ميشال عون.. من "بيت الشعب" في بعبدا إلى قصر الشعب في الشام

بقلم إيلي محفوض محفوض(*)

 

مَنْ يراقب حركية النائب ميشال عون في الآونة الأخيرة، خاصة مواقفه المعلنة تجاه الجمهورية العربية السورية التي يحكمها نظام حزب البعث العربي الاشتراكي برئاسة نجل الرئيس الأسبق حافظ الأسد بشار الأسد...

 

ومَنْ واكب عون سنوات طويلة، ومَنْ تابع خطواته العسكرية والسياسية منذ أن قدر للرجل تسلم مراكز قيادية داخل المؤسسة العسكرية، يعلم تماماً أن مجده الباطل الذي بناه على أكتاف العسكر والضباط والأنصار والمؤيدين والمقتنعين هؤلاء بمعظمهم تمكن من تحويلهم إلى مجرد قطيع يسوقه كما يحلو له، وهو لم يخف هذه الحقيقة لا بل أقول هذه الواقعية تجاه من صدقه ووثق بخطابه حتى أمام عارفيه، وهنا على سبيل المثال لا الحصر وخلال الحصار المفروض من قبل حكومة الهراوي يوم كان الأخير يحكم من المنطقة الغربية، وبعد التوصل مع عون عبر مفاوضات شارك في جزء منها السيد الياس حبيقة، وأثناء الطلب من عون تخفيف لهجته تجاه السوريين والحكم المتمثل بالهراوي انطلاقاً من خشية كيفية التبرير للجماهير الرابضة والمخيّمة في باحات "بيت الشعب"، كان جواب عون الدائم "لا تخشوا هؤلاء فبكلمة مني يتحولون، فإذا ما قلت شمال قالوا شمال وإذا ما قلت يمين مشوا مع اليمين"...

 

وبالفعل هذا ما فعله الرجل منذ عودته الميمونة إلى بيروت، وحتى ما قبل هذه العودة التي توجها بإيفاد رسول من قبله إلى الشام محملاً إياه هدية للنظام السوري، لا ندري حقيقة مضمونها، ولكن المؤكد أنه سوّق لهذه الهدية العونية بمسعاه لعقد طاولة مستديرة تضم من عدادها السوريين، هذا هو أسلوب الرجل مع الآخرين، عندما يريد شيئاً ما، يروّج له قبل فترة على طريقة الترويج الإعلامي ـ الاعلاني والدعائي كأي منتج تجاري يرغب مطلقه أن ينتشر في الأسواق فيبدأ بالحملة الاعلانية بشكل يدفع المستهلك للتدافع لاقتنائه، وهكذا كان أسلوب عون الدعائي البروباغندي تجاه ناسه ومؤيديه، لدرجة أن البعض منهم ولكثرة انعدام الرؤيا وانمساح الفكر وزوال المنطق، ما عادوا يتمكنون من ترجيح عقلهم، وأنا أفهم هؤلاء لأنني كنت من عدادهم منعدم التقييم إلى أن قضى الله فيّ فأعادني إلى صوابي واسترجعت قدرتي على التحكم في عقلي وفكري وبذلك استرجعت لغة المنطق بعدما فقدتها لسنوات طويلة.

 

واليوم فقط، علمت وتأكدت ملياً وجدياً لماذا استقدم عون بعض المرتزقة وجعلهم نواباً على جمهوره، واليوم بدأت أفقه معنى إبعاد الصقور في التيار حتى الطرد النهائي، وإحلال بعض الموظفين الذين تقتصر وظيفتهم على الموافقة والإيماء بحني الرأس موافقين على ما يقول...

 

وما الدعوة التي وجهها رئيس سوريا السيد بشار الأسد إلى النائب عون مشرّعاً أمامه أبواب قصر الشعب السوري، سوى دلالة على التنسيق المفتوح والفاضح بين عون والنظام السوري منذ عقود من الزمن، وقد لاقاه أحد رفاق عون الجدد المستقدمين حديثاً إلى الأراضي اللبنانية والذين جعل منهم نواب الأمة بكلام يشرح القلب "إن دعوة سيادة الرئيس بشار الأسد وسام ونيشان على صدر العماد عون"... ليلاقيه عون بعد يومين من الدعوة الميمونة بكلام لم يخل من اللياقات التي لطالما يتفوّه بها الرجل مع اللبنانيين من نواب وسياسيين ومسؤولين...

