إلى أين تأخذوننا، سيّد نصرالله؟

فؤاد حمدان النهار 25/5/2006

عندما انسحب الجنود الإسرائيليون من لبنان في أيار 2000، اعتبر "حزب الله" محقاً أنّه أنجز انتصاراً تاريخياً. لقد قام حزبكم، سيّد حسن نصرالله، لأوّل مرّة بما لم يفعله أيّ جيش عربي أو قوّة محارِبة عربيّة: فرض على إسرائيل انسحاباً مذلاً من أراضٍ محتلّة بدون مفاوضات. حظي "حزب الله" بالاحترام على نطاق واسع، واتّحدت كلّ الطوائف في لبنان في الثناء على التضحية التي دفع ثمنها بأرواحهم مئات المقاتلين والمدنيين في جنوب لبنان. حتّى الدول الغربية لم تكن تتعاطف مع المحتلّ الإسرائيلي وسياساته الهمجيّة. كانت المعركة من أجل تحرير الجنوب، والتي خاضها في شكل أساسي مقاتلو "حزب الله" الشيعة تحت راية المقاومة اللبنانية، مشروعة. كان هذا محطّ إجماع في لبنان والخارج. لكن في الأعوام الستّة الماضية، بدأ الانطباع يتغيّر داخل لبنان وخارجه على السواء. ثمّة عداوة متنامية تجاه حزبكم. بدأ كلّ شيء بعد فترة قصيرة من الانسحاب الإسرائيلي عندما قرّرت الحكومتان اللبنانية والسورية أن تُعلنا بطريقة مفاجئة أنّ مزارع شبعا لبنانية. فأبقي "حزب الله"، متسلِّحاً بـ "الشرعيّة"، على سخونة الحدود مع إسرائيل واحتفظ بسلاحه، مقوِّضاً اتّفاق السلام الذي وُقِّع في الطائف عام 1989 وأدّى إلى نزع سلاح المجموعات المسلَّحة اللبنانية وساعد على إنهاء الحرب الأهليّة.

 

كانت جبهة مزارع شبعا هديّة مفخَّخة من النظام السوري إلى لبنان، سيّد نصرالله. لكنّ "حزب الله" قبِلها. فاستمرّ القتال في الجنوب لأنّ دمشق أرادت الحفاظ على موقع قويّ في مواجهة إسرائيل في أيّ مفاوضات مستقبليّة حول مرتفعات الجولان.

 

الحقيقة هي أنّ مزارع شبعا كانت خاضعة للسيادة السورية عندما احتلّتها إسرائيل في حرب حزيران 1967. كانت المزارع الأربع عشرة ولا تزال أراضي سوريّة محتلَّة من إسرائيل، على الأقلّ في نظر الأمم المتّحدة التي لا يستطيع أحد أن يتّهمها بأنّها موالية لإسرائيل. منذ عام 1978، تدعم هذه الهيئة العالمية لبنان من خلال قوّة موقّتة في الجنوب خسرت أكثر من 250 من عناصرها أثناء قيامهم بمهمّة حماية سكّان المنطقة.

 

اعتباراً من أيار 2000، وافق "حزب الله"، سيّد نصرالله، على تأدية دور مشابه للدور الذي أدّته "منظّمة التحرير الفلسطينية" منذ الستّينيات وصولاً إلى طردها من لبنان عام 1982. على مرّ السنوات، أدّت الهجمات التي شنّتها المنظّمة ضدّ إسرائيل انطلاقاً من الأراضي اللبنانية إلى سقوط عدد كبير من الضحايا ودمار هائل في الممتلكات والبنى التحتيّة. تدفّق عشرات آلاف اللاجئين إلى ضواحي بيروت الجنوبية، وهم يشكّلون مع المتحدّرين منهم قواعدكم الانتخابيّة. هل تريدون تكرار تلك التجربة وزيادة بؤسهم الحالي سوءاً؟

 

شنّ "حزب الله" في الأعوام الستّة الماضية هجمات عدّة ضدّ مواقع حدوديّة إسرائيلية، لا سيّما في مزارع شبعا وحولها. وكان الصدام الأكثر دمويّة في تشرين الثاني 2005 عندما لقي ثلاثة مقاتلين من الحزب مصرعهم قرب قرية الغجر الحدودية. لماذا جرت التضحية بهؤلاء الرجال وسواهم، سيّد نصرالله؟ لم يكن لديهم أيّ أمل ضدّ الإسرائيليين المحصَّنين في مواقعهم والذين يفيدون أيضاً من شرعيّة دوليّة لأنّهم ينتشرون وراء ما يُعرَف بـ "الخطّ الأزرق" الذي وضعته الأمم المتّحدة؟ "حزب الله"، ويا للأسف، هو الذي تصفه الأمم المتّحدة اليوم بالمعتدي في جنوب لبنان وتعتبر أنّه هو من يشنّ معارك لا معنى لها.

