لماذا يدعو وليد جنبلاط الى التمسك بالارض وعدم بيعها؟

السماسرة يستغلون الوضع الاقتصادي الصعب لشراء الاراضي لصالح مشروع دويلة "حزب الله"

تقرير من إعداد/"حماة الارز"

 

تكرار رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط دعوة الدروز والمسيحيين الى التمسك بالارض والصمود فيها وخصوصا امام وفد منطقة حاصبيا مرجعيون في جنوب لبنان، تعبير حقيقي عن الوضع القلق في تلك المنطقة الاستراتيجية والتي تجمع عند حدودها مثلث مناطق البقاع الغربي وراشيا الوادي شمالا، وجبل عامل غربا وجنوبا ومنطقة جزين شمالا، اضافة الى انها تقع عند نقطة حدودية تجمع بين شمال فلسطين والجولان السوري المحتلين. وفي التعابير الطوائفية التوسعية فان السيطرة على تلك المنطقة عقاريا تعني الامساك بها ديموغرافيا وسياسيا، اضافة الى انها تشبه حجر الزاوية الذي يتجمع داخله وعند اطرافه كل الطوائف اللبنانية من مسيحيين وشيعة وسنة ودروز ما يضعها عند الحد الفاصل بين كل مشاريع الحلول المطروحة جنوبا.

 

في الاصل منطقة حاصبيا مرجعيون نموذج عن التعدد اللبناني ويعيش فيها المسيحيون والدروز والسنة والشيعة منذ عشرات السنين دون ان كثير تمايز بين ابناء الطوائف وانماط عيشهم. وفي اشد ايام الحرب اللبنانية سلمت تلك المنطقة من النعرات الطائفية والنزاعات الحزبية واستمر الجميع ومن كل الطوائف على تمسكهم بأرضهم من دون استثناء. لكن العامل الاهم في وحدة حال سكان تلك الانحاء هو الفقر الذي يجمع الاكثرية الساحقة، ما يصعب على المراقب في هذه الحال التمييز بين ابناء الطوائف الفقيرة، الذين استعانوا على مواجهة ضيق الايام بالعمل في الزراعة وتربية الحيوانات وخصوصا زراعة الزيتون ومواسم الفاكهة الصيفية والموسمية، الى جانب الانخراط في ادارات الدولة ومؤسساتها وخصوصا العسكرية من جيش وقوى امن داخلي.

 

لكن دعوة النائب وليد جنبلاط الى التمسك بالارض لا تنبع من هذه الصورة الجميلة للقرى والبلدات الوادعة، بل من هجمة شراء العقارات التي كتب عنها على اساس انها مناطق متاخمة لناحية جزين المسيحية ما اثار المخاوف التقليدية من التهجير وتغيير هوية المنطقة وديموغرافيتها. واتضح لاحقا ان الامور ليست حكرا على المسيحيين بل تطال الدروز ايضا والذين يعني لهم الكثير استمرار "التواصل الآمن" بين قضاء حاصبيا وجبل لبنان كما يعني للمسيحيين التواصل بين قضاء مرجعيون وجبل لبنان الذي كانت تصل حدوده السياسية خلال القرن التاسع عشر الى بلدة الريحان وضواحيها اي على مسافة عشر دقائق من مرجعيون.

 

بدأت المشكلة الاكبر بعد شيوع الاخبار عن بيع قطعة ارض شاسعة في قضاء حاصبيا، حيث اقدم ابن احد العائلات الدرزية المعروفة في المنطقة على بيع مزرعة او قطعة ارض في منطقة ضهور كوكبا وتمتد من مجرى نهر الليطاني غربا الى ضهور كوكبا وكروم حاصبيا شرقا، وجنوبا في اتجاه منطقة برغز وشمالا في اتجاه بلدة الدلافة الى احد الاثرياء الشيعة المقربين من "حزب الله". ويقدر اهالي المنطقة مساحة الارض التي بيعت بمئات الالاف من الامتار المربعة الخصبة جدا والصالحة للزراعة، بسعر مغر جدا مما اثار استهجان الاهالي المسيحيين والدروز في حاصبيا ومرجعيون واللذين يعلمون جيدا ان احدا لم يسكن تلك الانحاء، الا رعاة القطعان فلماذا دفع هذا المبلغ المغري ومن يقف ورائه هذه "الشروة"، التي اتاح اتمامها تأمين الاتصال بين مناطق من لون طائفي معين في قضاء مرجعيون واخرى عند اطراف البقاع الغربي.

 

والمشكلة ليست حكرا على هذه "الصفقة الاستيطانية" فقط، بل خطورة الامر في استهداف مجموعة من سماسرة العقارات البحث والتنقيب عن كل العقارات الممتدة بين مربع حاصبيا، كوكبا، مشغرة، مرجعيون وجزين في سعي واضح وان غير معلن، لتأمين التواصل بين مناطق ذات غالبية شيعية شمال شرق هذا المثلث وغربه. علما ان الخط السكاني الممتد غرب مجرى نهر الليطاني وحتى مدينة زحلة هو ذات غالبية مسيحية يبدأ من مشغرة الى صغبين وينتهي في شتورة وزحلة. في حين ان شمال مجرى الليطاني هو ذات غالبية سنية ساحقة تبدأ من بلدة القرعون ولا تنتهي عند بلدة مجدل عنجر ومحيطها. وتاليا فأن شراء الاراضي في حاصبيا مرجعيون لن يحدث تغييرا كبيرا على المدى المنظور، لكنه سيلعب عاملا مؤثرا في حال صحت الاخبار عن عمليات الشراء الموازية التي تجري في مناطق العيشية والقطراني والجرمق والصريرة وهي قرى مسيحية ودرزية تكاد ان تخلو من السكان بسبب الفقر وضيق سبل العيش وعدم توفر ادنى مقومات الصمود .

 

المعلومات المتداولة في الجنوب تشير الى ان شراء الاراضي لا يستهدف الدروز فقط، بل يشمل المسيحيين وخصوصا في بلدات مثل كوكبا والجرمق ومزرعة صردة، حيث لم يقتصر الامر على شراء الاراضي بل تعداه الى تجنيس العشرات وضمهم الى لوائح قيد هذه القرى التي فقدت هويتها في ظل الهيمنة السورية على لبنان. وفي المعلومات انه لولا ملكية الاوقاف المسيحية من موارنة وكاثوليك اضافة الى عدد من الملاك المسيحيين والدروز الكبار لغالبية الاراضي في الجرمق وصردة والجبال الممتدة بين حاصبيا - مرجعيون وجزين، لكانت الامور قد حسمت منذ فترة طويلة، خصوصا ان مرسوم التجنيس الشهير ضرب التوازن الديموغرافي الدقيق وغير الصورة التاريخية لبلدات وقرى جنوبية بكاملها.

 

اذا المشكلة ليست جديدة بل تعود الى ايام مرسوم التجنيس الذي يبدو أنه كان يسير على وقع عمليات شراء الاراضي من الدروز والمسيحيين، في حين كان اهالي القرى والبلدات يستّنزفون اقتصاديا وماليا وينفقون كل ما يملكونه من اجل العيش بكرامة، لكن تردي الاوضاع الاقتصادية في السنتين الاخيرتين ادى الى تراجع قدرة الممانعة لدى الاهالي فكانت اللحظة التي نفذ من خلالها السماسرة الى شراء العقارات وتنفيذ مآربهم وسعيهم في ذلك شعار واحد يرفعونه :"يا اخي هذي الارض مش النا".

 

26 نيسان 2007