 

نوابنا "بسينات"، وشعب 14 آذار "بناديق"، والرئيس الجميل "ما بيوصل لتحت زنارو"...

 

غريب أمر هذا الزويعم اللبناني الذي عوّد اللبنانيين على قاموسه السياسي المليء بإهانة الآخرين والتجريح بهم والتطاول على المقامات الروحية منها والسياسية، بينما نجده في التخاطب الاقليمي وتحديداً مع السوري شخصا يمتاز بالهدوء والسلاسة والمفردات الطيبة كما فعل برده على دعوة الرئيس الأسد، وعندها فقط، في لحظة التناغم والغنج المطلق بينه وبين الأسد، استعدت مشهد جنودنا يسقطون أمام الاجتياح السوري في 13 تشرين الأول، وكم كان الأجدى به لو أنه ربط زيارته إلى الشام باستعادة المعتقلين والمخطوفين في السجون السورية.

 

وفي قراءة سريعة لمنهجية عون القديمة ـ الجديدة في تعاطيه مع السوريين، يتبدى لنا أن الرجل خطط للمرحلة الحالية منذ سنوات طويلة، وهو أعد لخطة العودة معهم عبر سماسرة لبنانيين... والقراءة الموضوعية لهذه المنهجية المبرمجة تدفعنا إلى إعادة النظر في أهم المحطات التأسيسية لحالة عون الشعبية، والتي قامت على اعتماد المحاور التالية:

 

المحور الأول: استغلاله لمنصبه العسكري واستثمار البذة العسكرية.

المحور الثاني: التصويب على تجاوزات للميليشيات.

المحور الثالث: العداء الظاهر لسوريا والتخطيط الباطني معها.

 

بالنسبة لاستغلال منصبه العسكري، لا بد من التأشير في هذا المجال إلى أن ميشال عون من أكثر قادة الجيش اللبناني الذين استغلوا مناصبهم العسكرية، وهو الأكثر استثماراً لهذه المناصب لدرجة يمكننا القول انه حوّل المؤسسة العسكرية لخدمته الشخصية ولتحقيق مآربه الآنية، وإذا ما طرحنا السؤال، كيف كان له ذلك؟ الإجابة واضحة عندما نقترب أكثر فأكثر من الحالات الشاذة داخل المؤسسة العسكرية بحيث ان ضباطاً وأفراداً كان ولاؤهم لشخص ميشال عون وليس لقيادة الجيش، وهذه الواقعية تجلت في العديد من المحطات التي استغلها عون لإظهار حكرية عون للمؤسسة العسكرية وكأنها تابعة له، وهنا نتوقف عند الكلام الذي أعلنه عون خلال حرب نهر البارد، حيث انبرى منزعجاً من سقوط شهداء صفوف 14 آذار ليطل قائلاً انه ليس فقط لهذه القوى شهداء "فأنا يسقط لي كل يوم عشرة شهداء في نهر البارد"...

 

وهذا الكلام إن دل على شيء، فهو يدل على أن عون لا يزال يعتبر المؤسسة العسكرية تابعة لإمرته، أو على الأقل دعنا نقول انه لا يزال حتى الساعة يعتبرها من عداد الموالين، وهو يتصرف على هذا الأساس وبالتالي يسمح لنفسه أن يسخر هذه الطاقة، خدمة لمصالحه...

 

والواضح حتى الساعة ان مشروع الرجل لم يتبدل قيد أنملة تجاه تأمين المصالح المزدوجة، أي مصلحة عون السورية، ومصلحة سوريا العونية... هذه هي المعادلة التي انتهجها الرجل منذ سنوات طويلة، والتي لم نفهم معناها إلا متأخرين وبعدما تمادى الرجل في تطبيقها والتي يستمر في دفعها باتجاه تحقيق هذا الازدواج في المصالح، وهو تبعاً لذلك تلقف دعوة الأسد برحابة صدر وانشراح، وهو تبعاً لذلك سبق له أن أعاد تموضعه مع المجموعات الموالية لسوريا منذ ما قبل عودته من فرنسا التي كانت محطة للعديد من الرموز السورية، كما وللعديد من المسؤولين السياسيين والعسكريين السوريين...

