الحرب العراقية المقبلة الطائفية والصراع الأهلي تحيك بمسلة الدين هلالا شيعيا يمتد من لبنان عبر سورية والخليج مطوقا الأردن/ العرب السنة اخطأوا بدخول المواجهة وحيدين مع الجيش الأميركي

(الحلقة الأخيرة)

السياسة 8/4/2006

د تغيير توجهات دول الجوار?

إن سلوكيات دول الجوار يمكن أن تكون حاسمة في نهاية المطاف, بالنسبة لبقاء العراق ككيان موحد. فإذا ما استمروا في تأييد مبدأ السلامة الإقليمية وامتنعوا عن التدخل لزعزعة استقرار العراق (بأي شكل من الأشكال), فقد يصبح ممكناً احتواء النزاع الطائفي. أما إذا تغيرت مواقفهم, فقد يؤدي ذلك إلى تقطيع أوصال العراق. حتى الآن, كانت المصلحة الستراتيجية لجميع دول الجوار تلك, إبقاء العراق واحداً موحداً. فاللعب مع حدود تم وضعها في أعقاب العهد العثماني, يثير شبح تغييرات على جميع تلك الحدود, وقد يعطي دفعة للأقليات العرقية والدينية للتكاتف في موقف موحد مع أشقائهم في البلدان المجاورة. لقد كان الالتزام الذي قطعته الولايات المتحدة على نفسها بحماية وحدة العراق, عنصراً مهماً في كسب التأييد العربي, أو على الأقل, القبول بالغزو الذي تم عام 2003 . ولكن, يبدو للكثيرين بأن النفوذ الشيعي الذي يتنامى بسرعة, قد اصبح الهم الأكبر. هذا الهاجس هو الذي أطلق تحذير الملك عبد الله الثاني ملك الأردن, في ,2004 والذي مفاده بأنه إذا قُيَّض للأحزاب الموالية لإيران بالسيطرة على العراق, فإن النتيجة سوف تكون (هلالاً) تسيطر عليه الحركات والحكومات الشيعية, يمتد من لبنان عبر سورية وإيران والعراق إلى الخليج (مطوقاً) الأردن., المخاوف العربية من انتشار النفوذ الشيعي والإيراني عميقة, ومنذ الانتخابات العراقية الأولى قد أصبح خطيراً. وكما جاء في تعليق لأحد المعلقين العرب "عندما يبحث الأحزاب الشيعية الإسلامية, كان ذلك بمثابة المرة الأولى منذ أكثر من 800 عام, يتولى فيها الشيعة السلطة, في بلد عربي محوري".

وفي أعقاب تصريحات العاهل الأردني المرتعبة, أخذ المسؤولون الخليجيون زمام المبادرة في تنبيه الجماهير إلى الأخطار الكامنة وراء سياسة الحكومة الاميركية, وبالأخص, بعد أن اتفقت الأحزاب الحاكمة على دستور جديد, يُهددُ بتهميش قلق السنة العرب, ويطلق شبح إقليم فيدرالي تهيمن عليه إيران, في الجنوب العراقي الغني بالنفط. وفي خطاب ألقاه وزير خارجية المملكة العربية السعودية, الأمير سعود الفيصل بتاريخ 23 سبتمبر 2005 حَذَّر الأمير سعود قائلاً:

"إذا سمحتم بهذا - بحرب أهلية أن تندلع بين الشيعة والسنة, فإن العراق سوف ينتهي إلى الأبد. سوف يتم تقطيع أوصاله. وسوف تثير من النزاعات الكثيرة في المنطقة, ما سوف يفرقها بكاملها بالفوضى والصراعات. سيدخل الإيرانيون الصراع بسبب الجنوب, والأتراك بسبب الأكراد... والعرب سوف يُجَرون بكل تأكيد إلى الصراع".,

وإذا وصلت الدول المجاورة إلى قناعة بأن النفوذ الشيعي قد أصبح يُشكل خطراً ستراتيجياً, أو أن تجزئة العراق قد أصبحت حتمية, فإن ذلك سوف يقودهم إلى اتخاذ خطوات من شأنها التسريع في ذلك الانهيار. وبعبارات أخرى, فإن الاصطفاف الطائفي المتزايد في العراق, سوف ينظر إليه بقلق وتخوف من قبل دول الجوار, وقد يجذبهم إلى حلبة العراق ويسارع في تجزئته, وهو تطور ليس لهم فيه أية مصلحة.أما الآن, فإن الدول العربية السنية تؤيد مشاركة العرب السنَّة في العملية السياسية كدرع أمام نفوذ شيعي متعاظم في العراق, أو للحيلولة دون تَفَتِته.

