بكركي تهزم الرابية من دون سلاح، ليس بين السياسيين...  منتظر!

عن المسيرة بقلم/اطوني جعجع

 

منْ يتقدم على منْ، رابية العماد ميشال عون أم صرح البطريرك مار نصرالله بطرس صفير؟ ومن يتغلب على منْ، ضاحية السيد حسن نصرالله وقصر المهاجرين، وقوافل الحرس الثوري، ام مبنى الأمم المتحدة وهيبة البيت الأبيض ومصداقية الإليزيه ورمزية الحرمين الشريفين؟

 

من يخدم الفراغ الرئاسي في بيروت، طموح التيار الوطني الحر أم  سلاح حزب الله أم أوراق بشار الأسد أم ثورة احمدي نجاد؟ ومن يمكن ان يؤذي، ثورة الارز أم المحكمة الدولية ام الإصلاحات الاقتصادية أم السلم الأهلي أم اتفاق الطائف أم القرارات الدولية؟

 

أسئلة كثيرة لإجابة واحدة يعرفها العماد ميشال عون حتى الحدود اليقين، وهي ان حربي التحرير والإلغاء  في العام 1988 أعادتا الجيش السوري الى المناطق المسيحية وتحديدا الى قصر بعبدا، وان ورقة التفاهم وضعت القيادة السياسية السورية على الطريق المؤدية الى قصر بعبدا، وتكاد تعيدها الى طريق الصفقات مع المجتمع الدولي الذي رفض طويلا ان يكون لبنانيا اكثر من قائدٍ سابقٍ للجيش او دستوريا اكثر من رئيس سابق لحكومة انتقالية ومسيحيا اكثر من زعيم يقود الأكثرية المسيحية.

 

وليس المقصود هنا تحميل العماد عون أكثر مما يحمل او التشكيك بنياته أكثر مما يستحق، بل المقصود الإضاءة على زمنين فاصلين في التاريخ المسيحي المعاصر كان فيهما عاملا أساسيا في ضرب صلاحيات الرئيس الماروني في الزمن الأول وإلغاء الرئيس نفسه في الزمن الثاني، فوقع في مغالطة سياسية وشعبية لا يستطيع الخروج منها، وهي العمل لتغليب النيات على النتائج او لتقديم المستحيل على الممكن او لتشريع الفردية الفوقية على الشراكة السياسية المتكافئة او المصالح الوطنية المشتركة.

 

والواقع ان العماد عون لا يعرف كيف يغير المعادلات ومتى ولا كيف يتغير معها ولماذا، فهو لا يزال يقرأ في الكتاب نفسه منذ دخل عالم السياسة من البوابة العسكرية منطلقا من النظرية القائلة ان الحل الذي لا يأتي منه ليس حلا وان الخطأ الذي يرتكبه ليس خطأ، ومن النظرية الأخرى القائلة ان المعركة التي لا يسير في مقدمها لا يمكن ان تنتصر وان السلام الذي لا يحمل توقيعه لا يمكن ان يستقر.

 

والواقع كذلك ان الرجل يبني استراتيجياته السياسية على البنى العسكرية، ويتعامل مع الأمور المصيرية او الفاصلة من باب الانفعال وليس من باب الروية مما يفقده الكثير من مقومات رجل الدولة ويحوله في المقابل الى قنبلة لا يركن اليها الحليف ولا يستخف بها الخصم، وهو ما يفسر كثرة التقلبات والمتغيرات في حركته السياسية التي تبدأ من مكان وتنتهي في آخر او تبدأ على الأقل من أرضية خصبة وتنتهي الى أرضية قاحلة في افضل الأحوال او متفجرة في أسوأ الأحوال.

 

 وليس سرا ان العماد عون أخذ طائفته قبل سبعة عشر عاما الى الطائف، وهو يأخذها اليوم الى اتفاق الفراغ الذي أبرمه حزب الله بالتنسيق مع سوريا وايران، وأخذها كذلك الى عداء مع المجتمعين الغربي والعربي على  غرار ما يحدث اليوم، والى عداء مع المرجعية المارونية في بكركي والمرجعيات المسيحية الأخرى مكتفيا بتحالف مع المقاومة الاسلامية الخائفة على سلاح بدأت رؤوسه تطل على الداخل محاولة تحجيم المسيحيين او من تبقى منهم بسلاح المسيحيين وإرباك السنة بسلاح السنة وتشتيت الدروز بسلاح الدروز تمهيدا لتكريس هيمنة مطلقة تكون بديلا للهيمنة السورية المطلقة ومقدمة لإقامة كيان ايديولوجي على الحدود الشمالية لاسرائيل يشبه الكيان الفلسطيني في غزة ولا يأخذ في الحسبان خصوصيات المسيحيين او مصالح السنة او هواجس الدروز او تداعيات ما يجري في العالمين العربي والاسلامي والساحتين الاقليمية والدولية .

