العصابة

عبد الله كمال /رئيس تحرير مجلة "روز اليوسف"

2009-01-06

يتمتع الرئيس السورى بشار الأسد بعلاقة صداقة وثيقة مع الملك حمد ملك البحرين، وكان من المفاجأ فى الأسبوع الماضى أن تعلن البحرين عن ضبط مجموعة إرهابية قصدت تدبير هجمات عنيفة فى عيد الجلوس الملكى البحرينى.. وأن تلك المجموعة قد تدربت فى سوريا.. بعد أن سافرت لها تحت ستار زيارة المقاصد الشيعية. وسارعت سوريا إلى أن تعلن أن أمن البحرين من أمنها.. وسافر وفد مخابراتى سورى إلى البحرين بقصد الاطلاع على ملف التحقيق.. وهو إجراء روتينى كان الهدف منه حفظ ماء الوجه.

 

إن المثير فى الأمر ليس هو فقط أن الملك حمد صديق للرئيس بشار، ولكن أن البحرين وفق ما اطلعت عليه دول خليجية كانت قد أبلغت سوريا فى وقت سابق وقبل أن تتبلور القضية.. بأن هناك تدريبات مريبة تتم فى معسكر على أرضها لمجموعة شيعية إرهابية.. وعلى الرغم من ذلك فإن سوريا لم توقف العملية التى تتم على أرضها.. بل كان من المقرر أن يسافر إلى البحرين أحد عناصر حزب الله لكى يقود العمليات من على أرض المنامة.

 

ومن المفهوم أن العملية فيها أطراف إيرانية، خاصة من جانب حزب الله، ولاسيما لطبيعتها الشيعية.. وبالتالى فإن الرئيس بشار الأسد قد ضحى باعتبارين على الأقل فى هذا السياق: الأول شخصى.. ويتمثل فى علاقته بالملك.. والثانى قومى.. ويتمثل فى رضوخه للأجندة الإيرانية حتى لو أدى هذا إلى تقويض أمن بلد عربى.

الواقعة التى كشف عنها الغطاء وزير الداخلية البحرينى، بالصدفة مع اندلاع أحداث مجزرة غزة، تعنى فى المحصلة أكثر من أمر:

 

1- إن إيران أسفرت عن وجهها القديم مجددا فى الاتجاه إلى تصدير الثورة لجيرانها.. وهى سياسة كانت متبعة فى السنوات الأولى للثورة الإيرانية.. وأخفيت تحت ستار التقية.

 

2- إن إيران تعلن عن أسلوبين للتعامل مع دول الخليج.. الأول هو القبول بالانضواء تحت كنفها وتنفيذ أجندتها فى السعى لبسط نفوذها مع المنطقة.. كما هو الحال فى قطر.. والثانى هو تأليب الأوطان وتصدير الثورة كما أظهر نموذج العملية الإرهابية الفاشلة فى البحرين.

 

3- إن سوريا مضت فى تحالفها مع إيران إلى أبعد مدى.. وبما يوحى بأن هناك اندماجا ولو جزئيا فيما بين أجهزة الأمن.. فى البلدين.. بخلاف التنسيق السياسى.. وبما يجعل سوريا تقبل أن تكون (دولة كوبرى).. أو جسر إلى تحقيق الأهداف الإيرانية.

إن الدولة (الكوبرى) لاتقبل فقط أن تكون أرضا لتدريب الإرهاب بكل ما لهذا من تبعات.. ولكن أيضا أن تقبل - نتيجة لهذا التحالف - أن تكون مرتعًا لأفعال قد تطيح بأمنها هى ذاتها.. وعلى سبيل المثال فقد اغتيل على أرضها وفى وضح النهار ودون أن تحرك ساكنًا عماد مغنية رئيس مخابرات حزب الله وقناة الاتصال الأساسية مع طهران والمؤتمر بما تقول.. ويعتقد أن إسرائيل هى التى قتلته.. وقد هدد حزب الله بأن ينتقم لاغتيال رجله القوى.. لكن الحزب لايعدو إلا أن يكون

 

ظاهرة صوتية.

المثلث المشوه

لقد كانت سوريا حتى بضع سنوات مضت، وعلى الرغم من وجود تحالف سياسى ممتد بينها وبين إيران، كانت الضلع الثالث فى (ترويكا) القيادة العربية.. التى بلورتها نتائج مابعد حرب الخليج الثانية.. فى بداية التسعينيات من القرن الماضى.. وكان الضلع الأول هو مصر، والضلع الثانى هو السعودية.. غير أنه رويدا رويدا كان أن تباعدت سوريا عن ظهيرها القومى.. وراحت ترتمى فى أحضان إيران.. بكل خصائصها المناقضة للمصالح العربية.. سواء على المستوى الإثنى باعتبارها فارسية، أو على المستوى الدينى باعتبارها شيعية، أو على المستوى السياسى باعتبار أن أجندة المصالح الإيرانية تناقض تماما المصالح العربية.

 

المثلث المستجد، الذى يريد أن يطرح نفسه بديلا لقيادة المنطقة، يبدو مثلثا من الناحية الشكلية، لكنه من ناحية المضمون والخصائص الواقعية ملىء بالكسور.. ومشوه تراه من اليمين منفرجًا ومن اليسار حادًا.. ليست فيه زاوية قائمة.. فيه ضلع أطول من الآخر.. وضلع قزم.. وليس فى داخله عوامل تعطيه فرصة الاستدامة.. وبمجرد سقوط أحد عناصره.. سوف ينهار برمته.. والأهم أنه لايقوم على علاقات الندية والمساواة وإنما يقوم على التبعية والفرض والابتزاز.. ويقدم بديلا يقوض استقرار المنطقة.

