نص الحديث الهاتفي الذي أجراه الأستاذ الياس بجاني مسؤول الإعلام في صوت فينيقيا الاخباري في مدينة تورنتو يوم الأحد بتاريخ 30/5/1993 مع سماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين نائب رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان

صوت فينيقيا : بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك نتقدم من سماحتكم بأحر التهاني راجين من المولى القدير أن يعيده على شعبنا اللبناني وعلى العالم اجمع بالخير واليمن والبركات وعلى لبناننا بالعزة والطمأنينة والسلام. سماحة الشيخ محمد شمس الدين بحييكم من مدينة تورنتو في كندا ونرحب بكم ضيفاً عزيزاً على صوت فينيقيا الإخباري ويهمنا أن نُسمع صوتكم لأبناء الجالية في مدينة تورنتو خصوصاً وكندا عموماً ليتعرفوا على مواقفكم من آخر التطورات على الساحة اللبنانية.

سماحة الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين وعلى جميع أنبياء الله المرسلين. نحن نتوجه إلى أبنائنا اللبنانيين في كندا بالتحية والتبريك بهذه الأيام المباركة سائلين الله أن يسبغ عليهم نعَمِهِ الظاهرة والباطنة وان يرزقهم في أعمالهم وتيسير العودة إلى وطننا لبنان ليساهموا في إعادة أعماره وفي تدعيم استقلاله وسيادته. وأوصيهم أن يحافظوا في البلاد الصديقة التي تستضيفهم على أصالتهم وأخلاقياتهم وإيمانهم، وان يحترموا في الوقت نفسه قوانين وأعراف تلك البلاد التي تستضيفهم وان لا ينسوا إطلاقاً أنهم ينتمون إلى لبنان وأنهم مهما بعدت بهم الشقة يجب أن يعودوا. كما أوصيهم بأن يكونوا متحدين ومتعاونين فيما بينهم وان لا تؤثرعليهم أية انتماءات طائفية أو دينية من حيث وحدتهم الوطنية وتلاحمهم الوطني في السراء وفي الضراء وخاصةً بالنسبة لمن يحتاجون إلى العون منهم. آمل أن يتعاونوا في إسناد وتقوية ضعفائهم وأهل الحاجة منهم، واكرر بان عليهم أن يحافظوا بصورة مطلقة على أخلاقياتهم وعلى القيم التي نشأوا عليها، قيم الأخلاق والكمال وضبط النفس والعفة من جميع الجهات .

 

صوت فينيقيا : سؤالنا الأول هو عن الجنوب الغالي على قلب كل لبناني، قلتم في تصريح لكم قبل أسبوع إن السلام لن يتحقق هذا العام ولا العام القادم وان إسرائيل لا تحمل مشروع سلام وإنما مشروعاً يهدف إلى تحقيق المزيد من المكاسب، فهل باعتقادكم فشلت المحادثات الثنائية مع إسرائيل ولا آمل يرتجى منها في ضوء خيبة الأمل التي نتجت عن الجولة التاسعة من هذه المفاوضات؟

وهل مسوح للبنان إقليميا وعربياً ودولياً إجراء أي نوع من الاتفاق مع إسرائيل لتنفيذ القرار الدولي رقم 425 دون موافقة الدول العربية بعد أن ربطت قضية الانسحاب من الجنوب بمشكلة الشرق الأوسط ككل؟

سماحة الشيخ: الواقع أن هذا السؤال هو أب كل الأسئلة. فنحن كما ذكرتم عبرنا مراراً عن هذه الرؤية وهي أننا لا نرى انسحاباً إسرائيليا وشيكاً من مناطق الاحتلال في الجنوب والبقاع الغربي، حيث أن معطيات الوضع السياسي العام في المنطقة وفي داخل إسرائيل وعلى المستوى الدولي لا تبشر بانسحاب وشيك. الإسرائيلي يريد أن يحقق مكاسب من أية خطوة، ولكن ليس عند لبنان أية أشياء يعطيها كمكاسب. والموضوع اللبناني كما أشرتم هو مرتبط بالموضوع العام في المنطقة، ولا يبدوا لي انه ناضج في هذه السنة كما انه لم يكن ناضجاً في السنة الماضية. من هنا عبرنا في الأسبوع الماضي من جديد بعد اختتام الجولة التاسعة من تلك المفاوضات التي لم تحقق ما آمل وبشر به البعض عندنا، عبرنا عن موقفنا الصريح منها، إننا لا نرى ما يبرر مثل هذه الآمال. انا شخصياً اكرر لا أتوقع حدوث شيء في هذه السنة على الرغم من التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الأمريكي وارن كرستوفر حول الآمال المرجوة من الجولة العاشرة المقرر انعقادها الشهر القادم. لا أري أن سنة 1993 ستحمل أي جديد بالنسبة إلى الجنوب، وكما قلت سابقاً ربما كانت سنة 1994 كهذه السنة

