أيام السيد حسن نصرالله... على باب الخمسين

الثلائاء 11 مارس - زيد بنيامين -ايلاف

زيد بنيامين من دبي: اهتزّ الباب من قوّة الضرب عليه، واختلط الخوف بالكباء والهلع. فالزيارات الليلية أصبحت أمر عاديّ خلال فترة كانت تشهد تغييرًا في المناخ السياسي العراقي. وكان صدام حسين قد سيطر على السلطة في بغداد، فيما تحوّل أحمد حسن البكر إلى مجرّد اسم أو صورة معلّقة على الجدران. خلال تلك المرحلة، كان رجال الأمن يسعون لإلقاء القبض على (عباس الموسوي) وهو عرَّاب (حسن نصر الله) الذي كان متواجدًا حينها في مدينة النجف العراقية، وكان لقاءهما الأوّل بالصدفة في النجف وليس في لبنان.

في تلك الليلة، كان الموسوي قد غادر إلى لبنان وتمّ إبلاغ عائلته بأنه لن يسمح له بالعودة إلى بغداد مرة أخرى، فيما كانت أصداء الضربات على الباب قد وصلت إلى حسن نصر الله، كما كانت الأخبار تأتيه من كل حدب وصوب عن اعتقالات في صفوف زملائه الذين كانوا يدرسون في الحوزة العلمية في النجف... فقرر الرجل مغادرة النجف والانتقال الى بعلبك ليلتحق بحوزتها الدينية معلمًا وطالبًا.

سعى الرجل في النجف ومن ثم في قم إلى تحقيق حلمه بأن يكون زعيمًا سياسيًا ودينيًا في لبنان... ويقول نصر الله "منذ ان كنت في التاسعة من عمري، كنت أحلم وأخطط لليوم الذي أبدأ فيه عملاً ما اعمله الآن".

نصرالله في الضاحية الجنوبية عام 1992

كان حسن الطفل التاسع لعائلته المكونة من عشرة أطفال (وتشير بعض المصادر إلى أنه الأكبر بين اخوته التسعة) قد ولد في عائلة مزارعة فقيرة في بلدة البازورية القريبة من صور في الثلاثين من آب (اغسطس) من عام 1960. وعمل والده بائعًا للخضار في القرية، وأشرك إبنه حسن في ذلك قبل أن تجبر العائلة على الرحيل عن تلك القرية الواقعة في جنوب البلاد بسبب الفقر وانعدام فرص العمل والحرمان من الخدمات الحكومية، فكان قرار رب العائلة (عبد الكريم) بالانتقال من القرية الى العاصمة بيروت التي لفّها حزام من البؤس والحرمان واللا استقرار. واستقرّت العائملة في منطقة الكارنتينا حيث عاش نصر الله الجزء الأكبر من طفولته الصّعبة.

ولم يكن يعرف عن العائلة ولعها بالدين. بل أكثر من ذلك، كانت بلدة البازورية تعرف بميولها الماركسية والشيوعية وهو ما شكل عامل مفاجئة في ما بعد حين انتمى أحد ابنائها إلى حركة أمل الشيعيَّة. لكن نصر الله كان مولعًا بالدراسات الدينية، على الرغم من أنه عاش حياة عاديّة في مدرسته (النجاح) ثم مدرسة (سن الفيل) في بيروت، وعلى الرغم من انه لم يكمل في أيّ من المدرستين فيما بعد.

ويقول نصر الله "حين كنت في العاشرة أو الحادية عشرة من عمري، كنت استعين بوشاح جدتي. كان الوشاح اسودًا ولكنه طويل وكنت ألبسه على رأسي وأقول لمن معي إنني الشيخ، وعليكم الصلاة خلفي". ويعكس هذا الأمر رغبة واضحة لدى نصر الله في القيادة إمّا عن طريق الدين أو من خلال خليط يجمع بين (تشي غيفارا) و(الإمام الخميني).