 

أضعف وأقصر الأضلاع هو قطر، فهى عمليا لا تناظر الضلعين الآخرين من حيث عدد السكان، أو الاتساع الجغرافى، وليس لديها مقومات التأثير الاستراتيجى، أو كما وصفتها فى مقال خلال الأسبوع الماضى: (شركة لا دولة عضوها المنتدب حمد بن جاسم رئيس الوزراء).. ودوافعها فى خوض هذه اللعبة الاستراتيجية، الأكبر منها بكثير، طفولية ودفاعية غير بنائية.. وهى:

 

1- الخوف من إيران.. باعتبارها الجارة الأضخم القادرة على تصدير المشاكل ونسف مجلس إدارة الشركة فى لحظة (يلاحظ فى هذا السياق اتجاه قطر إلى ترضية أى قوة يحتمل أن تسبب لها مشكلات.. ومنها الولايات المتحدة حيث توجد أكبر قاعدة عسكرية أمريكية فى المنطقة لدى الدوحة.. كما أنها على علاقة مميزة مع إسرائيل تتجاوز وجود مكتب تمثيل على أرضها إلى حد الشراكات المالية الشخصية).

 

2 - تلبية الميول الإسلامية الموجودة داخل عائلة الحكم.. وبعض كيانات وإدارات الشركة.. واتقاء تحركها المضاد ضد مجلس الإدارة.. والتغطية على التحالفين الأهم مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

 

3- المناكفة والاستعراض.. وهذا هو الدافع الطفولى المقصود.. وتعويض الهزال الاستراتيجى فى تكوين (الشركة - الدولة) بالصخب والافتعالات.. وبما فى ذلك بعض المؤتمرات والمهرجانات.. واستخدام إدارة الإعلام التى تتبعها قناة الجزيرة فى تحقيق أهداف التسويق للشركة والتخديم على المتحالفين.

 

الضلع المجرم

الضلع الثانى، التابع، فى هذا المثلث المشوه، هو سوريا، وهو بالطبع أكبر من قطر، ولكنه أقل حجما من إيران، وخصائصه كما يلى:

1- أرضه محتلة منذ أكثر من أربعين سنة.

2- مؤسساته شخصانية.. متكلسة.. لم تتفاعل مع المتغيرات العالمية منذ سنوات بعيدة.

3- تحكمه عائلة تنتمى لأقلية علوية.. فى وضع مقلوب لأن المجتمع السورى أغلبيته من السنة.

4- يعانى من عدم استقرار داخلى بسبب ضغوط جماعات إسلامية متطرفة عديدة أبرزها الإخوان المسلمين.. وهى لها ثأر مع النظام يعود إلى مذبحة حماه التى راح ضحيتها ما لا يقل عن عشرين ألفا.. دهسا بدبابات حافظ الأسد.

5- واجهته صراعات عديدة داخل طغمة الحكم.. أدت إلى انشقاق نائب الرئيس عبدالحليم خدام.. وإبعاد وزير الدفاع مصطفى طلاس.. وتطاحن على النفوذ بين فاروق الشرع وعبدالحليم خدام.. ونهم الأقارب والأصهار فى الحصول على مكاسب مريعة من خلال أعمال خاصة غارقة فى الفساد.. فى ضوء ضعف شخصية الرئيس الغض الغرير بشار الأسد.. المحكوم بتوجهات متنازعة.

6- ارتكب مجموعة من الأخطاء والخطايا السياسية والقانونية المتتابعة.. بل والجرائم.. كان أبرزها تورط بعض من أهم أركانه فى اغتيال رئيس الوزراء اللبنانى الراحل رفيق الحريرى.. ومن بعده بعض من أبرز السياسيين اللبنانين.. وهو تورط قد يطال رأس الرئيس الأسد نفسه خلال المحاكمة التى ستعقد فى لاهاى خلال مارس المقبل.

7- يواجه اتهامات بالمضى قدما فى اتجاه الحصول غير القانونى على قدرة نووية عسكرية.. قد تجعل النظام السورى محلا للاتهامات القانونية أمام وكالة الطاقة الذرية فى غضون أشهر.

8- يتميز بالجمود الأيديولوجى سياسيًا واقتصاديًا.. وفى الوقت نفسه تناقض الشعار مع الأفعال التى تتم فى الخفاء.. وكمثال فإنه فى الوقت نفسه الذى يرفض فيه مايسميه اتفاقيات الاستسلام لإسرائيل.. يفتح تفاوضا معها من أجل أن يحقق حلمه التليد فى تحرير أرض الجولان. على عيوبه، وبكل علاته، وقبل أن تستفحل الأمور، كانت مصر تقف سندًا لإدراة سوريا.. أولا رضوخًا لعناصر البيئة العربية (إذ لن نصنع دولا على مقاييس لم تستطع شعوبها أن تقوم بها).. وثانيًا حتى لاتسقط دولة عربية وقفت إلى جانب مصر فى حرب أكتوبر.. وثالثًا لأن المصلحة القومية تقتضى ألا يتوالى انهيار الدول العربية مثل قطع الدومينو كما كان مخططًا بعد حرب العراق (2003).. ورابعًا لأنها كانت تأمل فى أن يؤدى هذا التواصل والدعم إلى تعديل فى توجهات النظام السورى.

 

لكن هذا لم يحدث.. وكانت الخطيئة الكبرى هى اغتيال رفيق الحريرى.. وأعتقد أن مصر سألت سوريا بعيد الاغتيال عما إذا كانت قد تورطت أو تورط أحد أركان النظام فى هذه الجريمة الشنعاء.. وأنكرت سوريا.. وبعد مضى التحقيقات فى اتجاهات أعمق تبين لمصر أن هناك تسجيلات تليفونية خطيرة.. وواجهت سوريا.. فأنكر مسئولوها.. وبمضى الوقت.. ومع تكرار عمليات الاغتيال بدا أنه لا سبيل لنتائج هذا النصح.. وكانت الكارثة التى قصمت ظهر العلاقات بين البلدين هى حرب لبنان (2006).. وموقف سوريا المناصر لحزب الله.. والمحرض تماما لأفعاله.. ما أدى إلى مقتل 1500 لبنانى.. وتشريد مليون مواطن.. وتحقيق خسائر فى البنية التحتية احتاج إصلاحها إلى 15 مليار دولار.