وهكذا, فقد حفزت المخاوف العربية من انتشار النفوذ الإيراني, الجامعة العربية على اتخاذ المبادرة, في تنظيم مؤتمر للمصالحة, والذي عقدت أولى جولاته في القاهرة ولكن, في وقت قريب جداً سوف تصبح محدودية النفوذ السني واضحة, وعلى سبيل المثال, فإذا فشلت جهودهم لتعديل الدستور, وقد يؤدي ذلك إلى مزيد من العنف بين طوائف العراق الرئيسية, والذي بدوره, سوف يبلور القناعة العربية بأن عوامل الفرقة والتفتت آخذة بتمزيق البلاد. الرياض, على سبيل المثال, ستنظر بقلق نحو بزوغ كيان قوي في جنوب العراق تحت النفوذ الإيراني, وهو المنطقة التي تجلس على أكثر من 80 في المئة من احتياطات النفط المؤكد في العراق, وكذلك تقلق دول عربية أخرى مثل الأردن والمشيخات الخليجية, والتي في كثير منها, تضم مواطنين شيعة,إيران, حتى الآن, تبدو مستفيدة بشكل واضح من تطورات العراق حيث وصلت الأحزاب الصديقة لها إلى مقاليد الحكم, كما تجد الولايات المتحدة نفسها غارقة في ذلك كله. للخطة الآنية, تبدو الولايات المتحدة قانعة بالحفاظ على الوضع القائم (ستاتسكو), بما في ذلك استمرار تواجد القوات المسلحة الاميركية. ومن وجهة نظر طهران, فإن الأميركيين يخدمون المصالح الإيرانية في العراق, بعمل الشيء الصحيح (مساعدة الشيعة في تولي مقاليد الحكم), ولكن بطريقة غير مجدية من شأنها استثارة مقاومة عريضة, ولكنها سلمية وعنيفة بحيث تبقيهم هناك, ونتيجة لذلك, فقد أيدت إيران وحدة العراق, مادام العراق ظل ضعيفاً نسبياً, ولم تتخذ أية خطوات لإضعافه., وقد صرح معلق عراقي قائلاً:

"إيران تفضل عراقاً موحداً بدلاً من عدم اليقين الذي يحيط بعراق مُقسم, وكذلك بسبب المشاكل التي قد تتسبب بين مواطنيها من الأكراد والعرب. إنها لا تريد زعزعة استقرار المنطقة. إنها تستطيع أخذ كل ما تريد إذا ظل العراق واحدا ومع ذلك, فإن حسابات طهران ربما تتغير. فإذا وصلت المسألة النووية إلى مرحلة التأزم, وحدث تدخلاً دولياً بشكل ما (بما في ذلك العقوبات), فإن النظام قد يرغب في مقاتلة الولايات المتحدة, وحيث هي في أكثر المواقع انكشافاً, أي في العراق. يضاف إلى ذلك, أن مقاومة سنية متنامية ومستندة إلى قاعدة عربية, ضد نظام تؤيده إيران, قد يخرج عن السيطرة, الأمر الذي يؤدي إلى حرب أهلية شاملة, وتدخل إيراني مباشر, والذي بدوره سوف يؤدي إلى تفتيت العراق. وإذا ما توصلت إيران إلى قناعة بأن الأمر سيكون في صالحها, فقد تشجع حتى على تفتيت العراق, لضمان مصالحها الذاتية في الجنوب العراقي الغني بالنفط, مشرفة على وكلائها في إدارة كيان غالبيته شيعية.

5 انتخابات ديسمبر 2005

أكدت نتيجة انتخابات ديسمبر الهيمنة السياسية للدين والعرق. الفائزون كانوا, هم أنفسهم في بداية السنة, الأحزاب الكردية (التي وإن كانت علمانية إلا أن لها أجندات تركز على أسس عرقية) وائتلاف المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق مع حزب الدعوة وحركة الصدر (إعادة تشكيل للائتلاف العراقي الموحد في المرحلة السابقة) على الجانب الشيعي, وانضمت إليهما الآن من الجانب العربي السني جبهة التوافق الوطني, وهي تجمع لثلاثة أحزاب إسلامية. أما جماهير الوسط أو كتلة العراقيين العلمانيين الذين يعارضون الدور المتنامي للدين ولا يرتاحون إليه فلم يظهر لهم أثر, وكانت نتائج الجماعة المعبرة عنهم بقيادة إياد علاوي (القائمة الوطنية العراقية) هزيلة للغاية (25 مقعداً) بحيث ألقت بظلال من الشك على مدى تأثيرها حتى كتجمع معارضة في البرلمان الجديد. ويقول صحفي عراقي متذكراً: "تغير شيء ما في مزاج الجماهير بعد الانتخابات. جميع أصدقائي العلمانيين أصبحوا يشعرون باليأس والقنوط ويقولون بأنه طالما أن الأغلبية صوتت للائتلاف العراقي الموحد (القائمة 555) فإن العراق يسير نحو الهاوية".