وترعرع نصر الله قرب الضواحي المسيحيّة لبيروت، في بلد عرف بتعدد طوائفه. إلا أنَّ الحرب الأهلية التي اندلعت أجبرت نصر الله على الانتقال من لبنان إلى النجف، لإكمال دراسته. وفي النجف، التقى بعبَّاس الموسوي الذي سيؤسس في مرحلة لاحقة حركة حزب الله.

وكانت طفولته حاضرة دومًا أمام عينيه، وغالبًا ما يتذكر بيته الذي كان خاليًا من الماء الصالح للشرب او الكهرباء بل حتى انه كان مصنوعًا من القماش وهيكله خشبي او حديدي حاله حال الكثير من اللاجئين الذين انتقلوا الى ضواحي بيروت. ويقول أيوب حميّد أحد الذين عايشوا نصر الله، وهو سياسيّ لبناني اليوم، "ما زلت اتذكر صوت المطر وهو يرتطم بقطع الحديد، كان الصوت عاليًا".

ويعتقد بأن تأثير الأم كان الأقوى على شخصيّة نصر الله. ويقول نبيل ملهم، وهو سوريّ الجنسية وأعدّ فيلمًا وثائقيّاً عن نصر الله لمجلّة نيوزويك الأميركيّة إن والدة نصر الله كانت تتمتّع بشخصية قوية بينما كان الوالد ذا سمعة طيبة بين الناس. ويضيف "كانت كلماتها قوية تأتي من ذلك الوجه البشوش، كانت هناك صلابة في ما يقول ممزوجة بالقناعة".

وكان ارسال نصر الله الى المدرسة نتاج عمل الأم والأب معًا، حيث عملا من اجل جمع المال اللازم لهذا الغرض ويتذكر خالد مصطفى احد زملاء نصر الله في المدرسة، الامين العام لحزب الله حينما كان بعمر الثانية عشرة بالقول "لم يكن ليتكلم دون ان يكون واثقًا مما يتفوه به، على الرغم من سنه الصغير إلا ان الجلوس الى جانبه يجعلك تظن ان عمره 35 عامًا".

نصر الله في هذه المرحلة العمرية كان يتحاشى لعب كرة القدم او اي رياضة اخرى واغلب الاطفال كان يمكنهم ان يحكموا عليه، انه فقير، بينما كانت العصابات السنية غالبًا ما تعتدي على الاطفال الشيعة وتسرق ما بجعبتهم "كل الشيعة كانوا خائفين" بحسب خالد مصطفى.

نصر الله خلال مؤتمر صحافيّ في العام 1993

وجاء انتقال نصر الله الى الكارنتينا بعد اندلاع الحرب الاهلية اللبنانية عام 1975 والتي اشعلت على يد الفلسطينيين في حينها، وكان نصر الله لايزال في الخامسة عشرة من عمره قد التحق بمدرسته الثانوية (مدرسة صور الثانوية) ويعتقد انه في هذه المرحلة من حياته التحق بحركة أمل.

تحولت الكارنتينا بحلول العام 1975 الى أولى ساحات الحرب الاهلية. وغادر نصر الله وعائلته منزلهم المتهالك، وقرروا الرحيل نحو الجنوب حيث عادت عائلته الى القرية التي جاءت منها، بينما ترك نصر الله لبنان ليغادر الى العراق بعد اندلاع تلك الحرب بفترة قصيرة.

قادته خطاه بالصدفة ليصل الى مدينة قم الايرانية حيث تعتبر المدينة مركزًا ايرانيا لدراسة الاسلام، ويقول احد الذين درسوه والذي رفض الكشف عن اسمه "لديه شخصية قوية جدًا، حينما تستمع إليه فهو يطربك، ولكنك حينما تسأله في امور الدين او بعض الامور الدينية سوف تتفاجئ من قلة المعلومات التي لديه، "فنصر الله لم يصل الى المستويات الاولى ليكون امامًا شيعيًا.