 

أذكر جيدا، وفى ضوء معلومات كانت متاحة حينئذ، أن مصر سألت سوريا عما إذا كانت قد حبذت العملية (اختطاف جنديين إسرائيليين) التى أدت إلى اندلاع الحرب واتخاذها من قبل إسرائيل كذريعة للهجوم الجوى المدمر على لبنان.. وقد نفت سوريا ذلك.. وبعد أن انتهت الحرب على خسائرها تلك كان أن خرج الرئيس بشار الأسد معلنا فرحته بانتصار حزب الله فوق ركام لبنان.

 

تناقضات عميقة

بخلاف التلسين الإعلامى، والأفعال الصبيانية السياسية، تبلورت بين مصر وسوريا تناقضات عميقة.. يمكن إيجازها فيما يلى:

1- محصلة الموقف السورى الإجمالى من حرب لبنان.. وتعضيد سوريا لحزب الله.. ككيان طائفى فئوى يقوض الدولة اللبنانية.. فإذا كانت مصر تساند سوريا لكى تمنع انهيار دولة عربية بعوامل مختلفة فإنها لا تقبل من دولة عربية أن تسعى إلى تقويض دولة عربية جارة.. وتعطيل مسارات تفاعلها السياسى والدستورى الداخلى والدفع باتجاه انهيارها وتقويض تركيبتها.

2- ترسخ هذا الأمر مع الخطاب السياسى الصادر من سوريا ضد مصر والسعودية، واتهامات التخوين المصاحبة لتفاعلات أثناء الحرب ومابعدها، ثم مع تكرار عمليات الاغتيال داخل لبنان، وصولا إلى دعم علنى ومعروف من سوريا لمنظمة فتح الإسلام التى نفذت أحداث نهر البارد فى لبنان.

3- اعتبرت سوريا أن دخول مصر على الخط فى لبنان.. هو دخول على مناطق نفوذها الاستراتيجى.. فى حين أن الهدف المصرى المعروف هو حماية كيان دولة عربية.. هى عمليًا من دول المواجهة.. والحفاظ على الصيغة التى يمثلها لبنان فى البيئة العربية فى ضوء دعايات الطائفية فى مختلف أرجاء الإقليم.

4- تصاعد التحالف السورى الإيرانى، بما يناقض المصالح القومية العربية، وخاصة مع اتضاح الأهداف الإيرانية الساعية إلى بسط النفوذ الإقليمى على حساب القوى العربية المعروفة تقليديا فى المنطقة وعلى رأسها مصر.. وظهور الآثار السلبية والهدامة لهذا التحالف فى كل من لبنان وفلسطين.. وإصرار سوريا على أن تكون (كوبرى) إيران للمنطقة.. حتى وهى رئيسة القمة العربية.. ولعل ذلك أحد أهم الأسباب التى دفعت الرئيس مبارك لعدم حضور قمة دمشق فى مارس الماضى.

5- استخدام سوريا للفصائل الفلسطينية المقيمة على أرضها (13فصيلاً) فى تقويض الفرص السياسية المتاحة للتسوية السلمية.. ودعمها لشق الصف الفلسطينى.. ومساندتها للانقلاب على السلطة الشرعية التى يمثلها الرئيس محمود عباس من قبل حركة حماس.. نشرت فى الأسبوع الماضى داخل مقال يوم الخميس فى روزا اليومية أن رئيس المخابرات العسكرية السورية قد عقد اجتماعًا فى وقت سابق مع تلك الفصائل.. وقال لهم إن سوريا لا هى منتجع ولا هى فندق.. وعليكم أن تطيعوا توجهاتها إذا كنتم تريدون البقاء فيها.. وإلا فإن النتيجة هى الطرد.

6- تصاعد الحملات الإعلامية السورية ضد مصر فى مناسبات مختلفة.. حتى أصبحت لها وتيرة ثابتة.. واستخدامها فى محاولة الضغط على القاهرة فى لحظات بعينها.. وصولا حتى إلى تحريض التظاهر المتكرر ضد السفارة المصرية فى دمشق.. وتركيز هذه الحملات - فى المنابر المختلفة - على الادعاء بتراجع دور مصر.. والقول بتخوينها واستسلامها.. والتزام الخطاب السورى منهجًا محددًا يقوم على تقسيم العرب إلى معسكرين.. الأول هو المناضل المقاوم.. كما تجد سوريا نفسها.. والثانى هو الاستسلامى البائع كما تصنف مصر والسعودية.

 

الضلع الدخيل

الضلع الثالث والأطول فى المثلث المشوه هو إيران.. وهو ضلع دخيل على المنطقة.. لكنه رأى فى نفسه أنه قوة إقليمية لابد أن تخضع لها جميع القوى الأخرى.. وعمليا تمتلك إيران مقومات القوة الإقليمية.. وهى:

1- تعداد السكان (نحو 75 مليون نسمة).

2- القدرة العسكرية.. باعتبارها تمتلك واحدا من أكبر الجيوش فى المنطقة الممتدة من باكستان إلى المغرب.. ولديها خبرات عالية.. وإنتاج عسكرى متميز بالتعاون مع دول مختلفة خصوصا مع الهند.. وتقوم بتطوير صواريخها بشكل مستمر.. كما أن لديها قوة بحرية مميزة.

3- اقتصاديا، وبسبب الثروة البترولية، لدى إيران وفرة مميزة.. وإن كانت تعانى من مشكلات مالية بسبب القرارات الأمريكية المتوالية.. لكن لديها تعاوناً معلناً وسرياً فى مجالات مختلفة مع أطراف أوروبية خصوصًا ألمانيا.. بخلاف روسيا والصين.

لكن هذه القوة الإقليمية التى تعتقد أنها هائلة تعانى من نقاط القصور التالية:

1- كونها مسلمة، لاينفى أنها دخيلة على المنطقة العربية.. لكونها فارسية.. ولكونها شيعية.

