ابتعاد الإنسان عن الله يحوله إلى وحش ومصاص دماء

الياس بجاني

28 تموز/15

هل يتحول الإنسان فعلاً إلى وحش ومصاص دماء ومخلوق همجي بمجرد أن يقتل صوت الله بداخله الذي هو الضمير، ويُعهّر لسانه الذي هو الكلمة والتي في الأساس هي الله المتجسد، وبالتالي يستسلم كلياً لنزعات وجموح غرائز الجسد الحيوانية ويتمرد على الله خالقه وعلى مشيئته وتعاليمه وكتبه المقدسة كما فعل نمرود حفيد النبي نوح متعامياً عن كامل تصور وتصميم عن حتمية يوم الحساب الأخير وعن حقيقة أنه مخلوق ترابي من التراب جُبل وإلى التراب سيعود لا محالة؟

نعم، بالواقع المعاش وبالنظر حولنا بتجرد وموضوعية وعلى خلفية إيمانية وإنسانية بحتة نجد أن بعض البشر وهم ليسوا بقلة، وقد يكونون من أقرب الناس إلينا ومن أعزهم إلى قلوبنا، قد يتحولون بين ليلة وضحاها إلى مخلوقات أبشع بكثير من الحيوانات المتوحشة والمفترسة فكراً وممارسة وطمعاً ونفسية وسفالة وانحطاطاً. يقتلون الإنسان بداخلهم الذي خلقه الله على صورته ومثاله ويتحولون إلى كائنات مجردة تماماً من كل الأحاسيس البشرية.

فبمجرد أن يستأثر هؤلاء بالسلطة وبمواقع النفوذ على أي مستوى كان وتجري بين أيديهم ثروات ومقتنيات الدنيا الفانية من مال وغيره حتى يبدأون بعمليات الأذى والجحود والقتل الهمجية على كافة أشكالها وصورها وألوانها من جسدي ونفسي وأخلاقي ومعنوي ومعيشي.

يدخلون حلقة الأذى والشر الجهنمية بتمرد وجحود وقساوة قلب وموت أحاسيس، فيقتلون لمجرد لذة القتل ومن أجل التلذذ بطعم ملوحة الدم المراق من جراح ضحاياهم الذين غالباً ما يكونون من بين أهلهم ومعارفهم وأقرب الناس إليهم، أو من بين أفراد شعوبهم الكادحة والمقهورة في حالة الحكام البرابرة والديكتاتوريين الظلمة كما هو الوضع الحالي والمخيف في سوريا، حيث يقتل الحاكم المستبد وحاشيته هناك الشعب منكلين بوحشية وحيوانية وغرائزية منقطعة النظير بالأطفال والنساء والشيوخ ورافضين بجنون التخلي عن السلطة وحال لسانهم الشرير يقول، إما أن نحكمكم ونستعبدكم أو نقتلكم.

يسكر هؤلاء الجاحدون حتى الثمالة على عذاب ومعاناة الآخرين حتى ولو كانوا من أهلهم وفي كثير من الحالات من أفراد عائلاتهم. ينتقمون بنهم لمجرد إشباع غريزة الانتقام التي لا حدود أو أطر لإشباعها، فيما مركبات الحقد تهيمن بشيطانية فاقعة على كل ممارساتهم وأفكارهم والأهواء. يبتعدون عن الله ولا يخافونه وينسلخون عن الواقع وعن كل ما يحيط به من حقائق. يبنون قصور وهمية في عقولهم ومخيلاتهم ويغلقون أبوابها ويوصدون نوافذها ويرفضون أن يسمعوا غير أصواتهم أو أن يروا غير ذواتهم.

هؤلاء هم وحوش أكثر من الحيوانات المتوحشة ومفترسين أكثر من الحيوانات المفترسة. علماً أن الحيوان المفترس والمتوحش لا يصطاد أو يقتل إلا إذا كان جائعاً ليؤمن طعامه، في حين أن هذا النوع من البشر الحيواني والغرائزي لا يشبع وجشعه لا حدود له. يمتهن القتل بكافة أشكاله لمجرد لذة القتل السادية في حين أنه متخم حتى الثمالة بكل مستلزمات الحياة.

السؤال الذي يُطرح دائما هو: لماذا يتحول بعض البشر إلى هذه الحيوانية في فكرهم وممارساتهم ووحشيتهم؟

الجواب في منتهى البساطة: يغرق هؤلاء في تجارب إبليس لقلة إيمانهم وخور رجائهم وابتعادهم عن الله وعن تعاليمه فيسكنهم ويسيطر عليهم ويصبحون أدواة شريرة طيعة بين يديه.

ما هو العلاج أو الحل؟: أيضاً في منتهى البساطة والسهولة ويكمن بالعودة إلى ينابيع الإيمان والتقوى وإلى مخافة الله والعمل بجهد للانتصار على الشيطان الذي هو بالواقع جموح وتفلت غرائزنا وأطماعنا وشهواتنا.

طبقاُ لمفاهيم كل الأديان السماوية إن الحياة نعمة وهبة ربانية يمنحها الله سبحانه وتعالى للإنسان، وهو يستردها منه متى يشاء. عندما يسترد الله وديعة الحياة التي هي الروح يبرد الجسد ويموت ويعود إلى التراب الذي جُبل منه.

من أراد أن يتعظ ويخاف الله عليه أن يقرأ جيداً مثل الغني الغبي (لوقا 12/16-21): وقال لهم هذا المثل: كان رجل غني أخصبت أرضه، فقال في نفسه: لا مكان عندي أخزن فيه غلالي، فماذا أعمل؟ ثم قال: أعمل هذا: أهدم مخازني وأبني أكبر منها، فأضع فيها كل قمحي وخيراتي. وأقول لنفسي: يا نفسي، لك خيرات وافرة تكفيك مؤونة سنين كثيرة، فاستريحي وكلي واشربي وتنعمي! فقال له الله: يا غبي، في هذه الليلة تسترد نفسك منك. فهذا الذي أعددته لمن يكون؟ هكذا يكون مصير من يجمع لنفسه ولا يغنى بالله.

يقول بولس الرسول (1 تسالونيكي 50/01-10): أما الأزمنة والأوقات فلا حاجة بكم، أيها الإخوة، أن يكتب إليكم فيها، لأنكم تعرفون جيدا أن يوم الرب يجيء كاللص في الليل. فحين يقول الناس: سلام وأمان، يفاجئهم الهلاك بغتة كما يفاجئ الحبلى ألم الولادة، فلا يقدرون على النجاة. أما أنتم، أيها الإخوة، فلا تعيشون في الظلام حتى يفاجئكم ذلك اليوم مفاجأة اللص، لأنكم جميعا أبناء النور وأبناء النهار. فما نحن من الليل ولا من الظلام. فلا ننم كسائر الناس، بل علينا أن نسهر ونصحو.

بالخلاصة عندما يسترد الله وديعة الروح لن يتمكن لا الحاكم الظالم ولا رجل الدين الفاسد ولا الإنسان المتجبر والجاحد من أن يأخذ معه من مقتنيات الدنيا الفانية أي شيء. فقط وفقط يمكنه أخذ زوادة أعماله التي على أساسها إما يكون له الفرح الأبدي بالعودة إلى منزل أبيه السماوي أو البكاء وصريف الأسنان في نار جهنم.

إلى الله نصلي أن يهبنا العزيمة لنغيّر من إشارات الزمن الشرير ونخضع ذواتنا بالمحبة للذي هو المحبة.

*الكاتب ناشط لبناني اغترابي

*عنوان الكاتب الالكترونيphoenicia@hotmail.com