وأراد نصر الله الظهور في المشهد السياسي بأي ثمن، ولم يكن لديه الوقت للدراسة. كل ما اراده في حينها هو القدرة على ممارسة الحرب بالكلمات فهو "طالب جيد في ما يخص اي شيء حول اسرائيل وسياستها وجيشها" بحسب وصف تيمور غوكسيل وهو مستشار سابق في القوات الاممية الموجودة في لبنان والذي التقى حسن نصر الله مرّات عدّة. أما في ما يخص أي استشارة دينية، فإن نصر الله يعتمد بكثرة على توجيهات القيادة الايرانية سواء (اية الله روح الله) الخميني الذي يعتبره مثله الأعلى أو علي خامنئي الذي تلاه عام 1989بعد أن توفيّ الأخير.

زيد بنيامين من دبي: بحلول العام 1978، ومع دخول الحرب الأهليّة اللبنانيّة عامها الرّابع، غادر المئات من شيوخ الدين الشيعة ومن بينهم عبّاس الموسوي وحسن نصر الله العراق خوفًا من بطش النائب صدام حسين الذي وقّع حينها هدنة مع الشاه ليتخلص من الأكراد. ونصّت الاتّفاقيّة في أحد بنودها على تشديد الحصار على النجف وحوزاتها الدينيّة والإمام الخميني وأتباعه. وأصيب العائدون إلى لبنان في تلك المرحلة بخيبة أمل كبيرة، بعد اختفاء الإمام موسى الصدر بشكل غامض أثناء زيارته إلى ليبيا. وتولى آنذاك المحامي نبيه برّي المقرّب من سوريا قيادة حركة أفواج المقاومة اللبنانية "أمل". وجاءت أولى قرارات برّي الدعم التّام لسوريا، الأمر الذي أجبره على تحييد عدد كبير من رجال الدين الشيعة، وخصوصًا حين دعم ترشيح الياس سركيس لرئاسة الجمهوريّة في لبنان. وبدأ بحركة إصلاحات داخل حركة أمل مستفيدًا من اختفاء الصّدر.

ووجد الموسوي الذي افتتح حوزة في بعلبك ما كان يبحث عنه في شخصيّة نصر الله الطالب في الحوزة والشاب الطموح، فكلّفه بمهمّة البحث عن مقاتلين شيعة من عمره، بهدف تأسيس حركة شيعيّة خالصة تدعم الكفاح المسلّح.

رفسنجاني

ومع الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982، سعت إيران إلى كسب تعاطف المسلمين وخصوصًا الشيعة أثناء حربها مع العراق، فوجدت في هذه المجموعة الشابة فرصة لا تفوّت، ولم تبخل في دعمها وتدريبها لعناصرها في لبنان، وأرسلت عددًا من عناصر الحرس الثوري الإيراني لتدريب المقاتلين في وادي البقاع مقابل مشاركة عدد من عناصر المجموعة في القتال إلى جانب الإيرانيين على الجبهة العراقيّة. أما سوريا، فوجدت في المجموعة الشابة مخرجًا لحفظ ماء الوجه في صراعها مع إسرائيل، حيث أنّها لم تكن تريد صراعًا مباشرًا يكلفها غاليًا.

وسعت إيران آنذاك إلى إنشاء جمهوريَّة إسلاميَّة في لبنان، تكسب أتباعها من الحرب المعلنة على إٍسرائيل. وكان قرار نصرالله وقتها الانسحاب التام من حركة أمل كما فعل أستاذه الموسوي الذي سحب معه من الحركة مجموعة من الشباب الذين أدخلهم إلى جناحها العسكريّ.

كان على تلك الحركة التي نشأت والتي لم تأخذ لا شكلاً ولا اسمًا نهائيًا بعد أن تتبع لإيران وكان هدفها المباشر هو شن هجمات انتحارية ضد القوات الإسرائيلية والغربية في الفترة الممتدّة بين العام 1982 و1984. ونفّذت الهجمات الإنتحاريّة تحت أسماء مختلفة مثل (منظمة العدالة الثورية) و (منظمة المقهورين على الارض). ومع حلول العام 1985، أعلن حزب الله عن اسمه الرسمي في رسالة مفتوحة نشرتها إحدى الصحف اللبنانية، وأطلق كذلك الحرب المقدسة ضد إسرائيل وأي بلد غربيّ يدعمها.