ويبدو أن النتائج قد أظهرت أيضاً أنه, وأياً كانت حالة الضعف التي عانى منها آية الله سيستاني في دوره كسلطة أخلاقية تدعو إلى ضبط النفس إزاء الهجمات العنيفة ضد الشيعة, فإن قدرته, وقدرة كبار علماء الشيعة الآخرين, على توجيه مسار أي انتخابات لم تضعف على الإطلاق. يقال أن السيستاني لم يكن مرتاحاً لأداء السياسيين الشيعة في الحكم, ولذلك هو لم يعلن تأييده لأي قائمة. مع ذلك فقد فهم الكثيرون من أتباعه توصيته بعدم تبديد أصواتهم كمؤشر على أنه يريد منهم التصويت للائتلاف العراقي الموحد,- وهذا ما قاموا به فعلاً وبأعداد هائلة (حصلوا على 128 مقعداً من مجموع مقاعد الجمعية البالغ 278 مقعداً)., حتى العلمانيين الشيعة, فيما يبدو, صوتوا للائتلاف العراقي الموحد وليس للبدائل الأخرى المتاحة مثل إياد علاوي وأحمد الجلبي., وقال دبلوماسي غربي حول ذلك بأن من الجائز جداً أنهم اقترعوا "ضد اختطاف فرصة تاريخية للشيعة".

وحض علماء السنة أتباعهم أيضاً على التوجه لصناديق الاقتراع, وحققوا نتائج ملموسة, ويعتقد بأن معظم السنة الذين رفضوا مقاطعة انتخابات يناير 2005 قد صوتوا للبديل الوحيد المتوفر للائتلاف العراقي الموحد في حينه وهي قائمة إياد علاوي. يبدو أن هؤلاء, ومعهم الكثير من رفاقهم الذين قاطعوا الانتخابات السابقة, قد اقترعوا, هذه المرة, لإحدى القائمتين الرئيسيتين للعرب السنة: جبهة التوافق الوطني ذات القاعدة الدينية بقيادة عدنان الدليمي وطارق الهاشمي (44 مقعداً) والجبهة العراقية للحوار الوطني بقيادة صالح المطلق (11 مقعد). أسهم في الإقبال الجماهيري السني الهائل على الانتخابات حقيقة أن مجموعات المتمردين قد امتنعت عن مهاجمة مراكز الاقتراع بل وفرت لها حماية جيدة أحياناً (وحتى قامت في بعض المراكز بتشجيع الناس على الاقتراع).

الاستنتاج الذي يجب التوصل إليه, تبعاً لذلك, هو أن هذه الانتخابات كان دافعها الانتماء حيث اقترع الناس على أسس دينية, أو, بالنسبة للأكراد والتركمان السنة, على أسس عرقية., وقال عدنان أبو عودة بأن المسألة لم تكن مسألة ديمقراطية بل مسألة رابحين وخاسرين في أوساط الجماعات العراقية الرئيسية - الشيعية والأكراد والعرب السنة. القضايا الرئيسية بالنسبة لهذه الجماعات الثلاث هي: "الثروة والسلطة والهوية, والسؤال البالغ الأهمية هو كيفية تعويض الخاسرين وكبح الطموحات الجشعة للفائزين".

ستؤدي نتائج الانتخابات إلى تعقيد المراجعة الأولى المقررة للدستور. من المحتمل جداً أن تكون صورة عن التحالف الشيعي الكردي الذي أفرزته انتخابات يناير والذي تبين أنه استقطابي للغاية وبالتالي ادعى لعدم الاستقرار.

ورغم أن هناك كلاماً كثيراً وضغوطاً كبيرة, خصوصاً من واشنطن, لتشكيل حكومة وحدة وطنية, فإن الأرقام تتحدث عن نفسها. وهي تشير إلى تشكيل حكومة مكونة من تحالف الائتلاف العراقي الموحد, والاتحاد الوطني الكردستاني, والحزب الديمقراطي الكردستاني على أساس مجموع مقاعدهم البالغة 181 مقعداً مع احتمال انضمام الرساليون, وهي قائمة شيعية صغيرة (مقعدان) وأما قائمة الرافدين (المسيحية الأشورية الكلدانية) أو قائمة مثال الألوسي (ولكل منهما مقعد واحد) لتحقيق أغلبية الثلثين (184 مقعداً) المطلوبة لتثبيتها في مجلس النواب مع بعض المقاعد العربية السنية الرمزية لمحاولة إرضاء المجتمع العراقي والولايات المتحدة على السواء.