 

صوت فينيقيا: سماحة الشيخ هل انتم من المؤيدين لعملية استمرار المفاوضات الثنائية مع إسرائيل بعد فشل الجولات التسع الماضية ؟

سماحة الشيخ : نحن اساساً لم ننظر إلى هذه المفاوضات على أنها يمكن قد تنتج في حينه أول ما دعيَّ إلى مؤتمر مدريد وعقد ذلك المؤتمر، قلنا أن هناك معادلتين إحداهما سميناها معادلة ضرورات الأنظمة، والأخرى هي معادلة خيارات الأمة. بطبيعة الحال هذه المفاوضات انا لست في وضع أن أؤيدها، كما أنني لست في وضع أن أعارضها كونها ناشئة من ضرورات تحكم الأنظمة العربية بعد تصدع ومن ثم انهيار المعسكر الشيوعي وزوال الاتحاد السوفياتي. فالأنظمة العربية نتيجة للعجز الداخلي من جهة، ولانعدام أي هامش للمناورة الدولية في السياسة الخارجية. من جهة أخرى واجهت ضرورات معينة نراها جميعاً. وهي الآن تعيش حالة حصار من الخارج في الوقت الذي تحظى فيه إسرائيل على دعم مطلق يكاد يكون على مستوى العالم، تحديداً من الولايات الأميركية المتحدة وأوروبا الغربية. من هنا فان المفاوضات مع إسرائيل هي من ضرورات الوضع الدولي ويقتضي بالتالي أن تستمر. لا توجد أمام الأنظمة العربية أية خيارات أخرى، ومن هنا تلاحظون انه في بعض الحالات هذه الدولة العربية أو تلك تظهر شيئاً من التصلب ثم ما تفتأ أن تلين وتعلن أنها ستحضر هذه المفاوضات. المنطق الذي يحكم العملية برمتها هو منطق الضعف والقوة، معادلة الضعف والقوة. من هنا فأن المفاوضات برأيي سوف تستمر لأن واشنطن تريد ذلك. وهنا يجب أن لا يغيب عن بالنا بان المفاوضات شكلت مكسباً لوجهة النظر التي تدعو إلى تصفية القضية العربية ومن ضمنها بالطبع القضية الفلسطينية. إن هذه المفاوضات بالتأكيد لن تكون منتجة لما يسمى حقوق شعب فلسطين، وإنما ستكون عبارة عن إطار لشرعنة الوضع القائم فعلاً وإدخال بعض الملامح التجميلية عليه لا أكثر ولا أفضل.

 

صوت فينيقيا : لو نظرنا إلى الوضع الداخلي اللبناني الحالي نجد أن التعيينات الإدارية الأخيرة أثارت موجة من الاعتراضات العنيفة من قبل فئات كثيرة وكبيرة من الشعب اللبناني. على سبيل المثال لا الحصر المهندس مصطفى سعد، الرئيسان كامل الأسعد وحسين الحسيني، الأمير طلال ارسلان، المحامي نجاح واكيم، الحزب القومي السوري الاجتماعي، البطريركية المارونية أنصار العماد ميشال عون، أحزاب الكتائب والوطنين الأحرار، وحزب الله والنائب الهراوي وغيرهم الكثير. ففي ضوء كل هذه الاعتراضات ما هو موقفكم من التعيينات؟ وهل تعتقدون أنها كانت متوازنة ؟

سماحة الشيخ: كنا نتوقع أن تكون اختيارات عناصر الإدارة الجديدة أفضل مما حصل، ولا شك في أن ما حصل شكل بدرجة كبيرة خيبة آمل. كنا نتوقع أن تكون الاختيارات أفضل مما حصل، لكنني مع ذلك ألاحظ أن الموقف المعارض لهذه التعيينات تارةً ينصب على موضوع التعيينات وحده، وفي هذه الحالة هناك جانب كبير من الصحة في الاعتراضات لا أستطيع أن أقلل من شأنها أو قيمتها. وتارةً أرى من خلال الاعتراضات اعتراضاً على أصل مشروع الدولة القائم حالياً. نحن نشترك في صنع مشروع جديد للدولة، وهذا المشروع يفترض انه قائم على أساس اتفاق الطائف وعلى أساس معطيات الدستور الجدي. هذه التجربة لا نريد أن نعرضها لانتكاسة، ولا نريد أن تتخذ بعض الأخطاء المقصودة أو العفوية التي تقع فيها الحكومة من وقت لآخر ذريعةً للطعن في المشروع برمته، وكما ترون فأن التعيينات تارةً تلاحظ بذاتها وتارةً أخرى من حيث كونها نافذة اعتراض على مشروع الدولة الجديد .