ولم تكن الأمور سهلة بالنسبة إلى حزب الله في البداية، إذ كان عليه محاربة حركته الأم التي خرج عنها (حركة أمل). وانفجرت حرب بين الحركتين في العام 1988 فيما كان نصرالله يتصدّر جبهة القتال الأمامية ضدّ (إخوانه) الشيعة. وفي هذا السياق يوضح تيمور غوكسيل المستشار السابق في القوات الأممية الموجودة في لبنان، إن نصر الله "كان مع مقاتليه على الارض طوال الوقت"، ويضيف "كان المقاتلون يحبونه لأنه كان في الصفوف الأمامية، ومن هنا ربح إخلاصهم حتى يومنا هذا".

وسرعان ما انقلب هذه النزاع مع حركة أمل إلى مواجهة شخصيّة، مع إصابة الأخ الأكبر لنصر الله (جهاد الحسيني) الذي كان مقاتلاً في صفوف حركة أمل. ويقول غوكسيل "يمكنك ان تتصوّر معاناة الوالدين حين يقاتل أحد أبنائهما في جهة ضد أخيه في الجهة المقابلة".

وتحوّلت المعركة بين شيعة أمل وحزب الله إلى حرب قاسية وشاملة بين فريقين من الشيعة، واتّخذت الشوارع الضيقة بين المنازل ساحة للقتال. وفي هذا الصدد، يقول أحد الصحافيين الذين عرفوا نصرالله جيدًا "حتى اليوم، ما زالت علاقة نصر الله بأخيه باردة جدًا... انها علاقة غير جيدة".

أمين عام حزب الله حسن نصرالله

وفي العام 1987، تمكّنت قوى حزب الله من السيطرة على معظم مواقع حركة أمل في مناطق الجنوب الغربيّ من العاصمة اللبنانية بيروت. وكان التدخل السوري كفيلاً بوضع حدّ للنزاع. وانتقل نصر الله إلى مدينة قم التي تعدّ معقل الدراسات الدينيّة في إيران من أجل إكمال دراسته.

كانت خطوة السفر هذه بمثابة الاحتجاج على التدخل السوري وايقاف حمام الدم الجاري بين الاخوة الشيعة على طريقة نصر الله ووصول القوات السورية الى داخل العاصمة اللبنانية بيروت نفسها... كان في تلك المرحلة من عمره قد توصل الى رؤية مفادها ان الاهمية الدينية تساوي الاهمية السياسية التي لطالما بحث عنها في الماضي، خصوصًا أنه كان يرنو نحو تولي منصب قيادي في هذا الحزب.

في العام 1989 وبينما كانت الحرب الاهلية اللبنانية تعيش ايامها الاخيرة، تجدد القتال بين حركة أمل وحزب الله، الأمر الذي دفع بنصر الله الى التوقف عن الدراسة للمرّة الثانية- وكانت المرّة الأولى في نهاية السبعينات حين أوقف دراسته وهو في العراق - والعودة إلى المشهد اللبنانيّ ليقود بنجاح عناصر حزب الله ضد حركة أمل في إقليم التّفاح في جنوب لبنان. وأصيب خلال تلك المواجهة بجرح خفيف. وفي أواخر الثمانينات، أصبح نصر الله قائدًا للمنطقة الوسطى وعضوًا مهمًا في مكتبها السياسي.

الحدث الابرز الذي كشف عن موقف حزب الله وخصوصًا جناح نصر الله من السعودية، كان اثناء المواجهات التي جمعت بين الشيعة والسلطات السعودية اثناء موسم الحج في يوليو 1987 ووقتها صرح نصر الله بالقول "اولوياتنا دائمًا كانت مواجهة الولايات المتحدة الاميركية، ولكننا الآن نعلن أن عائلة آل سعود ونظامها هما الأولوية بالنسبة إلينا في حربنا لإستعادة دماء شهدائنا".

