إلى أين يريد حزب الله أخذ لبنان؟

سعيد علم الدين - رأي حر

2006 / 6 / 4

مرّت ذكرى تحرير الجنوب اللبناني المشرقة التي صادفت الخامس والعشرين من أيار، إلا أنه وللأسف عكرها صراخا وشتائم سفيهة وسبابا، وشوهها خرابا وقطعا للطرقات وشغبا، ولوثها دخاناً وحرائق دواليب ولهبا، إلى أبعد الحدود وبشكل هستيري منظم مقصود، يصعب تصديقه لولا رؤيته بالعين المجردة واليد على القلب، بثا مباشرا على الشاشات، ما قامت به جماعة حزب الله "الغيارى" كما سماهم في بيانه الصادر يوم الجمعة 06.6.02، من اعتداءات انفعالية غير متحضرة، واستفزازات طائفية، وهتافات عدوانية، وشعارات مذهبية خارج المألوف واللياقة والأدب والأخلاق على زعماء البلاد الكبار وعلى المواطنين الآمنين والممتلكات الخاصة والعامة، وبالأخص وهذا الأهم على الحرية الفكرية وحرية الرأي والتعبير والفن والعطاء والإبداع والتي هي ميزة لبنان الوحيدة وجوهرِ تألقه في هذا الشرق المنكوب بثقافة التحريم والتكميم والقمع الفكري والإرهاب الديني والاستبداد. وذلك بعد عرض البرنامج السياسي الساخر " بس مات وطن" للأستاذ الموهوب شربل خليل. م

مشكلة المشاكل أنه قلد فيه وكما يفعل مع كل السياسيين اللبنانيين، الزعيم السياسي السيد حسن نصر الله مع أن المخرج خليل لم يقصد الإساءة لا للسيد نصر الله ولا لأي سياسي آخر، إنما هي مهنة الفنان المبدع في بلد ديمقراطي حقه في الانتقاد وفي أن يعبر بحرية عما يريد التعبير عنه بطريقته الخاصة لإسعاد الناس، لإضحاكهم، لتبديد همومهم، و"فش خلقهم" وهل هناك بلد أكثر من لبنان شعبه منكوب وبحاجة ماسة إلى فنان يعيد له البسمة والضحكة خاصة وأنه ومنذ 30 سنة لم يعرف إلا الفتن والحروب والاجتياحات والمجازر والتفجيرات والاغتيالات وما زال!

إن أراد المخرج شربل خليل العمل في المحطات الأوروبية حيث حرية الإبداع بلا حدود، وحيث التمثيل الساخر وتقليد السياسيين ورجال الدين وحتى البابا نفسه ليس لها قيود، فإنها لن تبخل عليه بأضعاف أضعاف ما يتقاضاه في لبنان عبر تلفزيون ال بي سي. إنهم في أوروبا يدفعون بسخاء لمخرجين موهوبين يضحكون الجمهور ويجلبون له المسرة وبأي طريقة فكاهية. الهدف من ذلك قبل أن يكون انتقاد السياسيين ونساء ورجال المجتمع البارزين والتهريج عليهم هو إسعاد الجمهور من مشقات الحياة اليومية وتعبها الذي يلاحق الإنسان ليل نهار.

نحن في لبنان! وفي لبنان حسب سياسة حزب الله ممنوع على الإنسان الضحك والمرح، وإنما عليه أن يستعد ليل نهار للحرب والنزال وينتظر القصف الإسرائيلي من جهة والاغتيالات السورية من جهة أخرى. إرهاب من كل الجوانب، ولهذا عليه أن يبكي حظه أن يكون لبنانيا.

على إثر ما حدث تعرض المخرج الموهوب شربل خليل لتهديدات عديدة يجب أن تؤخذ على محمل الجد من الحكومة اللبنانية للحفاظ على حياته. منها على سبيل المثال قول أحدهم له: "ضب اغراضك واختفي، عندك اولاد وعيلة خاف عليها ولا قيلك بلد يستقبلك، او رح نعملك كفتة يا كذا وكذا".