لو ترك الأمر لنا لرأينا أن تكون الاختيارات أفضل مما حصل، كما أننا لا نشجع اطلاقاً ارتباط الإدارة بالسياسيين حتى في حالة وجود اختيارات جيدة، ونرى أن الإدارة يجب أن تكون بقدر الإمكان وبأكبر قدر ممكن معزولة عن السياسيين لان الإدارة هي آلية الحكم دائماً، ولا يمكن أن نجعلها رهينة بيد السياسيين المتقلبي المزاج كما لا نقبل أن ترهن مصالح المواطن بحالة سياسي معين في مرحلة معينة. حتى الآن هذه التجربة لم تنجح في لبنان ولا تزال الإدارة رهينة للسياسيين الأقوياء في كل عهد من العهود. وما حصل بالنسبة للتعيينات الأخيرة هو استمرار لوضعٍ كان قائماً في الماضي.

 

صوت فينيقيا: كثر الكلام مؤخراً في لبنان عن الإحباط المسيحي وعن وجود غالب ومغلوب مما جعل أكثرية المسيحيين متخوفة على مصيرها داخل الوطن. اولاً: هل المسيحي محق في تخوفه هذا؟ ثانياً: هل يمكن أن يحافظ لبنان على ميزته الحضارية بمعاملة المسيحيين فيه كما يعاملون في الدول العربية كأقليات؟

سماحة الشيخ: اولاً نحن لا نرى أساسا صحيحاً لما يسمى حالة إحباط، حالة الإحباط هي ليست امرأ شائعاً عند المسيحيين. ربما فئة منهم تشعر بهذا الشعور، ونرى أن هذا الشعور مفهوم ولكنه ليس مبرراً بالشكل الذي يطرح في الخطاب السياسي لهذه الفئة. ما حصل أي منشأ الإحباط هو نتيجة غياب نوع معين من الحضور السياسي عن المجلس النيابي والحكومة. هذا الغياب نشأ نتيجةً لخطأ ارتكب في حينه، وهو مقاطعة الانتخابات التي أخلت بتوازنات كثيرة. لا توجد أية نية في حدود علمي لتقليص الحضور والدور المسيحي في مشروع الدولة، لا من الناحية الكمية بطبيعة الحال لان هذه مسألة عددية، ولا من الناحية النوعية ايضاً. الحاصل الآن هو أن بعض النوعيات إذا صح التعبير هي غير موجودة في المجلس النيابي وغير موجودة في الحكومة. هذا الحال نشأ عن أمر حاولنا بكل ما استطعنا أن نحول دون وقوعه، وهو حال مقاطعة الانتخابات النيابي .

الإحباط، أو بالأحرى ما يسمى إحباط، هو أمر موجود بطبيعة الحال، ولكنه ليس موجوداً بحيث نقول أن المسيحيين اللبنانيين محبطون، وهو غير مبرر من ناحية موضوعية، ولكنه موجود ولذلك نقول يجب أن يفهم ويجب أن يصاغ الخطاب السياسي للدولة أو للمسلمين بنحو يتفهم هذه الحالة ويحاول أن يعالجها ويصححها بالانفتاح عليها وبمحاولة إزالة الأسباب التي أوجدتها. هذا بالنسبة للشق الأول من السؤال، أما بالنسبة للشق الثاني منه، بالتأكيد لا يمكن أن يبقى لبنان الذي نعيشه ونعرفه ويعرفه العالم، لا يمكن أن يبقى إذا عُومل المسيحيون فيه كأقليات، كما لا يمكن أن يبقى لبنان إذا عومل المسلمون فيه كأقليات. أما في الدول العربية ربما يكون المسيحيون ينظرون إلى أنفسهم، أو ربما ينظر إليهم كأقليات، ولكن في لبنان لا يمكن أن يعامل المسيحيون ككل أو فئة معينة منهم كأقلية والكلام يدور هنا حول الموارنة. لا يمكن أن يعاملوا على أساس أقلية. في نظري يوجد مجتمع أهلي متنوع مسلمون ومسيحيون، والمسلمون ينقسمون إلى مذاهب والمسيحيون ينقسمون إلى مذاهب، هذا على مستوى المجتمع الأهلي، أما في المجتمع السياسي فلا توجد أقليات وأكثريات دينية بالمعنى السياسي بل يوجد شعب لبناني ويوجد مواطن. من هنا لا يمكن اطلاقاً أن نوافق على معاملة المسيحيين باعتبارهم أقليات ولا يمكن أن نسمح لأية صيغة تنظيمية للدولة تجعل من المسيحيين في لبنان أقلية