هذه هي بالتأكيد الرغبة غير المعلنة للائتلاف العراقي الموحد التي اختارت, في تصويت داخلي في أواسط فبراير 2006 إبراهيم الجعفري لتولي رئاسة الحكومة. ورغم أن من الممكن أن تؤول الأمور إلى نتيجة مختلفة (وينبغي عدم استبعاد احتمال كهذا) فإن الأمر يتطلب مبادرة أمريكية كبرى لإدخال الأحزاب العربية السنية في الحكومة بصورة معقولة. وقد ردد الرئيس جلال طالباني الدعوة لتشكيل حكومة وحدة وطنية ولكنه لم يصر علناً سوى على أن تشمل حكومة كهذه قائمة إياد علاوي., لن يكون هذا, على الأغلب, مقبولاً بالنسبة للعرب السنة الذين يقاتلون بضراوة لتأمين تمثيل أحزابهم في الحكومة. ومن الواضح أن استبعاد العرب السنة سيعمق الهوة الطائفية خصوصاً عند بدء المفاوضات الدستورية. قبل الانتخابات تنبأ سياسي علماني بأنه إذا كان للائتلاف العراقي الموحد أن يفوز "فستكون هناك انقسامات طائفية كبيرة بين المواطنين العراقيين, وربما سيؤدي ذلك إلى تشجيع الإرهاب وقد تنهار البلاد نتيجة لذلك", وهناك آخرون تحدثوا عن "كارثة" تامة., وفي احتفال بالنصر الذي حققه المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق, أوضح رئيس المجلس بصورة مباشرة أنه لن يتم تغيير الدستور وكرر دعوته إلى إقامة منطقة خاصة بالشيعة في جنوب العراق في محاولة للتعويض عن الاختفاء المفاجئ للصوت العلماني, الذي كان الخبراء الاميركيون, في الأيام التي سبقت الانتخابات, واثقين من أنه سينهك القوة الانتخابية للائتلاف العراقي الموحد, ضغطت إدارة بوش بقوة من أجل تشكيل حكومة شاملة., وفي تصريح أدلى به السفير خليل زاد يوم الانتخابات تنبأ بانتخاب جمعية "أكثر تمثيلاً بكثير" من الجمعية السابقة ودعا إلى "حكومة فعالة وذات قاعدة عريضة" إضافة إلى جمعية "ستكون لها فرصة لتعديل الدستور بهدف توسيع قاعدة التأييد لهذه الوثيقة وتحويلا إلى ميثاق وطني", في أعقاب الانتخابات لاحظ خليل زاد بأسى بأنه: "يبدو كما لو أن الناس فضلوا التصويت لهوياتهم الطائفية أو العرقية, ولكن العراق يحتاج لكي ينجح إلى أن يكون هناك تعاون بين الأعراق والطوائف"., وفي مقال نشره لاحقاً في الوول ستريت جورنال أصر خليل زاد على أن الدستور "سيحتاج على الأرجح إلى التعديل خلال السنة القادمة سعياً لتوسيع قاعدة التأييد" مشيراً بشكل خاص إلى الفيدرالية الجنوبية.ثم أكد خليل زاد, في مؤتمر صحافي عقده في بغداد في 20 فبراير ,2006 هذه النقاط وأضاف بأنه لا بد من أن يكون وزراء الداخلية والدفاع ورؤساء أجهزة الاستخبارات الوطنية والأمن القومي "أشخاص غير طائفيين ومقبولين شعبياً ولا علاقة لهم بالميليشيات (ويعملون) من أجل جميع العراقيين". وفي ضوء استثمار الولايات المتحدة "بلايين الدولارات" لبناء قوات الأمن, فقد حذر من "أننا لن نستثمر موارد الشعب الاميركي لبناء قوات يديرها أشخاص طائفيون".