وكان رده وبوطنية نطأطئ لها الرأس: ما حدا يفكر اني رح فل، رح ضل، هيدا بلدي وهيدي ارضي، وهودي ناسي، وما حدا بيقدر يقلعني لانو شروشي غماق كتير، قراري من زمان ضل هون".

نشد على يديك يا أستاذ شربل وبأمثالك سنبني لبنان الحر الديمقراطي المستقل المزدهر بالطاقات الخلاقة، والمواهب المبدعة، والصدر الواسع المنشرح.

اللهم اشرح لهم صدرهم، أصحاب الصدور الضيقة!

إلا أن ما حدث يدعو للأسف الشديد وإلى وضع علامة سؤال كبيرة على هذا السؤال المحق لكل مواطن لبناني: إلى أين يريد حزب الله أخذ لبنان ؟

هل للدفاع عنه أمام اعتداءات العدو الإسرائيلي والذي نقدم له دائما الأعذار لضربنا - الصواريخ الأخيرة التي لم يعلن أحد المسؤولية عنها أكبر دليل- وتأتي ضرباته دائما ردا على ضرباتنا، وذلك منذ عام 1968 عام بدأ العمل الفدائي الفلسطيني انطلاقا من جنوب لبنان مشرَّعا باتفاقية القاهرة السيئة الذكر عام 69 وحتى اليوم، أم لتحويله إلى جمهورية استبدادية قمعية مخابراتية على النسق السوري الإيراني؟

هل لتحقيق طموحات اللبنانيين في دولة سيدة مستقلة قادرة ديمقراطية مزدهرة يعيشون فيها بأمان واطمئنان وكرامة أم لإغراقه في حرب جديدة مدمرة الخاسر الكبير فيها سيكون الشعب والوطن؟

لكنها لن تكون هذه المرة كما في السابق بين الطوائف المتناحرة بل فقط بين لبنان الحرية والديمقراطية والسيادة والاستقلال والشرعية والقانون والنور والتقدم والانفتاح والحياة والبسمة وأزهار الربيع من جهة، وبين قوى الاستبداد والمخابرات والكبت والفوضى وجماعات المذهبية والحقد والتخلف والظلام والرجعية والانغلاق والموت والانتحار وأوراق الخريف الذابلة من جهة أخرى.

الشعب اللبناني أتقن الدرس ولم يعد غبيا كما يعتقد البعض ولن يجره أحد إلى الحرب ضد أهله كما حدث عام 75، إلا أنها إذا فرضت علينا فنحن لها، وسيدفع الثمن غاليا من سيشعلها وستدور الدوائر على الباغي وسيندم عندما لن ينفعه ندم .

بمناسبة ذكرى التحرير التي حجبتها غيوم الأحداث المستنكرة الأخيرة من قبل جموع حزب الله في شوارع بيروت ومناطق عديدة من لبنان لا بد بكل محبة وصدق من توجيه تحية الإجلال إلى الشعب اللبناني الطيب بجنوبه الصامد وجيشه الصابر وإلى كل شهداء لبنان ومن كل الطوائف وبالأخص الذين حرروا أرضه من العدو الإسرائيلي بمقاومتهم الباسلة وقدموا الأرواح الغالية على محرابه العالي ورووا ترابه المقدس بدمائهم الزكية.

القدسية هنا فقط لأرض الآباء والأجداد .. ومن قدم الروح لها حتى الاستشهاد .. وليس للسلاح والعتاد !

فالسلاح وسيلة من وسائل القوة لتحقيق هدف ما وليس هدفا بحد ذاته.