 

صوت فينيقيا: سماحة الشيخ بما يتعلق بحكومة السيد الحريري، فان فيها كل ممثلي الفئات والقوى الإسلامية الفاعلة مثل السادة وليد جنبلاط ورفيق الحريري ونبيه بري، اضافةً إلى ممثلين عن كافة الأحزاب الإسلامية ، بينما لا يوجد فيها زعيم مسيحي واحد ذو ثقل شعبي. فالكتائب والأحرار والكتلة الوطنية وحراس الأرز وتيار العماد ميشال عون القوي والبطريركية المارونية والفعاليات المسيحية الأخرى الزمنية والدينية غير ممثلة في هذه الحكومة. فما هو رأيكم في هذا الوضع وفي انعدام حال التوازن والإخلال الواضح في مستوى التمثيل ؟ وكيف يمكن معالجته؟

سماحة الشيخ: كما قلت لكم قبل قليل اولاً لا أستطيع أن أقلل من القيمة النوعية للمسيحيين الموجودين في الحكومة الحاضرة بالشكل الذي ربما يوحي به السؤال وكأن المسيحيين هؤلاء هم من نوعية غير مسيحية أو غير مخلصة لانتمائها المسيحي.

ثانياً من ناحية المسلمين، ليس تمثيل المسلمين بالصورة الشاملة والقوية التي ذكرتها. بعض العناوين السياسية التي وردت في السؤال هي بالفعل أيضا غير ممثلة في الحكومة، وإذا أردنا أن نلاحظ نفس العناوين التي وردت في السؤال في الجانب الإسلامي نقول أن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى غير ممثل وكذلك دار الفتوى ونفس الوضع ينطبق على حزب الله ويمكن أن نعدد كثيرين ذكرت أنت في سؤال سابق أنهم اعترضوا على التعيينات. المسألة ليست بهذه البساطة ولا بهذا التعقيد. نريد أن نلاحظ المعيار، المعيار في التمثيل ما هو؟ هل المعيار أن تكون كل مجموعة سياسة لها ممثل؟ ربما نحتاج إلى حكومة حينئذٍ من أكثر من خمسين عضواً.

القوى المسيحية التي ذكرتها قسم منها بالفعل غير ممثل، ولكن لنسأل أنفسنا لماذا لم تمثل هذه الفئات؟ فأنه من المعروف في الأوساط السياسية أن بعض هذه القوى دعيَ ولم يقبل المشاركة في الحكومة انسجاماً مع الموقف الذي كان سائداً أثناء الانتخابات أو انسجاماً مع الرؤية بأن المعطيات التي قامت عليها الحكومة أو أن المعادلة التي أنتجت هذه الحكومة لا تنسجم مع قناعات أو مع توجهات هذا الفريق أو ذاك. في نظري أن التوازن الوطني في الحكومة على مستوى مسيحيين ومسلمين، هذا التوازن موجود. أما التوازن على مستوى هذه المجموعة السياسية أو هذا التيار السياسي أو ذاك فالاختلال في التمثيل موجود أيضاً.