جاء خليل زاد إلى العراق في أغسطس ,2005 وارثاً للسياسة الاميركية القائمة حول الدستور والتي تنص على شمول العرب السنة في إعداد مسودة الدستور دون أن تتحمل مسؤولية أي تأخير في الانتهاء منه. وأدى الضغط الذي مارسه خليل زاد ومسؤولين آخرين في الإدارة إلى التبني الشعبي لوثيقة أصروا فيما بعد على ضرورة تعديلها للتوصل إلى الاتفاق الوطني الذي كانوا قد صحوا به سابقاً لأغراض الدقة. كان خليل زاد قد عكس موقفه في أواخر سبتمبر, وقبل حوالي أسبوعين من الاستفتاء الوطني, عندما أصبح من الواضح أن التهديد بمقاطعة عربية سنية قد يقضي على العملية السياسية ويشعل التمرد. وفي تسوية تم التوصل إليها خلال بضعة أيام تم إعطاء وعد للعرب السنة بإجراء مراجعة مبكرة للدستور إذا وافقوا على المشاركة في الاستفتاء وعلى إجراء انتخابات. وفي الفترة التي سبقت الانتخابات شنت القوات الاميركية غارات على اثنين من السجون التي تديرها وزارة الداخلية الأمر الذي نبه المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق إلى أن تحمل الولايات المتحدة لممارساته قد وصل إلى حدوده القصوى وأرسل إشارة إلى العرب السنة بأنهم لا زالوا مشاركين في اللعبة وبوسعهم الاعتماد على قدر من الدعم الاميركي.,

يعكس تحول خليل زاد -وواشنطن- القلق المتزايد حول النفوذ الإيراني, والخوف من أن الاستبعاد المستمر للعرب السنة قد يؤدي إلى تقسيم البلاد. جاء الإدراك متأخراً ولكن موضع ترحيب. ومع ذلك, شارك السياسيون العرب السنة في الانتخابات لهدف محدد هو إنقاذ دور جماعتهم عن طريق مراجعة الدستور, غير أن هؤلاء القادة أنفسهم, وللأسف, والعديد من السنة العرب بشكل عام, كانت لديهم أفكار متفائلة حول الأرقام الخاصة بهم تراوحت بين 35 بالمائة إلى أغلبية مطلقة وتوقعوا أن تؤكد نتيجة الانتخابات ذلك. بدلاً من ذلك أظهرت النتائج ما كان على الأرجح الحجم الحقيقي لأرقامهم: حوالي 20بالمائة., قد يحتاج هذا المجتمع العربي السني جيلاً أو أكثر للتكيف مع وضعه الجديد, أما الآن فعليه الاعتماد على الروافع الثلاث المتبقية له وهي: العنف, والسيطرة على مصادر المياه, وللمفارقة, الدعم النسبي من قبل واشنطن.

الولايات المتحدة تواجه ضغوطاً داخلية لسحب قواتها قبل حلول موعد الانتخابات النصفية للكونغرس في نوفمبر ,2006 إلا أن لديها مصلحة كبيرة في إرساء الاستقرار في العراق قبل أن تقدم على أي تخفيض جوهري في عدد قواتها. ومع افتراض أن القيام بذلك لا يزال ممكناً فالأمر يتطلب تطمين كل الجماعات بأن مصالحها الجوهرية ستبقى محمية.

5 الخلاصة

أطلقت التطورات في عام 2005 موجة من الهجمات الطائفية وأعادت إطلاق أسئلة هامة حول الهوية والولاء والحاكمية السياسية بمصطلحات طائفية. وقال مسؤول حكومي عراقي أن الطائفية قبل عام 2005 "كانت بركاناً خامداً, والآن ثار هذا البركان والسؤال هو ما إذا كان قد خرج عن السيطرة وما مدى الضرر الذي سيُلحقه", السؤال الهام اليوم هو ما الذي يمكن عمله لمنع حرب قذرة تخوضها عناصر طائفية من التطور إلى حرب أهلية شاملة? وفي ذلك اكد موفق الربيعي قائلا: "إنك لا تنزلق في حرب أهلية بين عشية وضحاها. لا تذهب إلى النوم وتصحو صباح اليوم التالي فتجد حرباً أهلية مشتعلة الاوزار. الحرب الأهلية تزحف متقدمة بمكر وبطرق في غاية البراعة, ويتعين علينا أن نستشعر بوادرها الأولية". وقال مستشار الأمن القومي أن الخطوة الأولى في هذا الاتجاه هو تأمين بغداد "لأنه إذا كان لحرب طائفية أن تقع فإنها ستبدأ من هناك".