 

في هذه الأثناء، بنى حزبكم ترسانة عسكريّة في الجنوب تخوّله شنّ قصف مكثَّف على بلدات وقرى في عمق الشمال الإسرائيلي. لماذا هذا الحشد العسكري؟ فقط من أجل تحرير مزارع شبعا؟ أم للردّ على هجوم أميركي محتمل على المنشآت النووية الإيرانية؟ أم لمساعدة السوريين على ممارسة ضغوط على الإسرائيليين كي يعيدوا إليهم مرتفعات الجولان؟

 

دفع جنوب لبنان وطوائفه كافةً، ثمناً باهظاً في العقود الأربعة الماضية حيث كانوا حشوة مدفع في يد "منظّمة التحرير الفلسطينية" وسوريا وإيران. جميع اللبنانيين ضحّوا كثيراً، لا سيّما أنتم، سيّد نصرالله، عندما مات أحد أبنائكم وهو يحارب الإسرائيليين. كان يجب أن يتوقّف القتل في أيار 2000 وتبدأ المعركة الديبلوماسية لاستعادة مزارع شبعا، لو أنّ النظام السوري وافق على إبلاغ الأمم المتّحدة رسمياً أنّها مزارع لبنانية. لكنّ دمشق ترفض القيام بذلك على الرغم من كلّ المناشدات. لماذا لا تطلبون علناً من الأسد توجيه تلك الرسالة إلى الأمم المتّحدة؟

 

في الانتظار، يصرِّح "حزب الله" أنّه يحتاج إلى السلاح للتصدّي "للعدوان الإسرائيلي". أيّ عدوان، سيّد نصرالله؟ منذ أيار 2000، الإسرائيليون مسرورون جداً لخروجهم من لبنان. لقد عانوا الأمرّين أثناء احتلالهم لجنوب لبنان. يريدون أن يُتركوا وشأنهم وراء "الخطّ الأزرق".

 

لحسن الحظ، لم يقلِّد "حزب الله" حتّى الآن السياسات الانتحارية لـ "منظّمة التحرير الفلسطينية" تقليداً كاملاً. فهو يميل إلى تفادي جرّ الآلة العسكرية الإسرائيلية إلى الانتقام المكثَّف الذي نتذكّره جميعنا جيداً. لكن ماذا ستفعلون سيّد نصرالله إذا طلبت إيران خدمة خاصّة بعد قيام الولايات المتّحدة معاذ الله بشنّ هجوم على المنشآت النووية الإيرانية؟ كيف ستتصرّفون إذا طلبت دمشق خدمة عندما تحمِّل الأمم المتّحدة القيادة السورية مسؤولية مقتل الحريري وتسارع إلى فرض عقوبات عليها؟ هل سيصغي "حزب الله" إلى الحكّام الإيرانيين والسوريين ويطلق وابلاً من الصواريخ على إسرائيل؟ هل ستتسبّبون بمأساة واسعة النطاق في جنوب لبنان؟

 

حزبكم عند مفترق طرق، وقد حان الوقت كي تتّخذوا قرارات تاريخية قبل فوات الأوان. حان الوقت لتُظهِروا أنّ "حزب الله" وفيّ للبنان وليس لأيّ بلد آخر. حان الوقت لتقولوا لإيران إنّ للتضامن حدوده. وحان الوقت أيضاً لتتمنّوا الحظّ السعيد للنظام السوري. كما حان الوقت كي يندمج مقاتلوكم بكرامة في الجيش اللبناني. قد تكون لديكم، سيّد نصرالله، تحفّظات بشأن ضمّ مقاتليكم إلى جيش يخضع جزئياً لسيطرة الرئيس إميل لحود الذي يتحكّم به عن بعد نظيره في دمشق. الحلّ هو في دعم الحكومة اللبنانية التي يُشكِّل "حزب الله" جزءاً منها، من أجل تنحية لحود الذي لا يزال أحد أقرب مساعديه في السجن بسبب الاشتباه في تورّطه في اغتيال الحريري.

 

سيّد نصرالله، اسمحوا لـ "حزب الله" أن يستعيد صدقيّته المتآكلة عبر منح زخم حاسم لمؤتمر الحوار الوطنيّ المتعثِّر عندما ينعقد من جديد. شاركوا في إعداد استراتيجيا دفاعية وطنيّة، وفي نزع الألغام من الجنوب حيث يلقى أشخاص حتفهم كلّ يوم أو يُبتَر أحد أعضائهم. ساعدوا على شنّ حملة ديبلوماسية دوليّة لتحرير كلّ الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية والسورية، وناشدوا سوريا بإلحاح تسليم كلّ الوثائق الضروريّة لتثبيت لبنانيّة مزارع شبعا. كونوا جزءاً من حلّ إنساني للبؤس الذي يعاني منه الفلسطينيون في مخيّمات اللاجئين. وشاركوا بفاعليّة في السعي إلى تحقيق النهوض الاقتصادي للبنان لا سيّما الجنوب الذي يعاني من الإفقار والنقص في النموّ.

***أسّس فؤاد حمدان، وهو لبناني من قرية شيعية في الجنوب، فرع "غرينبيس" في لبنان بين 1994 و1999. متخصّص في العلوم السياسية ويعمل حالياً مديراً تنفيذياً لمنظّمة "أصدقاء الأرض- أوروبا" في بروكسل، وهي مجموعة دوليّة تؤثّر في السياسات البيئية للاتّحاد الأوروبي - كتب هذا المقال لـ "قضايا النهار"

وترجمته عن الإنكليزية نسرين ناضر