2- كونها توسعية.. لاتحترم أى جار تقريبًا فى المنطقة - حتى وهى تتحالف مع سوريا فإن العلاقة بينهما علاقة تبعية - وهى تنظر إلى دول الخليج باعتبارها تصلح أن تكون مرتعًا خاصًا.. وترى أنها اقتصادات وفرة بلا شعوب.

3- كونها محكومة بنظام أيديولوجى راغب بصورة دائمة فى تصدير الثورة.. ولم يتحول بعد إلى التخلى عن الوهج الثورى رغم أن الثورة مضى عليها نحو 30 عاما.

4- كونها تعانى من صراعات داخلية بين الأجنحة المختلفة.. التى يوصف بعضها بأنه متشدد ويوصف البعض الآخر بأنه معتدل.. وهو مايجعلها دولة غير واضحة المنطق.. تحكمها التقية، وهى مبدأ شيعى يعنى إظهار غير ماتبطن.. وحتى الآن فيها قيادات كبيرة - ليس فقط أحمدى نجاد وآية الله خامئنى - تنتظر عودة المهدى المنتظر.

5- كونها تسعى إلى امتلاك القنبلة النووية.. وهو مايؤدى إلى اصطدامها بالقانون الدولى.. فضلا عن الولايات المتحدة الأمريكية.. وقوى إقليمية.

6- كونها تفتقد إلى القدرة السياسية.. أحد أهم مقومات القوة الإقليمية.. فالاقتصاد والقدرة العسكرية وتعداد السكان لا تكفى لتحقيق التأثير الإقليمى الذى تسعى إليه لبسط نفوذها على دول المنطقة.

إن عديدا من العناصر الستة السابقة، التى هى نقاط القصور فى مسعى إيران الاستراتيجى فى المنطقة العربية، كانت هى أهم نقاط وأسباب التناقض مع مصر.. وهنا لابد من بعض التفصيل:

1- إن مصر قوة إقليمية ثابتة تمتلك المقومات الكاملة لعناصر قوة من هذا النوع (السكان - الاقتصاد - القدرة العسكرية - التأثير السياسى).. أضف إلى ذلك القبول الدولى والعلاقات المتسعة.. فضلا عن أنها مركز الإقليم الذى تريد إيران السيطرة عليه.. فهى أكبر دولة عربية ومن مجموعة أكبر الدول الإسلامية السنية.

2- إن مصر لاتتنازل عن صد المساعى الإيرانية للتدخل فى شئون عديد من الملفات العربية.. ومنها: (أمن الخليج - العراق - لبنان - فلسطين).. وفوق أنها تمنع وتمثل ثقلا استراتيجيا عائقا للتوسع الإيرانى فإنها تكشف ذلك على مستوى الرأى العام بصفة مستمرة.. وكلما مدت إيران يدها فى ملف وجدت أن تعثرها يكون عائدا إلى مصر.. وبما فى ذلك محاولات توسعها الأفريقى.

3- إن مصر تتبنى خطابا يعرقل حصول إيران على أى سند إقليمى لقوتها النووية.. التى تسعى إليها.. فمصر هى التى قالت أن قنبلة إيران لن تكون قنبلة إسلامية وإنما قنبلة فارسية.. فنزعت عنها غطاءها الدينى.. والأهم أن مصر تبنت مواقف دولية تؤدى إلى تعضيد الوجهة القانونية الرافضة للتسلح النووى الإيرانى.. فى ضوء حديثها المستمر عن ضرورة إخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل.. وأن ينطبق هذا على إسرائيل كما ينطبق على إيران.. وأن المسعى النووى لأى دولة فى المنطقة سوف يؤدى إلى نشوء سباق تسلح نووى يقوض استقرار الإقليم.

4- إن مصر تمكنت من أن تعبر سنوات من عدم الاستقرار فى علاقاتها مع الولايات المتحدة.. بل أبقت على الرغم من التحفظات المعلنة فى العلاقات بين البلدين على جسور مفتوحة واستراتيجية مع الدولة القائدة للنظام الدولى.. وقد كانت إيران تنتظر أن تؤدى أفعال الإدارة الأمريكية الراحلة إلى نوع من الضغوط المثمرة على مصر لكن هذا لم يتحقق. 5- إن التأثير السياسى الطاغى لمصر هو العائق الرئيسى أمام النفوذ الإيرانى فى المنطقة.. وهو نفوذ لو تحقق لأمكن لإيران أن تقايض الولايات المتحدة على سلاحها النووى القادم.. وفرض الهيمنة على الشرق الأوسط برمته.. والتفرغ لبناء علاقات تفاعل يتحدد شكلها فيما بعد مع إسرائيل.. فإما الصراع أو تقسيم النفوذ بين دولتين دخيلتين.

 

السقوط المعنوى

ومن ثم فإن الذى قررته إيران، ومعها تحالفها المشوه، هو الوصول إلى صيغة تقوض الدور المصرى.. وقد جرت بروفة هذه الصيغة خلال حرب لبنان ومابعدها.. ووقتها كان الهجوم الإعلامى والسياسى ممتدا ليشمل الأردن والسعودية ومصر.. ولم يسفر هذا عن نتائج مؤثرة.. بل إن مصر بعده راحت تمارس أدوارًا متمايزة ومميزة فى ملفات لبنان والعراق وفلسطين فضلا عن أمن الخليج.

وبالتالى جرى التجهيز لمعركة سياسية وإعلامية أخيرة.. تؤدى إلى احتمال من ثلاثة..لا رابع لها.. والمحصلة فى كل الأحوال هى (تقزيم مصر):

1- دفع مصر إلى الرضوخ وقبول الانضواء تحت لواء الحلف الإيرانى السورى القطرى.. والقبول بالأجندة الفارسية.. وقبول اللعبة على هذا الأساس.. ومن ثم إخراج مصر من الساحة لفترة قد لاتقل عن ربع قرن إن لم يكن أكثر.