 

وهناك من يقول ان العماد عون يؤمن جديا بأن المحور الدولي محكوم بالفشل لا محال وان الغلبة ستكون في النهاية للمحور الايراني - السوري، معتبرا ان معظم التجارب السابقة في لبنان والصومال وفيتنام، والعثرات الحالية في العراق وافغانستان تؤكد صحة تحالفاته وقوة مواقعه وصوابية خياراته وفعالية إجراءاته.

 

وهنا لا بد من التوقف قليلا عند عدد من الخيارات والقرارات التي اتخذها الرجل خلال العقدين الماضيين والتي تضيء على تقصير لافت لديه في قراءة الحركة الداخلية والخارجية وأبرزها:

 

 انه كان يعرف في العامين 1988-1989 انه لا يستطيع الانتصار على الجيش السوري من دون مباركة اميركية وموافقة اسرائيلية ومن دون دعم مادي من العرب والمسلمين اللبنانيين، لكنه اطلق حرب التحرير في كل الأحوال انه كان يعرف ان الانتصار على القوات اللبنانية المسلحة والمدربة والمعبئة جيدا غير ممكن من دون دعم من المجتمعين الغربي والعربي اللذين كان يعتبران المقلب المسيحي الآخر المرابط في بكركي والمجلس الحربي آنذاك ركنا أساسيا من أركان اتفاق الطائف، لكنه حاول ذلك في كل الأحوال، انه كان يعرف انه غير قادر على إسقاط الرئيس رينيه معوض وبعده الرئيس الياس الهراوي المدعوم بمحور محلي- اقليمي- دولي  أعطى دمشق بعد حرب الكويت وكالة مطلقة غير قابلة للعزل او المناقشة، لكنه حاول في كل الأحوال فخسر الحكومة والرئاسة معا ونقل المسيحيين من موقع الخائف على الصلاحيات الرئاسية والى موقع الخائف على الوجود في حد ذاته.

 

وأكثر من ذلك كان عون يعرف انه لا يستطيع إلغاء بكركي او تجاهلها او تهميشها لأي سبب من الأسباب، لكنه حاول في كل الأحوال ليتحول طويلا الى مرتد في رأي الكنيسة المارونية والى جاحد في رأي الغالبية المسيحية المؤمنة والى علماني في انطباعات المسلمين والغربيين معا، فلم يتمكن من طمأنة المسلمين او استيعاب الغربيين ولم يتمكن من تكريس نفسه زعيما مسيحيا.

 

ولا بد من السؤال هنا: ماذا تغير في العماد عون بعد سبعة عشر عاما على خروجه من قصر بعبدا؟

لا يختلف اثنان بين أنصاره وخصومه على ان الرجل لا يزال هو نفسه، وان ما تغير يكمن في ملامحه لا في أدائه، فهو لا يزال الرجل الذي يرفض ان يكون شريكا او مرؤوسًا او مأمورًا ليس لاعتبارات تتعلق بالكفاءة على أهميتها، بل لاعتبارات تتعلق بفوقية ساحقة تنبع من إيمان بنفسه اكثر مما تنبع من إيمان بإمكاناته وقدراته وهو ما شكل في الواقع مصدر خيباته المتلاحقة او على الأقل مصدر إبعاده عن السلطة الأولى في الدولة ومصدر متاعبه مع صانعي القرار في العالم.

 

ويرى هؤلاء ان الأسباب التي دفعته الى عدم الاشتراك في لجنة مقاطعة الانتخابات النيابية في العام 1992 ثم في لقاء قرنة شهوان، وهما هيكلان سياسيان تشكلا بإيحاء من البطريركية المارونية، هي نفسها الأسباب التي تدفعه اليوم الى عدم المشاركة في أي لائحة رئاسية يضعها البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، او في أي توصية او مناشدة لا تصب في خدمة رؤيته الشخصية للأمور على غرار ما حدث عشية الانتخابات الفرعية في المتن الشمالي، معتبرا ان الكنيسة يجب ان تكون في خدمة السياسة التي ينتهجها لا في خدمة الرعية التي ينتمي اليها.