كانت نهاية ذلك العقد، قد شهدت التوقيع على اتفاقية الطائف في السعودية لإنهاء الحرب الأهلية اللبنانية وهي الاتفاقية التي ألحقت الاذى بحزب الله نفسه حيث انقسم الى قسمين، الاول يقوده مؤسس الحزب الموسوي نفسه حيث كان يقبل بهذه الاتفاقية التي كانت تطلق الجمهورية اللبنانية الثانية، وهو ما كان يعني ان يتخلى حزب الله عن حلمه بتأسيس جمهورية اسلامية في لبنان على غرار الجمهورية الاسلامية في ايران، وكان هذا القسم من الحزب قد دعمه فضل الله احد رجال الدين البارزين في لبنان، وكان يدعو إلى إطلاق سراح الاسرى الغربيين الذين حصل عليهم حزب الله والتركيز على طرد اسرائيل من جنوب لبنان.

القسم الثاني من الحزب والذي كان يقوده نصرالله والسيد ابراهيم الامين والذي كان لديه كلمته على الارض أكثر، كان يريد الاحتفاظ بالاسرى الغربيين ورفض اتفاقية الطائف كما كان يبدي تخوفه من اي تدخل للولايات المتحدة في الموضوع، وكان يعامل اي اتفاقية تحد من طموحات الحزب بعدائية، وكان هذا الجزء من الحزب مدعومًا من ايران وخصوصًا علي اكبر محتشمي الذي يعد من مؤسسي حزب الله.

كان القسم الاول من الحزب بقيادة موسوي مدعومًا من إيران أيضًا، ولكن من جناح الرئيس الايراني علي اكبر رفسنجاني في ذلك الوقت... حيث كان يسعى رفسنجاني الخارج توًا من حربه مع العراق لتقديم إيران بصورة اكثر تحضرًا ويسعى لتقوية علاقته بسوريا... وكانت اتفاقية الطائف تقدم اعترافًا شرعيًا بالتواجد السوري على الارض اللبنانية وهو ما كان ينتظره الحليف (سوريا) من حليفه (ايران)، وكان التفسير واضحًا لأسباب تواجد اغلب قادة حزب الله من القسم الاول بقيادة عباس الموسوي في اجتماع عام لقادة حزب الله عقد في إيران في أيلول (سبتمبر) 1989.

كان نصر الله يزور إيران في هذه الفترة بصورة دورية باعتباره ممثلاً لحزب الله في ايران وهو ما فسره المطلعون بأنه كانت محاولة لابعاده عن المشهد السياسي اللبناني بأي طريقة.

أفول حلم الجمهورية الإسلامية والعلاقة بالخميني

زيد بنيامين من دبي: سيطرت القوات السورية على بيروت الشرقية في تشرين الثاني (أكتوبر) 1990، وقضت على آخر جمهورية لبنانية، أو ما أطلق عليها في التاريخ السياسي اللبناني "الجمهورية اللبنانية الأولى"، وكان على جميع القوات اللبنانية التي شاركت في الحرب التخلي عن سلاحها، في الوقت الذي كان النظام الرئاسي اللبناني المدعوم من سوريا يبسط سيطرته على أجزاء واسعة من البلاد... وبقي حزب الله محتفظًا بسلاحه وأعطي المجال للسيطرة على جنوب البلاد وتقوية حضوره هناك، وكان له الرأي والشأن في أي شيء يخص الحرب ضد اسرائيل وقواتها فيما كان يعرف بالـ "الحزام الأمني"، لكن بالعودة إلى دمشق.

في العام 1991، وافقت طهران على استبدال السكرتير العام لحزب الله صبحي الطفيلي بعباس الموسوي الذي كانت علاقته بدمشق اقوى، وذلك للفوز برضى دمشق التي كانت تحرك الحزب بصورة اكثر قربًا. ومن هنا كان القرار السوري بإعادة نصر الله الى الواجهة خصوصًا انه قدم طروحات سياسية أكثر مرونة .