 

حقيقة الرجل أنه الحالة السورية في لبنان بامتياز، والحقيقة أنه وبالتنسيق مع النظام السوري ركب لكل الحروب والمواقف العدائية في الظاهر فقط من أجل إنجاح المخطط والهادف في نهايته إلى استنهاض المسيحيين وجذبهم إلى عون مع ما ترافق ذلك من شحن ضد القيادات المسيحية الأخرى وعلى رأسها القوات اللبنانية التي تحوّل عون معها من مدرّب في صفوفها إلى إعلانه حرباً لإلغائها، وهذا التدرّج كان مدروساً ومنسّقاً ومخططاً له مع السوريين منذ سنوات طويلة والتي تخللتها زيارتان لعون إلى الشام حيث بدأت عملية استدراجه ودغدغة جموحه الرامي للقبض على السلطة، من هنا نكتشف العلاقة الوطيدة بينه وبين السوريين والتي يتوّجونها اليوم باصطفاف المجموعات السورية في لبنان إلى جانب عون وبشكل مطلق، ولعلّ السيد وئام الوهّاب والسيد ناصر القنديل عبّرا ويعبّران عن هذه المشهدية السوريالية في الدعم المطلق الذي يتلقاه عون من السوريين، والتدرّج المتّبع بدءاً من أسفل الهرم صعوداً إلى أعلاه.. وأعني بذلك أن كشف المستور بين عون والسوريين بدأ يظهر على العلن منذ الرحلات المكوكية للحود الابن ومعه بقرادوني ومن ثم تتالت الزيارات لبعض المحسوبين على سوريا..

 

ومن ثم بدأت المواقف السورية بالتصاعد بداية مع ما قالته الوزيرة بثينة شعبان بتاريخ 21/8/2007 "النائب ميشال عون قاتل من أجل الاستقلال، ووحدة الرؤية معه طبيعية"، مروراً بكلام الوزير وليد المعلّم الذي ذكر اسم عون والرابية إحدى عشرة مرة في مؤتمره الصحافي، والتتويج الكبير كان مع الدعوة التي وجهها رئيس سوريا السيد الأسد لعون وتحديداً لاستقباله في قصر الشعب، وهو تعمّد للدعوة أن تكون في قصر الشعب لكونه أراد بها تذكير اللبنانيين بأن عون أطلق حالته السياسية من القصر الجمهوري في بعبدا والذي حوّل اسمه عون إلى قصر الشعب ومن ثم إلى بيت الشعب، لذا جاءت الدعوة من حيث الشكل إلى عون لممارسة المزيد من الدغدغة السورية للجموح اللامتناهي عند الرجل في قبضه على السلطة، لذا نرى شهر العسل الطويل بين عون والسوريين بحيث ان كل طرف يؤمّن مصلحته انطلاقاً من التواصل بينهما وصولاً إلى إحداث مزيد من التخريب على مستوى الجمهورية اللبنانية التي لا يريدها عون أن تستمر لا بل لا ضرر عنده في إلغائها طالما أنه ليس هو الرئيس على هذه الجمهورية، وفي المقابل فإن السوري يستغل ويستعمل عون إلى أقصى الحدود تماماً كما العلكة التي يعلكها الإنسان وعندما ينتهي مفعول السكّر فيها يرميها، الطرفان يستعملان بعضهما بعضاً.. عون يستقوي بالسوري، ولكنه يستقوي به على اللبنانيين، والسوري يتحجج بعون لإحداث المزيد من التراجع على مستوى الاستقرار الداخلي، وهكذا تدور اللعبة بين المحورين انطلاقاً من أن كل فريق يؤمّن مصلحته، وبأن كل فريق يجد ضالته بالآخر، وإذا كان السوري صاحب الأطماع التاريخية في لبنان، والذي لم يعترف يوماً بالكيان اللبناني، يسعى جاهداً لضرب لبنان وإلحاق الأذى والقدر الأكبر بالخسائر كون كلّما كان لبنان ضعيفاً ومسرحاً للصراعات الداخلية فيه، وأتون نار، وساحة لتصفية الحسابات، ومشتتا ومنقسما على ذاته... أمّنت سوريا لنفسها المزيد من الربح السياسي على مستوى المنطقة والربح الاقتصادي على مستوى التجارة والربح السياحي على مستوى طرد السياح العرب منهم والغربيين...

 

إنها لعبة القطّ والفأر يمارسها السوري مع لبنان حتى إنهاكه، ومن هنا نعلم لماذا يدعم ميليشيا هي حزب الله ويمدّها بالسلاح على حساب استقرار لبنان، وإلاّ لا شيء يبرر عدم قيام مقاومة في الجولان، ولكن كيف تقوم مثل هذه المقاومة والمفاوضات السورية ـ الإسرائيلية كانت جارية على قدم وساق خلال حرب تموز 2006؟.

