عيد القيامة

بقلم/الأب سيمون عسَّاف

 

منذ ألفي عام ولد الناصري وتألم ومات وقبر وقام، إلها وإنسانا بطبيعتيه، وحَّد بناسوتنا لاهوتَه وبلاهوتِه ناسوتَنا، موتَنا بحياتِه وحياتَه بموتنا. من المذود إلى الجلجلة عبَّد طريق الخلاص.

لا قبلها ولا بعدها ولا غيرها. منها الانطلاق واليها الرجوع وعليها السعي.

 منذ ألفي عام أرانا الله ذاته متأنساً آخذا ما لنا واهِبَاً ما له، "بصورة عبد شابهنا وبكل شيء ما عدا الخطيئة".

لولا أدلة التاريخ والأعاجيب والخوارق والمعجزات، سقط الإيمان عندنا وأوشكت رحلة الأعظم أن تكون فراغا.

ورغم الجبروت، ما زال العبد يشكك بعظمة السيد!

لن أتوغل في الأمس البعيد كي لا أبتعد عن قلق الهنيهة. 

أين هو إيمان المسيحيين اليوم ويركبون كل ريح محللين محرمين ما نهى عنه المعلم وما به أمَر؟

"بثمن دم كريم اشتريتم" يقول بشير الأمم، وطالما على خشبة الصليب عُلق مُرتضياً بالهزء والعار كُرمى"لِمثاله" الذي هو الإنسان، لماذا خياره كان هذا السبيل لتكسير أشداق العدم؟

والجواب الفصل: أحكامك يا رب لا تدرك وطرُقك لا تُفحص".

 أليس الفاخوري مسلطاً على الفخار؟ أتقول الجبلة لجابلها لماذا جبلتني هكذا؟

أجل إن الله هو الحر القابض على مسيرة الكون والخالق المطلق المشيئة للمخلوق.

بشخص المسيح قام بعد العذاب من بين الأموات دائساً الموت مانحا الحياة للذين في القبور.

هل عليه أمرٌ عسير؟ حاشا؟

إذاَ إثْرَ القيامة ظفر بالجحيم وصعد إلى السماوات منجزا التحفة الخالدة لأبناء الزوال مؤبِّداً أولاد التراب ليعيشوا بالنعمة الإلهية السميا. ومن دون استغراق في فلسفة الجدل العقيم واسترسال في التحقيق والتدقيق منذ ماضٍ بعيد، يبقى انتقاص المرء تجاه اكتمال الصانع دليلا على بَوْن الفوارق. حقيقة لا يماريها ارتياب ألا وهي القيامة الممجدة.

عليها يعول كل منذور للموت، وهل من بشريٍّ لا يموت؟

لِذا ندرك أن القيامة هي فيه شرط أن يحياها على الأرض التي فيها يمر.

ومن لا يعيش القيامة لا يستطيع أن يكون مع المسيح لا في هذه الدار ولا في تلك الديار.

أن يكون الإنسان قيامياً يعني أن يلجأ إلى فعل الخلع والتجريد، إلى التعالي عن تفاهمات الدنيا ولذائذها والمراغب والميول والمشاهي والأهواء والغرائز والنزوات، وعن سائر مفردات هذه الفصيلة الشائنة الشائكة في سلالتها وسلساتها.

إن القيامة في السلوك الإنجيلي الأنزه في أسلوب التعاطي مع القريب ومع الآخر.

وتبتدىءُ الوثبة من الذات ومن الأنا في قمع النداءات العاوية فينا.

أمام المسيح ليس من بريء لأنه وحده بلا خطيئة لا بل حمل آثام كلنا.

لكي نكون على شبهه يستوجب ذلك الكشف والرؤيا والفضيلة إضافة إلى التضحية.

لا يسع المسيحي أن يبرز رجاءه ومحبته والإيمان بمعزل عن النفاذ إلى الجوهر إلى قلب الفداء الخصيب بدم المسيح.

إن العيد هو دعوة لعقد الصِلات بالصلاة والارتفاع إلى فوق إلى جلال العرش.

وقع ذل البشرية على يسوع فنفضها وغير وجهها وشكلها بتجليه على الجبل ونهوضه بالقيامة.

إنه مثالنا الأعلى في كل شيء، نحن عنه تائهون في متاهات سرابية ومهاترات جنونية لا علاقة لها بإنجيل ولا بكتاب ولا برسالة. حتى نستحق عيد القيامة علينا بالمصالحة مع نفوسنا ولومها وجلدها والعتاب.

كم من معاصي ارتكبنا وكم اقترفنا من ذنوب؟

كلٌّ يعرف ما ادخر في خزينته وما خسر وما ربح. والمزمور اصدق من يشهد بقوله: "إن خطاياي أمامي في كل حين".

هي الآن سانحة ليتمرد الإنسان وينتصر بحربه على نفسه بعد عناء وشقاء يكون فعلا قائما من مغاطس الويل وهول الهوان.

كيف أقوم معك أيها المسيح وأنا غائص في مستنقعات الرذائل؟

كيف أنهض معك وأنا منغمس في نتانات المطامر والدناءات؟

كيف أُبعث معك وأنا متسكِّع  على أبواب المخالفة؟

قيامتي معك حين أنزع عني كل العلائق وانتزع بتوبتي ملكوتك ومثولي أمام صليبك وامتثالي لحضورك الأقدس.

يا راحم الإنسانية ومنتشلها من البياد هبنا بقيامتك أن نغير تصرفاتنا ونحيا بك لنبقى معك.

أتنبُذُ منْ يعرِفُ الحبَّ فيكَ مصبَّاً ونبعا؟

أترذُلُ قلباً ضليلاً طبعتَ طبيعةََ فيهِ وطبعا؟

فحين يَدقُّ نفيرُ الرحيلِ أودِّعُ قوماً وأهجرُ ربعا

ورحمةُ رِفقكَ تغمرُ نفسي الحنانُ يحيلُ المجاعةََ شبْعا

أَأحملُ زادي لِدارِكَ أنتَ الغنيُّ السخيُّ الكريمُ؟

أعوذُ بجودِكَ من بُخلِ كفٍّ عطاءُ رضاها ذميمُ

دعوتَ لإرثِ الخلودِ أُلبِّي النداءَ وفيكَ أهيمُ

وآخذُ حُسنَ السلوكِ وفعلي هديةَ شكرٍ رحيمُ!!

15 نيسان 2006