دعوتنا نحن وهذا أمر غداّ سأتحدث عنه علناً في خطبة عيد الأضحى المبارك ربما للمرة المائة. دعوتنا هي الانخراط في مشروع الدولة، نريد من الجميع أن ينخرطوا في مشروع الدولة، هذه المعارضة من الخارج كما يحدث الآن لا تفيد احداً، لا تفيد أصحابها ولا تفيد الشعب اللبناني. الجماعات السياسية المعارضة نريد منها أن تدخل في مشروع الدولة دون أن تتخلى عن معارضتها. الدخول في مشروع الدولة هو دخول في المؤسسات ومحاولة التصحيح من الداخل. أما الاعتراض من الخارج وانتظار متغيرات دائماً مرتقبة ودائماً لا تحصل... انتظار متغيرات على مستوى إقليمي أو على مستوى دولي والشكوى الدائمة، هذا ينتج تعطيل المشروع مشروع الدولة. لو أن بعض القوى التي هي الآن خارج مشروع الدولة كانت موجودة لكانت الدولة أقوى ولكان المجتمع اللبناني أكثر مناعة ولكنت حركة إعادة البناء والإعمال وترسيخ مشروع لبنان الجديد في حال أفضل. هذا الأسلوب أسلوب المقاطعة لم ينتج شيئاً وانتم تعلمون أن بعض المسلمين استعملوه في الماضي وكانوا يقفون خارج مشروع الدولة ينتقدون ويطالبون بتغيرات يشترطون الدخول على أساسها في الحكم ولم يحصلوا على شيء واستمرت الفتنة في الماضي.

دعوتنا هي أن الدولة ستخطئ والحكومة ستخطئ وكذلك مجلس النواب، ومحاولة انتقاد هذه الأخطاء من الخارج لا تفيد بشيء، المهم الدخول في المشروع، أما انتظار متغيرات تسمح بتغيرات فأنا لا أوافق على هذه النظرة. لا نريد أن ننتظر متغيرات، والمتغيرات إذا حصلت لا ينبغي أن نسمح لها بأن تؤثر على تماسكنا الداخلي وعلى الكيان الوطني.

 

صوت فينيقيا: عندما نتكلم عن المعارضة لا بد لنا من أن نعترف بأن هناك فئة كبيرة من الشعب اللبناني لا تقر بشرعية الحكم القائم حالياً، وهذا الحال طبقاً للأنظمة الديموقراطية حق طالما بقيت هذه المعارضة في الأطر السلمية. فهل من العدل بمكان ولبنان بلد يفترض أن نظامه ديموقراطي أن تضطهد المعارضة فيه ويمنع قادتها من دخول البلاد ويزج في السجون حتى من يعبر عن معارضته بواسطة الزمور؟

وأي ديمقراطية هذه التي تجيز للحكم أن يعتقل المغتربين اللبنانيين عندما يعودون إلى الوطن؟ وأي ديمقراطية هذه التي في ظلها تُعطل الصحف وتختم بالشمع الأحمر محطات التلفزيون؟

سماحة الشيخ: اولاً في المبدأ، انا أقول علناً إن لم تكن هناك معارضة فيجب أن توجد هذه المعارضة. نحن لا نتصور لبنان من دون ديموقراطية وحريات، ولا نتصور ديموقراطية وحريات دون معارضة. هذا أمر بديهي وأساسي في تصوري. هذه المعارضة اذاً هي أكثر من مشروعة، هي ضرورية ، وكانت نصيحتنا ولا تزال دائماً للحكم والحكومة بشخص ممثليهما أن لا يضيقوا ذرعاً بالمعارضة وان يستفيدوا من نقدها لتصحيح مسارهم. أما بالنسبة إلى أساليب معاملة المعارضة أو بعض من يسمي نفسه معارضة، الحقيقة أن الأمثلة التي ذكرتها انا غير مطلع عليها. إن بعض ما يسمى معارضة هو في الحقيقة في نظرنا ليس معارضة وإنما هو مشروع مقابل مشروع، يعني يوجد مشروع للدولة وللمجتمع مقابل المشروع الذي قام عليه الوضع القائم، وهذا لا يمكن أن اسميه معارضة.

يمكن أن اسميه حالة انقلابية أو حالة ثورة. وكون أن أكثرية الشعب اللبناني تحمل هذه الرؤية المعارضة، أمر لا أوافق عليه أيضاً لان أكثرية الشعب اللبناني ملتزمة بمشروع الدولة رغم ما لها عليه من بعض الانتقادات في حالة أو أخرى.