2- دفع مصر إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل.. تعرقل استقرارها الاقتصادى والسياسى.. ليس أقل من ربع قرن.. أو إدخالها فى متاهة كبيرة تتعلق باستراتيجية أمنها القومى (دفع الفلسطينيين إلى سيناء وتحويلهم إلى قنبلة سكانية داخلها).

3- ممارسة أقسى عوامل الضغط التى تفقد مصر تأثيرها السياسى الإقليمى، وبما فى ذلك إسقاط الإدارة المصرية ولو معنويا، وبما يؤدى إلى الإخراج المادى والمعنوى من الساحة.. وعزل مصر تماما عن محيطها العربى.. لفترة أيضا قد لاتقل عن ربع قرن.

وقد كانت (قنبلة غزة) هى الميدان الأمثل فى اتجاه تحقيق هذا الهدف.. فالقضية الفلسطينية تتميز بقدرتها على إلهاب المشاعر العربية والمصرية.. وفضلا عن ذلك فإن الشعوب فى المنطقة تعانى من إحباط رهيب بسبب عدم تحقيق أى إنجاز ملموس فى اتجاه التسوية السلمية.. ولديها شعور بالحنق على القوى الدولية التى تمارس تواطؤا رهيبا ضد الفلسطينيين.. كما أنها القضية المحورية للسياسة المصرية.. وهى أساسية فى استراتيجيات الأمن القومى المصرى.

وفضلا عن كونها(غزة تحديدًا) تحمل عوامل انفجار متنوعة، بعضها صنعته إيران بنفسها على مدى السنوات الماضية، فإن القضية.. والحصار المفروض على غزة.. جرى أكثر من اختبار سابق أثبت قابليتها لتحقيق الاشتعال.. والأهم أنها تصلح كمادة لتحريك أدوات إيرانية مباشرة فى الملف أثناء تصاعده.. وعلى رأسها إلى جانب حركة حماس.. حزب الله اللبنانى.. فضلا عن جماعة الإخوان المسلمين المحظورة فى مصر.. إذ تحدد لهذه الجماعة دورًا واضحًا تقوم به داخل مصر.. أثناء الأزمة لكى يؤدى هذا إلى ضغط متضاعف على الإدارة المصرية.

إن المجزرة كانت فى غزة، والتى تقوم بها ضد الفلسطينيين هى إسرائيل، ولكن الحرب الحقيقية كانت على مصر.. إعلاميًا وسياسيًا.. وكان الهدف الحقيقى ليس هو إنهاء المجزرة ووقف العدوان.. وإنما تحقيق (السقوط المعنوى لمصر) من خلال اتهامها بالتقصير - والتواطؤ - وعدم القدرة على تحقيق الحلول فى ملف القضية الفلسطينية.. ومن ثم إفقادها أهم عوامل تأثيرها الإقليمى.. وعزلها.. وإبعادها.. مع التركيز على الرأى العام العربى.. والرأى العام المصرى.. فتقوم إيران بملء الفراغ الشاغر.. وتوزع الأدوار على مناصريها. وإلى جانب تحقيق هذا الهدف الاستراتيجى الإيرانى كان لدى إيران مجموعة من الأهداف الجانبية الأخرى.. وهى:

1- أن تقول للولايات المتحدة إن لها نفوذا كبيرا فى المنطقة ليس فقط من خلال حزب الله فى لبنان وإنما من أسخن بؤر الصراع فى الشرق الأوسط، وعلى الولايات المتحدة أن تأخذ هذا بعين الاعتبار حين تعتمد سياسة الإدارة الجديدة تجاه إيران.. وهى مسألة تنطبق كذلك على سوريا.

2- أن تقول لإسرائيل إنها إذا كانت تفكر فى ضرب إيران لوقف مشروعها النووى.. فإن ردها سيكون من خلال أدواتها المتنوعة فى المنطقة.. مثل حماس وحزب الله.

3- دفع الدول التى تناصر الأجندة المصرية إلى الانضواء بالتوالى فى السياق الإيرانى.

 

مشوار الحوار

قبيل ما يزيد على ستة أشهر، استشرفت مصر عبر مؤسساتها المختلفة، وفى ظل الانقلاب الحاكم فى غزة وقيام حماس بإطلاق الصواريخ (العبثية) على إسرائيل، استشرفت مصر خطة إسرائيلية مروعة هدفها التخلص من (صداع الصواريخ) إلى الأبد.. عن طريق عملية عسكرية واسعة النطاق تنتهى إلى فرض منطقة أمنية عازلة فى شمال غزة- جنوب إسرائيل.. وبما يؤدى إلى منع وصول أى صاروخ إلى داخل إسرائيل.. لأن مدى الصواريخ يصل إلى نحو 16 كيلو. إيران من جانبها كانت تدعم صناعة الصواريخ لدى حماس بأساليب مختلفة.. أولا من خلال تهريب الرءوس المفجرة وأجهزة التوجيه.. وبعضها صينى.. وبعضها كورى.. وما شابه.. إلى داخل غزة.. حيث تقوم حماس بتصنيعها بعد توفير البارود والمواسير وذيول الصواريخ.. وثانيا من خلال الدعم المالى البالغ شهريا 40 مليون دولار (25 مليون دولار لحركة حماس - 15 مليون دولار لحركة الجهاد).

وبخلاف الخسائر الرهيبة التى كان يمكن أن تتحقق لو حدث الهجوم الإسرائيلى وقتها.. فإن النتيجة المتوقعة بعد إخلاء شمال غزة هى أن يتكرر سيناريو نزوح الفلسطينيين إلى شمال سيناء عبر منفذ رفح.. ومن ثم التوطن داخلها.. مما يجسد تهديدا للأمن القومى المصرى.. فضلا عن تخريب الملف الفلسطينى.. بإحداث تفريغ سكانى من القطاع.. وتحقيق الفصل الذى تريده إسرائيل بين القطاع وغزة.. ومن تذويب القضية بإلقاء تبعاتها على دولتين عربيتين.. الأردن بالنسبة للضفة.. والقطاع بالنسبة إلى مصر.