مقولة "السلاح زينة الرجال" هي مقولة تراثية خاطئة، هدامة اجتماعيا، رجعية المحتوى من عصور السيف والترس والقوس والنشاب والخنجر والفأس، غير حضارية وتخالف روح العصر الحديث، حيث أصبح العلم زينة الإنسان وليس السلاح. فالمدارس والجامعات والمختبرات والاختراعات هي زينة المجتمعات وليس الثكنات والمعسكرات والمخابرات وعرض العضلات. الطلاب تذهب إلى مدارسها بالدفاتر والأقلام وليس بالخناجر والمسدسات. المجتمعات التي تعشق السلاح تقديسا كالمجتمع الأمريكي هي أكثر المجتمعات عرضة للجرائم المروعة، التي نسمع عنها بين الحين والآخر، حيث رجال الشرطة والقانون في صراع مستمر مع الجريمة وآفات اقتناء السلاح. ولكن لكل مجتمع طريقته ولا نستطيع أن نفرض طريقة تفكيرنا على المجتمع الأمريكي، الذي نتمنى أن يبلعه الحوت ما دام يدعم العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني.

المقصود بالسلاح هنا هو سلاح حزب الله فقط، لأن السلاح الفلسطيني خارج المخيمات غير شرعي لا يخدم قضية ومرفوض من كل اللبنانيين بإجماع الحوار الوطني. السلاح يفرض علينا التطرق إلى مشكلة مزارع شبعا خاصة بعد أن اتفق أهل الحوار والجامعة العربية على لبنانيتها فالمطلوب من سوريا التجاوب والتعاون مع الحكومة اللبنانية بأخوة حقيقية وليست شفهية على تنفيذ المطلوب ترسيم/ تحديد الحدود بمساعدة الأمم المتحدة وإرسال مذكرة إليها حسب الأصول ليتم إتباع مزارع شبعا لأراضي الدولة اللبنانية. بعد تحرير المزارع حربا أو انسحاب إسرائيل منها سلما ينتفي عندها دور السلاح، الذي يجب أن يخضع بعد ذلك لسلطة الدولة القانونية الشرعية، وإلا فإن حزب الله يريد إعلان دولته المذهبية على باقي الطوائف، وإلا فلماذا الاحتفاظ بالسلاح، ما دامت الدولة دولة الجميع والجيش جيشهم والقرار قرارهم؟ وهل الاندماج بالجيش سيقويه أم يضعفه؟ لا نعتقد أن اندماج المقاومة بالجيش سيكون ضعفا للبنان، بل العكس هو الصحيح.

تحية الإجلال في ذكرى تحرير الجنوب لروح الشهيد الرئيس رفيق الحريري، زعيما معتدلا قادرا قل نظيره في تاريخ الشرق الحديث، حيث كان الداعم الأكبر سياسيا وعمليا لحق لبنان الشرعي بتحرير أرضه من العدو الإسرائيلي. مسخرا لذلك طاقاته الهائلة وعلاقته الدولية وصداقاته الشخصية الممتازة لخدمة شعبه وتعمير وطنه ولكل القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

المقاومة انطلقت من بيروت ضد الاحتلال الإسرائيلي وعلى يد المقاوم الأول الشهيد جورج حاوي والمناضل ومحسن ابراهيم ونجحت بدحر إسرائيل عن الجنوب اللبناني على يد استبسال مقاتلي "حزب الله" وباقي الأحزاب اللبنانية. تحية الإكبار أيضا إلى أسرى ومناضلي المقاومة اللبنانية وكل الأسرى والمناضلين العرب في السجون الإسرائيلية. ولا يمكن أن ننسى أبدا المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية.

تحية هنا لكل الأمهات اللبنانيات المعتصمات منذ شهور دون كلل أمام مركز الأمم المتحدة في بيروت الصابرات الباكيات النائحات الباكيات على مصير أبنائهن وأزواجهن في معتقلات دولة ليست فقط جارة بل وشقيقة أيضا. وتكاد أن تشقنا نصفين بعشق من جانب واحد ليس له طعم في عالم العشاق.