الصدام مع "حزب ولاية الفقيه" ليس سياسيا بل قِيَمي

علي حماده

24/12/2006

يخطئ من يظن ان المعركة في لبنان هي محض صدام سياسي اقليمي يجد صداه عندنا. ويخطئ من يظن ان المشكلة محصورة في الجانب السياسي المعلن من "حزب الله" تحت شعار "حكومة وحدة وطنية" او مبدأ المشاركة في السلطة التنفيذية في شكل مواز. الازمة التي اماطت اللثام عنها سلوكيات "حزب ولاية الفقيه" في لبنان منذ ان انفجرت بين الاستقلاليين والنظام السوري في معركة التمديد، مرورا بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وصولا الى تظاهرة شكر بشار الاسد على افعاله الحميدة في الثامن من آذار 2005، وانتهاء بالحرب الكارثة في تموز 2006، وما أعقبها من محاولة لاسقاط الاستقلال اللبناني - هذه السلوكيات اماطت اللثام عن ازمة اكثر عمقا تتعلق بالافتراق الهائل بين منبع "حزب الله" الايديولوجي والقيمي وفكرة لبنان نفسها التي تعاقد عليها التنوع اللبناني منذ مئات السنين وصولا الى اجتراح صيغة توازن دقيقة وحساسة في آن واحد، حكمت العيش المشترك على ارض الارز، كما تحكمت في الرضى المتبادل اساسا للعيش الواحد.

 

هذه الفكرة اللبنانية يفصلها بون شاسع عما يمثله "حزب ولاية الفقيه" في لبنان، وما يرمي اليه من اهداف معلنة وغير معلنة بعضها صار واضحا وضوح الشمس، وبعضها الآخر يسهل معرفته بالاستنتاج البسيط. واذا كان هذا الحزب المؤدلج ايرانيا يتمتع بقاعدة جماهيرية لبنانية شيعية اصيلة لا جدال فيها، فإن حيازته غالبية من هذه الطائفة الكيانية في الاصل لم تمنعه من العمل الدؤوب على التدمير المنهجي لفكرة العيش المشترك المبني على المساواة بين المواطنين ببناء دولة فوق الدولة اللبنانية، وباحتكار السلاح بكميات مخيفة، وباستقدام المال بالمليارات، وببناء مؤسسات رعاية اجتماعية يتضح انها لا ترمي الى تخفيف معاناة الناس بقدر ما ترمي الى بناء نظام مصالح مغلق على الخارج، وتحديدا على سائر فئات المجتمع اللبناني. هكذا صار لـ"حزب الله" وافراده دورة اقتصادية واجتماعية وثقافية وايديولوجية كاملة ومحكمة الاغلاق على بقية لبنان، ترافق صاحبها من المهد الى اللحد. ولا ننسى اقتطاع الحزب مناطق واسعة من لبنان خارجة على القانون والدولة امنياً واقتصادياً، بدءاً من بعض احياء بيروت، مرورا بالضاحية الجنوبية، وصولا الى الجنوب والبقاع الشمالي، وبعض البقاع الغربي المتاخم للجنوب. فصارت هذه المناطق قواعد يتداخل فيها الدور المحلي للحزب، مع الدور الخارجي الامني والعسكري الخطير، بصفته ذراعا للنظام الايراني على الارض اللبنانية.

 

لقد كسر "حزب الله" اكثر من مرة فكرة الدولة والعيش المشترك،وخصوصاً باتخاذه وحده ومن غير استئذان احد قرار شن حرب في تموز عادت بالويلات على بيئته الطائفية التي سكت بعضها على مضض، كما عادت بالويلات ايضاً على مختلف البيئات اللبنانية التي رفضت بقوة وبصوت عال، ولا تزال، هذا النهج المناقض للدولة وللشركة الوطنية على حد سواء.