وأفرغت مصر هذا المخطط من محتواه من خلال (تهدئة) تم الاتفاق عليها بين كل من حماس وإسرائيل عبر مصر.. ولم تكتف القاهرة بذلك.. وإنما رأت أنه لكى تنتهى تماما خطة فصل القطاع عن الضفة فإنه لابد أن يتحقق حوار فلسطينى - فلسطينى يؤدى إلى حل المشكلة بين كل الفصائل الفلسطينية.. وفى الوقت نفسه دعم التفاوض الذى كان دائرا بين أبومازن وأولمرت حول قضايا الحل النهائى.. مما يؤدى إلى حدوث تقدم فى الطريق نحو التسوية السلمية.. وهو ما يبعث الأمل فى نفوس الفلسطينيين.. ويحقق استقرارا يصل بنا إلى حل الدولتين.. ولو أن مصر كانت تدرك بالتأكيد أن هذا لن يتحقق قبل 2009 كما كان يتوهم الرئيس الأمريكى المغادر جورج بوش.

وبدأت مصر جهد الحوار.. وكان يسير بوتيرة محددة..ليس بهدف تحقيق مصالحة فقط.. ولكن أيضا لتحقيق نوع دائم من الوئام المتفق عليه بين الفصائل كلها.. وهكذا كان المنهج كما يلى:

1- عدم التعجل.. وعدم الإسراع.. والتعامل معه - أى الحوار - باعتباره مشوارا طويلا.. وهو ما يعطى فرصة ممكنة لامتداد الهدنة إذا مانجح الحوار فى أن يحرز نتائج ملموسة.

2- إنه ليس حوارا بين كل من حركتى فتح وحماس.. وإنما بين كل الفصائل الفلسطينية.

3- إنه حوار حول المشروع الوطنى وليس من أجل المصالحة.. بمعنى أنه لابد من الاتفاق على مبادئ محددة وجامعة بين كل الفلسطينيين فى التعامل مع الملف برمته.. ومن ثم طلب من كل فصيل أن يجيب عن مجموعة من الأسئلة كتابة.. أعتقد أنه كان من بينها: كيف ترى الطريق إلى حل القضية الفلسطينية - كيف ترى مستقبل منظمة التحرير الفلسطينية.. وهكذا مجموعة من القضايا والمسائل المحورية.

4- الوصول بعد المناقشات المستفيضة إلى مؤتمر جامع يتم فيه الاتفاق على ورقة يقبلها الجميع.. وتحقق التوافق.

5- يتم إجراء انتخابات تكون هى الفيصل فيمن يحكم ومن يدير.

 

تفجير الهدنة

عبث من أنواع مختلفة قوض هذا المشروع.. وكان الفعل فى كل مرة يعود إلى تحالف المثلث المكسور.. مرة تسعى قطر إلى إغواء بعض الفصائل بالمال.. بهدف أن تستضيف حوارا لديها فى الدوحة.. على طريقة مؤتمر المصالحة اللبنانى.. وهى مصالحة كانت ستتم على كل حال، ومرة بالادعاء أن مصر منحازة إلى فصيل على حساب فصيل.. ومرة بتفجير مسألة معبر رفح.. والقول بأن مصر تساهم فى الحصار على غزة.. ومرة بتحريض سوريا لكل من حركتى الجهاد وحماس بعرقلة العمليات التمهيدية لمؤتمر المصالحة.. وأخيرا بإعلان حماس أنها لن تحضر المؤتمر.. بتحريض مؤكد ويقينى من سوريا وإيران.. تماما كما جرى بعد ذلك بأسابيع حين أعلنت حماس من دمشق أنها لن تجدد الهدنة.

ولاح فى الأفق أن إسرائيل سوف تطرح خطتها العدوانية السابقة مع تطوير أوسع وأكبر وأشد عنفا.. ومضت مصر فى الضغط على إسرائيل من أجل تمديد الهدنة.. ولكن إسرائيل كانت تتجه إلى العكس.. إيهود باراك كان يقف مع الهدنة.. وأولمرت مساندا بتقارير وتقديرات أجهزة الأمن كانت ضدها.. وكانت مبررات الرفض هى:

1- إن الهدنة تعطى مزيدا من الشرعية لحركة حماس.

2- إن الهدنة سوف تؤدى إلى تثبيت أقدامها السياسية والاجتماعية فى القطاع.

3- إنها سوف تتمكن من زيادة قدرتها العسكرية بشكل قد يصعب معه التعامل معها. وأدركت مصر ما يجرى.. ومن ثم استهدف الرئيس مبارك الطرف المؤيد للهدنة.. والتقى إيهود باراك فى شرم الشيخ.. وقال له إنه لابد من إقناع قيادات إسرائيل بتجديد التهدئة.. ولو حقق ذلك ميزة لحماس.. لأن المهم هو ألا يضار الشعب الفلسطينى. ووافقت إسرائيل من حيث المبدأ.. وفيما يبدو فإنها كانت تدرك أن حماس هى التى سوف تفجر الموقف.. وهو ما كان.

ولم تحبط مصر.. وحاولت قدر إمكانها حتى اللحظة الأخيرة أن تقوض فرص انفجار الأوضاع.. خاصة أن كل معلوماتها تشير إلى أن إسرائيل تتجه إلى هجوم عسكرى كبير.. وواصلت الاتصال بحماس لإقناعها بالعدول عن هذا الموقف.. وفى الوقت نفسه طلبت أن تأتى وزيرة الخارجية الإسرائيلية إلى القاهرة لإقناعها بالعدول عن العدوان.. وكان أن أصرت حماس على تنفيذ توجيه إيران وسوريا.. وانفجرت الأوضاع يوم السبت الماضى.