بيد أن الحلول الأمنية, وإن كانت ضرورية, لن تكفي. وكما يقول المحرر الصحفي إسماعيل الزاير: "يتعين علينا أن نأخذ في الحسبان مخاوف بعضنا ويجب ألا نستثني أحداً. ليس بوسعنا جعل السنة يشعرون بأنهم خاسرون". دون توافق كهذا يصبح من الممكن لحرب أهلية تشعلها أحزاب لها أجندات طائفية أن تؤدي إلى تفتيت البلاد عندما يشرع الأكراد والعرب السنة والشيعة في تصعيد حركة تبادل السكان والانكفاء إلى المناطق التي يتمتعون فيها بوجود أقوى وبذلك يؤسسون مناطق عرقية وطائفية (نقية) تتحول, عند انهيار الدولة المركزية, إلى دول مستقلة. وليس من المحتمل أن يتم تقسيم كهذا بصورة سلمية, بل الواقع أنه سيتم على حساب خسائر بشرية هائلة في ضوء وجود مناطق عديدة مختلطة سكانياً بما في ذلك المدن الكبرى الثلاث, وأيضاً في ضوء طموحات الأكراد والشيعة في توسيع وجودهم إلى مناطق يشكلون أقلية فيها. كما أن اضطرابات كهذه ستشكل خطراً جدياً على مجموعات الأقليات الصغيرة العديدة التي عاشت حتى الآن في ظل سلام نسبي, وإذا ما تمت دعوة جهات خارجية للتدخل فسيتحول الأمر إلى نزاع إقليمي أوسع نطاقاً.

بدلاً من التنبؤ بزوال العراق ينبغي اتخاذ خطوات عاجلة لمنع نتيجة كهذه. ليس من مصلحة السنة ولا الشيعة أن ينهار العراق والتصور العام التالي قد يشكل أساساً لاتفاق. النزاع الرئيسي يخص السيطرة على النفط والعائدات من مبيعاته, وفي ضوء حالة عدم اليقين الحالية والصراع بين القوى الاجتماعية والسياسية في ما هو بصورة أساسية حالة فراغ أمني فإن مسألة النفط تصبح شديدة الحساسية وسبباً للخلافات مع ما يصاحب ذلك من خطورة على وحدة البلاد.

عند إعادة مناقشة الدستور, يتعين على الجماعات الرئيسية في العراق وبتوجيه من الولايات المتحدة أن تتفاوض حول معادلة جديدة لتوزيع عائدات النفط, تقوم بموجبها الحكومة المركزية, وبتدقيق من جهة إشرافية مستقلة, بتخصيص الدخل من النفط بصورة عادلة بين المحافظات. ويتعين عليهم أيضاً إعادة تعريف الفيدرالية حسب انطباقها على المناطق العربية بأن تكون لا مركزية حتى مستوى المحافظات وذلك لمنع نشوء مناطق تحوي عدة محافظات تملك المنطقة منها حقول نفط وغاز كبيرة أو مناطق ليس لديها شيء من ذلك.

يتعين اتخاذ خطوات أخرى لمنع نشوب حرب أهلية والانهيار الذي يكاد يكون من المؤكد أنه سيترتب عليها. الخطوة الرئيسية الأولى هي تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم قادة الأحزاب الرئيسية التي يتكون منها الطيف السياسي بكامله وتقسيم ما يسمى الوزارات السيادية (الدفاع والداخلية والخارجية) إضافة لوزارة المالية والتخطيط والنفط بينهم بعدالة. وإذا ما تم انتخاب كردي كرئيس للجمهورية, كما هو محتمل, وأعطي للشيعة تسمية رئيس الوزراء الجديد, فمن المنطق تخصيص منصب رئيس البرلمان ووزارة الدفاع أو وزارة الداخلية للقادة العرب السنة (وبصورة رئيسية لقادة جبهة التوافق الوطني التي حصلت على أعلى الأصوات). من شأن ذلك المساعدة في تهدئة مخاوف السنة من حرمانهم مؤسسياً في النظام الجديد ومن شأن ذلك بالتالي المساعدة في منع وقوع حرب أهلية. ويتعين على الولايات المتحدة أن توضح بجلاء لقادة الشيعة والأكراد أن استمرار دعمها المالي والعسكري سيعتمد على مدى رغبتهم في الموافقة على الاقتراحات المعقولة التي قد يقدمها قادة العرب السنة لتشكيل حكومة ذات قاعدة واسعة وتحويل الدستور ليصبح ميثاقاً وطنياً حقيقياً. كما يتعين على الولايات المتحدة أيضاً أن توضح بجلاء لقادة السنة العرب بأنه لن يكون لهم خيارات تذكر سوى مواصلة تأييد حكومة جديدة بقيادة شيعية - كردية إذا تبين أن اقتراحاتهم غير واقعية وظلت مواقفهم متصلبة.