 

واليوم ينزل "حزب ولاية الفقيه" في لبنان الى شوارع بيروت العربية الاسلامية والمسيحية ليحاول مد سيطرته على البقية الباقية من القرار الوطني اللبناني المستقل. وكل يوم يمر، يترسخ اقتناع في نفوس كثيرين من اهل التنوع اللبناني بصعوبة التعايش مع هذه الايديولوجية المناقضة لمعنى لبنان، ومع هذه الاجندة التي ترفض ان ترى ان هناك لبنانيين آخرين هم الغالبية العظمى، لا يقبلون ان يتحوّلوا رعايا في جمهورية "حزب ولاية الفقيه" الايرانية في لبنان. هؤلاء متنوعون يمتدون على النسيج اللبناني كله بدءا من شيعة يكظمون ألمهم وحرقتهم، وامتدادا الى المجتمعين الاسلامي والمسيحي اللبناني على اختلاف حساسياته.

 

لقد جعل "حزب ولاية الفقيه" في لبنان الحياة اللبنانية المشتركة أمراً اكثر صعوبة. وهو يغرس يوماً بعد يوم في النفوس مناخات ومزاجات لم تعد تنظر ايجابا الى العيش المشترك، وخصوصا مع الحزب وبيئته الراضية بسياساته وسلوكياته الخارجة على الدولة، والمنافية لكل منطق وعقل. فكيف نطلب من الناس ان يقبلوا بالعيش تحت وصاية "حزب ولاية الفقيه" في لبنان الذي يمارس طبقية لم يشهدها لبنان في تاريخه؟ انها الطبقية المدججة بالسلاح وبالمال "المُشودر" وبالايديولوجية والثقافة الدخيلتين على لبنان والعروبة على حد سواء. من هنا ضرورة نقل المناقشة الى موضع الازمة الحقيقي.

 

والسؤال اليوم بالنسبة الى التعامل مع "حزب الله" ليس في السياسة، وانما في الثقافة ونظام القيم : فهل التنوع اللبناني راغب او قادر على التعايش او العيش تحت سيطرة نظام القيم هذا الرابض على قلب لبنان غصبا؟ وكم من الوقت قبل ان تطرح الاسئلة الحقيقية ؟

 

 

نصرالله: الطريق الوحيد للاستقرار إقامة جمهورية إسلامية في لبنان..؟

المحرر - 2006 / 12 / 23

في العدد الماضي من المحرر العربي طرح الزميل رئيس التحرير سؤالاً على حزب الله حول مشروعه السياسي بوصفه حزباً سياسياً يفترض أن المقاومة جزء منه وليست مشروعاً للدولة والمجتمع. وقد فوجئت المحرر العربي بالجواب يأتي بأسرع مما توقعت. فقد نشرت الزميلة الشراع في عددها رقم 1267 تاريخ 18 كانون الأول - ديسمبر 2006 نص حديث أدلى به السيد حسن نصرالله أمين عام الحزب إلى مطبوعة إيرانية اسمها رسالة الحسين نشر في شهر آب/ أغسطس أي في الأسبوع الأخير من عدوان إسرائيل على لبنان.

يقول السيد نصرالله في حديثه لـ رسالة الحسين ما نصه: إن رغبة حزب الله هي إقامة جمهورية إسلامية يوماً، لأن حزب الله يعتقد أن إقامة حكومة إسلامية هي الطريق الوحيد لتحقيق الاستقرار للمجتمع، وهي الطريق الوحيد لتسوية الخلافات الاجتماعية، حتى في مجتمع متكون من أقليات متعددة. ويقول مراسل لـ المحرر العربي إن المعتصمين بالقرب من السرايا الكبير من أنصار الحزب أقدموا تطبيقاً لقناعاتهم والتزامهم على إغلاق عدد من المحال التي تبيع المشروبات الكحولية انسجاماً مع مشروعهم السياسي لإقامة جمهورية إسلامية في لبنان على غرار الجمهورية الإسلامية في إيران. المحرر العربي تسأل العماد عون: هل في برنامجه السياسي لمستقبل لبنان الاندماج في مشروع حزب الله الإسلامي وإقامة الجمهورية الإسلامية؟.