أما أمور منع الناس من دخول لبنان أو سجن ناس إذا دخلوا لبنان أو سجن شخص إذا أظهر معارضته عن طريق بوق السيارة، انا شخصياً لا أعرف، لست متأكداً من وجود حالات من هذا القبيل، ولذلك لا أستطيع أن أصدر عليها أحكاما من دون معطيات. تبقى قضية الإعلام التي تكلمنا فيها وقلنا انه لا يجوز إطلاقاً معاملة الإعلام في خارج إطار القوانين والحريات. وكون أن بعض المؤسسات تختم بالشمع الأحمر فنحن نطالب بأن يصحح القانون الذي يسمح للقضاء أو للسلطات التنفيذية أن تتصرف بهذا الأسلوب. ونحن هنا لنا تعليق ونقول أن بعض وسائل الإعلام سلك مسلكاً مثيراً في نواحي طائفية ومذهبية وهو آمر لا يتعلق بالمعارضة أو بمعارضة حكومة أو معارضة عهد سياسي. نحن لا يمكن أن نسمح لوسيلة إعلام أن تساهم في إثارة الخواطر من ناحية طائفية أو مذهبية. وبالوقت الذي يجب أن تحترم فيه حريات القول والفكر والتعبير وما إلى ذلك، يجب أن تكون هناك ملاحظة أيضاً للسلام الاجتماعي.

 

صوت فينقيا: سماحة الشيخ بالنسبة لاتفاق الطائف، هل هذا الاتفاق الذي لا تؤيده فئات كثيرة من الشعب اللبناني هو فعلاً الحل؟ وإذا كان بنظركم هو الحل فلماذا لا يطبق خصوصاً لجهة الالتزامات السورية؟ ولماذا ما طبق منه حتى الآن يظهر وكأنه مع فريق وضد آخر؟

سماحة الشيخ: اتفاق الطائف هو حقيقة وأمر واقع وقد اتفق أكثرية اللبنانيون على انه الحل، وبعض المعترضين الآن كانوا ملتزمين به سابقاً. يبقى أنه الحل في المرحلة الحاضرة كونه لا توجد عندنا صيغة تنظيمية لمشروع الدولة في لبنان خارج معطيات اتفاق الطائف التي غدت وثيقة وفاق وطني والتي أُنشأ على أساسها وضع الصيغة الدستورية الجديدة للدولة. كون هذا الاتفاق لم يطبق حتى الآن لجهة أو لأخرى، اعتقد أن ما طبق منه هو ما سمحت الظروف بتطبيقه. أما ما لم يطبق منه لا يعني مطلقاً تجاوزاً أو تخلياً عنه؛ وإنما ظروف فرضت ولا اعرف ماذا يُعنى بأنه لم يطبق كله حتى الآن، لا اعرف، يعني واقعة معينة ؟

 

صوت فينيقيا: سماحة الشيخ إعادة انتشار القوات السورية على سبيل المثال .

سماحة الشيخ: هذه القضية قضية إعادة انتشار الجيش السوري، هذه نعم كونها لم تطبق، الحقيقة نحن نعيش في لبنان ونرى بأعيننا أن الميليشيات التي حُلت والتي صودر سلاحها، هي حُلت بنسبة معينة وصودر سلاحها بنسبة معينة ولا تزال موجودة حتى الآن في حالة كمون ولا نستطيع قبل أن يستكمل الجيش اللبناني تكوينه عدداً وعدةً ويكون قادراً على تسلم الأمن حقيقةً وبصورة فعالة في المناطق التي سيحدث فيها فراغ نتيجة لانسحاب الجيش السوري. لا نستطيع أن نوافق على هذا الانسحاب - بقاء السوريين ليس نقضاً لاتفاق الطائف وليس اهمالاً لهذا البند منه، وإنما لان الفترة الزمنية التي كانت مقدرة للجيش اللبناني ليستطيع أن يتسلم مسؤولياته - هذه الفترة لم تكن مقدرة بصورة دقيقة. وإلا كلما أكمل الجيش نموه وقدرته على تولي المسؤوليات وملئ الفراغ الأمني - يمكن حينئذ للجيش السوري أن يخلي أية بقعة وأي محيط يمكن أن يملئه الجيش اللبناني.

ما يسمى إعادة الانتشار هو ليس مجاملة لسورية بمقدار ما هو ضرورة يقتضيها الوضع الداخلي في لبنان - الوضع الأمني. ولذلك نحن نلاحظ أن هناك وضعاً أمنياً جيدأ نتيجةً لوجود هذا الظرف الأمني من قبل الجيش اللبناني الذي تتنامى قوته وقدرته ومكملاً بالقدرات التي يصدرها الجيش السوري .