يتعين على الحكومة الجديدة بذل كل جهد لمواجهة الاحتياجات الأكثر إلحاحاً والتي لا زالت: الأمن, واحترام سيادة القانون وتشغيل العاطلين عن العمل وتأمين الاحتياجات الأساسية مثل الكهرباء والوقود. ويتعين عليها أيضاً نبذ تلك العادة القبيحة التي تجعل التوظيف في الوزارات على أساس الولاء الحزبي وليس الكفاءة التكنوقراطية. كما يتعين عليها أن تجعل من أولوياتها السيطرة على الميليشيات تمهيداً لحلها فيما بعد, والتركيز عوضاً عن ذلك على بناء أجهزة أمنية موحدة بما في ذلك جيش وطني يقوم فيه ضباط مؤهلون ذوي سجلات نظيفة ومن جميع الخلفيات العرقية والطائفية بدورهم الذي هو حق تام لهم. تحقيقاً لهذه الغاية, يتعين على الحكومة إنشاء جهاز إشرافي مستقل يعيد مراجعة عملية بناء قوات الأمن ويعلن عن مدى التقدم الذي يحرزه في هذا المجال. أخيراً, وفي مجال تصفية حزب البعث يتعين على الحكومة التأكد من الحكم على الأعضاء السابقين في حزب البحث من خلال سلوكياتهم السابقة وليس على أساس هويتهم العرقية أو الطائفية.

كما يتعين على المجتمع الدولي أن يشجع مقاربة كهذه ويحث على التعبئة غير الطائفية وبناء المؤسسات وذلك عن طريق توجيه المساعدات المالية للمبادرات غير الطائفية وفرض مقاطعة معلنة على الحاكمية الطائفية عن طريق وقف المساعدات للقطاعات التي لا تلتزم بذلك. وربط المساعدات بالشفافية وقابلة الخضوع للمحاسبة ودعم البرامج التي تعلي من شأن هذه المبادئ وبذلك تعمل على عدم تشجيع الفساد والمحسوبية. أخيراً يتعين على المجتمع الدولي تأييد عقد مؤتمر مصالحة وطنية ذو قاعدة واسعة وفقاً لما تقرر في مؤتمر القاهرة الذي تم عقده في نوفمبر 2005 وذلك بتشجيع حضور ممثلين من جميع التيارات السياسية. في الوقت نفسه, وتحسباً لما هو أسوأ, يتعين على المجتمع الدولي, ومهما كان الجهد الذي يبذله لعدم الوصول إلى هذا السيناريو المفزع, أن يشرع في إجراء محادثات خاصة حول ما الذي يجب فعله في حالة سقوط العراق في أتون حرب أهلية. بحث هذا الموضوع ظل, حتى الآن, محرماً لأسباب يمكن فهمها. بيد أن الاحتمالات حقيقية للغاية وعواقب عدم الاستعداد كبيرة بحيث يصعب تجاهل مثل هذا السيناريو.

الولايات المتحدة, من جانبها, يتعين عليها الاستمرار في بناء قوات الأمن العراقية مع التأكد من أن الجماعات العراقية كلها مشمولة في ذلك وأن أفرادها يتم توزيعهم بعدالة في مختلف مراتب قوات الأمن وبين المحافظات, ويتعين عليها أيضاً أن تشرك جيران العراق, بمن فيهم إيران, في البحث في كيفية التوصل إلى وضع مستقر.

رأى البعض أن مشروع إدارة بوش لبناء الأمم قد فشل فعلاً, وثمة بوادر حرب أهلية, بينما انسحب الأكراد إلى مناطقهم فعلياً, وانفصمت عرى الثقة نهائياً بين السنة والشيعة. في وضع كهذا قد يكون من الأفضل إتاحة الفرصة للجماعات الثلاث لكي تذهب كل في سبيلها. ومع أنه من الممكن تفهم مثل هذا التشاؤم, إلا أنه ليس مبرراً حتى الآن, فعواقب نتيجة كهذه قد تكون خطيرة للغاية ومدعاة لاضطرابات كثيرة, ولا زال هناك وقت لقادة العراق للدخول في ميثاق وطني حقيقي. بيد أنهم, لكي يحققوا ذلك, سيحتاجون لكل المساعدات والضغوطات التي يستطيع المجتمع الدولي ممارستها.

الخارطة السياسية العراقية:

حزب البعث, وهو الحزب الحاكم, في العراق, 1968-2003

فيلق بدر, وهو ميليشيا مسلحة تابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق.

تنظيم بدر, وهو اسم فيلق بدر في الفترة اللاحقة لعام 2003.

سلطة التحالف المؤقتة, وهي الإدارة العراقية بقيادة الولايات المتحدة.

حزب الدعوة الإسلامية, وهو حزب إسلامي شيعي منذ أواخر حقبة الخمسينيات من القرن الماضي, وقد تجزأ إلى عدة أحزاب, حيث يرأس الحزب الرئيسي حالياً إبراهيم الجعفري, رئيس الوزراء.

حزب الدعوة - تنظيم العراق, وهو أحد الجماعات المتفرعة من حزب الدعوة, ويرأسه عبد الكريم العنيزي.

حزب الفضيلة, وهو حزب إسلامي شيعي يرأسه نديم الجابري.