 

الحفل المصيدة

من الواضح أن جميع أطراف المثلث المكسور، وتوابعه من العصابات الصغيرة والميليشيات، كانت تدرى فى أى اتجاه تسير، ومن ثم فإنها جميعا راحت تعزف فى إطار أوركسترا سوداء واحدة منذ اللحظة الأولى لنشوب الغارات .. وركزت فورا هجومها على مصر .. بدلا من أن توجه حملتها إلى العدوان ومن قام به .. الطرف الذى كان غائبا عن الصورة إلى حد ما كان هو (حماس - الداخل) .. أو على الأقل كان لديها تقدير مختلف.

حماس- الداخل كانت تميل إلى البحث عن مخرج لتمديد الهدنة بشىء يحفظ ماء الوجه فى ظل استمرار الحصار .. أولا لأنهم القربان المفترض لأى معركة متوقعة .. وثانيا لأنهم يدركون حجم القوة الحقيقية التى لديهم فى مواجهة إسرائيل .. وثالثا بسبب تقديرات خاطئة بأن إسرائيل لن تقدم على التورط فى غزة .. ورابعا لأنها تعتقد أن استمرار الهدنة هو فى نهاية الأمر يعنى أمام الرأى العام أنها صامدة .. ومن ثم تحقق مكاسب سياسية بدون أن تدفع ثمنا سياسيا أو عسكريا .. والأهم لأن عناصر الداخل كانت قد بدأت تكوين ثروات طائلة من خلال عمليات التهريب فى الأنفاق .. وهى تريد استمرار ذلك إلى أطول فترة ممكنة.لكن حماس- الخارج، كانت ترضخ لتعليمات سوريا وأجندة إقليمية أوسع، وفيما يبدو فإنه كان هناك نقص فى المعلومات لدى الداخل .. مما أدى إلى استرخاء غريب دفع الحركة فى غزة إلى أن تنظم حفل تخرج عسكريا فى إحدى المناطق الأمنية فى غزة كان هو أحد أهم الأهداف التى توجهت لها طائرات إسرائيل .. حيث كان عدد كبير من الكوادر متواجدا.. وسقط فى ضربة واحدة ما يقرب من 48 حمساويا .. هم الذين أظهرتهم الصور الأولى لبث المعارك فى زى عسكرى موحد .. واستخدمت إسرائيل هذه الصور لكى تقول للعالم أنها تواجه حركة عسكرية وليس مدنيين.

والطريف أن حماس - الداخل استسلمت لخدعة إسرائيلية تافهة مؤداها أنه لن يكون هناك هجوم يوم السبت .. باعتباره يوم إجازة يهودية .. وقد قامت إسرائيل بشن غاراتها فى حدود الساعة العاشرة من يوم الإجازة.

الأسطورة التى روجتها آلة الدعاية فى المثلث المكسور هى أن حماس سوف تحقق صمودا، يمكنها من صناعة أسطورة مماثلة لحزب الله فى لبنان، لكن الصمود انهار فى لحظة .. وحدث ارتباك شديد .. واختفى مقاتلو حماس من الشوارع .. ولم يعودوا يركبون السيارات المدنية وهم يحملون البنادق .. ولايجرؤون على الاتجاه إلى أماكن الغارات لإنقاذ المصابين .. ووصل الأمر حد أن حماس أطلقت النار على الفارين من سجناء حركة فتح فى سجن السرايا بعد قصفه .. وقالت تقارير فلسطينية إن هناك من أطلق النار من الحركة على فلسطينى فى مخيم جباليا.

الخسارة الرهيبة فى البداية كادت تسبب شقاقا كبيرا بين حماس فى الداخل والخارج .. ولذا سرعان ماتم تلافى ذلك على حساب مصر .. بالادعاء أن مسئولين فى القاهرة قد أبلغوا حركة حماس بأنه لاتوجد غارات قريبة .. وأن ليفنى قد أكدت ذلك .. ووظف هذا فى إطار حملة اتهام مصر بالتواطؤ والتقصير .. ولم تكن هذه المعلومة صحيحة على الإطلاق .. وقد ثبت هذا حين خرجت أصوات مصرية متنوعة تطالب حماس بأن تعلن فورا أسماء المسئولين الذين خدعوها بالقول أنه لاتوجد غارات قريبة .. بل العكس هو الصحيح تماما.

 

خطاياهم وأداء مصر

التحركات التى قام بها تحالف المثلث المكسور، لم يكن فيها أى اقتراب واضح من إسرائيل، وبدأ التصعيد من اللحظة الأولى فى اتجاه القاهرة،.ونما ذلك على مدار الساعة باستخدام قدر هائل من التصريحات المعدة مسبقا لعدد كبير من قيادات حماس فى الخارج وحزب الله وحركة الإخوان المسلمين فى مصر وبعض أفرعها فى الدول العربية ولاسيما فى الأردن .. مع تصريحات لمسئولين فى سوريا وإيران.

الهدف الاساسى من هذه الحرب الأساسية على مصر كان هو الرأى العام المصرى، ثم الرأى العام العربى، ولكن التكثيف الشديد والزخم الهائل الذى تم ترويج الرسالة الإعلامية والسياسية فى اتجاهه هى التى أدت الى انتباه الرأى العام المصرى قبل غيره إلى الكارثة المحدقة والخطة المنكشفة وعدم انجرافه إلى ما تتعرض له مصر فانهارت خطة الإسقاط المعنوى للدولة الأكبر التى تريد أن تزيحها إيران.

ويمكن القول إن هناك مجموعة من الخطايا ارتكبها المعسكر الآخر، ومجموعة من التحركات الإيجابية فى إدارة الأزمة من قبل مصر، أدت إلى انكشاف المخطط أمام الرأى العام المصرى .. وهى:

1- وضوح الاتفاق بين الأطراف المتآمرة من اللحظة الأولى .

2- هرولة قطر إلى الدعوة لقمة عربية لديها .. وهى خطوة لايتوقعها الرأى العام من هذه الدولة فى ضوء خصائصها المحدودة .. ما أكد السعى إلى المزايدة .. وثبوت ضلوعها فى التحالف.