نجح حسن نصر الله في الصعود إلى مراتب حزب الله العليا بفضل الحرب التي خاضها ضد أمل، ولم يكن يحتاج حينها إلى الإرتقاء نحو القمة سوى التخلص من عباس الموسوي، وهو ما تم في شباط (فبراير) 1992 حين استهدفت اسرائيل الأمين العام لحزب الله بطائرة هيلكوبتر ليتسلم نصر الله الأمانة العامة وعمره لم يكن يتجاوز الثانية والثلاثين.

كان من المفترض أن يتولى الشيخ نعيم قاسم الأمانة العامة خلفًا للموسوي، لكن نصر الله هو من فاز بالمنصب بتزكية من الامام الخميني. وبالفعل تمت اذاعة الخبر في شباط /فبراير عبر اذاعة النور التابعة للحزب ليكون حسن نصر الله البالغ الـ32 الامين العام لحزب الله .

وبحلول العام 1992، اقر نصر الله بضرورة التخلي عن احلام انشاء الجمهورية الاسلامية، وخلافًا لكل قادة حزب الله العسكريين، فإن نصر الله لم يخرج من عائلة متدينة كما ان مجموع ما درسه نصر الله لا يتجاوز السنتين، وذلك لفترتين متباعدتين خلافًا للطفيلي والموسوي الذين امضيا ما يقارب الـ8 الى 9 سنوات في الدراسة .

بسنواته التي لم تتجاوز الـ32 بدت التصريحات تفضح نوعًا من التضارب في المواقف من القضايا المصيرية. لكن كل هذا يهون ما دامت بركة الخميني حاضرة والعديد من المسؤولين عن الملف اللبناني في إيران.

بدأت بصمات نصر الله تظهر واضحة بعد ايام قليلة من رحيل الموسوي... أول هجمة بصواريخ الكاتيوشا على اسرائيل. وبعد ذلك بأسابيع ظهرت خبرته في مقاتلة اخوته من شيعة حركة امل حينما استهدف السفارة الاسرائيلية في العاصمة الارجنتينية بوينس ايرس. وأعاد انتحاري بونيس ايرس الى الذاكرة الهجمات على الاميركيين التي قدمت اول مثل لحركة شرق اوسطية تغذي الهجمات الانتحارية. وعلى الرغم من نفي نصر الله تورطهم في تفجير بونيس ايرس، إلا أن طريقة التنفيذ كانت مشابهة للعملية التي استهدفت الاميركيين في لبنان، من جهتها استخدمت اميركا واسرائيل هذا الهجوم للتدليل على "اليد الطويلة " للحزب والقادرة على الضرب خارج لبنان .

بادر نصر الله الى تحسين ظروف الحياة في الجنوب، في الوقت الذي كانت فيه المواجهة مع اسرائيل على اشدها ، وذلك بعد ان قام سلفه الموسوي بفرض شروط للحياة الشيعية، إن من خلال اللباس المحافظ أو منع شرب الكحول ولعب الورق. وهكذا كان يخفف من بعض هذه القيود لتعود الحياة الى وتيرتها "الشبه طبيعية ".

بحلول العام 1993 فتح نصر الله منزله امام زائريه من رجال دين مسيحيين، وعمل على توثيق علاقته بالشيوعيين في الوقت الذي كان لبنان ينهض من كبوة الحرب الاهلية التي استمرت 15 عامًا... أراد أن يتحول إلى قائد سياسي .

رمى نصر الله بثقله لتحرير الاراضي اللبنانية من السيطرة الاسرائيلية، وعلى الرغم من ادخاله حزب الله الى عهد جديد، إن من خلال المشاركة السياسية أو من خلال تطوير الاساليب القتالية عبر اعتماد حروب العصابات والانطلاق من المناطق الاهلة بالسكان، إلا أنه لم ينجُ من آثار هذه الحرب اذ قتل ابنه هادي (18 عامًا ) في ايلول سبتمبر 1997 خلال احدى المواجهات مع اسرائيل. لكن جثة هادي انتظرت عامًا كي تعود إلى لبنان. وكان امام هذا الوالد المكلوم انتظار سنة اخرى كي يستعيد جثة ابنه الى جانب 60 اسيرًا وبقايا 39 اسيرًا آخر، وفي المقابل قدم نصر الله جثة احد القادة الاسرائيليين الذين قتلوا في غارة شنها حزب الله في العام السابق.