 

صوت فينيقيا: هل من جدول زمني محدد لإعادة الانتشار السوري ؟

سماحة الشيخ: حتى الآن ليس في علمي أنه يوجد جدول انا لا أعلم- ربما يوجد جدول، إلا أنه أقول لكم انه في النهاية، وقد تكون هذه النهاية قريبة، وليست بعيدة وهي بالتأكيد ليست بعيدة جداًبالنهاية لا بد انه ما تسميه إعادة الانتشاران يحدث، بل انسحاب للجيش السوري نهائياً من لبنان سيحدث. انا أتكلم من موقع العارف- ليست هناك أية "تشبسات" أو أية رغبة غير مبررة لبقاء الجيش السوري في لبنان إلى ما لا نهاية. كلما أمكننا من أن نُسرِّع في مشروع الدولة عندنا يمكننا من أن نُقرب من مهلة بقاء. حينما كنت أقول قبل قليل إن اللبنانيين المعترضين من خارج المشروع نريدهم أن ينخرطوا فيه، فلأن ذلك يُعجل بنضج الأوضاع الداخلية التي تسمح بإعادة الانتشار كما تسميه جنابك.

 

صوت فينيقيا: إذا كان المطلوب من المعارضة الانخراط في مشروع الحكومة، (سماحة الشيخ مقاطعاً: أقول مشروع الدولة) مشروع الدولة كيف يمكن أن يتم هذا الأمر وقادة لهم وزنهم على الأرض من أمثال العماد ميشال عون والرئيس الشيخ أمين الجميل والعميد ريمون اده والسيد كمال شاتيلا وغيرهم الكثير موجود خارج لبنان وغير مسموح للبعض منهم بالعودة في حين أن البعض الآخر يخاف على حياته إن عاد؟

 

سماحة الشيخ: إذا كنت تتكلم عن جناب العماد عون فقد خرج بموجب اتفاق مع الدولة وبتعهد أو رعاية من الدولة الفرنسية والحكومة الفرنسية، هذا أمر خاضع للاتفاق الذي تم. أما بالنسبة للآخرين ماذا أقول لك؟ ماذا أقول لك؟ أعتقد إن لهم ظروفهم، علاقاتهم، مشكلاتهم الداخلية كل هذا يحول بينهم وبين أن يعودوا. وليس هناك ما يحول بينهم وبين أن يعودوا من ناحية موضوعية محضة. هذه أمور لا أحسن أنا الخوض فيها لأنه لا يمكن أن نقول لماذا لا يعود هؤلاء. عدم عودة الكثير منهم ترجع إليهم ولا ترجع إلى الوضع القائم في لبنان.

صوت فينيقيا: هل هناك أي تغيير في موقف القمة الإسلامية من المجمع الرعوي (السينودس) من أجل لبنان الذي دعا إليه قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، على ضوء القرار الذي اتخذته هذه القمة منذ أيام بعدم المشاركة في أعمال السينودس المذكور والطلب بالتركيز على الحوار اللبناني المسيحي الإسلامي دون تدخل من الخارج ؟

سماحة الشيخ: الواقع حتى الآن لم يحدث أي تغيير، ولا أتوقع حدوث أي تغيير. المسألة أعطيت تفسيرات غير واقعية وعولجت بطريقة في بعض الحالات كانت انفعالية. موقف القمة الإسلامية من السينودس موقف جداً موضوعي وجداً منسجم مع طبيعة الأشياء. هذا المجمع هو مجمع ديني مسيحي، من الزاوية الدينية المسلمين لا يمكن أن يشاركوا فيه، ومن ناحية موضوعية لا يمكن أن يشاركوا فيه. من ناحية سياسية كما قلت قبل أيام آخر تعبير لي كان عن هذا الموضوعالحقيقة لا نريد نحن ولا نرى من المناسب أن يحصر البحث السياسي خاصة تحت عنوان بحث مستقبل لبنان السياسي في مجمع ديني، لأننا لا نستبعد إطلاقاً أن يحدث داخل المسلمين توجه أيضاً يؤدي إلى عقد ما يشبه أن يكون سينودس إسلامي وحينئذ المسألة السياسية-مسألة تركيب الدولة- تركيب المجتمع- كيان لبنان، أمور كلها تصبح رهينة بحث داخل جماعات أو مؤسسات دينية محضة وبمعزل عن المجتمع - بمعزل عن المدنيين. وهذه وجهة نظر نحن نحملها وندعوا إليها. يجب على المؤسسات الدينية أن لا تستأثر برسم المسار السياسي بمعزل عن المؤسسات المدنية وعن الإنسان المدني، الإنسان الذي ينتمي إلى الوطن، الإنسان السياسي وليس الإنسان الديني. علماً بأننا لسنا مؤهلين أو لا نرى من الحكمة أن يبحث عن مستقبل لبنان السياسي ونحن في حاضر لبنان السياسي- يعني البحث عن المستقبل هو عبارة عن إعادة النظر في كل مكونات الوضع القائم فعلاً وهو أمر لا نوافق عليه بطبيعة الحال.