 

ولعل الخطأ الجدي الذي وقع فيه العماد عون الى جانب علاقته الملتبسة والحادة مع كنيسته يكمن في انسحابه من معسكر الرابع عشر من آذار موحيا للمراقبين السياسيين في الداخل والخارج ان الوصول الى بعبدا يبقى اكثر أهمية من الوصول الى الاستقلال، وان التحالف مع حزب الله الخارج على الدولة يبقى اكثر أهمية من التحالف مع تيار سيادي دولي – عربي يعمل على استعادة الدولة من إدراج سوريا وثورات ايران، وان التحالف مع تيار اقليمي يقاتل ضد الاصلاحات السياسية التي يتطلع اليها المسيحيون في شكل عام يبقى اكثر أهمية من التحالف مع تيار دولي أنقذ اللبنانيين من الوصاية السورية والمسيحيين من الذوبان الكامل او الهجرة الكاملة.

 

وقد يقول قائل هنا ان وضع لبنان اليوم ليس افضل حالا من دون سوريا، وان وضع المسيحيين الموالين ليس أقوى حضورا من دون سوريا، لكن وضع العماد عون المتخاصم مع المجتمع الدولي اليوم ليس افضل حالا مما كان عليه قبل سبعة عشر عاما  وان وضعه المريح مع المحور الاقليمي لن يجعله افضل حالا من وضع سوريا المتهالكة للتفلت من شبح المحكمة الدولية او من ايران المتهالكة للتهرب من العقوبات الدولية من جهة والخيارات العسكرية من جهة أخرى، او من حزب الله المتهالك للتفلت من قرار دولي يطالبه بتسليم سلاحه وقرار آخر يمنع عليه استخدامه.

 

واكثر من ذلك يعرف العماد عون ان الفراغ الذي تعانيه الرئاسة الأولى لم يكن ممكنا او متاحا او حتى واردا لولا المظلة النيابية والشعبية والسياسية التي وفرها لمعسكر الثامن من آذار، ويعرف أيضا ان المعارضة لا تستطيع تكريسه رئيسا للجمهورية من خلال الثلثين او من خلال النصف زائد واحدا ولا حتى من خلال الانقلاب العسكري، لكنه مضى قدما في استراتيجيته معتبرا ان الغالبية الخائفة على حياتها، واميركا الخائفة على مكاسبها، والامم المتحدة الخائفة على جنودها، والدول العربية الخائفة على أنصارها، وفرنسا الخائفة على موقعها، واسرائيل الخائفة على أمنها، لا بد ان يتحدوا خلف خيار التنازل وبالتالي خلف خيار المعارضة المسلحة والمستنفرة في لبنان.

 

لكن ما لم يكن يعرفه العماد عون يكمن في اعتقاده ان خصومه في المقلب الآخر سيهربون من الفراغ الى التسليم بمرشح المعارضة، ليكتشف سريعا ان الأكثرية التي خسرت الرئاسة ربحت مجلس الوزراء في حين بدت المعارضة خارج الرئاسات الثلاث وأمام خيارين لا ثالث لهما اما الاتفاق مع الأكثرية على ملء الفراغ برئيس لا تختاره سوريا بالكامل ولا ترفضه اميركا بالكامل، واما الذهاب الى حرب عسكرية قد تعرف كيف تبدأ ولا تعرف كيف تتطور في الداخل والخارج معا. وقد يكون العماد عون محقا في الرهان على متغيرات لافتة ظهرت أخيرا في المواقف العربية والدولية من سوريا، وهي متغيرات سرعان ما أحبطها الرئيس جورج بوش في مؤتمر انابوليس او قلل من جديتها على الأقل، لكنه ليس محقا في الرهان على اي متغيرات من أي نوع حيال ايران التي لا تزال الهدف الأكثر عرضة للمحاسبة الاقتصادية والعسكرية  في الحسابات الاميركية والاسرائيلية، ما يعني ان ما لا تأخذه ايران لن يأخذه حزب الله وان ما لا تأخذه سوريا لن تأخذه المعارضة في البرلمان لانتخاب عون رئيسا دستوريا او في الشارع لفرضه حاكما عسكريا.