والواضح أن مهووس القصور تمادى كثيراً في لعبته، وتمادى كثيراً في تغليب مصلحته وأنانيته على مصلحة لبنان، كما الواضح أيضاً أن تخطيه لسقف اللبننة وصولاً إلى سورنة حالته الشعبوية حتى وإن بدأ نجمها بالأفول شيئاً فشيئاً، إلاّ أن التمادي المفرط في إساءة استعمال ما آل إليه عبر الغش والخداع وصولاً إلى النتائج التي حصل عليها في انتخابات العام 2005، سوف يؤدي مستقبلاً إن لم نستدرك هذا الخطر السرطاني إلى ضرب ما تبقى من بوادر حلّ للأزمة التي يسعى كل من عون وسوريا وحزب الله إلى تمديد أمدها إلى أجل غير مسمى..

 

فالسوري من مصلحته استمرار الوضع على ما هو عليه ربحاً لمزيد من الوقت الذي يعتقد ولو خاطئاً أنه في المستقبل سيكون لمصلحته انطلاقاً من التعويل على تبدّل الموقف الأميركي مع تبدّل الإدارة الأميركية وهذا ما تسعى إليه إيران أيضاً.

 

حزب الله حتماً سيسعى في هذا الاتجاه تقاطعاً مع المصلحتين السورية والإيرانية طالما أن هذه المعادلة تؤمّن له استمرار سلاحه في الداخل، خصوصاً بعدما سقطت مقولة أن هذا الحزب لم يوجّه أبداً سلاحه إلى الداخل اللبناني، وتحديداً بعدما شرّع عون لهذه الميليشيا وجودها والحق بتوجيه السلاح إلى الداخل عندما قال "إذا انحشر السيد حسن حق له أن يستعمل السلاح في الداخل"..

 

وأخيراً بالنسبة لميشال عون الذي لا همّ عنده إذا ما بقيت جمهورية أم لم تبقَ، وهو أزف أمام مناصريه سراً بأنه سيخرب لبنان إن لم يصل إلى الرئاسة الأولى، وبالفعل يفعل ما وعد به، طبعاً ليس بعضلاته إنما بسلاح حزب الله والمجموعات السورية في لبنان وبدعم مطلق من السوريين ومن دون حدود، خصوصاً وأن النظام السوري أفهم كل عملائه اللبنانيين أن رجلهم الأول اليوم في لبنان هو ميشال عون، لذا المطلوب منهم جميعاً دعمه بالمطلق، فمن غيره استطاع الاستحصال على شرف دعوة رئيس سوريا السيد بشار الأسد إلى قصر الشعب؟

 

وهذا الشرف الكبير لم يحصل عليه أي من عملاء سوريا التقليديين لعقود من الزمن، وحده الزويعم ميشال عون نال شرف الدعوة وعلى لسان الأسد شخصياً، بعدما كان يتناوله صغار النظام السوري ومن قبلهم عملاؤه في لبنان، اليوم تدرّج عون في المدرسة السورية ليتخرّج قريباً من قصر الشعب في سوريا، إنها لعنة القدر أن يقف جنرال بلباس مرقّط ويقول للعالم: "بعد في راس واحد بدنا نكسّروا هوّي راس حافظ الأسد" فكان زنّار النار والبارود والضحايا والشهداء والمهجرين والمهاجرين والمخطوفين في سوريا..

 

اليوم أصبحت زيارة عون إلى سوريا عزيزة على قلبه وهو ينتظرها بأحرّ من الجمر..

وهكذا انكشف المستور، وحده قصر الشعب السوري أظهر ان بيت الشعب في بعبدا لم يكن في يوم من الأيام بيتاً لبنانياً مع عون بل كان وقوداً أشعل من خلاله نيران حروبه.. تلك الحروب التي أرجع فيها لبنان وحدّ من خلالها تقدمه وديمومته واستقراره..

 

إنها لعبة القصور التي لم تنته فصولها بعد، ولن تنتهي قبل أن نضع حداً لهذا الجنون المفرط في جرّ لبنان إلى الهاوية وإلى مزيد من الهجرة إلى بلاد الله الواسعة..

وإلى اللقاء القريب مع الجنرال الذي تخرّج من بيت الشعب في بعبدا إلى الزويعم الحالم دائماً أبداً بزيارة قصر الشعب في الشام..

 

(*) رئيس حركة التغيير

عضو قوى 14 آذار

 

5 أيار 2008