من هنا رأينا أن لا يرهن البحث السياسي في مؤسسة دينية وان لا يُجعل الحوار الإسلامي المسيحي نشاط كنسي أو نشاط مشيخي مثلاً إذا صح التعبير بالنسبة للمسلمين...الحوار السياسي هو حوار حياة ويجب أن تشترك فيه القوى الإنسانية والهيئات الإنسانية الاجتماعية بالمجتمع المدني بالإضافة إلى عناية رجال الدين والمؤسسات الدينية. وكما لعل يبلغكم عن طريق الأمانة العامة للقمة الروحية فأن التواصل بيننا وبين مؤسسات الكنيسة وحتى المؤسسات المعنية منها بالسينودس مستمر. وفد الأمانة العامة للقمة الإسلامية عقد اجتماعات متعددة في بكركي وفي غير بكركي مع جناب البطريرك صفير ومع غيره، وهو مستمر في هذه الاتصالات.

 

صوت فينيقيا: سؤالنا الأخير، كيف يرى سماحتكم مستقبل لبنان في ضوء المعطيات الحالية الداخلية والعربية والعالمية ؟

سماحة الشيخ: اعتقد أن مستقبل لبنان يدعو إلى الوثوق والاطمئنان بشرط أن تتكاثف القوى اللبنانية الأساسية على إنجاح مشروع الدولة القائم فعلاً وان لا يسمحوا بالتأثرتأثر لبنان بالمتغيرات الإقليمية التي يمكن أن تقع. أنا لا أرى أن مستقبل المنطقة يوحي بالخير. المنطقة ستبقى تعاني من عواصف ومن اضطرابات سياسية وعدم استقرار سياسي. كلما أمكن تحصين لبنان في وجه المتغيرات المحيطة به وتثبيت التوازنات الداخلية بنحو يضمن درجة مقبولة من الاستقرار، إذا أمكننا ذلك ونحن سائرون في هذا الاتجاه، أنا أنظر إلى المستقبل بوثوق. هذا مع استثناء العامل الإسرائيلي الموجود والذي سيبقى ما دام الاحتلال قائماً. سيبقى عنصراً من عناصر القلق بالنسبة للوضع الداخلي وأما إذا لا قدر الله فشلنا وبقي لبنان معرضاً للتأثر في متغيرات تحدث في هذه المنطقة أو تلك، فأن الوضع سيبقى قلقاً في لبنان.

 

صوت فينيقيا: كلمة أخيرة لأبنائكم في تورنتو - كندا.

سماحة الشيخ: أولاً كلمة أخيرة للبنانيين وهي أن ينخرطوا جميعاً في مشروع إعادة تكوين لبنان. أما بالنسبة لأبنائنا الموجودين في كندا آمل أن يسمعوني أباً وأخاً لهم جميعاً أوصيهم بأن لا ينسوا لبنان وان يحافظوا ما استطاعوا على أصالتهم وعلى أخلاقياتهم. هذه الأخلاقيات التي تشاوروا عليها أكانوا مسلمين أو مسيحيين. نظام القيم الذي يميز المؤمن عندنا آمل أن يحافظوا عليه وان يغرسوه في قلوب وضمائر أبنائهم وذويهم وان لا ينظروا إلى البلاد التي هم فيها، ونحن نسحل شكرنا لشعبها ولسلطاتها، إن لا ينظروا إليها على إنها نهايتهم، وإنما على أنها محطة في الطريق نحو العودة إلى لبنان. نحن بحاجة إليهم وخاصة إلى المغتربين أو المهاجرين الذين اسميهم ضعفاء، الذين لا يتمتعن بالقوة الاقتصادية والثقافية الكافية نريدهم أن يعودوا فهم في لبنان أحسن وأفضل لنا ولبنان أفضل لهم. أما الأقوياء من أبنائنا الذين يتمتعون بالمناعة الثقافية والاقتصادية لهم أن يبقوا ولكن فليعطوا لبنان بعض قوتهم وبعض قدرتهم. ابتهل إلى الله أن يحفظهم جميعاً وان يجمع شملنا بهم على خير.

 

صوت فينيقيا: شكراً لسماحتكم وكل عيد وانتم بخير، أعاده المولى القدير على لبنان وعلى العالم اجمع بالخير واليمن والبركات.

سماحة الشيخ: اللهم آمين وبارك الله فيكم.