 

وما لا يعرفه العماد عون ان العودة السورية الى الحظيرة الدولية لن تكون ممكنة الا بعد حصول ثلاثة تطورات دراماتيكية:

 انسحاب الجيش الاميركي من العراق والخليج وافغانستان  اعلان براءة دمشق في المحكمة الدولية المرتقبة حصول ايران على القنبلة النووية وثمة أمر آخر يجب ان يأخذ مكانه على طاولة الصفقات المحتملة : سلاح حزب الله في لبنان ورأس حماس في فلسطين.

 

وقد يكون في هذا المشهد الكثير من المبالغة والآمال الواهية، لكن المشهد الآخر للواقع لا يبدو ممكنا اقله خلال ولاية الرئيس بوش الذي ربط الديموقراطية في لبنان بالاستقرار في المنطقة وجعل الحرب على الارهاب برنامج عمل مسبق لأي حزب سياسي يحكم في الغرب والشرق معا.

 

وليست لقاءات الرابية حسب مراقبين سياسيين الا محاولة من العماد عون لنفض يديه من الأخطاء التكتية والممارسات الكيدية التي أدت الى الفراغ في الرئاسة الأولى محاولا إلغاء بكركي السياسية وتهميش الركن المسيحي في  السلطة الحكومية وتعبئة المسيحيين في معركة قد تكون سياسية لا يقبضون ثمنها او عسكرية يدفعون ثمنها. لكن الخطأ الرئيسي الذي وقع فيه زعيم التيار الوطني الحر يكمن في المعطيات الآتية:

 

 انه لا يستطيع التهرب من الحقيقة القائلة انه أعلن حربا عسكرية على سوريا فخسرها وان البطريرك الماروني أعلن ضدها حربا سياسية وانتصر فيها، انه لا يستطيع التهرب من الحقيقة القائلة ان 14 آذار العام 1989 كان بداية الهزيمة أمام سوريا وان 14 آذار العام 2005 كان بداية الانتصار عليها، انه لا يستطيع تبرير الأسباب التي دفعته الى الحؤول دون تسهيل إجراء انتخابات رئاسية عندما كان رئيسا لحكومة انتقالية ولا تلك التي تدفعه اليوم الى عدم تسهيلها مجددا بعدما حصل على مفتاح الثلثين في البرلمان، انه لا يستطيع إقناع المسيحيين برئيس يكون موظفا لدى الشيعة ما دام يرفض رئيسا موظفا لدى السنة،انه لا يستطيع الانتقاص من دور بكركي في ملف الرئاسة وهو الذي استفاد من دورها المركزي في الانتخابات النيابية الأخيرة،انه لا يستطيع إقناع اللبنانيين بضرب حكومة لا تضم وزراء شيعة وهو الذي رأس حكومة لا تضم وزراء مسلمين على الاطلاق!

 

انه لا يستطيع التنكر لحقيقة تقول ان الرئيس اميل لحود غادر قصر بعبدا من دون خليفة له، وهو الذي غادره بالقوة على رغم نجاح البرلمان في انتخاب رئيسين هما رينيه معوض والياس الهراوي،انه لا يستطيع القول ان الأكثرية عطلت انتخاب رئيس جديد في وقت عطلت عمليا انتخابه كمرشح وحيد، انه لا يستطيع المطالبة بالمشاركة المسيحية في السلطة وهو الذي يرفض الاشتراك معهم في لائحة رئاسية وضعتها بكركي وليس اي مرجعية غير مارونية او حتى غير مسيحية، وحيال هذه الوقائع لا بد من السؤال: ماذا بعد في تحركات العماد عون؟

 

ثمة أمور ثلاثة تتحرك في جعبة العماد عون وهي اما العمل لتخوين البطريرك تمهيدا لعمل عسكري لا تستطيع بكركي التصدي له او الحؤول دون حصوله، واما العودة الى الحظيرة الدولية والاصطدام بسوريا وايران وحزب الله واما البقاء في المعارضة ركنا تستفيد منه دمشق لتعزيز أوراقها التفاوضية وتستفيد منه ايران لتوفير غطاء مسيحي لسلاح حزب الله ويستفيد منه الاثنان لتطويق الغالبية وابقاء  الفراغ سيفا مسلطا فوق أعناقها حتى إشعار آخر.

 

 

 المسيرة