جبهة التوافق الوطنية وهو ائتلاف من الأحزاب العربية السنية, ويشمل الحزب الإسلامي العراق, ويرأسه عدنان الدليمي.

الحزب الشيوعي العراقي, وهو حزب علماني يرأسه حامد ماجد موسى.

لجنة الانتخابات المستقلة في العراق وهي وكالة عراقية مستقلة مكلفة بتنظيم الانتخابات والإشراف عليها.

الحزب الإسلامي العراقي وهو حزب إسلامي سني, والمظهر السياسي للإخوان المسلمين في العراق, ويرأسه طارق الهاشمي.

الحرب الوطني العراقي , وهو الجيش العراقي الحديث.

الجبهة العراقية للحوار الوطني, وهي ائتلاف عربي سني يرأسه صالح المطلق.

القائمة العراقية, وهو تحالف يتكون في معظمه من أحزاب علمانية, ويرأسه إياد علاوي

الوفاق الوطني العراقي, وهو حزب علماني يرأسه إياد علاوي, رئيس الوزراء في عام 2004 .

المؤتمر الوطني العراقي, وهو حزب علماني يرأسه أحمد الجلبي.

المؤتمر التأسيسي الوطني العراقي, وهو تحالف معارض يتكون من أحزاب علمانية, ويرأسه كل من جواد الخالصي ووميض نظمي.

قائمة ميذال الألوسي للأمة العراقية, وهي حزب علماني صغير يرأسه ميذال الألوسي.

الجبهة التركمانية العراقية, وهو تحالف يتكون من أحزاب تركمانية صغيرة.

الحزب الديمقراطي الكردستاني وهو حزب قومي كردي علماني يرأسه مسعود البرزاني, رئيس إقليم كردستان.

حكومة كردستان الإقليمية وهي الحكومة الكردية الإقليمية في إربيل.

قائمة التحالف الكردستاني, وهي تحالف مكون من أحزاب كردية, ومن ضمنها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.

التحالف الكردستاني, وهو تحالف يتكون من أحزاب كردية, من ضمنها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني وهو حزب إسلامي سني والمظهر السياسي للإخوان المسلمين في كردستان العراق, ويرأسه صلاح الدين بهاء الدين.

جيش المهدي, وهو ميليشيا حركة الصدر.

هيئة علماء المسلمين (ؤ) وهي تنظيم سياسي عربي سني.

الحزب الديمقراطي الوطني, وهو حزب علماني صغير يرأسه نصير تشادرجي.

القائمة العراقية الوطنية, وهي تحالف يتكون في معظمه من أحزاب وشخصيات علمانية, ويضم الوفاق الوطني العراقي والحزب الشيوعي العراقي, ويرأسه إياد علاوي, رئيس الوزراء في عام 2004.

جيش أنصار السنة, وهو جماعة متمردة.

الاتحاد الوطني الكردستاني وهو حزب قومي كردي علماني يرأسه جلال طالباني, الرئيس العراقي.

تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين, وهو جماعة متمردة يرأسها أبو مصعب الزرقاوي.

قائمة الرافدين (أي بلاد الرافدين, أو العراق), وهي تحالف أشوري - كلداني (مسيحي) صغير, يرأسه يونادام كَنا.

كتلة المصالحة والتحرير, وهي حزب عربي سني صغير يرأسه مشعان الجبوري.

الرساليون, وهو حزب إسلامي شيعي صغير منشق عن حركة الصدر.

حركة الصدر, وهي حركة سياسية إسلامية شيعية يرأسها مقتدى الصدر.

المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق, وهو حزب إسلامي شيعي يرأسه عبد العزيز الحكيم.

الائتلاف العراقي الموحد وهو تحالف يضمً عدداً من الأحزاب الإسلامية الشيعية, من بينها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق والدعوة وحركة الصدر وحزب الفضيلة, وكذلك بعض المستقلين (بمن فيهم أنصار آية الله علي السيستاني).

الحركة اليزيدية للإصلاح والتقدم, وهو حزب يزيدي.

توزيع المقاعد بعد انتخابات ديسمبر 2005

الائتلاف العراقي الموحد128

التحالف الكردستاني 53

جبهة التوافق الوطنية44

القائمة العراقية الوطنية 25

الجبهة العراقية للحوار الوطني 11

الاتحاد الإسلامي الكردستاني 5

كتلة المصالحة والتحرير 3

الرساليون 2

الجبهة التركمانية العراقية 1

قائمة الرافدين 1

قائمة ميذال الألوسي للأمة العراقية 1

الحركة اليزيدية للإصلاح والتقدم 1

المجموع 275