قاضي الصلح

هل يصلح الجنرال ميشال عون أن يكون راعياً لأية مصالحة

لاحظ س. حداد

المُستَغرب فعلاً أن يصرّ الزعيم الزغرتاوي، سليمان فرنجية، على وجود حليفه السياسي، الجنرال ميشال عون، راعياً لللمصالحة بينه، كرئيس لتيار المردة، والدكتور سمير جعجع، كرئيس لحزب القوات اللبنانية.. مصالحة مطلوبة لمنع المزيد من الشحن النفسي لدى محازبي الطرفين.. 

 

ولم يعد مفهوماً إلى أية مصالحة يسعون.. أهي مصالحة مسيحية/مسيحية أم مصالحة عشائرية أو حتى حزبية سياسية.. وهذا قد يتطلّب وجود قاضي صلح ثلاثي الصفات.. وفي الثلاث، لا نجد أن الجنرال يصلح للعب دور قاضي الصلح للأسباب التالية: 

 

1- ليس باستطاعة الجنرال أن يلعب دور المصلح بين أيِّ فريقين مسيحيين وهو دور منوطٌ أولاً وآخراً برجال الدين المسيحيين.. والجنرال سبق أن أفشل كافة مساعي سيد بكركي الصلحية في مناسبات متعددة.. وبالتالي لا يكفي أن يعلن الجنرال نفسَه زعيماً للمسيحيين كي يصبح مؤهلاً لرعاية مصالحة بين أطراف مسيحية لا سيما أنه حليف لطرف من الأطراف.. والعرف يقول أن يُنزَّه المصلح عن الانحياز.. 

 

2- ليس بإمكان الجنرال أن يلعب دور المصلح العشائري وهو البعيد كل البعد عن العشائر وتقاليدها والأولى والأجدى، في هذا المقام، أن تتولى قيادات العشائر (إذا جاء التعبير) في مدينتي زغرتا وبشري، اللتين ينتمي إليهما كلا الزعيمين الزغرتاوي والبشراوي مثل هذه المصالحة.. وفي علمنا أن لا خلاف، مسيحي/مسيحي، بين زعماء المدينتين.. وربما تُستَساغ الإشارة هنا إلى وجود خلافات سياسية بين زعماء كلٍّ من المدينتين تستوجب إجراء مصالحات فيما بينهم قبل الادعاء أن الزعيم الزغرتاوي سليمان فرنجية وحده يتحدث باسم زغرتا أو الدكتور جعجع يتحدث وحده باسم بشري.. وفي كلتا الحالتين ليس هناك من فراغ يمكن للجنرال أن يملؤه في هذه المصالحات، فأصحاب البيتين أولى بمعالجة أمورهم.. وفي العادة يقوم بمثل هذه المصالحات كبار رجال العشائر الحياديين أو كبار رجال الدين.. ورجال الدين معروفون أما رؤساء العشائر فلا حضور لهم حالياً ولم يبقى سوى رأس البلاد وكبير الكبار أي رئيس الجمهورية وعليه يبقى الاتكال.. 

 

3- أما إذا ارتأينا أن المصالحة هي بين فريقين حزبيين، وهذا بديهي وصحيح، فأين هو موقع الجنرال عون فيها.. فالزعيم الزغرتاوي ذو مواقفٌ شجاعة في إعلان صداقاته واختلافاته السياسية كما يمتلك قدرة الحزم في أيِّ شأن يتولاه.. وكذلك الحال بالنسبة إلى الدكتور جعجع الذي بهرَ الجميع باعتذارٍ حميمي وشجاع قدّمَه إلى الشعب اللبناني عن أخطاءٍ قد يكون اقترفها بعض من كان بإمرته في الحرب اللبنانية وهو أمر لا يقْدِم عليه سوى الرجال الهادفين الاصلاح..

 

أما الجنرال، فلا هو معترف بخطأ ولا هو مُقرر الحياد بين الطرفين، وبالتالي لا يملك قدرة الحَكَم والمُصلح.. أما الادعاء بكونه كبيراً بين الاطراف فهذا أمرٌ مرفوض تماماً، فكم وكم من كبار السن لا يُحسنون التخلّي عن دورهم الانحيازي، لذا فهم قطعاً لا يصلحون للقيام بدور الحًكَم، وكم وكم من أمثال هؤلاء ذهبت حكمتهم برحيلهم عن هذه الفانية وما تركوا سوى سيّء الذكرى..  

 

4- متى يمكن للجنرال عون أن يكون قاضي صلح سياسي.. 

حين يمتلك شجاعة الاعتراف بأخطائه نحو اللبنانيين ونحو الوطن،

حين يقر أن هناك من دافع عن لبنان أكثر منه،

حين يتخلى عن اتهام الآخرين بما هو فيه،

حين يعترف أن الابتزاز لا يتساوى مع الحقيقة،

حين يقبل بالرأي الآخر ويقدّره،

حين يعترف أن في البلاد مرجعياتٍ غيره، مسيحية وإسلامية ومدنية وسياسية، يمكنها رعاية المصالحات.. فكما قبلَ برعاية القيادات الروحية الإسلامية لمصالحات الجناح المسلم، عليه التسليم بأن القيادات المسيحية تتمتع بذات الصفات الوطنية التي منحها أياها الجناح المسلم وتقوم برعاية مصالحات الجناح المسيحي.. وليس له أو لغيره، أن يغيّر واقع الحال المعمول والمعترف به منذ أن كان لبنان وكان هو خارجه..

 

أخيراً لا آخراً: عندما يعتزل السياسة.. عند ذاك يمكن أن يكون، ليس قاضي صلح فقط بل مرجعية وطنية كاملة الأهلية للتدخل بين كافة الأطراف ومصالحتها..

 

قبل ذلك، ليس له أيّ مكانٍ في المصالحات التي يحاول شخصيات البلاد، الروحيين والمدنيين والسياسيين، إجراءَها.. ولا نرى فائدة تجنى من أية مصالحة يكون للجنرال ميشال عون دورٌ فيها، إذ أنه، في نظرنا سوف يكون عنصرَ تفجيرٍ من الداخل في أية مصالحة يتفق الأطراف على إجرائها.. والأفضل أن يتفق طلاب الصلح، قادة المردة وقادة القوات، على هدنة سياسية بينهم توقف الشحن النفسي وتمنع التجاوزات وقطعاً توقف تدخل غير فئات ومن غير منطقة في أمورهم الخاصة..  

صانك الله لبنان

لاحظ س. حداد

التيار السيادي اللبناني في العالم / نيوزيلندا