3- انكفاء المتآمرين على هجوم متوالٍ على مصر .. بشكل مريع .. واتهامها بصورة أكبر من إسرائيل ما دعا الرأى العام المصرى الناضج إلى طرح تساؤلات جوهرية حول هذا التناقض.

4- خروج الرسالة الأكثر سوداوية على لسان حزب الله، من خلال زعيم العصابة الشيعية حسن نصر الله، الذى اختفى ولم يظهر لأتباعه إلا عبر شاشة، ولجوئه إلى التحريض العلنى لجيش مصر، ما اعتبره الرأى العام المصرى تدخلا سافرا فى شئون بلده وتأليبا لأوضاعها .. وتعرضا لسيادتها .. وقد قال الناس: من هذا الذى يعطى لنفسه الحق فى أن يخاطب جيش مصر غير قادته؟!

5- تصاعد لهجة الهجوم على الرئيس وبلوغها أعلى الأسقف، وتسجيل وإذاعة ذلك على الشاشات، وعلى لسان عابرين فى الشوارع العربية .. وقد قصد منه الإهانة والضغط والتشويه .. لكن هذه المسألة استنفرت الرأى العام المصرى الذى لايقبل أن يتعرض كبير بلده لمثل هذا التطاول السافر.

6- تنامى وتعدد الهجومات المتوالية على السفارات المصرية فى أوقات مختلفة ومتتابعة .. ما أقنع الرأى العام المصرى بأننا مستهدفون .. ففى الوقت الذى كانت فيه سفارات إسرائيل ترفل فى نعيم الهدوء كانت سفارتنا ودبلوماسيونا يتعرضون لمختلف أنواع الإهانات .. والعنف .. ووصل جرح الكرامة المصرية سقفه الأعلى حين رفع متظاهرون العلم الفلسطينى على قنصلية مصر فى عدن.

7- وضوح لغة وزير الخارجية المصرى أحمد أبوالغيط وكشفه المستمر للمخطط، وتعرضه من ثم إلى هجوم مريع من كافة وسائل وأدوات المثلث المكسور وتوابعه، وهو ما أثار انتباه الرأى العام .. لاشك فى ذلك . 8- سقوط الشهيد المصرى ياسر عيسوى برصاص حماس على الحدود .. بينما كان يؤدى واجبه فى حماية حدود بلده .. وعلى قدر التعاطف الذى أبداه المصريون مع 400 شهيد فلسطينى بقدر ما أوغرت صدورهم تماما حين سقط الرائد ياسر.

9- إلقاء الرئيس مبارك لكلمته الصريحة والواضحة والمحددة فى توقيت جوهرى .. وبعد أن انكشفت أبعاد المؤامرة بالكامل أمام الرأى العام المصرى .. وإعلانه عن وجود فخ إسرائيلى .. وتلميحاته المفهومة حول الرغبة فى بسط النفوذ على المنطقة من قبل آخرين .. وتأكيده ثبات الموقف المصرى .. وترفعه عن الانجراف وراء المهاترات .. هذه الكلمة كان لها مفعول السحر فى الرأى العام المصرى .. وأقل تعبير سمعته من المواطنين العاديين هو : دا راجل فاهم .. وخايف على البلد .. دول عاوزين يورطونا .

10- وضوح الجهد المصرى الإنسانى المبذول فى اتجاه القطاع .. خصوصا مع فتح المعبر فى رفح لأهداف إنسانية .. وسقوط حماس فى كارثة منع نقل الجرحى إلى مصر أولا .. وإعلان الوزير أبوالغيط لذلك .. وخروج مصادر من حماس لتؤكد أنه يقول كلاما صحيحا حول منع نقل الجرحى .

11- التحرك المصرى المتنوع على المستوى السياسى .. فى اتجاهات متعددة .. وخصوصا .. لوقف إطلاق النار وإنهاء العدوان .. وكشف موقف حماس الذى رفض الهدنة .. والاتصالات المتنوعة على المستوى العربى .. ووقوف مصر أمام فكرة عقد القمة حتى لاتصاب مصداقيتها بخسائر إضافية.

 

بيان تاريخى

إن هناك كثيرا من التفاصيل يمكن أن نكشفها هنا .. ولكن المساحة لاتتسع .. غير أننى فى نهاية الأسبوع الأول من تلك الحرب على مصر، التى فجرتها غارات إسرائيل على غزة، أريد أن أقول إن تلك الحرب قد منيت بخسارة مهولة .. وعلى العكس من الهدف الأساسى للحرب وهو استبعاد مصر من الساحة .. فإن مصر لم تتمكن فقط من إفشال هذه الخطة، بل إنها نجحت فى أن تحصل على تعضيد عربى وتثمين وشكر لدورها .. ومديح يناقض تماما كل ماكانت تسعى إليه إيران وأتباعها فى تلك الجولة.

إن مصر، باعتبارها دولة قوية، وجبارة بالمعنى الإيجابى، هذه التى كانوا يريدون إقصاءها، وعبر آلتها السياسية والدبلوماسية، توجت جهودها تحت الضغط الرهيب، ببيان تاريخى صادر عن واحد من أكبر اجتماعات وزراء الخارجية العرب حضورا .

لقد خرج بيان وزراء الخارجية وفى صدارته أربع فقرات كاملة تثمن دور مصر وتحييها وتشيد بجهدها فى القضية الفلسطينية وتؤكد على دورها المحورى .. وترفض أية تشويهات لها .. وهو إنجاز دبلوماسى كبير .. وتعبير أكيد عن القوة المصرية والتأثير المصرى .. وترسيخ له .. وعلى العكس من ذلك لم يناقش أحد مسألة سحب المبادرة العربية للسلام الصادرة عن قمة بيروت والمجددة فى قمة الرباط .. ولم يناقش أحد من الأصل مسألة عقد القمة الطارئة