيرة يرى دون لبس أنهم لم يأتوا على ذكر أي موقف من مواقف الراعي المستنكرة بدءاً من الثورة السورية والربيع العربي وحلف الأقليات ومروراً بالمحكمة الدولية وانتهاءً بملفات اللاجئين في إسرائيل والمعتقلين اعتباطاً في السجون السورية. بخجل تلطوا وراء ذكر باهت لأرقام القرارات الدولية فقط.

 

إن جوهر ما قام به هؤلاء ليس بجديد فغيرهم استعمل نفس منطق التحايل والتخاذل والتبرير المرّضي خلال حقبة الاحتلال السوري القائل "دعونا نكون داخل الحكم وليس خارجه حتى لا نُغيب"، وطبعا نتائج هذا المنطق يعرف الجميع نتائجه الكارثية. أي منطق هذا الذي يبرر تقديم مذكرة بالمطالب إلى من يسوّق للقوى التي تعمل على تدمير لبنان وتهجير أهله وضرب هويته واستقلاله. لا هذا أمر في منتهى السذاجة و"الهبل" وكان الأجدر بهم تقديم نفس المذكرة إلى حزب الله. "فعلا شي تعتير"

 

إن سقوط هؤلاء في التجربة كما غيرهم وهم كثر وانحيازهم للوجاهة ونفخة الصدر على خلفية الجهل والأنانية والفكر المسطح ليس بأمر مستغرب لأن معادن الرجال لا تظهر للعلن إلا في المحطات الصعبة. نعم سقطوا وكشفوا عن ضحالة فكرهم الإيماني والوطني ومهما حاولوا اللجوء إلى آليتي التبرير والإسقاط المرضيتين (Projection and Rationalization) فلن يُقنعوا أصحاب الضمائر والمواقف والأحرار بصدقهم.

 

حرام، فعلاً حرام، لقد تخلوا عن كل شيء مقابل لا شيء. نشفق عليهم ونصلي من أجل أن يعوا بإيمان لب وجوهر ما قاله السيد المسيح لأمثالهم: "ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه".(متى 16/26)

 

يبقى أن الرجال مواقف، والمواقف تفترض الجرأة والتجرد وصلابة وعمق الإيمان، والإنجيل المقدس رسم خريطة طريق المواقف الحقة بقول المسيح: من ليس معي فهو ضدي ومن لا يجمع فهو يبذر" (متى12/30).

 

نقول في صلاة الأبانا:"لا تدخلنا في التجارب ولكن نجنا من الشرير". نصلي من أجل أن لا يقع أي إنسان في التجربة ونصلي من أجل توبة الواقعين في فخاخها والعودة إلى ينابيع الإيمان والتقوى واحترام الذات وأسس الكرامة وعزة النفس، والرب سميع مجيب.

 

*الكاتب معلق سياسي وناشط لبناني اغترابي

*عنوان الكاتب الألكتروني

phoenicia@hotmail.com

*تورنتو/كندا في 17 تشرين الأول/11