وقال نصر الله في اليوم التالي لمقتل ابنه امام تجمع لانصاره "نحن، في قيادة حزب الله، لا نحمي ابناءنا او نضعهم بعيدًا من اجل المستقبل، نحن نفخر بأنفسنا حينما يصل ابناؤنا الى الخطوط الامامية، ويقفون هناك ورؤسهم عالية، وثم يسقطون شهداء".

نجح حزب الله في العام 2000 بأسر 3 جنود اسرائيليين، ليصار بعدها وفي اطار صفقة تبادل للاسرى بوساطة المانية الى اطلاق سراح 400 اسير لبناني وفلسطيني وعربي. أعاد الحزب الكرة في يوليو 2006 وقام باختطاف جنديين اسرائيليين ظنًا منه ان هذه الطريقة ستنجح هذه المرة ايضًا لكن النتائج كانت وخيمة .

وجد نصر الله نفسه بطلاً عربيًا بعد ارغامه الاسرائليين على الانسحاب من جنوب لبنان في ايار(مايو ) عام 2000 ، لتكون تلك أول هزيمة في التاريخ الاسرائيلي ادت الى لقاء جمع بين نصر والامين العام للامم المتحدة كوفي عنان. في تلك الفترة اخذت علاقة نصر الله برئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري تتوطد بشكل كبير حيث كانا يلتقيان مرتين او ثلاث مرات اسبوعيًا. وقال الحريري، وهو رجل اعمال بالمقام الاول، تعليقًا على لقاءاته بنصر الله "يمكن أن يكون لك تجارة مع هذا الرجل".

كانت نظرته الى قضية النزاع الفلسطيني الإسرائيلي أكثر واقعية، فهي كما يقول "في النهاية فإنها قضية تهم الفلسطينيين، حالي كحال أي إنسان، قد اعتبر ما يحدث خطأ او صوابًا، ربما تكون لدي نظرة مختلفة ولكن الأمر برمته في النهاية هو انه لا يمكن لأي شخص في العالم أن يخوض حربًا بالنيابة عن الفلسطينيين، حتى لو لم يكن ذلك الشخص متفقًا مع ما يرضى عنه الفلسطينيون، الأكيد انه سيزعجنا أن تذهب القدس إلى الإسرائيليين، لكنه أمر يخصّ الفلسطيين فقط" ..

نصر الله ذو المزاج الصعب، بحسب المقربين يمتلك حس الطرافة ايضًا، وهو ما يقربه من سياسيّي لبنان... لكن حينما يتعلق الامر باليهود، فإنه سرعان ما يكون جديًا حيث أنكر عدة مرات وجود الهولوكوست، وهو ما يعد خطًا احمر بالنسبة إلى الغرب ويصف اسرائيل بقوله (الكيان الصهيوني).

 

المصادر:

مجلة نيوزويك الاميركية (نصر الله الحقيقي 2006)

نصر الله الامين العام لحزب الله (النشرة الاستخبارية للشرق الاوسط العدد 6 غاري غامبيل)

ويكبيديا (حسن نصر الله)

ارشيف جريدة النيويورك تايمز

جريدة الشرق الاوسط اللندنية

 

 

المصادر:

مجلة نيوزويك الاميركية (نصر الله الحقيقي 2006)

نصر الله الامين العام لحزب الله (النشرة الاستخبارية للشرق الاوسط العدد 6 غاري غامبيل)

ويكبيديا (حسن نصر الله)

ارشيف جريدة النيويورك تايمز

جريدة الشرق الاوسط اللندنية