فوق العالي عالياً يلاحظ وهو يُمهل ولا يُهمل

الياس بجاني

مسؤول لجنة الإعلام في المنسقية العامة للمؤسسات اللبنانية الكندية

 

لم يفقد شعبنا الرجاء يوماً رغم ثقل وأوجاع سنين الاحتلال العجاف وكفر وتعديات رعاة وحكام وسياسيين مضلين ومضللين بلعوا طريق مسالكه. كان شعبنا ولا يزال دائم الثقة بحتمية إحقاق عدل السماء وقيامة الوطن من قبر التبعية ودحرجة حجر الظلم عن صدره. لم يخفه الظلم ولا ردعه نزع الحق والعدل لإيمانه أن فوق العالي عالياً يلاحظ، يرعى ويحاسب، وهو يُمهل ولا يُهمل.

 

الآن وبعد أنً وقع رموز نظام القهر الجنرالات الأربعة بشر أعمالهم والتفت حول رقابهم حبال القانون، وحول أيديهم أصفاد العقاب فهل نمعاملهم بقساوة وانتهاك حقوقهم وإهانة كرماتهم كما هم فعلوا بشبابنا وقادتنا الأحرار؟

 

وهل نغض الطرف عن احتجازهم في زنزانات تحت الأرض هي قبور كالتي دفنوا فيها المئات من الأحياء الأبرياء من مثل جريس الخوري والدكتور جعجع وحرموهم من كافة حقوقهم التي يصونها الدستور والشرائع الحقوقية والإنسانية كافة؟

 

هل نتجبر بعد أن أتت الساعة وشاهدنا هؤلاء الرموز يجرجرون قسراً إلى المحاكم حيث بإذن الله سيكون بكاؤهم وصريف أسنانهم والحساب العسير على ما اقترفته أيديهم الهتلرية من أعمال مشينة في حال أدينوا، وما خططت له عقولهم الرسبوتينية من ارتكابات وانتهاكات؟

 

لا، لا لن نشمت ولن نستكبر ولن نتشفى. إننا نصر على معاملتهم برحمة والتزام كامل بالقوانين والشرائع وتأمين محاكمات عادلة لهم تدينهم إن وجدوا مرتكبين وتعتقهم في حال ثبتت براءتهم.

 

إننا طلاب حق، مبشرين بشرعة حقوق الإنسان، ودعاة سلام ومساواة، إلا أننا شاركنا فرح الناس الذين هللوا وحالهم مع النبي إشعيا يقول: "ويلٌ لكَ أَيُهَا المُخْرِبُ وأنت لم تُخَرَبْ، وأَيها الناهِبُ ولم ينهبُوكَ، حين تنتهي من التخريب تُخْرَبُ، وحينَ تَفْرَغُ من النهبِ ينهبُونكَ" (إشعيا 33-1).

ليعلم من يهمهم الأمر أن لا مصداقية ولا احترام لبعض سياسي ونواب وقادة الأكثرية النيابية الدفترية الحديثة العهد، أولئك السليطي اللسان "النطاطين" وجلهم كان لأشهر خلت من خدم عنجر وشركاء ومنفذين للمعتقلين بكل ارتكاباتهم طوال سنين الاحتلال. أنهم يحاولون بفجور المتاجرة بمآسي الغير بعد زوال دولة الرعب وجفاف ينابيعها المنفعية والمافياوية. فقد خرجوا كالأفاعي "البراكيل" من جحورهم باحثين عن طرائد جديدة وهم ما تعودوا إلا الغدر والخيانة واصطياد الجيف. راحوا تحت جنح الظلام يبثون الحقد بألسنة مسمة ومسممة تعودت الغرف بنهم من تبن معالف عنجر وقصر المهاجرين والبوريفارج وقد امتهنوا القدح والمدح بالأجرة، وقبلوا صاغرين الخنوع وتعفير الجباه على أعتاب قوى الشر والتملق لصبيانها والعبيد.

 

إنهم تجار العروبة والعباءات الشامية والقتل والصفقات. علت أصواتهم منتهكةً الحرمات، معتديةً على الأشراف، ومبشرةً بالفضائل على قاعدة "القحباء التي تبشر بالعفة". امتشقوا خناجر وسيوف المذهبية والهمجية مهددين ومتوعدين السياديين رافعين يافطات رفض الآخر والتقوقع متعامين عن حقيقة أن "من يحفظ فمه ولسانه يحفظ نفسه من الضيقات، وأن اللسان اللين يكسر العَظْمَ (الأمثال). حربائيون وطرواديون "وزلم" لكل العهود لا يؤتمن جانبهم. معروفوا الهوية والهوى لا يستأهلون الرد، بل الرذل والاحتقار كما دائماً.

 

أما رموز القهر وأدواته المحتجزين على ذمة التحقيق فالويل لهم ولأسيادهم وهم القائلين للشر خيراً وللخير شراً، الجاعلين الظلام نوراً، والنور ظلاماً، الجاعلين المر حلواً والحلو مراً. ويل لهم وقد سدوا أذانهم عن صُراخِ المظلومين ولم يستجيبوا لعويل المستغيثين يوم كانوا في مواقع السلطة ينفذون فرمانات المحتل ويسوّقون لاستمرار احتلاله تحت رايات الشعب الواحد في البلدين، ووحدة المسار والمصير والمقاومة والتحرير وحروب طواحين الهواء. ها قد أتى اليوم المتقد كالتنور وهؤلاء المستكبرين وكل فاعلي الشر سيكونون قشاً ويحرقهم شر أعمالهم فلا يبقى منهم لا أصلاً ولا فرعاً.

 

ويل للرعاة والمسؤولين أسياد المعتقلين الذين لا سمعاً سمعوا، ولا فهماً فهموا، ولا هم أبصروا ونظروا. لقد غَلُظَت قلوبهم وتكلست آذانهم وأغمضت عيونهم وأصابهم الغرور فحملوا نير الظلم والاستكبار حتى سقطوا وكان سقوطهم عظيماً. هجرت الرحمة قلوبكم وتخدرت ضمائركم واقترفوا الخطيئة بفعل التعدي والخطيئة هي التعدي وها قد دنت ساعة الحساب.

 

هل ننتقم منهم ونسقيهم من كؤوس العلقم التي سقوا أهلنا منها؟ لا لن ننتقم ولن نعطي مكاناً للغضب الغرائزي لأن الرب يقول "لي النقمة وأنا أجازي". فطوبى للذين ظُلموا لكنهم صبروا ولم يفقدوا لا الأمل ولا الرجاء، فهؤلاء سينالون أكاليل الحياة التي بها وعد الرب من يحبونه.

 

لقد انتصر الحق وحل السلام وواجبنا أن نصونه ونحميه "فمن ليس عنده منا سيف فليبع رداءه ويشتري واحداً". دعونا نعمل على نصح المفسدين بيننا، وتشجيع الخائفين وتعضيد الضعفاء ونصبر على جميع الناس، وإنما من موقع القوة المنصفة وليس من موقع الاستجداء والضعف.

فلنحذر من قوم حناجرهم قبور مفتوحة وألسنتهم ما عرفت غير المكر والنميمة.

 

فلنحذر ممن لا يعرفون سبل السلام، وليست مخافة الله نصب أعينهم، وسم الاصلال على شفاههم.

فلنقف سداً منيعاً في وجه من يعمل اليوم لاستبدال ظلم بظلم، وظالم بآخر، قهر بقهر، ومنتهك حقوق بأسوأ منه.

 

10/9/2005